موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مثل هذا اليوم، قبل عامٍ مضى، أطلّ البابا الراحل فرنسيس من شرفة كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان وبدا آنذاك كمن يلقي تحية الوداع للمرة الأخيرة. أطلّ بوجهه المتعب وفي مقلتيه أغرورقت دموع الاشتياق. نظر إلى الجموع المحتشدة في ساحة الفاتيكان المنتظرة البركة الفصحية لمدينة روما وللعالم Urbi et Orbi وهتف بعفوية قلبه المُحب: "فصح مجيد". لكنّ أنفاسه المثقلة خانته، فأودع كلماته شفتي المطران دييغو رافيلي، أمين احتفالاته الليتورجية، ليتلوها عنه.
ثم بسط يده.. تلك اليد التي طالما باركت ولوحت للجموع ومنح البركة الحبرية المهيبة بالغفران الكامل كما جرت العادة، فمرّت هادئة كالنسمة، لكنها كانت مثقلة بمعانٍ عميقة اختبأت وراء جسدٍ منهك وروحٍ مفعمة بالرجاء. وما لبث أن خالف المألوف، فنزل إلى ساحة القديس بطرس في جولة لم تكن مرتبة من قبل، يزرع ابتسامته بين الوجوه، ويصافح الأيدي الممتدة، مبتسمًا للأطفال رغم آلامه، كراعٍ يطبع قبلة وداعٍ أخيرة على جبين رعيته.
لن ينسى التاريخ هذا المشهد الأبوي: جموع حاشدة تطوّق السيارة البيضاء التي تحمل رأس الكنيسة آنذاك وحواليها كطوقِ عدسات المصورين منأهبةً، علّها تحظى بصورة تٌطبع على منديل الزمن كتلك التي طُبعت يومًا على منديل فيرونيكا القديسة! لن ينسى الأطفال صورة الطفلين اللذين باركهما البابا وكأنهما يمثلان أطفال الأرض جمعاء!
اليوم نستذكر حبرية البابا فرنسيس والتي كانت نشيدًا للرحمة على الأرض، حيث رسم لنفسه فسيفساء فريدة، حجارتها المحبة والعطاء والسلام، ومنها عُرف بلقب "بابا السلام" حيث عاش مناديًا بالأخوة الإنسانية التي ما لبثت وأن أصبحت دليلاً للإنسانية جمعاء. وأيضًا ناداه الشعب بـ"بابا الفقراء" حين اختار أن يسكن بيتًا متواضعًا، تاركًا خلفه القصور.. هو من أمضى سني حبريته حاملاً همّ المهمّشين والفقراء فأضحى صوتهم صرخةً في ضمير العالم. اثنتا عشرة سنة أمضاها فرنسيس الراحل في خدمة القطيع، لم يملّ فيها من تكرار كلمات طرقت أبواب الإنسانية بقوة الرجاء: "لا للحرب"، و"نعم للإنسان".
في مثل هذا اليوم من عام الرجاء المنصرم، كان الطواف الأخير للبابا فرنسيس.. فما هي إلا تسع عشرة ساعة، حتى انقلب وجه الزمن. ففي صباح اثنين الفصح الذي صادف يوم 21 نيسان 2025، أسلم البابا الراحل الروح بهدوء وسكينة في بيت القديسة مرتا، كما عاش: بسيطًا، قريبًا، بلا ضجيج.
رحل في عام اليوبيل، عام الرجاء الذي دعا إليه ولم يكمل مسيرته، وكأن السماء أرادت أن تكتمل الدائرة، وأن يختم حجّه الأرضي في سنة الغفران التي بشّر بها. صمتَ الجرس الحزين في الفاتيكان، وبكت روما راعيها الأمين ومعها بكى المؤمنون ومحبو البابا الراحل في العالم أجمع ...روما التي علّمها خليفة بطرس أن تكون "مستشفى ميدانيًا" للمتألمين.
حين نعود بذاكرتنا إلى فصحِ ذلك اليوم، نراه مثقلاً بدمع مؤجّل: كان وداعًا صامتًا، وحضورًا أخيرًا لراعٍ آثر أن يكون بين خرافه حتى الرمق الأخير، تاركًا للكنيسة إرثًا من المحبة، وللعالم تساؤلاً معلّقًا: هل ستنتصر المحبة والأخوّة ويعود السلام من جديد؟
ولكن المسيرة لا تتوقف، فيتصاعد الدخان الأبيض في سماء روما في ذات العام، ويأتي البابا لاون الرابع عشر، خليفةً جديدًا للقديس بطرس. يأتي ليكمل درب السلام والرجاء والإيمان. جاء على خطى سلفه حاملاً إرث فرنسيس وسائرًا على نهجه.
اليوم.. يسترجع المصورون ما لقطته عدساتهم العام الماضي، وعيونهم تفتقد الإبتسامة الودية والإطلالة الوديعة للبابا الراحل، وقد شاءت العناية الربانية أن تكون هذه اللقطات في ساحة الفاتيكان آخر شاهد لبابا الفقراء على هذه الأرض!
اليوم.. نخاطب البابا الراحل فرنسيس ونلتمس منه أن يتشفّع لعالمنا المثقل بالجروح والحروب طالبين الرحمة والمغفرة لقلوب تفيض شرًا وكراهية.. اليوم نقول للبابا الراحل فرنسيس: لا تزال أروقة روما الخالدة تصدح بصدى صوتك الدافىء الذي نادى بالسلام والمحبة والإنسانية!
في زمن الفصح المجيد.. باركنا من عليائك!
المسيح قام حقًا قام!