موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

محطات في التطور الفكري والروحي لأوغسطينوس

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
محطات في التطور الفكري والروحي لأوغسطينوس

محطات في التطور الفكري والروحي لأوغسطينوس

 

استهلال

 

تفتخر الكنيسة المسيحية بوجود أعلام كبار هم بمثابة أعمدة شامخة وراسخة ترفع سقوفها عبر التاريخ، منذ أن تركها الرب يسوع أمانة بأيدينا بعد صعوده إلى السماء. ومن هذه الأعمدة الصلدة، المعلم والفيلسوف الكبير أوغسطينوس، الذي يصعب على المرء تصديق أن ذلك الشاب العابث، الباحث عن شهوات العالم والجسد، قد تحوّل إلى «القديس أوغسطينوس» الذي غيّر تاريخ الكنيسة، وترك لنا تراثًا فكريًا عظيمًا في الفلسفة واللاهوت خلال سنوات ليست بالطويلة بحساب الزمن.

 

أحب أوغسطينوس الحكمة والفلسفة والخطابة والبلاغة، وانكبّ على دراستها ناهلًا من ينابيعها لإرواء نفسه العطشى للحق والمعرفة. ولم يدر في خلده يومًا أنه سيكون كاهنًا ثم أسقفًا، بينما كان يتعثر بين أروقة فلسفات بشرية مظلمة وهرطقات جعلته ينظر بدونية إلى الكتاب المقدّس، واصفًا إياه بالكتاب البسيط المتواضع مقارنةً بكتب شيشرون وغيره من كبار الفلاسفة، ليراه بعد سنوات قليلة «كتاب الكتب».

 

تسعى هذه الدراسة المكثّفة إلى الخروج عن النمطية في تناول الشخصيات التاريخية الكنسية، فبدلًا من تكرار سيرة الحياة التقليدية، سنفتش «تحت المظلة» عن محطات التطور الفكري والروحي لهذه الشخصية العظيمة، مستعرضين العوامل التي صقلت فكره وصاغت لاهوته الذي لا يزال حيًا حتى اليوم.

 

 

المؤثرات الأولى

 

إن الحديث عن التطور الفكري والروحي لأوغسطينوس لا يقتصر على الأفكار المجردة، بل يمتد ليشمل الأشخاص والأحداث التي ساهمت في إنضاج هذه الأفكار. وكانت «مونيكا»، والدة أوغسطينوس، هي التأثير الأول والمباشر؛ فقد نشأت في عائلة مسيحية بينما كان والده وثنيًا. بقيت مونيكا تصلي لأجله بلجاجة طوال حياتها، حتى ربحته للمسيح. ويذكر أوغسطينوس في «الاعترافات» مخاطبًا الرب: «وفي أيامها الأخيرة على هذه الأرض اكتسبت زوجها إليك؛ وما إن أصبح مسيحيًا حتى زال عنها كابوس الغم والحزن». كانت مونيكا مدرسته الروحية الأولى، ورغم ميله للهو في شبابه، إلا أن بذور الإيمان التي زرعتها ظلت كامنة حتى حان وقت الحصاد.

 

 

رحلة الشك والبحث عن الحق

 

1. المانوية والصراع مع المادة والشر

 

في سن السابعة عشرة، بدأت مرحلة جديدة من حياة أوغسطينوس الفكرية في قرطاجة. انغمس في دراسة القانون والخطابة، لكن قلبه كان يبحث عن «الحق» الذي يقود إلى السعادة. ولعدم تمكنه آنذاك من استيعاب عمق الكتاب المقدّس، سقط في فخ «المانوية».

 

المانوية مذهب ثنائي ينسب لمؤسسه «ماني» الفارسي، يقوم على وجود مملكتين متصارعتين: مملكة النور (إله الخير) ومملكة الظلمة (إله الشر). استهوت المانوية أوغسطينوس لأنها قدمت إجابة سهلة لمشكلة الشر، ملقيةً باللوم على قوة خارجية مادية وليس على إرادة الإنسان. بقي أوغسطينوس أسيرًا لهذه الجماعة تسع سنوات، حتى بدأ الشك يتسرب إليه بعد اكتشافه لتناقضات علمية في كتبهم، وخاصة بعد لقائه المخيب للآمال مع زعيمهم «فوستوس الميلافي» الذي عجز عن الإجابة على تساؤلاته العميقة.

 

2. شيشرون والأفلاطونية الجديدة: جسر العبور

 

كان كتاب «هورتينسيوس» لشيشرون هو الشرارة التي أشعلت في قلبه الشوق للحكمة الخالدة. يقول أوغسطينوس: «احترق قلبي من الشوق إلى الخلود الذي وعدت به الحكمة».

 

أما المحطة الفكرية الأهم قبل اهتدائه فكانت «الأفلاطونية الجديدة». فبينما كانت المانوية تحبسه في تفكير مادي (بأن كل موجود يجب أن يكون مادة)، ساعدته الأفلاطنية الجديدة على إدراك أن الله «روح» غير مادي، وأن الشر ليس «جوهرًا» أو قوة موازية لله، بل هو «نقص في الخير» أو غيابه. هذا التحرر الفكري مهد الطريق أمامه لقبول لاهوت الكتاب المقدّس وفكرة «الله الكلي الوجود والروح».

 

 

نقطة التحوّل: أمبروسيوس وحديقة ميلانو

 

عند انتقاله إلى ميلانو عام 384م كأستاذ للخطابة، التقى بالأسقف «أمبروسيوس». لم يكن أمبروسيوس مجرد واعظ مفوّه، بل كان معلمًا واسع الاطلاع، شرح لأوغسطينوس العهد القديم بطريقة روحية عميقة دحضت الاعتراضات المانوية السطحية.

 

وفي لحظة صراع روحي ضارية في حديقة ميلانو، سمع أوغسطينوس صوتًا كأنه أنشودة صبيانية تردد: «خذ واقرأ! خذ واقرأ!». فتح الكتاب المقدّس على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية (13:13-14): «لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي ٱلنَّهَارِ: لَا بِٱلْبَطَرِ وَٱلسُّكْرِ، لَا بِٱلْمَضَاجِعِ وَٱلْعَهَرِ، لَا بِٱلْخِصَامِ وَٱلْحَسَدِ. بَلِ ٱلْبَسُوا ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ، وَلَا تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لِأَجْلِ ٱلشَّهَوَاتِ». في تلك اللحظة، ذابت ظلال الشك وغمر قلبه نور السلام، فقرر هجر العالم وتكريس حياته للرب.

 

 

أوغسطينوس الكاهن والأسقف: حارس العقيدة

 

رُسم أوغسطينوس كاهنًا عام 391م ثم أسقفًا لهيبو عام 395م. اتسمت خدمته بالدفاع المستميت عن الإيمان القويم ضد ثلاث هرطقات رئيسية:

 

المانوية: حيث دحض ثنائيتهم وأكد على وحدة الله وصلاحه.

 

الدوناتية: الذين تشددوا في اشتراط قداسة الكاهن لصحة السر الكنسي، فأكد أوغسطينوس أن «المسيح هو مانح السر الحقيقي»، وأن فاعلية الأسرار تعتمد على نعمة الله لا على استحقاق البشر.

 

البلاجية: وهي أهم معاركه اللاهوتية، حيث أكد «بلاجيوس» على قدرة الإنسان على نوال الخلاص بمجهوده الذاتي دون الحاجة للنعمة. رد أوغسطينوس بقوة مبينًا فساد الطبيعة البشرية بعد السقوط، وحاجة الإنسان المطلقة لنعمة الله المجانية، ليصبح يُعرف بـ «ملفان النعمة».

 

 

أفكار لاهوتية مختارة

 

في كتابه «محاورة الذات»، نلمس شغفه بمعرفة الحقيقة المطلقة، حيث يقول: «أتوق إلى معرفة الله والنفس... لا شيء على الإطلاق!». وفي دفاعه عن الإيمان بأمور لا تُرى، يوضّح أن العقل البشري يمكنه تصديق الحقائق الإلهية حتى لو لم يرها بالعين، لأن الفكر يدرك ما وراء المادة.

 

 

الخلاصة

 

إن رحلة أوغسطينوس هي رحلة كل نفس تبحث عن الحق. من خلال صلاة أمه مونيكا، وفلسفة شيشرون، وتجريد الأفلاطونية، ومواعظ أمبروسيوس، صاغ الرب منه أعظم لاهوتي عرفه التاريخ المسيحي. لقد استطاع أوغسطينوس أن يوفق بين الفلسفة واللاهوت، وبين العقل والإيمان، تاركًا لنا إرثًا يثبت أن «قلب الإنسان سيبقى قلقًا حتى يجد راحته في الله».

 

 

مراجع مختارة

أولًا: المراجع باللغة العربية

أوغسطينوس، القديس. الاعترافات. ترجمة: يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، 2012.

أوغسطينوس، القديس. خواطر فيلسوف في الحياة الروحية. ترجمة: يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، 2004.

أوغسطينوس، القديس. محاورة الذات. ترجمة: يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، 2005.

أوغسطينوس، القديس. الإيقان بأمور لا تُرى. الإسكندرية: كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس (ب. ت).

الخضري، حنا. القديس أغسطينس: مواقف دفاعية ولاهوتية. القاهرة: دار الثقافة، 1994.

لوريمر، جون. تاريخ الكنيسة (الجزء الثالث). القاهرة: دار الثقافة، 1988.

 

ثانيًا: المراجع باللغة الإنجليزية

Gronewoller, Brian. Augustine of Hippo. Available at: www.researchgate.net

Nielsen, R. Cynthia. «St. Augustine on Text and Reality. » The Heythrop Journal (2009): 98-108.

Portalie, Eugene. The Life of St. Augustine of Hippo. Available at: https://maryourhelp.org/e-books/saints/life_of_saint_augustine_of_hippo.pdf