موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢١ يوليو / تموز ٢٠٢٦

من تراب الأرض إلى بهاء الأبديّة

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
من تراب الأرض إلى بهاء الأبديّة

من تراب الأرض إلى بهاء الأبديّة

 

حين نتأمّل تاريخ البشريّة، ندرك أنّ أجمل ما صنعه الإنسان لم يكن يومًا امتدادًا مباشرًا لظروفه الماديّة، بل كان تعبيرًا عن توقه العميق إلى تجاوز المحدودية الأرضية والالتقاء بالخالق. ففي المسيحيّة، لا يُنظر إلى الكنيسة أو الهيكل كمجرّد حجر ومبنى، بل كمكان مخصص لعبادة الله، ورمز مرئي للشركة بين المؤمنين الذين تجمعهم المحبة والإيمان بشخص المسيح.

 

فاليد التي ترفع الحجر وتخطّ النقش في بناء الكاتدرائيات والبيوت المقدّسة، إنّما تعبّر عن إنسانٍ جُبل على صورة الله ومثاله، ويحمل في داخله شوقًا لا تلبيه حدود العالم الحاضر. وكما يرى القديس أوغسطينُس في اعترافاته، فإنّ قلب الإنسان يظلّ مضطربًا ولا يهدأ حتى يستريح في الله؛ ولذلك يأتي بناء الكنيسة ليترجم هذا التوق الروحيّ إلى واقع محسوس للعبادة المشتركة. إنسان يعيش في بيتٍ ضيّق وسقف منخفض، لكنّه يشارك بجهده ووقته في تشييد مكان يليق بالصلاة وتسبيح الله، عالمًا أنّ » لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ ٱلْعَتِيدَةَ» (عبرانيين 14:13).

 

إن هذا التناقض الظاهريّ بين ضيق العيش وسعة الأبنية هو في حقيقته انعكاسٌ لطبيعة الكائن البشريّ الذي خلقه الله بنفخة حياة. فالبيوت تمنحه الدفء الجسديّ المؤقّت، أمّا الكنيسة فتمنحه مساحة للتأمل والشركة المجتمعية ورفع الصلوات،  متذكّرًا أن خبز الحياة الحقيقي وكلمة الله الممنوحة في الكتاب المقدّس هي وحدها التي تشبع الروح. وكما يوضّح الأب باسيليوس الكبير، فإنّ الجسد قد يحتمل قسوة الزمان وضيق المكان، لكنّ الروح التي لامست نفخة الخالق ترفض أن تعيش في سجن اليأس، وهي بحاجة دائمًا إلى واحة روحية تطلّ على اللانهائي وترفعها عن هموم الأرض.

 

من هذا المنظور، تصبح الكنيسة (بمعناها الجماعي والمكاني) فضاءً للشركة المقدّسة والتعزية الروحية، وليست مصدرًا للشفاء أو الخلاص. وحين يقف المؤمن تحت قبّة كاتدرائيّة بيزنطية شاخصة أو أمام نوافذ الزجاج الملون الذي يتسرّب منها النور كصلواتٍ صامتة، يشعر بأنّ ضعفه البشريّ قد غطته نعمة الفادي الذي غفر خطاياه بالإيمان بعمل يسوع الفدائي على الصليب. وكما يقرّر القديس أثناسيوس الرسولي في تعليمه عن تجسّد الكلمة، فإن الله قد أعلن محبته للبشر بتجسده، وأنّ المادة نفسها قد نالت كرامة عظيمة حينما اتخذها مسكنًا له. وحين يرفع المؤمن عينيه إلى أيقونة «المسيح ضابط الكل» (البنتوكراور) يدرك محبة المسيح الحاضر في وسط المؤمنين باعتباره الرأس وهم الأعضاء في جسده الحيّ.

 

ولا تقتصر فائدة هذه الأبنية على الفرد، بل تمتّد إلى الجماعة المقدسة (الكنيسة الجامعة). فالمعبد المسيحي هو الفضاء الذي تتجسّد فيه وحدة الجسد الواحد (أي شعب الرب)؛ حيث يجتمعون في ذاكرة إيمانية مشتركة، متوحدين في تسبيح الله والتأمل في كلمة الإنجيل المعزيّة. وكما يكتب القديس غريغوريوس النيصيّ، فإن الهيكل الأرضي هو مدرسة للتعليم السماوي، يرتشف المؤمنون من أثاثه وألحانه ورسوماته عربون الملكوت الآتي.

 

ومن منظور لاهوتيّ وفلسفيّ، تُعتبر هذه الأبنية شاهدًا ماديًا على الثبات والرجاء المسيحي. فالبيوت الزمنيّة تتداعى، أمّا الكنائس فتُشيّد لتدوم كشاهدٍ على رجاء القيامة والأبدية الذي نلناه بيسوع المسيح. الإنسان المسيحي يعرف أنه فانٍ بحسب الجسد، لكنه يمتلك رجاءً حافلًا بالحياة الأبدية الممنوحة مجانًا بالإيمان بالمخلّص، وحين يُشيّد بيتًا لاسم الله، فهو يعبّر عن رغبته في تكريس الجهد لخدمة الخالق ومجده، متذكرًا قول القديس بولس الرسول: « أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ ٱللهِ، وَرُوحُ ٱللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟» (1 كورنثوس 16:3)، مشيرًا إلى أنّ المؤمنين أنفسهم هم هيكل الله الحيّ.

 

وهكذا، فإن الإنسان وهو ينحت حجر الكنيسة، كان يعبّر عن وفائه لإيمانه ويعيد اكتشاف هويته الحقيقية كابن لله، لا ليشتري خلاصه بأعماله – إذ الخلاص هو عطيّة الله المجانيّة بيسوع المسيح وحده – بل ليعيش إيمانًا عمليًا، وليصنع فضاءً للوقار والرهبة المقدّسة أمام جلال الله.

 

 

 

مراجع للقراءة:

أوغسطينُس أسقف هيبّون. الاعترافات. نقلها إلى العربية: الخورأسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، 2012.

القديس أثناسيوس الرسولي. تجسّد الكلمة. نقله إلى العربية: القس مرقس داود، دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية بالقاهرة، 1978.

القديس باسيليوس الكبير. تعاليم آبائية. الجزء الأول، ترجمه عن اليونانية: د. جورج عوض إبراهيم، مؤسسة القديس أنطونيوس، مصر الجديدة، 2016.

رسائل غريغوريوس النيصيّ (335-394؟). تعريب: الأب حنا الفاخوري، المكتبة البولسية، جونية، 2004.