موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٣ مارس / آذار ٢٠٢٦

مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة (1)

بقلم :
د. أشرف ناجح عبد الملاك - كولومبيا
مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة

مراحلُ دَرْب الصليب.. خواطرٌ تأمليّة

 

 

المرحلةُ الأُولى: يسوعُ يُحكَم عليه بالموت

 

«فحاوَلَ بيلاطُسُ مِن ذٰلك الحينِ أَن يُخلِيَ سَبيلَه، ولٰكِنَّ اليَهودَ صاحوا: "إِن أَخلَيتَ سَبيلَه، فَلَستَ صَديقًا لِقَيصَر، لِأَنَّ كُلَّ مَن يَجعَلُ نَفْسَه مَلِكًا يَخرُجُ على قَيصَر". فلَمَّا سَمِعَ بيلاطُسُ هٰذا الكَلام، أَمَرَ بإِخراجِ يسوع، وأَجلَسَه على كُرسيِّ القَضاءِ في مَكانٍ يُسَمَّى البَلاط ويُقالُ له بِالعِبرِيَّةِ غَبَّاثَة. وكانَ ذٰلكَ اليَومُ يَومَ تَهيِئَةِ الفِصْح، والسَّاعَةُ تُقارِبُ الظُّهْر. فقالَ لِليَهود: "هاهُوَذا مَلِكُكم!" فصاحوا: "أَعدِمْه! أَعدِمْه! إِصْلِبْهُ!" قالَ لَهم بيلاطس:"أَأَصلِبُ مَلِكَكُم؟" أَجابَ عُظَماءُ الكَهَنَة: "لا مَلِكَ علَينا إِلَّا قَيصَر!" فأَسلَمَه إِليهم لِيُصلَب» (يوحنّا 19: 13-16).

 

وفقًا للبشائر الأربع، قد عانى يسوعُ الناصريّ -البَريء- أكثر مِن حُكْمٍ، ممَّا أدّى إلى صلبه وموته:

الحُكْم الدينيّ (عبر الرؤساء الدينيّين لليهود أو عُظَماء الكَهَنَة)، إذ حسبوه "ضالًا ومضلِّلًا دينيًّا"، ومُجدِّفًا؛

والحُكْم السياسيّ (عبر بيلاطس البنطيّ)، إذ نظر إليه كمُهدِّدٍ للسِّلْم العامّ، ومحرّضٍ، ومشاغبٍ ومثيرٍ للمشاغب؛

والحُكْم الشعبيّ (عبر بعضٍ من الجمع اليهوديّ)، إذ تنكّروا له ولأعماله وكلماته.

 

وما يثير فينا الدهشة حقًّا هو أنّ الديّان-المخلّص يقف في موقف المُدان، ويُحكَم عليه من البشريّة المتمثّلة في السلطات الدينيّة والسياسيّة والشعبيّة، التي تقوم بتحالفٍ غريبٍ وشاذٍ وغير معتاد... فهل مِن مَغْزى يا تُرى وراء هذا العبث الظاهريّ؟

 

أجل، وقبل كلّ شيء، إنّها مفارقةٌ عجيبة ومهمّة؛ فبينما العَالَم بأسره يحكم على يسوع الناصريّ، نرى الله-المحبّة يدين العالم من خلال ابنه، ويحكم عليه، أي يخلّصه. وبكلماتٍ أُخرى، بينما تُظهِر البشريّةُ جمعاء أقبح ما فيها، وتخطّط أشرس تخطيطٍ للنَيْل من البَريء يسوع الناصريّ، يسطع أمامنا سرُّ محبّة الله للبشر، فهو يخلّصنا من خلال المحكوم عليه؛ فالله هو الديّان-المخلّص. إنّه قَلْبٌ جِذريّ للمعايير كلّها، ورسمُ طريقٍ جديدٍ نحو خلاص وإصلاح ما فسد.

 

وقياسًا على هذا، يا لَيْتنا نتجنّب نحن الوقوفَ موقف القُضاة والديّانين دون وجه حقٍّ، مدافعين عن منافعنا الذاتيّة الأنانيّة، حتّى لا نضحى ظالمين وغير أمناء. ومن جهةٍ أُخرى، عندما نُحصَى نحن أيضًا –على غرار يسوع الناصريّ– بين المُدانين ويُحكَم علينا ظُلمًا وعَنْوةً، ربَّما من خلال هذا الفعل ومن خلالنا نحن الأشخاص المظلومين، يُظهِر الله محبّته وخلاصه لآخرين، الذين قد يكونوا الظالمين والديّانين أنفسهم!

 

 

المرحلةُ الثانية: يسوعُ يحمل الصليب

 

«فأَسلَمَه إِليهم لِيُصلَب. فأَمسَكوا يسوع. فخَرَجَ حامِلًا صَليبَه إِلى المَكانِ الَّذي يُقالُ لَه مَكانَ الجُمجُمة، ويقالُ لهُ بِالعِبرِيَّةِ جُلْجُثَة» (يوحنّا 19: 16-17).

 

انطلاقًا من عِبارات القدّيس يوحنّا في بشارته، يبدو أنّ الأمر الجوهريّ في هذه المرحلة هو "حَمْل الصليب"؛ وعلى نحوٍ أدق، هو الفعل "يحمل" أو الحال "حامِلًا" (وفي النصّ اليونانيّ هكذا: βαστάζων). وعلينا أن نلاحظ أنّ البشيرَ يوحنّا لم يكتفِ بوضع الفعل فقط، بل أضاف هذا التعبير (ἑαυτῷ) أيضًا، أي "هو ذاته". وبكلماتٍ أوضح، ربَّما أراد يوحنّا أن يؤكّد على أمرَيْن: الحَمْل أو الرفع من جهة، والحامل أو الرافع من جهة أُخرى. فإن كان المحمولُ هو "الصليب" (الخشبة الأفقيّة)، فالفعل هو "الحَمْل أو الرفع"، بالإضافة إلى فعل "خَرَجَ"، وأمَّا الحامل أو الرافع هو يسوع الناصريّ ذاته. والآن، ماذا يعني هذا كلّه؟

 

بدايةً، علينا الإقرار -بواقعيّةٍ وإيمانٍ واعٍ- بأنّ لكلّ إنسانٍ صليبه الخاصّ، وبطريقةٍ خاصّة؛ فلا نحمل جميعنا الصليبَ عَيْنه، وبالطريقة ذاتها. فأنا لي صليبي الخاصّ، وأنتَ لك صليبكَ الخاصّ، وأنتِ لكِ صليبكِ الخاصّ؛ فقد كان ليسوع المسيح كإنسانٍ صليبه الخاصّ أيضًا. ومع ذلك، وإن اختلفت صلباننا من جوانب معيّنة، إلَّا أنّها جميعها لها ذات المعنَى والمَغْزى، فهي دعوةُ فعلِ حبٍّ أصيل، قبل أن تكون آلام ومشقّات ومتاعب. فلا أحد من البشر، ولا حتّى يسوع الناصريّ ذاته، يبحث عن الآلام والمشقّات والمتاعب؛ وإنّما جميعنا، وكلّ واحد منَّا بنوعٍ خاصّ، مطالبٌ بـ"حَمْل الصليب" بواقعيّةٍ شديدة، أي بعَيْش المحبّة الأصيلة من خلال تضحيّات ومُثابرات وأفعال وأعمال يوميّة، وهي بدورها أمور مكلّفة ومتعبة وشاقة. وفي هذا السياق، نسترجع قول يسوع: «مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِهِ ويَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها» (متّى 16: 24-25).

 

من جهةٍ أُخرى، ووفقًا لبشارة القدّيس يوحنّا، إن كان يسوع الناصريّ قد "حَمَلَ صَليبَه" الثقيل، "هو ذاته"، وإن كان صَليبُه تعبيرًا بليغًا عن محبّته للآب والبشريّة، فإنّه يسطع أمامنا كنموذجٍ لنحتذي به دائمًا، ونحمل صلباننا على مثاله، بغضّ النظر عن ثقلها، وحتّى في أحلك الظروف، وأصعب المواقف، وقِمّة الألم. ومع ذلك، فنحن مدعوّن أيضًا، من خلال مرحلة دَرْب الصليب هذه، أن نضع صلباننا جميعها، أيًّا كان نوعها أو حجمها أو طريقتها أو ثقلها، في صليب يسوع الناصريّ، حتّى يحملها "هو ذاته" معنا. وبالطبع، لا يعني هذا بأيّ حالٍ من الأحوال التهرُّبَ من صلباننا، وتركها للمسيح وحده؛ وإنّما أن يحمل كلُّ واحدٍ منَّا صليبه الخاصّ في صليب ربّنا يسوع المسيح، وانطلاقًا منه، وعلى طريقته، ومن أجله، ناظرين إلى أبيه وأبينا، وإلهه وإلهنا، ومسنودين بمعونة الرُّوح القُدس.

 

 

المرحلةُ الثالثة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الأُولى

 

«مُزدَرًى ومَتْروكٌ مِنَ النَّاس، رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلم، ومِثلُ مَن يُستَرُ الوَجهُ عنه، مُزدَرًى فلَم نَعبَأْ بِه. لقَد حَمَلَ هو آلامَنا وٱحتَمَلَ أَوجاعَنا، فحَسِبْناه مُصابًا مَضْروبًا مِنَ اللهِ ومُذَلَّلًا» (أَشَعْيا 53: 3-4).

 

إنَّها سقطةُ يسوع الناصريّ المنهك الأُولى، التي لن تكون بدورها الأخيرة، فثمَّة –وفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب الحالية– سقطاتان أُخريان له. ولم يذكر العهدُ الجديد، في أيّ من البشائر الأربع، هذه السقطات الثلاث. فماذا تعني سقطةُ يسوع المسيح الأُولى، له ولنا؟

 

تشير هذه السقطةُ الأُولى، بالنسبة ليسوع الناصريّ، إلى بشريّته (ناسوته أو إنسانيّته) التامّة؛ إنّها بشريّةٌ مقدَّسة وكاملة، من دون الخطيئة، ولكنّها أخذت على عاتقها نتائج الخطيئة وعواقبها، أي الضعف والتعب والإرهاق والإعْياء والهوان والموت. أجل، إنّ الابن المتجسّد اتّخذ طبيعتنا، التي لم تتلاشى فيه، وإن كانت مثقلةٌ بحالنا بعد الخطيئة، إذ إنّه شابهنا –كإخوته–، و«ٱمتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة» (عبرانيّين 4: 15). ومع أنّه قد وَقَعَ منهكًا تحت وَطَأَة الصليب للمرّة الأُولى، ولكنّه كإنسانٍ، وبقوّة إرادته وطاقته البشريّتين، المرتبطتين بطبيعته البشريّة والمتّحدتين بطبيعته الإلهيّة في شخصه الواحد، قد تحامل على جسده ونفسه ومعنوياته، وقام مرّةً أُخرى من سقطته، من أجلنا.

 

أمَّا بالنسبة لنا نحن البشر، فتُظهِر سقطةُ يسوع المسيح الأُولى أنّنا كبشرٍ معرّضون للسقوط وقادرون على القيام من كبواتنا وسقطاتنا جميعها أيضًا، وهذا انطلاقًا من قوّة الإرادة والطاقة البشريّتين، التي وضعها الله الخالق فينا، في انسجامٍ تامّ مع عمله الإلهيّ فينا. أجل، فنحن البشر، من جرّاء بشريّتنا المتناهيّة والمحدودة، يمكننا أن نقع مرّةً ومرّات، فالسقوط مرتبطةٌ بطبيعتنا البشريّة؛ ولكن –والشكر لخالقنا وراعينا وحامينا–، وانطلاقًا من طبيعتنا ذاتها، يمكننا أن ننهض ونقوم من سقطاتنا بأسرها. إنّنا كبشرٍ، وبفضل فعل الخلق الإلهيّ، ضعفاءٌ وأقوياءٌ في آنٍ واحدٍ. ويمكن للسان حال كلّ واحدٍ منّا يكون كهذا: «لا تشمَتي بي يا عَدُوَّتي، فإِنِّي إِذا سَقَطتُ أَقوم، وإِذا سَكَنتُ في الظَّلام، يَكونُ الرَّبُّ نورًا لي» (ميخا 7: 8).

 

 

المرحلةُ الرابعة: يسوعُ يلتقي أمَّه الحزينة

 

«وكانَ أَبوه وأُمُّه يَعجَبانِ مِمَّا يُقالُ فيه. وبارَكَهما سِمعان، ثُمَّ قالَ لِمَريَمَ أُمِّه: "ها إِنَّه جُعِلَ لِسقوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضَةً لِلرَّفْض. وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة"» (لوقا 2: 34-35).

 

لم تذكر البشائرُ الأربع هذا اللّقاء بين يسوع وأُمّه العذراء مريم، الخاصّ بدَرْب الصليب، كما لم تذكر مقابلته معها بعد قيامته منتصرًا أيضًا. ولكن، هل يمكن أن نتخيّل غياب أُمّه، التي كانت حاضرةً بقوّةٍ في حياته برمّتها، منذ طفولته حتّى نضوجه في "الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (لو 2: 51)، عن هذين الحدثين المهمّين (الصليب والقيامة)؟ فهل غابت العذراءُ مريم عن أهمّ وأصعب حدثين في حياة ابنها، وكذلك بالنسبة لنا نحن المسيحيّين أيضًا؟ كَلَّا، لقد أرادت تقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب أن تركّز على لقاء يسوع وأُمّه.. فلماذا يا ترى؟

 

هل لتلتقي العيون الحزينة بين الابن وأُمّه، وتقول ما لا تقدر أن تعبّر عنه كلمات الشفاه؟ أم لتسند وتساند الأُمُّ ابنها في أصعب مراحل حياته؟ أم العكس صحيح، أي ليعزّي الابنُ أُمّه الحزينة والمكلومة؟ أم ثمَّة همسة عتاب بين الأُمّ وابنها، وكأنّها تقول لابنها: لماذا سمحتَ، يا فلذة كبدي، ولماذا سمح إلهك وأبوك، أن تصل إلى هذه الحالة المأسويّة؟ أم العكس صحيح، ليقدّم يسوعُ الناصريّ لأُمّه همسة رجاء، وكأنّه يقول لها: لا تخافي، يا أُمّي، «هاءَنَذا أَجعَلُ كُلَّ شَيءٍ جَديدًا» (رؤيا 21: 5)؟

 

على كلّ حالٍ، سواء كان هذا اللّقاء بين يسوع وأُمّه العذراء تاريخيًّا أم لا، وبغضّ النظر عن مضمون هذا اللّقاء، الموقف ذاته واقعيّ وممكن، وفي غاية الأهمّيّة والروعة: إنّ الالتقاء -حسيًّا ووجدانيًّا ومعنويًّا وروحيًّا- بين الأُمّ وابنها في هذه المرحلة العصيبة من ذروة حياته، لهو امتدادٌ للمقابلات واللّقاءت العديدة السابقة بينهما. إنّ هذا اللّقاء بين اللّوغُس المتجسّد وأُمّه العذراء مريم، يجعلنا نتأمّل في أمرين مهمّين للغاية: بُنوّتنا لأُمّنا العذراء مريم، وبُنوّة كلّ واحدٍ منَّا لأُمّه الأرضيّة والأُمّهات الأخريات.

 

إنّ العذراء مريم لهي أُمٌّ روحيّة لنا، وللكنيسة، وللبشريّة جمعاء؛ فما نوعُ علاقتنا البنويّة بها؟ وهل نحن –كإخوةٍ لابنها وأبناء لها– نعزّي قلبها أم نحزنه؟ وماذا عن علاقة كلّ واحدٍ منَّا بأُمّه الأرضيّة، سواء كانت على قيد الحياة أم انتقلت إلى العالم الآخر؟ كيف حالنا معها من حيث التعبير عن العرفان بالجميل لها؟ وهل نحن نتضامن مع جميع الأُمّهات اللواتي فقدن أبناءهنَّ من جرّاء النزاعات والمعارك والحروب، بغضّ النظر عن عرقهنَّ ولونهنَّ وجنسيّتهنَّ وديانتهنَّ؟

 

[يُتبَع]