موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣١ مارس / آذار ٢٠٢٦

مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة (3)

بقلم :
د. أشرف ناجح عبد الملاك - كولومبيا
مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة

مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة

 

المرحلةُ العاشرة: يسوعُ يُعرَّى من ثيابه

 

«وأَمَّا الجُنود فبَعدَما صَلَبوا يسوع أَخذوا ثِيابَه وجَعلوها أَربَعَ حِصَص، لِكُلِّ جُندِيٍّ حِصَّة. وأَخَذوا القَميصَ أَيضًا وكانَ غَيرَ مَخيط، مَنسوجًا كُلُّه مِن أَعلاهُ إِلى أَسفَلِه. فقالَ بَعضُهم لِبَعض: "لا نَشُقَّه، بل نَقتَرِعُ علَيه، فنَرى لِمَن يَكون". فتَمَّتِ الآية: "إقتَسَموا ثِيابي وعلى لِباسي ٱقتَرعوا". فهٰذا ما فَعَلَه الجُنود» (يوحنّا 19: 23-24).

 

إنَّ المراحل أو المحطّات الخمسة المتبقّية من دَرْب الصليب، كلّها أفعالٌ قد وَقَعَت ليسوع الناصريّ، ومرتبطةٌ من كثبٍ بالنهاية المأسويّة المتعلّقة بعمليّة الصَّلْب: التعرية، والتسمير، والموت، والإنزال، والدفن. فترتبط هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، التي لها سندٌ تاريخيّ وكتابيّ، بـ"تعرية" يسوع. ويمكننا أن نتأمّل في هذه المرحلة أو المحطّة، انطلاقًا من (يوحنّا 19: 23-24)، على أكثر من أمرٍ: فعلى سبيل المثال، مسألة "ملابس" يسوع، من حيث فكرتها وربطها بنصوصٍ من العهد القديم، بدايةً من سفر التكوين؛ وتقسيمها وشقّها إلى أربعة أجزاء أو حِصَص، التي قد تشير بدورها إلى جهات الأرض الأربعة؛ والقميص "غَير المَخيّط" و"المَنسوج"، الذي قد يعني وَحدةَ الكنيسة التي حقّقها يسوع، بالرغم من الأحداث والحوادث التاريخيّة المؤلِمة التي مزّقت هذه الوحدة. ولكنّنا نودّ التركيز على أمر "تعرية" يسوع، وإبقائه من دون ملابس. وبكلماتٍ أُخرى، إنّ ما يشدّنا أكثر في هذه المرحلة أو المحطّة، هو قضيّة "يسوع المتعرّي" وما تحمله من مَغْزى عميقٍ متعلّق بحرّيّته في الانسلاخ والتخلّي والتجرّد. إنّه استكمالٌ لخلع ملابسه في العشاء الأخير أيضًا.

 

أجل، لقد انسلخ يسوعُ الناصريّ –بحرّيّةٍ تامّة– عن كلّ شيء، حتّى عن ملابسه. إنّ هذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليبه، لهي –جوهريًّا– امتدادٌ لمسيرة الانسلاخ والتخلّي والتجرّد، التي بدأت منذ "تجسُّد اللوغُس"، مرورًا بـ"يسوع المتعرّي المصلوب"، وصولًا إلى "المسيح المائت والمدفون" بقبره. إنّ الإله المتجسّد، الذي اختبر فِعْل الانسلاخ والتخلّي والتجرّد منذ عمليّة خَلْقه للإنسان، نراه الآن يُعرَّى وينسلخ ويتخلّى ويتجرّد من ملابسه؛ وهذا الفِعْل ليس إلَّا الجانب الخارجيّ والظاهريّ لعمليّة الانسلاخ الباطنيّة العميقة: «هو الَّذي في صُورَةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة، بل تَجَرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد، وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان. فَوَضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت، مَوتِ الصَّليب» (فيلبّي 2: 6-8). ولكن، لماذا هذا كلّه؟

 

لقد قام بهذا كلّه حتّى يضع علينا لِباسَ الكرامة والعزّة والبنوّة. فإنّه بتعريته قد كسانا، وبمذلّته قد كرّمنا، وبتخلّيه قد رفعنا ومجّدنا. فلا شكّ أنّه في التخلّي تجلّي! إنّها مفارقةٌ أُخرى من مفارقات دَرْب صليبه، إذ إنّه في تخلّيه قد تجلَّى هو، له ولنا. وانطلاقًا من هذا كلّه، يجدر بنا التعمُّق –بالقول والفِعْل– في هذه الكلمات الرائعة: «أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أفتَخِرَ إِلَّا بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم» (غلاطية 6: 14).

 

 

المرحلةُ الحادية عشرة: يسوعُ يُسمَّر على الصليب

 

«ولمَّا وَصَلوا إِلى المَكانِ المَعروفِ بالجُمجُمة، صَلَبوهُ فيهِ والمُجرِمَيْن، أَحَدُهما عنِ اليَمينِ والآخَرُ عَنِ الشِّمال. فقالَ يسوع: "يا أَبَتِ ٱغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون". ثُمَّ اقتَسموا ثِيابَه مُقتَرِعينَ علَيها. ووقَفَ الشَّعْبُ هُناكَ يَنظُر، والرُّؤَساءُ يَهزَأُونَ فيقولون: "خَلَّصَ غَيرَهُ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَه، إِن كانَ مَسيحَ اللهِ المُختار!". وسَخِرَ مِنه الجُنودُ أَيضًا، فدَنَوا وقرَّبوا إِلَيه خَلًّا وقالوا: "إِن كُنتَ مَلِكَ اليَهود فخَلِّصْ نَفْسَكَ!"» (لوقا 23: 33-37).

 

إنَّ هذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليب يسوع الناصريّ، مرتبطةٌ بعمليّة الصَّلْب ذاتها، وخاصّةً بمسألة تسمير يَدَيه ورِجلَيه، واقتسام ثِيابَه. وهي تذكّرنا مباشرةً بكلمات أحد المزامير المعروفة: «كِلابٌ كَثيرةٌ أَحاطَت بي، زُمرَةٌ مِنَ الأَشْرارِ أَحدَقَت بي. ثَقَبوا يَدَيَّ ورِجلَيَّ. وأَحصَوا كُلَّ عِظامي، وهم يَنظُرونَ ويَرَونَني. يَقتَسِمونَ بَينَهم ثِيابي، ويَقتَرِعونَ على لِباسي» (مزمور 22: 17-19). إنّ عمليّة تسمير يَدَي ورِجلَي يسوع في حدّ ذاتها، لهي أمرٌ مؤلِم ومنهِك للغاية، إذ ليس لها تبعيّات على جسده ونفسه وقدراته الجسمانيّة والسيكولوجيّة فحسب، وإنّما فيها اختبارٌ قاسٍ لمدى أمانته وصُمُوده ومواصلته لدَرْبه حتّى النهاية. أجل، فهذه المرحلة أو المحطّة من دَرْب صليبه، لا تُؤذِي بشدةٍ جسده ونفسه وأعصابه وأعضاءه، وإنّما تضعه أمام اختبار الأمانة لقراراته واختياراته حتّى النهاية، أي حتّى الموت.

 

بالإضافة إلى طَلَبِ الناصريّ من أبيه بشأن "الغُفْران" لصاليبه، يتعلّق الأمر بموقفٍ آخر، بل بالأحرى بوجهٍ آخر للمسيح المصلوب، وهو "المسيح المسمَّر والمعلَّق والمربوط" بصليبه وفي صليبه، أي بقراراته واختياراته التي اتّخذها من قَبْل، وقد ظلّ أمينًا لها وفيها –بحسمٍ وحزمٍ شديدين– حتّى النهاية. وتَظهر هنا قوّةُ الارتباط والتعلُّق بما تعهّد به لله أبيه، وللبشريّة جمعاء، أي المضيّ قُدمًا في رسالته، مهما كان الأمر مكلّفًا ومنهِكًا، وبالرغم من سُخريّة واستهزاء الشَّعْب ورؤَساء الكهنة والجُنود، وخَلْفهم الشيطان الذي عاد ليجرّبه من جديدٍ (لوقا 4: 1-13؛ 23: 33-37): «فلَمَّا أَنْهى إِبليسُ جَميعَ ما عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت» (لوقا 4: 13). لقد بلغت قوّةُ إرادته وأمانته ومثابرته، بعَوْنٍ من قوّة النعمة، إلى ذُروتها في تسمير يَدَيه ورِجلَيه. لقد عَقَدَ المسيحُ العَزم –بإصرارٍ وحسمٍ وحزمٍ– لتَجرُّع كَأْسه برمّتها، ومواصلة مجازفته إلى نهايتها. إنّه ليس مسيحَ البدايات فحسب، بل مسيح النهايات والقِمْم والذُروة والحسم والحزم.

 

يمكننا أن نتأمّل في هذه المرحلة أو المحطّة، انطلاقًا من "المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، في خبرات الربط والارتباط والتعلُّق المتنوّعة الموجودة في حياتنا، بل التي تغلّف حياتنا برمّتها، أي في قراراتنا واختياراتنا الحاسمة والنهائيّة، التى تتطلّب منَّا نوعًا من الأمانة والاستمراريّة والحسم والحزم. وبكلماتٍ أُخرى، يتعلّق الأمر بقرارات واختيارات حاسمة، وبشكلٍ نهائيّ، وإلى مدى الحياة؛ أعني فِعْل الارتباط والتعلُّق بشيءٍ ما من دون رجعة، بغضّ النظر عن العوائق والعقبات والتهديدات، أو حتّى الإغراءات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمَّة قرارات واختيارات الزواج، والكهنوت، والتكريس؛ إذ إنّها تتطلّب الحسم والصُمُود والاستمراريّة حتّى النهاية. ومع كون العالم المعاصر يرفض –بأشكالٍ عدّة– هذا النوع من الارتباط والتعلُّق، بل ويناهضه، وينادي بأنّ كلّ شيءٍ هو وقتيٌّ ولحظيّ، فما مِن أمرٍ يستمرّ طويلًا، ويزعم بأنّنا في زمن القرارات والاختيارات السائلة والمائعة والاستهلاكيّة؛ تحثّنا هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، اقتداءً بـ"المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، إلى "روحانيّة التسمير والارتباط والتعلُّق"!

 

 

المرحلةُ الثانية عشرة: يسوعُ يموت على الصليب

 

«وكانَتِ السَّاعَةُ نَحوَ الظُّهر، فخَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها حتَّى الثَّالِثَة، لِأَنَّ الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط. فصاحَ يسوعُ بِأَعلى صَوتِه [و]قال: "يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!". قالَ هٰذا ولَفَظَ الرُّوح» (لوقا 23: 44-46).

 

تتعلّق هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، وفقًا لهذا النَّصّ من بشارة القدّيس لوقا، بأُمورٍ ثلاثة واضحة: صرخة وكلمة وحَدَث. بدايةً، إنّ أحد تعبيرات يسوع الناصريّ الأرضيّة الأخيرة، قَبْل موته، هو الصرخة، إذ إنّه قد صَاحَ بأَعلى صَوتِه أمام حقيقة الموت الوَشيكة المرعبة. ولم يكن صُراخُه يَأسًا وخوفًا ورُعبًا من الموت، وإنّما ثقةٌ في الله أبيه؛ فلا يمكن أن ينتهي كلُّ شيءٍ هنا، على الصليب، وعند أعتاب القَبْر. وكذلك، لم يصرخ يسوعُ لأنّه شَكَّ بُرْهَةً في أبيه السماويّ، وإنّما لأنّه كان مُتيقِّنًا بأنّ الله الآب لن يترك نَفْسه في مَثوَى الأَمْوات، ولن يدَع قُدُّوسَه يَنالُ مِنهُ الفَساد (رسل 2: 27). ولذا، فقد عَبَّرَ عن رفضه وصمته أمام حُسْبان الموت ككلمةٍ أخيرة، كما هو معتادٌ بالنسبة للبشريّة بأسرها.

 

وبالإضافة إلى هذه الصرخة الأخيرة المفعمة بالمعاني، نحن أمام إحدى العِبارات الأخيرة أيضًا، التي نَطَقَ بها يسوعُ قَبْل موته مباشرةً، وهي ذات أهمّيّةٍ بالغة: «يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!» (لوقا 23: 45). إنّها ليست مجرّد جُملةٍ عابرة، فقد بلغت آلام صليبه إلى حدّ الذُروة، أي الموت. وانطلاقًا من صرخته وكلمته الأخيرتين، هل يا ترى كان ينتظر يسوعُ تدخُّلًا عجائبيًّا في اللحظات الأخيرة؟ وأمَّا الحَدَثُ، فهو "موت" الناصريّ، فقد «لَفَظَ الرُّوح» (لوقا 23: 45). لقد "مات" مصدر الحياة وواهبها، بل الذي هو "الحياة" عَيْنها (يوحنا 14: 6). إنّها مفارقةٌ أُخرى من مفارقات دَرْب الصليب.. كيف ولماذا حَدَثَ هذا؟

 

ترتبط الصرخةُ والكلمة والحَدَث، إذًا، بحقيقة الحقائق، أي "بالموت" بوجهٍ عامّ، وبموت المسيح بشكلٍ خاصّ؛ فنحن أمام "المسيح المصلوب المائت"! إنّنا، نحن الذين لا نفهم مَوْتَ البشر، ولا حتّى موتنا، كيف لنا أن نفهم مَوْتَ ابن الله على الصليب؟ لا شكّ أنّ يسوع المسيح ذاته، الذي سار قَبْلنا في طريق الظلمات وغَياهبها، هو الذي يُنير لنا الطريقَ في معرفة آخر أعدائنا وإبادته (1 قورنتس 15: 26)، وكيفيّة التعايش معه ومعايشته، لا كنهايةٍ، وإنّما كبدايةٍ، لا كانقطاعٍ، وإنّما كجسرٍ وعبور. فإن كُنَّا في ضوء حياة يسوع الناصريّ وأعماله وكلماته، نفهم حياتنا، فإنّنا في ضوء موته –المكتمل بقيامته– نفهم موتنا الروحيّ والجسديّ أيضًا. وعلى هذا النحو، فإنّنا في موتنا الأرضيّ نموت معه وبين يَدَيه. لقد تضامن يسوعُ المسيح معنا في الموت، إذ إنّه مات لأجلنا ونحن معه؛ وأعطى الموتَ معنًى جديدًا، ممّا يجعلنا نكتشف المعنَى لحياتنا ومماتنا.  

 

ثمَّة أمرٌ آخر، وانطلاقًا من "المسيح المصلوب المائت"، وهو أنّ الإله الأحد-الواحد-الثالوث، الذي قد أظهر ذاته من قَبْل في الطبيعة والخليقة، وفي الهياكل والمعابد، قد تجلَّى الآن في ابنه المتجسّد المصلوب المائت؛ فإنّ «الشَّمسَ قدِ احتَجَبَت. وانشَقَّ حِجابُ المَقدِسِ مِنَ الوَسَط» (لوقا 23: 45). فيا جميع الناس، يا مَن تؤمنون بالله تعالى، نحن هنا أمام كمال وَحْي الله، الذي سَطَعَ بشكلٍ فريد في هذا المشهد المأسويّ والدراميّ؛ فإنّ إلهنا لم يتألّم ويُصلب فحسب، بل قد تنازل ومات في ابنه المتجسّد أيضًا!

 

 

المرحلةُ الثالثة عشرة: يسوعُ يُنزَل عن الصليب ويُسلَّم لأمّه

 

«وكانَ ذٰلكَ اليَومُ يَومَ التَّهيِئَة، فَسأَلَ اليَهودُ بيلاطُس أَن تُكسَرَ سُوقُ المَصلوبين وتُنزَلَ أَجسادُهُم، لِئَلَّا تَبْقى على الصَّليبِ يَومَ السَّبت، لِأَنَّ ذاكَ السَّبْتَ يَوْمٌ مُكرَّم. فجاءَ الجُنودُ فكَسروا ساقَيِ الأَوَّلِ والآخَرِ اللَّذَينِ صُلِبا معَه. أَمَّا يسوع فلَمَّا وَصَلوا إِليه ورأَوهُ قد مات، لَم يَكسِروا ساقَيْه، لٰكِنَّ واحِدًا مِنَ الجُنودِ طَعَنه بِحَربَةٍ في جَنبِه، فخَرَجَ لِوَقتِه دَمٌ وماء. والَّذي رأَى شَهِد، وشَهادَتُه صَحيحة، وذاك يَعلَمُ أَنَّه يَقولُ الحَقَّ لِتُؤمِنوا أَنتُم أَيضًا. فقد كانَ هٰذا لِيَتِمَّ الكِتاب: "لن يُكسَرَ له عَظْم". ووَرَدَ أَيضًا في آيةٍ أُخرى مِنَ الكِتاب: "سَيَنظُرونَ إِلى مَن طَعَنوا". وبَعدَ ذٰلِك جاءَ يوسُفُ الرَّاميّ، وكانَ تِلميذًا لِيَسوعَ يُخْفي أَمرَهُ خَوفًا مِنَ اليَهود، فسأَلَ بيلاطُسَ أَن يأخُذَ جُثمانَ يَسوع، فأَذِنَ له بيلاطُس. فجاءَ فأَخَذَ جُثْمانَه» (يوحنّا 19: 31-38).

 

تتناول هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، وفقًا للبشائر الأربعة كلّها (مرقس 15: 46؛ متّى 27: 59؛ لوقا 23: 53؛ يوحنّا 19: 38)، مسألةَ إنزال جُثمان أو جسد يسوع المائت عن الصليب. ولعلّ هذا يشير بدوره إلى استكمال واكتمال مسيرة نزول اللوغُس من السماء، وتجسُّده، وكذلك انسلاخه وتخلّيه وتجرّده. وهذا هو بالحقيقة جوهر التواضع الأصيل، الذي أمامه نخجل جميعنا خجلًا شديدًا؛ فمع كوننا تلاميذ ليسوع المسيح، ولكنّنا أمام اختبار التواضع والتخلّي والتجرّد نخفق جميعًا، وفي أحيانٍ كثيرة، وفي أكثر من موقف.

 

من جهةٍ أُخرى، ووفقًا لآباء الكنيسة والتقليد الكنسيّ، ولا سيّما القدّيس أَوْغسطينُس، يشير الدَّمُ والماء، الخارجان من جَنبِ يسوع المصلوب، على إثْر طعنةِ واحدٍ من الجُنودِ له (يوحنّا 19: 34)، إلى أكثر من أمرٍ ذي مَغزَى: 1) إلى سرّيّ المعموديّة والإفخارستيا، إذ إنّ يسوع المسيح قد «جاءَ بِسَبيلِ الماءِ والدَّم [...] لا بِسَبيلِ الماءِ وَحْدَه، بل بِسَبيلِ الماءِ والدَّم. والرُّوحُ يَشهَد، لِأَنَّ الرُّوحَ هو الحقّ» (1 يوحنّا 5: 6)؛ 2) وكذلك، إلى ولادة الكنيسة من جَنبِ آدم الجديد المطعون بالحربة والنائم على الصليب، على غرار خروج حواء من ضِلْع آدم الأوّل، الذي أوقَعَ الربُّ الإِلهُ عليه "سُباتًا عَميقًا" (تكوين 2: 21-22).

 

انطلاقًا من بشارة القدّيس يوحنّا (19: 25-27)، ووفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب، ثمّة عنصرٌ آخر مهمّ، وهو تسليم جُثمان أو جسد يسوع المائت، بعد إنزاله، إلى أُمّه العذراء مريم، التي كانت وَاقِفةً هُناكَ عِند صَليبه. يا له من موقفٍ قاسٍ للغاية؟! فعند إنزال جُثمان ابنها، تأخذه بين يَدَيها كشابٍ مفارق الحياة، وهي التي احتضنته بين يَدَيها مِن قَبْل، طيلة أكثر من ثلاثين عامًا. إنّها الأُمُّ –على غرار أُمّهات أُخريات كثيرات– التي استقبلت طفلها حيًّا، في المهد، بعد ولادته، واضطرّت إلى استقباله شابًا فاقد الحياة، في اللحد، بعد قتله! إنَّ هذا لجزءٌ من أحزان العذراء مريم وأَوْجَاعها وآلامها؛ فهي حقًّا "سيّدة الأَوْجَاع"! وقد ألمحت الأناجيلُ القانونيّة الأربعة –وإن كان بشكلٍ مستترٍ– إلى أحزانها وآلامها (لو 2: 35)، من جرّاء معاصرتها ومعاينتها لأحداث صَلْب ابنها، وموته، ودفنه. وما يهمّ هنا حقًّا أنّها، عبر مُرورها بهذا كلّه، لم تكن أُمًّا مُحِبّةً لابنها فحسب، بل هي تلميذته الأمينة والنموذجيّة أيضًا.

 

 

المرحلةُ الرابعة عشرة: يسوعُ يُدفَن في القَبْر

 

«وبَعدَ ذٰلِك جاءَ يوسُفُ الرَّاميّ، وكانَ تِلميذًا لِيَسوعَ يُخْفي أَمرَهُ خَوفًا مِنَ اليَهود، فسأَلَ بيلاطُسَ أَن يأخُذَ جُثمانَ يَسوع، فأَذِنَ له بيلاطُس. فجاءَ فأَخَذَ جُثْمانَه. وجاءَ نيقوديمُس أَيضًا، وهوَ الَّذي ذهَبَ إِلى يَسوعَ لَيلًا مِن قَبلُ، وكانَ مَعه خَليطٌ مِنَ المُرِّ والعودِ مِقدارُه نَحوُ مائةِ دِرهَم. فحَمَلوا جُثْمانَ يسوع ولَفُّوهُ بِلَفائِفَ مع الطِّيب، كما جَرَت عادةُ اليَهودِ في دَفنِ مَوتاهُم. وكانَ في المَوضِعِ الَّذي صُلِبَ فيهِ بُستان، وفي البُستانِ قَبرٌ جَديد لم يَكُنْ قد وُضِعَ فيهِ أَحَد. وكانَ القَبرُ قَريبًا فَوضَعوا فيه يَسوع بِسَبَبِ تَهْيِئَةِ السَّبْتِ عِندَ اليَهود» (يوحنّا 19: 38-42).

 

بعد تَعرية يسوع الناصريّ، وتسميره على صليبه، وموته، وإنزاله من صليبه، لم يتبقَّ إلّا أمر دَفْنه في ظلام القَبْر، ووحدته. تتعلّق هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، بقضيّةٍ خطيرةٍ للغاية، وهي "دَفْنُ" يسوع المسيح؛ أعني وَضْع جُثْمانه في "قَبرٍ جَديد". وبغضّ النظر عن المسائل التاريخيّة الخاصّة بعادات اليَهودِ "في دَفنِ مَوتاهُم"، وموقع قَبْرِ الناصريّ، يتّضح لنا جليًّا أنّ دَفْنه في حدّ ذاته لهو مِن الحقائق المسيحيّة المبكّرة الواردة في البشائر الأربعة كلّها (مرقس 15: 46؛ متّى 27: 59-60؛ لوقا 23: 53؛ يوحنّا 19: 40-42)، وفي مضمون الكِرازة البُولسيّة (1 قورنتِس 15: 3-4) أيضًا، وكذلك في قوانين الإيمان الأُولى (مثل قانون الإيمان الرسوليّ، وقانون الإيمان الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ).

 

لقد بلغت مسيرةُ انسلاخ اللوغُس المتجسّد، وتخلّيه، وتجرّده، مرحلةَ الذروة؛ فبعد تَعريته، وتعذيبه، وتسميره، وموته، وإنزاله من الصليب، أَمْسى جُثْمانَ أو جُثّةَ شخصٍ قد فارق الحياة، وجاءت لحظةُ دَفْنه في قَبْرٍ، في جوف الأرض. أجل، لقد مات ابنُ الله المتجسّد، ودُفِنَ، وصار جُثّةً هامدةً؛ وقد "نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب". لقد تضامن معنا في الموت وقسوته، وفي كونه جُثّةً هامدةً في جوف الأرض؛ ولكنّه قد تضامن معنا أيضًا في الذهاب إلى ما هو وراء الموت، وما هو أبعد منه، أي القيامة والحياة والخُلود. لقد «قَضى على المَوت وجَعَلَ الحَياةَ والخُلودَ مُشرِقَينِ بِالبِشارة» (2 طيموتاوس 1: 10).

 

وعلى هذا النحو، فإنّ "حَبَّةَ الخَردَل-الحِنطَة" المدفونة في الأرض، ستُخرِج ثَمَرًا كثيرًا (مرقس 4: 31-32؛ متّى 13: 31-32؛ لوقا 13: 18-19؛ يوحنّا 12: 24)؛ وسيقوم آدم الجديد –مُخَلِّصُنا يسوعَ المسيح– من التُّراب، من جوف الأرض، ونحن معه (رُومة 5: 12-21؛ 1 قورنتِس 15: 20-22؛ 45-49)، كآدم الأوّل الذي خرج من تُراب الأَرض (تكوين 2: 7)؛ وستنبعث من رائحة الأموات والقبور العَفِنة عَبَقُ القيامة الزكيّ. «وهو الَّذي في أَيَّامِ حَياتِه البَشَرِيَّة رَفَعَ الدُّعاءَ والِابتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ ودُموعٍ ذَوارِفَ إِلى الَّذي بِوُسعِه أَن يُخَلِّصَه مِنَ المَوت، فٱستُجيبَ لِتَقْواه. وتَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وهو الِابن، بما عانى مِنَ الأَلَم. ولَمَّا بُلِغَ بِه إِلى الكَمال، صارَ لِجَميعِ الَّذينَ يُطيعونَه سَبَبَ خَلاصٍ أَبَدِيّ، لِأَنَّ اللهَ أَعلَنَه عَظيمَ كَهَنَةٍ على رُتْبَةِ مَلكيصادَق» (عبرانيّين 5: 7-10).

 

في خِتام مراحل أو محطّات دَرْب الصليب، وانطلاقًا من هذه المرحلةُ أو المحطّة، نحن مدعوّون أن نعيش ما تأمّلنا فيه، وأن نتعمّق –بالفكر والفِعْل– في هذه الكلمات، التي تُلخِّص بدورها دَرْب صليب يسوع المسيح، ودَرْبنا معه وفيه: «إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا. مَن أَحَبَّ حياتَه فقَدَها، ومَن رَغِبَ عنها في هٰذا العالَم، حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة. مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني، وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي، ومَن خَدَمَني أَكرَمَه أَبي» (يوحنّا 12: 24-26).