موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنْجِيلي (متى 10: 26-33)
26 لا تَخافوهُم إِذاً! فَما مِن مَستُورٍ إِلاَّ سَيُكشَف، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَم. 27والَّذي أَقولُه لَكم في الظُّلُمات، قولوه في وَضَحِ النَّهار. والَّذي تَسمَعونَه يُهمَسُ في آذانِكم، نادوا بِه على السُّطوح. 28 لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسد ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس، بل خافوا الَّذي يَقدِرُ على أَن يُهلِكَ النَّفْسَ والجَسدَ جَميعاً في جَهنَّم. 29أَما يُباعُ عُصفورانِ بِفَلْس؟ ومعَ ذلِك لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ أَبيكم. 30أَمَّا أَنتُم، فشَعَرُ رُؤُوسِكم نَفسُه مَعدودٌ بِأَجمَعِه. 31لا تَخافوا، أَنتُم أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعاً. 32 مَن شَهِدَ لي أَمامَ النَّاس، أَشهَدُ لَه أَمامَ أبي الَّذي في السَّموات. 33ومن أَنْكَرَني أَمامَ النَّاس، أُنْكِرُه أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمَوات.
مُقَدِّمَة
بَعدَ أَنْ أَرسَلَ يَسوعُ رُسُلَهُ الاثنَي عَشَرَ لِيُبَشِّروا بِمَلَكوتِ السَّماواتِ (متى 10: 5-15)، أَخَذَ يُهَيِّئُهُم لِلصُّعوباتِ وَالاضطِهاداتِ الَّتي سَيُواجِهونَها في سَبيلِ شَهادَتِهِم لِلإِنجيلِ. فَالرِّسالَةُ الَّتي يَحمِلُها التَّلاميذُ لَيسَت مَوضوعَ قَبولٍ عامٍّ مِنَ الجَميع، بَل سَتُثيرُ أَحيانًا الرَّفضَ وَالمُعارَضَةَ، لأَنَّها تُواجِهُ قُوَى الشَّرِّ وَتَدعو الإِنسانَ إِلى التَّوبَةِ وَتَغييرِ الحَياةِ.
وَفي هٰذا السِّياقِ يُسَلِّطُ إِنجيلُ هٰذا الأَحَدِ (متى 10: 26-33) الأَضواءَ عَلَى تَوصِياتِ يَسوعَ لِرُسُلِهِ قَبلَ أَنْ يَنطَلِقوا في الرِّسالَةِ. فَهُوَ يَدعوهُم أَلَّا يَخافوا مِنَ النّاسِ، بَل أَنْ يُجاهِروا بِالحَقِّ الَّذي ائتُمِنوا عَلَيهِ، وَأَنْ يَضَعوا ثِقَتَهُم الكامِلَةَ في عِنايَةِ اللهِ الآبِ. فَالشَّهادَةُ لِلمَسيحِ لا تَقومُ عَلَى القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، بَل عَلَى الإِيمانِ بِحُضورِ اللهِ وَمَحبَّتِهِ وَعِنايَتِهِ.
ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم على هٰذِهِ الوَصايا قائِلًا: "إِنَّ الرَّبَّ لَم يَنزِعْ عَن تَلاميذِهِ الخَطَرَ، بَل نَزَعَ عَنهُم الخَوفَ، فَعَلَّمَهُم أَنْ يَكونوا أَقوَى مِن كُلِّ اضطِهادٍ)" PG 57, 399). أَمَّا القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه فَيَرَى أَنَّ المَسيحَ يَدعو رُسُلَهُ إِلى الثِّقَةِ بِالعِنايَةِ الإِلٰهيَّةِ، لأَنَّ "الَّذي يَحفَظُ العَصافيرَ وَيَعرِفُ عَدَدَ شعرِ الرَّأسِ، لا يُمكِنُ أَنْ يُهمِلَ الَّذينَ أَرسَلَهُم لِحَملِ إِنجيلِهِ" (PL 9, 972). وَيُضيفُ القِدِّيسُ جيروم أَنَّ المَسيحَ "يُريدُ مِن تَلاميذِهِ أَنْ يُفَضِّلوا مَخافَةَ اللهِ عَلَى مَخافَةِ البَشَرِ، لأَنَّ مَن يَخشَى اللهَ لا يَعودُ يَرتَعِبُ مِن سُلطانِ النّاسِ" PL 26, 74). وَيَختِمُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا المَعنى بِقَولِهِ: "إِذا كانَ المَسيحُ يَعتَرِفُ بِنا أَمامَ الآبِ، فَأَيُّ مَجدٍ أَعظَمُ مِن ذٰلِكَ؟ وَإِذا أَنكَرناهُ أَمامَ النّاسِ، فَكَيْفَ نَنتَظِرُ أَنْ يَعتَرِفَ بِنا أَمامَ المَلائِكَةِ؟" (PL 38, 434).
إِنَّ يَسوعَ لا يَدعو تَلاميذَهُ إِلى التَّهَوُّرِ، بَل إِلى الشَّهادَةِ الجَريئَةِ المَبنيَّةِ عَلَى الإِيمانِ وَالثِّقَةِ بِعِنايَةِ اللهِ. فَمَن يَعتَرِفُ بِالمَسيحِ أَمامَ النّاسِ، يَنالُ أَن يَعتَرِفَ بِهِ المَسيحُ أَمامَ الآبِ السَّماويِّ. وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ هٰذا النَّصِّ الإِنجيلِيِّ وَتَطبيقاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ.
أولا: وقائع النص الانجيلي وتحليله (متى 10: 26-33)
26. لا تَخافوهُم إِذًا! فَما مِن مَستُورٍ إِلَّا سَيُكشَفُ، وَلا مِن مَكتومٍ إِلَّا سَيُعلَمُ
تُشيرُ عِبارَةُ "لا تَخافوهُم" إلى أُولى وَصايا يَسوعَ لِرُسُلِهِ قَبلَ أَنْ يَنطَلِقوا في الرِّسالَةِ. فالفِعلُ اليونانيُّ μὴ φοβηθῆτε، مِنَ الفِعلِ φοβέομαι، وفي العبرية תִירְאוּ لا يَدُلُّ فَقَط على الخَوفِ الجَسَدِيِّ، بَل على القَلَقِ وَالاضطِرابِ الدَّاخِلِيِّ النَّاتِجِ عَنِ التَّهديدِ أَوِ الاضطِهادِ. ويُكَرِّرُ يَسوعُ في هٰذا المَقطَعِ ثَلاثَ مَرّاتٍ وَصِيَّةَ "لا تَخافوا" (متى 10: 26، 28، 31)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ التِّلميذَ لا يَعيشُ تَحتَ سُلطانِ الخَوفِ، بَل تَحتَ سُلطانِ الثِّقَةِ بِاللهِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَعِدْهُمُ المَسيحُ بِأَلَّا يُضطَهَدوا، بَل عَلَّمَهُم أَلَّا يَخافوا الاضطِهادَ، لأَنَّ قُوَّةَ اللهِ أَعظَمُ مِن قُوَّةِ المُضطَهِدين" (PG 57, 398). ويُشيرُ يَسوعُ إلى أَنواعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ المَخاوِفِ الَّتي قَد تُصيبُ التِّلميذَ: الخَوفَ مِنَ الاضطِهادِ الجَسَدِيِّ (متى 10: 28)، أَو مِنَ السُّخرِيَّةِ وَالرَّفضِ الاجتِماعِيِّ، أَو حتّى مِنِ انقِسامِ العائِلَةِ بِسَبَبِ الإِيمانِ (متى 10: 34-37). لٰكِنَّ المُؤمِنَ مَدعُوٌّ إِلى التَّحَرُّرِ مِن هٰذِهِ المَخاوِفِ لأَنَّهُ يَعرِفُ أَنَّ اللهَ الآبَ يَعتَني بِهِ عِنايَةً شَخصِيَّةً. لِهٰذا يَكتُبُ يُوحَنَّا الرَّسولُ: "لا خَوفَ في المَحَبَّةِ، بَلِ المَحَبَّةُ الكامِلَةُ تَطرُدُ الخَوفَ" (1 يُوحَنَّا 4: 18). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "حِينَ يَسكُنُ اللهُ في القَلبِ لا يَبقى لِلخَوفِ مَوضِعٌ، لأَنَّ مَن يَتَّكِلُ عَلَى اللهِ لا يَخشى ما يَصنَعُهُ البَشَرُ" (PL 36, 671).
أَمَّا عِبارَةُ "فَما مِن مَستُورٍ إِلَّا سَيُكشَفُ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ حَقيقَةَ المَسيحِ وَمَلَكوتِهِ الَّتي تُعلَنُ الآنَ في إِطارٍ مَحدودٍ لِلتَّلاميذِ سَتُعلَنُ يَومًا أَمامَ العالَمِ كُلِّهِ. وَالكَلِمَةُ اليونانيَّةُ κεκαλυμμένον تَعني "المُغَطّى" أَو "المَحجوب". فَالأَسرارُ الَّتي يَتَلَقّاها التَّلاميذُ لَيسَت أَسرارًا مُغلَقَةً أَو تَعليمًا باطِنِيًّا مُخَصَّصًا لِفِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَل حَقائِقُ مُعَدَّةٌ لِكَي تُعلَنَ لِجَميعِ الشُّعوبِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس قائِلًا: "إِنَّ ما يُعَلِّمُهُ المَسيحُ في الخَفاءِ لِلتَّلاميذِ يَجِبُ أَنْ يُنادَى بِهِ لاحِقًا على مَسامِعِ العالَمِ أَجمَعَ" (PL 26, 72).
فَالحَقُّ الَّذي أَعْلَنَهُ اللهُ في المَسيحِ قَد يَبْدو أَحيانًا مَغْلوبًا أَو مُضْطَهَدًا، لَكِنَّهُ في النِّهايَةِ سَيَظْهَرُ بِكُلِّ وَضوحٍ. إِنَّ اللهَ هُوَ سَيِّدُ التّاريخِ، وَكَلامُهُ هُوَ الكَلِمَةُ الأَخيرَةُ، لا كَلِمَةُ الظّالِمينَ أَو المُضْطَهِدينَ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "إِنَّ الحَقَّ قَد يُحارَبُ زَمَنًا، لَكِنَّهُ لا يُهْزَمُ أَبَدًا، لأَنَّ اللهَ يَكْشِفُهُ في الوَقْتِ المُناسِبِ" (PG 57, 401).
وَكَما أَنَّ النُّورَ لا يُمكِنُ أَنْ يَبْقَى مَحْبوسًا في الظُّلْمَةِ، هٰكَذا لا يُمكِنُ أَنْ يَبْقَى الحَقُّ مَكْتومًا إِلى الأَبَدِ. سَيَأْتي الوَقْتُ الَّذي يَخْرُجُ فيه كُلُّ شَيءٍ إِلى النُّورِ، وَيَتَجَلَّى ما صِرْنا إِلَيْهِ بِفِعْلِ أَمانَتِنا أَو خِيانَتِنا. فَالدَّيّانُ العادِلُ سَيُظْهِرُ البِرَّ، وَسَيُعْلِنُ أَمانَةَ شُهودِهِ، وَسَيُبْطِلُ كُلَّ زَيْفٍ وَافْتِراءٍ. وَمِن هُنا يَستَمِدُّ التِّلميذُ شَجاعَتَهُ: فَهُوَ لا يَعيشُ مِن أَجْلِ مَجْدِ النّاسِ أَو رِضاهُم، بَل مِن أَجْلِ الحَقِّ الَّذي سَيَنْتَصِرُ في النِّهايَةِ. فَمَهْما اشتَدَّت الظُّلْمَةُ، يَبْقَى وَعْدُ المَسيحِ ثابِتًا: إِنَّ ما هُوَ مَسْتورٌ سَيُكْشَفُ، وَما هُوَ مَكْتومٌ سَيُعْلَمُ، لأَنَّ اللهَ هُوَ رَبُّ النُّورِ وَالحَقِّ وَالتّاريخِ.
أَمَّا عِبارَةُ "وَلا مِن مَكتومٍ إِلَّا سَيُعلَمُ" فَتُشيرُ إلى أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ تَمتَلِكُ في ذاتِها قُوَّةَ الظُّهورِ وَالانتِشارِ. فالفِعلُ اليونانيُّ γνωσθήσεται يَعني "سَيُعرَفُ" أَو "سَيُعلَنُ". لِذٰلِكَ لا يَنبَغي لِلتِّلميذِ أَنْ يَقلَقَ بِشَأنِ نَجاحِ الرِّسالَةِ أَو فَشَلِها، لأَنَّ اللهَ نَفسَهُ هُوَ الَّذي يَضمَنُ انتِشارَ الإِنجيلِ وَإِظهارَ الحَقِّ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "الحَقيقَةُ قَد تُضطَهَدُ زَمَنًا، لٰكِنَّها لا تُدفَنُ أَبَدًا، لأَنَّ نورَ المَسيحِ أَقوى مِن كُلِّ ظُلمَةٍ" (PL 9, 973). وَمِن جِهَةٍ أُخرى، تَحمِلُ هٰذِهِ الآيَةُ بُعدًا إِسكاتولوجِيًّا (أَخَرَوِيًّا)، إِذ تُشيرُ إِلى يَومِ الدَّينونَةِ حَيثُ سَتُكشَفُ أَعمالُ البَشَرِ وَنِيّاتُهُم. فَالمُؤامَراتُ الخَفِيَّةُ، وَأَعمالُ الشَّرِّ، وَمَكائِدُ الأَشرارِ سَتَظهَرُ أَمامَ نورِ اللهِ. لِذٰلِكَ يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "خَلَعَ أَصحابَ الرِّئاسَةِ وَالسُّلطانِ وَشَهَّرَ بِهِم عَلانِيَةً" (قولسي 2: 15). أَمَّا الأَبرارُ فَسَيُكشَفُ مَجدُهُم أَيضًا، كَما يَكتُبُ الرَّسولُ: "فَإِذا ظَهَرَ المَسيحُ الَّذي هُوَ حَياتُكُم، تَظهَرونَ أَنتُم أَيضًا مَعَهُ في المَجدِ" (قولسي 3: 4). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيّ: "كُلُّ ما هُوَ مَستُورٌ أَمامَ البَشَرِ ظاهِرٌ أَمامَ اللهِ، وَسَيَأتي اليَومُ الَّذي يُظهِرُ فيهِ الرَّبُّ بِرَّ الأَبرارِ وَيَفضَحُ شَرَّ الأَشرارِ" (PG 72, 425). وَهٰكَذا يُقَدِّمُ يَسوعُ السَّبَبَ الأَوَّلَ لِعَدَمِ الخَوفِ: فَالتِّلميذُ لَيسَ صاحِبَ الكَلِمَةِ بَل خادِمُها، وَلَيسَ مَصدَرَ الحَقِّ بَل شاهِدُهُ. وَالكَلِمَةُ الَّتي يَحمِلُها تَمتَلِكُ قُوَّةً ذاتِيَّةً لِلنُّموِّ وَالانتِشارِ، كَما تَنمو البِذرَةُ في الأَرضِ بِقُوَّةِ الحَياةِ الكامِنَةِ فيها. لِذٰلِكَ فَإِنَّ واجِبَ التِّلميذِ هُوَ الأَمانَةُ لِلشَّهادَةِ، أَمَّا إِظهارُ الحَقِّ وَإِثمارُهُ فَهُما مِن عَمَلِ اللهِ نَفسِهِ.
27 وَالَّذي أَقولُه لَكُم في الظُّلُماتِ، قولوهُ في وَضَحِ النَّهارِ، وَالَّذي تَسمَعونَهُ يُهمَسُ في آذانِكُم، نادوا بِهِ عَلَى السُّطوحِ
تُشيرُ عِبارَةُ "وَالَّذي أَقولُه لَكُم في الظُّلُماتِ" إلى التَّعليمِ الَّذي كانَ يَسوعُ يُعطيهِ لِتَلاميذِهِ في الجَلَساتِ الخاصَّةِ وَالتَّفسيراتِ السِّرِّيَّةِ لِأَسرارِ المَلَكوت. فَكَلِمَةُ "الظُّلُمات" في الأصلِ اليونانيِّ ἐν τῇ σκοτίᾳ لا تَعني الشَّرَّ أَوِ الخَفاءَ المُريبَ، بَل تُشيرُ إلى الإِطارِ الخاصِّ الَّذي كانَ فيهِ الرَّبُّ يُعَلِّمُ تَلاميذَهُ بَعيدًا عَنِ الجُموع. وَقَد سَبَقَ أَنْ قالَ لَهُم: "لَكُم أُعطِيَ أَنْ تَعرِفوا أَسرارَ مَلَكوتِ السَّماوات" (متى 13: 11). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَشَأِ المَسيحُ أَنْ يَبقى تَعليمُهُ مَحصورًا في دائِرَةٍ ضَيِّقَةٍ، بَل أَرادَ أَنْ يَنتَقِلَ مِنَ التَّلاميذِ إِلى العالَمِ كُلِّهِ" (PG 57, 403).
أَمَّا عِبارَةُ "قولوهُ في وَضَحِ النَّهارِ" فَتُشيرُ إلى ضَرورَةِ إِعلانِ الإِنجيلِ عَلَنًا وَبِجُرأَةٍ. فَالتَّلاميذُ لَم يُدعَوا لِلاحتِفاظِ بِالتَّعليمِ لِأَنفُسِهِم، بَل لِنَقلِهِ إِلى الجَميع. وَتَعبيرُ " في وَضَحِ النَّهارِ " ἐν τῷ φωτί أي "في النُّور" يُقابِلُ الظُّلْمَةَ، وَيُشيرُ إلى وَضوحِ الرِّسالَةِ وَعَلَنِيَّتِها. وَفِي فِكرِ متّى الإِنجيليّ، لا وُجودَ لِتَعاليمَ سِرِّيَّةٍ أَو مَحصورَةٍ بِفِئَةٍ خاصَّةٍ، بَل إِنَّ الحَقَّ المُعلَنَ مِنَ المَسيحِ مُوَجَّهٌ لِجَميعِ البَشَر. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس: "ما تَعَلَّمَهُ الرُّسُلُ مِن فَمِ المُعَلِّمِ الإِلٰهيِّ في الخَفاءِ، أُرسِلوا لِيُنادوا بِهِ جِهارًا لِخَلاصِ العالَم" (PL 26, 74).
أَمَّا عِبارَةُ "وَالَّذي تَسمَعونَهُ يُهمَسُ في آذانِكُم" فَتُشيرُ إلى أُسلوبٍ شَرقِيٍّ مَجازِيٍّ يُعبِّرُ عَنِ التَّعليمِ الخاصِّ. فَالفِعلُ اليونانيُّ ἀκούετε εἰς τὸ οὖς "تَسمَعونَ في الأُذُن" يَدُلُّ على النَّقلِ الشَّخصِيِّ المُباشِرِ. وَكانَ الرَّبُّ يَشرَحُ لِتَلاميذِهِ مَعاني الأَمثالِ وَأَسرارَ المَلَكوتِ الَّتي لَم يَفهَمها الجُموعُ (مرقس 4: 34). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ ما وُهِبَ لِلرُّسُلِ مِن مَعرِفَةٍ لَم يُعطَ لِيُحفَظَ، بَل لِيُوزَّعَ؛ لأَنَّ نِعمَةَ الحَقِّ تَزدادُ بِالعَطاءِ" (PL 9, 975).
أَمَّا عِبارَةُ "نادوا بِهِ عَلَى السُّطوحِ" فَتُشيرُ إلى أَسلوبِ الإِعلانِ العَلَنِيِّ في الشَّرقِ القَديم. فَالسُّطوحُ τῶν δωμάτων كانَت مَكانًا مُرتَفِعًا تُذاعُ مِنهُ الأَخبارُ وَتُوجَّهُ مِنهُ النِّداءاتُ لِأَهلِ المَدينَة. وَلا يَقصِدُ يَسوعُ المَكانَ بِحَدِّ ذاتِهِ، بَل جُرأَةَ الشَّهادَةِ وَوُصولَ البِشارَةِ إِلى الجَميع. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيّ: "إِنَّ الَّذينَ تَنَعَّموا بِسَماعِ كَلِمَةِ اللهِ لا يَحِقُّ لَهُم أَنْ يَكتُموا الكَنزَ الَّذي ائتُمِنوا عَلَيهِ، بَل أَنْ يُذيعوهُ لِخَلاصِ الآخَرين" (PG 72, 429). وَتُظهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ التَّحَوُّلَ مِن مَرحَلَةِ الإِعدادِ إِلى مَرحَلَةِ الرِّسالَةِ. فَما كانَ يُقالُ لِلتَّلاميذِ في الخَفاءِ قَبلَ الفِصحِ وَالعَنصَرَةِ، أَصبَحَ بَعدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ بُشرى عالَمِيَّةً تُنادَى بِها الكَنيسَةُ في كُلِّ مَكان. وَكَما يَقُولُ سِفرُ أَعمالِ الرُّسُل: "كُنتُم شُهودًا لي في أُورَشَليمَ وَفي كُلِّ اليَهودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَحَتّى أَقاصِي الأَرض" (أعمال 1: 8). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "إِنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهيَّةَ لَيسَت كَنزًا يُخفَى، بَل مِصباحًا يُوضَعُ عَلَى المَنارَةِ لِيُضيءَ لِلجَميع" (PL 76, 1139). وَمِن هُنا نَستَنتِجُ أَنَّ مُقاوَمَةَ العالَمِ لِلتَّلاميذِ لا تُوقِفُ انتِشارَ الحَقِّ، بَل تُساهِمُ أَحيانًا في إِظهارهِ أَكثَر. فَالإِنجيلُ لَيسَ كَنزًا يَحتَفِظُ بِهِ المُؤمِنُ لِنَفسِهِ، بَل نُورٌ يَجِبُ أَنْ يُشِعَّ لِيُبَدِّدَ ظُلَمَاتِ العالَم. وَكَما يَقُولُ القِدِّيسُ أُوغسطينوس: "النُّورُ بِطَبيعَتِهِ لا يَستَطيعُ أَنْ يَبقى مَخفِيًّا، وَكَذٰلِكَ كَلِمَةُ المَسيحِ في قَلبِ المُؤمِن" (PL 38, 288).
28 لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْسِ، بَلِ اخْشَوُا الَّذي يَقدِرُ أَنْ يُهلِكَ النَّفْسَ وَالجَسَدَ جَميعًا في جَهَنَّمَ
تُشيرُ عِبارَةُ "لا تَخافوا" إلى التَّكرارِ الثَّاني لوصيَّةِ يَسوعَ بِعَدَمِ الخَوفِ، بَعدَ أَنْ وَرَدَتْ في الآيَةِ السّابِقَةِ (متّى 10: 26)، مِمّا يُبرِزُ أَهَمِّيَّتَها في خِدمَةِ التَّلاميذِ وَرِسالَتِهِم. والفِعلُ اليونانيُّ φοβηθῆτε يَدُلُّ على الخَوفِ وَالذُّعرِ أَمامَ خَطَرٍ مُحتمَلٍ أَو اضطِهادٍ مُرتَقَبٍ. وَقَد كانَ التَّلاميذُ مُعَرَّضينَ لِلسِّجنِ وَالرَّفضِ وَالاضطِهادِ، بَل وَلِلمَوتِ أَيضًا مِن أَجلِ شَهادَتِهِم لِلمَسيحِ. وَيَستَحضِرُ يَسوعُ في هٰذا السِّياقِ كَلامَ النَّبيِّ أَشَعيا: "لا تَخافوا خَوفَهُم ولا تَفزَعوا" (أشعيا 8: 12). وَكَذٰلِكَ يُردِّدُ الرَّسولُ بُطرُسُ الوَصيَّةَ ذاتَها: "لا تَخافوا وَعيدَهُم ولا تَضطَرِبوا" (1 بطرس 3: 14). أَمَّا القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم فيُعَلِّقُ قائِلًا: "إِنَّ المَسيحَ لا يَنزِعُ الاضطِهادَ، بَل يَنزِعُ الخَوفَ مِنهُ" (PG 57, 399).
أَمَّا عِبارَةُ "الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ" فَتُشيرُ إلى المُضطَهِدينَ الَّذينَ يَملِكونَ القُدرَةَ عَلَى إِيذاءِ الإِنسانِ جَسَدِيًّا فَقَط، سَواءٌ أَكانوا سُلطاتٍ مُعاديَةً (متّى 10: 18)، أَم أَفرادًا مِن أَهلِ البَيتِ نَفسِهِ (متّى 10: 21)، أَم أُناسًا يُقاوِمونَ الحَقَّ وَالإِنجيلَ. وَيُذَكِّرُ يَسوعُ تَلاميذَهُ بِأَنَّ أَقصى ما يَستَطيعُهُ هٰؤُلاءِ هُوَ إِنهاءُ الحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ.
أَمَّا كَلِمَةُ "الجَسَد" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ σῶμα، وَتُشيرُ إلى البُعدِ المادِّيِّ مِن وُجودِ الإِنسانِ. أَمَّا "النَّفْس" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ψυχή، وَتَدُلُّ عَلَى الشَّخصِ الإِنسانيِّ الحَيِّ بِكامِلِ هُوِيَّتِهِ وَعَلاقَتِهِ بِاللهِ. وَمِن هُنا يُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّ سُلطانَ الإِنسانِ يَبقى مَحدودًا، إِذ يَستَطيعُ أَنْ يَقتُلَ الجَسَدَ، لٰكِنَّهُ لا يَقدِرُ أَنْ يَنتَزِعَ النَّفسَ مِن يَدَيِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ المَوتَ الجَسَدِيَّ لَيسَ نِهايَةَ الإِنسانِ، لأَنَّ النَّفسَ تَبقى مَحفوظَةً في سُلطانِ اللهِ" (PL 9, 977) .
أَمَّا عِبارَةُ "بَلِ اخْشَوُا الَّذي يَقدِرُ" فَتُشيرُ إلى مَخافَةِ اللهِ لا مَخافَةِ النّاسِ. وَالفِعلُ اليونانيُّ φοβεῖσθε لا يَعني الرُّعبَ مِنَ اللهِ، بَلِ الاحترامَ المُقترِنَ بِالإِيمانِ وَالخُضوعِ لِسُلطانِهِ. وَهٰذِهِ المَخافَةُ المُقَدَّسَةُ هِيَ رَأسُ الحِكمَةِ (مزمور 111: 10). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغسطينوس: "لا يَطلُبُ مِنّا الرَّبُّ أَنْ نَخافَهُ كَعَبيدٍ، بَل أَنْ نَهابَهُ كَأَبناءٍ يُحِبّونَ أَباهُم وَلا يُريدونَ أَنْ يَفقِدوا شَرِكَتَهُم مَعَهُ" (PL 37, 1471).
أَمَّا عِبارَةُ "أَنْ يُهلِكَ النَّفْسَ وَالجَسَدَ جَميعًا في جَهَنَّمَ" فَتُشيرُ إلى الدَّينونَةِ النِّهائِيَّةِ الَّتي تَقَعُ بَعدَ انقِضاءِ الزَّمانِ. وَالفِعلُ اليونانيُّ ἀπολέσαι يَعني "يُهلِكَ" أَو "يُفقِد"، وَهُوَ يُشيرُ إلى الهَلاكِ الأَبَدِيِّ النّاتِجِ عَنِ الرَّفضِ الحُرِّ لِلهِ.
أَمَّا "جَهَنَّم" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ γέεννα، وَهِيَ مُشتَقَّةٌ مِنَ العِبرِيَّةِ גֵּי־הִנֹּם (وادي هِنُّوم)، وَهُوَ وادٍ جَنوبَ أُورَشَليمَ كانَ مَرتَبِطًا بِعِباداتٍ وَثَنِيَّةٍ وَبِحَرقِ النَّفاياتِ، فَصارَ رَمزًا لِلعِقابِ الأَبَدِيِّ وَالهَلاكِ النِّهائِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ايرونيموس: "إِنَّ الَّذي يَخافُ اللهَ لا يَخافُ الإِنسانَ، أَمَّا الَّذي يَخافُ الإِنسانَ أَكثَرَ مِنَ اللهِ فَقَد جَعَلَ مِنَ المَخلوقِ سَيِّدًا عَلَى ضَميرِهِ" PL 26, 76). وَيُبَيِّنُ يَسوعُ هُنا المُفارَقَةَ بَينَ هٰذا العالَمِ وَالعالَمِ الآتي: فَالأَعداءُ يَملِكونَ سُلطانًا وَقتِيًّا عَلَى الجَسَدِ، أَمَّا اللهُ فَلَهُ السُّلطانُ المُطلَقُ عَلَى المَصيرِ الأَبَدِيِّ لِلإِنسانِ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ الشَّهادَةَ لِلمَسيحِ لا تُقاسُ بِالخَوفِ مِنَ الاضطِهادِ، بَل بِالثِّقَةِ بِاللهِ الَّذي يَقودُ أَولادَهُ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيَختِمُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير هٰذا المَعنى قائِلًا: "مَن يَخشى اللهَ حَقًّا لا تَستَطيعُ قُوَى العالَمِ أَنْ تُرعِبَهُ، لأَنَّهُ وَجَدَ في اللهِ الأَمَانَ الَّذي لا يَزولُ" PL 76, 1142)).
29 أَمَا يُباعُ عُصفورانِ بِفَلْسٍ؟ وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلَى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ أَبيكُم
تُشيرُ عِبارَةُ "أَمَا يُباعُ عُصفورانِ بِفَلْسٍ؟" إلى مَثَلٍ يَستَخدِمُهُ يَسوعُ لِيُبَيِّنَ عِنايةَ اللهِ الدَّقيقةَ بِخَليقَتِهِ. فَكَلِمَةُ "فَلْس" في الأَصلِ اليونانيِّ ἀσσάριον، وَهِيَ تُشيرُ إلى أَصغَرِ عُملَةٍ رومانِيَّةٍ كانَت مُتَداوَلَةً في ذٰلِكَ الزَّمان، وَتُعادِلُ جُزءًا يَسيرًا مِنَ الدِّينارِ الرُّومانيِّ. وَكانَ العُصفورُ مِن أَرخَصِ الطُّيورِ ثَمَنًا، حَتّى إِنَّهُ كانَ يُباعُ لِلفُقَراءِ طَعامًا زَهيدَ الكُلفَةِ. وَيُورِدُ لوقا الإِنجيليُّ الصُّورَةَ ذاتَها بِشَكلٍ أَوسَع: "أَلَيسَت خَمسَةُ عَصافيرَ تُباعُ بِفَلسَين؟" (لوقا 12: 6)، مِمّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ البائِعَ كانَ يُضيفُ عُصفورًا خامِسًا مَجّانًا لِضُعفِ قِيمَتِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ هٰذا العُصفورَ الَّذي لا يُحسَبُ لَهُ ثَمَنٌ عِندَ النّاسِ لا يَخرُجُ عَن عِنايةِ اللهِ وَعِلمِهِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: "إِذا كانَ اللهُ لا يُهمِلُ العَصافيرَ الَّتي تُباعُ بِثَمَنٍ زَهيدٍ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعتَني بِالَّذينَ خُلِقوا عَلَى صورَتِهِ!" (PG 57, 401).
أَمَّا عِبارَةُ "لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلَى الأَرضِ" فَتُشيرُ إلى أَحداثِ الحَياةِ الَّتي يَراها البَشَرُ صَغيرَةً أَو عَرَضِيَّةً. فَالفِعلُ اليونانيُّ πεσεῖται "يَسقُط" لا يَعني مُجَرَّدَ الوُقوعِ، بَل يَشمَلُ المَوتَ أَو الهَلاكَ. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ أَنَّهُ لا يَحدُثُ شَيءٌ في الخَليقَةِ خَارِجَ عَن عِلمِ اللهِ وَعِنايَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ العِنايةَ الإِلٰهيَّةَ لا تَقتَصِرُ عَلَى الأُمورِ العَظيمَةِ، بَل تَشمَلُ أَصغَرَ الكائِناتِ وَأَخفَى الأَحداث" (PL 9, 978).
أَمَّا عِبارَةُ "بِغَيرِ عِلمِ أَبيكُم" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ἄνευ τοῦ πατρὸς ὑμῶν، وَمَعناها الحَرفيُّ: "مِن دونِ أَبيكُم". وَلا يَقصِدُ النَّصُّ مُجَرَّدَ المَعرِفَةِ العَقليَّةِ، بَل العِلمَ المَقرونَ بِالعِنايةِ وَالتَّدبيرِ. فَاللهُ لا يَراقِبُ خَليقَتَهُ مِن بُعدٍ، بَل يَرعاها رِعايَةَ أَبٍ مُحِبٍّ. وَهُنا يَنتَقِلُ يَسوعُ مِن صُورَةِ العُصفورِ إِلى وَضعِ التَّلاميذِ أَنفُسِهِم. فَإِذا كانَ اللهُ يَعتَني بِطائِرٍ صَغيرٍ لا يُساوي إِلّا فَلسًا واحِدًا، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعتَني بِالَّذينَ دَعاهُم أَبناءً لَهُ! وَمِن هُنا يَظهَرُ السَّبَبُ الثّالِثُ لِعَدَمِ الخَوفِ: فَحَياةُ التِّلميذِ لَيسَت مُتروكَةً لِلمُصادَفَةِ، بَل هِيَ في يَدَيِ اللهِ. ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ جيروم قائِلًا: "إِن كانَ العُصفورُ لا يَسقُطُ إِلّا بِعِلمِ اللهِ، فَكَيفَ يَظُنُّ الإِنسانُ أَنَّ آلامَهُ أَو اضطِهاداتِهِ تَخرُجُ عَن عِنايَتِهِ؟" (PL 26, 77).
أَمَّا تَسمِيَةُ اللهِ "أَبيكُم" فَتُعَدُّ مِن أَجْمَلِ تَعابيرِ هٰذا النَّصِّ. فَيَسوعُ لا يَقولُ "اللهُ" فَقَط، بَل "أَبيكُم"، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ العِنايةَ الإِلٰهيَّةَ لَيسَت عِنايةَ خالِقٍ بِمَخلوقاتِهِ فَحَسب، بَل عِنايةُ أَبٍ بِأَبنائِهِ. وَهٰذا يَنسَجِمُ مَعَ كُلِّ إِنجيلِ متّى الَّذي يُبرِزُ أُبوَّةَ اللهِ لِلمُؤمِنينَ (متّى 6: 8؛ 6: 32؛ 7: 11). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغسطينوس: "مَن عَرَفَ اللهَ أَبًا لَهُ، لا يَبقى أَسيرَ الخَوفِ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ ما يَسمَحُ بِهِ اللهُ يَصيرُ لِخَيرِ أَولادِهِ" (PL 38, 440). وَتُعَلِّمُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ الاضطِهادَ وَالأَلَمَ وَحَتّى المَوتَ لا يَقَعونَ خَارِجَ مَشيئَةِ اللهِ وَتَدبيرِهِ الخَلاصيِّ. فَكَمَا لا يَموتُ عُصفورٌ مِن دونِ عِلمِ الآبِ، كَذٰلِكَ لا يَضيعُ تِلميذٌ مِن دُونِ عِنايَتِهِ. وَمِن هُنا تَنبَعُ ثِقَةُ المُؤمِنِ وَشَجاعَتُهُ في الشَّهادَةِ، لِأَنَّ حَياتَهُ وَمَوتَهُ بَينَ يَدَيِ الآبِ السَّماويِّ. ويَختِمُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير قائِلًا: "مَن يَضَعُ نَفسَهُ بَينَ يَدَيِ اللهِ لا يَعودُ يَرتَعِبُ مِن تَقَلُّباتِ العالَمِ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ عِنايةَ الآبِ تَسبِقُهُ وَتُرافِقُهُ وَتَقودُهُ إِلى الخَلاص" (PL 76, 1144).
30 أَمَّا أَنتُم فَشَعَرُ رُؤُوسِكُم نَفسُهُ مَعدودٌ بِأَجمَعِهِ (متّى 10: 30).
تُشيرُ عِبارَةُ "أَمَّا أَنتُم فَشَعَرُ رُؤُوسِكُم نَفسُهُ مَعدودٌ بِأَجمَعِهِ" إلى ذِروَةِ تَعليمِ يَسوعَ عَنِ العِنايةِ الإِلٰهيَّةِ وَالثِّقَةِ بِالآبِ السَّماويِّ. فَبَعدَ أَنْ تَكلَّمَ عَنِ العَصافيرِ الَّتي لا تَسقُطُ إِلَى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ اللهِ (متّى 10: 29)، يَنتَقِلُ الآنَ إِلَى ما هُوَ أَقرَبُ إِلَى الإِنسانِ، أَي إِلَى شَعرِ الرَّأسِ نَفسِهِ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ عِنايةَ اللهِ تَشمَلُ أَدَقَّ تَفاصيلِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "شَعَرُ رُؤُوسِكُم" فَهِيَ تَعبيرٌ جارٍ مَجرَى المَثَلِ، يُرادُ بِهِ العِلمُ الكامِلُ وَالعِنايةُ الشّامِلَةُ. فَالشَّعرُ مِن أَصغَرِ الأَشياءِ وَأَقلِّها أَهَمِّيَّةً في نَظرِ الإِنسانِ، حَتّى إِنَّهُ لا يَلتَفِتُ إِلَى سُقوطِ شَعرَةٍ واحِدَةٍ. أَمَّا اللهُ فَيَعرِفُها وَيُحصيها. وَقَد وَرَدَ المَعنى نَفسُهُ في كَلامِ الرَّبِّ: "لَن تَهلِكَ شَعرَةٌ مِن رُؤُوسِكُم" (لوقا 21: 18)، وَكَذٰلِكَ في قَولِ بولُسَ لِرِفاقِهِ في السَّفينَةِ: "لا تَسقُطُ شَعرَةٌ مِن رَأسِ أَحَدٍ مِنكُم" (أعمال الرُّسُل 27: 34). ويُعَلِّقُ القِدِّيسُ جيروم: "إِذا كانَ اللهُ يَعرِفُ ما لا نَعرِفُهُ نَحنُ عَن أَنفُسِنا، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعرِفُ احْتِياجاتِنا وَيُدَبِّرُ خَلاصَنا" (PL 26, 78).
أَمَّا عِبارَةُ "مَعدودٌ بِأَجمَعِهِ" فَتُؤَكِّدُ كَمالَ العِلمِ الإِلٰهيِّ. فَاللهُ لا يَعرِفُ الإِنسانَ بِصُورَةٍ جُملِيَّةٍ، بَل يَعرِفُهُ فَردًا فَردًا، وَتَفصيلًا تَفصيلًا. وَهٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مَعرِفَةً بارِدَةً أَو نَظَرِيَّةً، بَل مَعرِفَةُ مَحبَّةٍ وَعِنايةٍ وَرِعايَةٍ. وَالفِعلُ اليونانيُّ "مَعدودٌ" ἠριθμημέναι εἰσίν، وَمَعناهُ "مَعدودَةٌ"، جاءَ بِصيغَةِ التَّمامِ، مِمّا يَدُلُّ عَلَى حَالَةٍ دائِمَةٍ وَمُستَمِرَّةٍ. فَاللهُ لا يَعرِفُ الإِنسانَ مَعرِفَةً عامَّةً فَقَط، بَل يَعرِفُهُ مَعرِفَةً شَخصِيَّةً كامِلَةً، تَبلُغُ إِلَى أَدَقِّ ما فيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ إِنَّهُ يَعرِفُ أَعمالَكُم فَحَسب، بَل إِنَّهُ يَعرِفُ حَتّى عَدَدَ شُعرِ رُؤُوسِكُم، لِيُظهِرَ أَنَّ عِنايَتَهُ تَشمَلُ كُلَّ شَيءٍ" PG 57, 402). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغسطينوس قائِلًا: "إِنَّ اللهَ يَعرِفُكَ أَكثَرَ مِمّا تَعرِفُ أَنتَ نَفسَكَ، وَيُحِبُّكَ أَكثَرَ مِمّا تُحِبُّ نَفسَكَ" (PL 36, 284). وَمِن هُنا يَظهَرُ السَّبَبُ الرّابِعُ لِعَدَمِ الخَوفِ في الشَّهادَةِ لِلمَسيحِ. فَإِذا كانَ اللهُ يَعتَني بِشَعرِ الرَّأسِ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعتَني بِحَياةِ التِّلميذِ وَرِسالَتِهِ وَآلامِهِ. لِذٰلِكَ لا يَجِبُ أَنْ يَستَسلِمَ المُؤمِنُ لِلخَوفِ أَمامَ الاضطِهادِ أَو الرَّفضِ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ حَياتَهُ كُلَّها بَينَ يَدَيِ الآبِ. وَقَد أَشارَ البابا فرنسيس إلى هٰذا المَعنى قائِلًا: "في خِضَمِّ العَداءِ وَالاضطِهادِ لا يَجِبُ عَلَى المَسيحيِّ أَنْ يَفقِدَ الرَّجاءَ، لأَنَّ اللهَ يَرى كُلَّ أَلَمٍ، حَتّى الأَلَمَ الصَّغيرَ وَالخَفِيَّ، وَيُرافِقُ أَولادَهُ بِعِنايَتِهِ الأَبَوِيَّةِ" (المُقابَلَةُ العامَّة، 28 حزيران 2017). وَيُلَخِّصُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكبير هٰذِهِ الحَقيقَةَ بِقَولِهِ: "إِنَّ الَّذي يَثِقُ بِعِنايةِ اللهِ لا يَضطَرِبُ مِن أَحداثِ الحَياةِ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ ما يَبدو صَغيرًا عِندَ النّاسِ هُوَ مَعروفٌ وَعَزيزٌ عِندَ اللهِ" (PL 76, 1145). وَهٰكَذا يُريدُ يَسوعُ أَنْ يَغرِسَ في قُلوبِ تَلاميذِهِ ثِقَةً كامِلَةً بِعِنايةِ الآبِ السَّماويِّ. فَلا شَيءَ في حَياتِهِم يَضيعُ، وَلا أَلَمٌ يَمرُّ مِن دونِ عِلمِ اللهِ، وَلا تَضحِيَةٌ تُنسَى أَمامَ عَينَيهِ. وَإِذا كانَت شَعرَةٌ واحِدَةٌ مَعروفَةً لَدَيهِ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَكونُ المُؤمِنُ نَفسُهُ مَوضِعَ مَحبَّتِهِ وَعِنايَتِهِ الدّائِمَةِ.
31. لا تَخافوا، أَنتُم أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعاً
تُشيرُ عِبارَةُ "لا تَخافوا" إِلى الخاتِمَةِ العَمَلِيَّةِ لِلتَّعليمِ الَّذي بَدَأَهُ يَسوعُ عَن عِنايَةِ الآبِ السَّماويِّ (متّى 10: 29-30). فَبَعدَ أَنْ أَكَّدَ أَنَّ العَصافيرَ لا تَسقُطُ إِلى الأَرضِ مِن دونِ عِلمِ اللهِ، وَأَنَّ شُعورَ رُؤوسِ التَّلاميذِ مَعدودَةٌ بِأَجمَعِها، يَستَخلِصُ النَّتيجَةَ المَنطِقِيَّةَ: "لا تَخافوا". وَالفِعلُ اليونانيُّ μὴ οὖν φοβεῖσθε يَحمِلُ مَعنى: "لا تَستَسلِموا لِلخَوفِ، وَلا تَجعَلوهُ يُسَيطِرُ عَلَيكُم". فَالمَسيحُ لا يُنكِرُ وُجودَ الأَخطارِ وَالاضطِهاداتِ، بَل يَدعو تَلاميذَهُ إِلى الثِّقَةِ بِاللهِ وَسَطَها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "بَعدَ أَنْ أَقنَعَهُم بِعِنايَةِ اللهِ مِن خِلالِ العَصافيرِ وَالشَّعْرِ، يَرفَعُ قُلوبَهُم إِلى الشَّجاعَةِ قائِلًا: لا تَخافوا، لأَنَّ مَن يَعتَني بِالأُمورِ الصَّغيرَةِ يَعتَني أَكثَرَ بِمَن خُلِقوا عَلى صورَتِهِ" (PG 57, 403).
أَمَّا عِبارَةُ "أَنتُم أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعاً" فَتُشيرُ إِلى الكَرامَةِ الفَريدَةِ الَّتي يَتَمَتَّعُ بِها الإِنسانُ في نَظَرِ اللهِ. إنَّه تعالى يَنظر إلينَا كأبناء عظماء. فَالعُصفورُ، عَلى الرَّغمِ مِن ضَآلَةِ ثَمَنِهِ، مَوضوعُ عِنايَةِ اللهِ؛ أَمَّا الإِنسانُ فَقَد خُلِقَ عَلى صورَةِ اللهِ وَمِثالِهِ (تكوين 1: 26-27)، وَلِذٰلِكَ تَفوقُ قيمتُهُ قيمَةَ جَميعِ المَخلوقاتِ الأَرضيَّةِ. وَيُستَعمَلُ " أَثمَنُ " الفِعلُ اليونانيُّ διαφέρετε بِمَعنى "تَتفَوَّقونَ كَثيرًا" أَو "أَنتُم أَكثَرُ قِيمَةً". فَالمُقارَنَةُ هُنا لَيسَت مُجَرَّدَ تَفضيلٍ بَسيطٍ، بَل إِعلانٌ عَن مَكانَةِ الإِنسانِ المُتَمَيِّزَةِ في قَلبِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قائِلًا: "إِذا كانَ اللهُ لا يُهمِلُ العَصافيرَ الَّتي خَلَقَها، فَكَيفَ يُهمِلُ الإِنسانَ الَّذي افتَداهُ بِدَمِ ابنِهِ الوَحيدِ؟" (PL 38, 424). وَتَكشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَن أَحَدِ أَجمَلِ أَبعادِ الأُبوَّةِ الإِلٰهيَّةِ في إِنجيلِ متّى. فَاللهُ لا يَنظُرُ إِلى المُؤمِنينَ كَعَبيدٍ أَو أَدَواتٍ، بَل كَأَبناءٍ مَحبوبينَ. وَلِهٰذا السَّبَبِ لا يَعتمِدُ تِلميذُ المَسيحِ في رِسالَتِهِ عَلى قُوَّتِهِ الشَّخصيَّةِ أَو قُدراتِهِ البَشَرِيَّةِ، بَل عَلى عَلاقتِهِ البَنَوِيَّةِ بِاللهِ الآبِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه إِلى هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "إِنَّ الَّذي يَعرِفُ أَنَّهُ ابنٌ لِلهِ لا يَخافُ العالَمَ، لأَنَّ مَحبَّةَ الآبِ أَعظَمُ مِن كُلِّ تَهديدٍ بَشَرِيٍّ" (PL 9, 971). كَما تَحمِلُ الآيَةُ بُعدًا استِشهادِيًّا مُهِمًّا. فَالمَسيحُ لا يَعِدُ تَلاميذَهُ بِحَياةٍ خالِيَةٍ مِنَ الأَلَمِ، بَل يُؤَكِّدُ لَهُم أَنَّ حَياتَهُم وَمَوتَهُم بَينَ يَدَيِ اللهِ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ الاضطِهادَ أَو حَتَّى المَوتَ لا يُمكِنُ أَنْ يَكونا حَدَثًا عَبَثِيًّا أَو صُدفَةً عَمياءَ، بَل يَدخُلانِ ضِمنَ تَدبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيّ: "إِنَّ الَّذينَ يَتَأَلَّمونَ مِن أَجلِ المَسيحِ لَيسوا مَتروكينَ لِعَوامِلِ المُصادَفَةِ، بَل مَحفوظونَ في عِنايَةِ اللهِ الَّذي يُحَوِّلُ آلامَهُم إِلى مَجدٍ وَشَهادَتَهُم إِلى حَياةٍ" (PG 72, 428). وَفي هٰذا السِّياقِ يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "الخَوفُ يَزولُ عِندَما يُدرِكُ الإِنسانُ كَم هُوَ ثَمينٌ في عَينَيِ اللهِ؛ لأَنَّ مَن عَرَفَ مَحبَّةَ اللهِ لا يَعودُ يَخشى خَسارَةَ ما يُمكِنُ أَنْ يَأخُذَهُ العالَمُ مِنهُ" (PL 76, 1146). وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذُروَةَ هٰذا القِسمِ كُلِّهِ (متّى 10: 26-31)، إِذ تَنتَقِلُ مِن عِنايَةِ اللهِ بِالعَصافيرِ، إِلى مَعرِفَتِهِ الدَّقيقَةِ بِشُعورِ الرَّأسِ، ثُمَّ إِلى الإِعلانِ النِّهائيِّ عَن قِيمَةِ الإِنسانِ في نَظَرِهِ. لِذٰلِكَ يَستَطيعُ تِلميذُ المَسيحِ أَنْ يُواجِهَ الرَّفضَ وَالاضطِهادَ وَالسُّخرِيَةَ بِثِقَةٍ وَسَلامٍ، لأَنَّ حَياتَهُ لَيسَت رَهينَةَ البَشَرِ بَل مَحفوظَةٌ في يَدِ الآبِ السَّماويِّ. وَفي ضَوءِ هٰذِهِ الآيَةِ يَطرَحُ المُؤمِنُ عَلى نَفسِهِ سُؤالًا رُوحيًّا: هَل أَعيشُ بِثِقَةِ الأَبناءِ في عِنايَةِ اللهِ، أَم ما زِلتُ أَسمَحُ لِلخَوفِ أَنْ يَتَحَكَّمَ بِقَراراتي وَشَهادَتي لِلمَسيحِ؟ فَمَعرِفَةُ المُؤمِنِ بِرِعايَةِ اللهِ الأَبَوِيَّةِ تُمَكِّنُهُ مِن تَجاوُزِ الخَوفِ، وَالثَّباتِ في الحَقِّ، وَالشَّهادَةِ لِلإِنجيلِ بِجُرأَةٍ وَفَرَحٍ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ في نَظَرِ اللهِ "أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعًا".
32 مَن شَهِدَ لي أَمامَ النَّاسِ، أَشهَدُ لَه أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ
تُشيرُ عِبارَةُ "مَن" في الأَصلِ اليونانيِّ Πᾶς οὖν ὅστις، وَمَعناها: "فَكُلُّ مَن"، إِلى شُموليَّةِ الدَّعوَةِ وَالمَسؤوليَّةِ، فَلا يَقتَصِرُ هٰذا الوَعدُ عَلى الرُّسُلِ وَحدَهُم، بَل يَشمَلُ كُلَّ مُؤمِنٍ يَلتَصِقُ بِالمَسيحِ وَيَشهَدُ لَهُ. فَالمَسيحُ لا يُمَيِّزُ بَينَ الأَشخاصِ، بَل يَدعو الجَميعَ إِلى الاعتِرافِ بِهِ أَمامَ العالَمِ.
أَمَّا عِبارَةُ "شَهِدَ لي" فالفِعلُ اليونانيُّ ὁμολογήσει مُشتَقٌّ مِنَ الفِعلِ ὁμολογέω، وَمَعناهُ: "يَعتَرِفُ عَلَنًا" أَو "يُقِرُّ جِهارًا". وَلا يَقتَصِرُ هٰذا الاعتِرافُ عَلى الكَلِماتِ، بَل يَشمَلُ الحَياةَ كُلَّها. فَالشَّهادَةُ لِلمَسيحِ تَعني الإِيمانَ بِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِتَعليمِهِ، وَالسَّيرَ بِحَسَبِ وَصاياهُ، وَعَدَمَ الخَجَلِ مِنَ الانتِماءِ إِلَيهِ مَهما كانَتِ الظُّروفُ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: "لَم يَقُلْ: مَن أَحَبَّني في قَلبِهِ فَقَط، بَل مَنِ اعتَرَفَ بي أَمامَ النَّاسِ، لأَنَّ الإِيمانَ الحَقيقيَّ لا يَبقى مَخفِيًّا بَل يَظهَرُ في الأَعمالِ وَالأَقوالِ" (PG 57, 409).
وتُشيرُ عِبارَةُ "أَمامَ النَّاسِ" إِلى البُعدِ العَلَنيِّ لِلشَّهادَةِ المَسيحيَّةِ. فَالمُؤمِنُ مَدعُوٌّ لِيَكونَ نُورًا لِلعالَمِ (متّى 5: 14)، وَأَنْ يُظهِرَ إِيمانَهُ في بِيئَتِهِ وَعَمَلِهِ وَعَلاقاتِهِ. وَقَد تَصِلُ هٰذِهِ الشَّهادَةُ إِلى حَدِّ الاستِشهادِ وَسَفكِ الدَّمِ، كَما حَدَثَ مَعَ الرُّسُلِ وَالشُّهَداءِ الأَوائِلِ. لِذٰلِكَ يَربِطُ يَسوعُ مَصيرَ تَلاميذِهِ بِمَصيرِهِ هُوَ نَفسِهِ، لأَنَّهُم يَشتَرِكونَ مَعَهُ في الرِّسالَةِ وَالمَجدِ أَيضًا. ويَقولُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لا يَكفي أَنْ تُؤمِنَ بِالمَسيحِ في قَلبِكَ إِذا كُنتَ تَخجَلُ مِنَ الاعتِرافِ بِهِ بِشَفَتَيكَ عِندَما يَتَطَلَّبُ الأَمرُ ذٰلِكَ" (PL 38, 987).
أَمَّا عِبارَةُ "أَشهَدُ لَهُ" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ὁμολογήσω κἀγὼ ἐν αὐτῷ، أَي "أَعتَرِفُ أَنا أَيضًا بِهِ". وَهُنا يَظهَرُ مَبدَأُ المُعامَلَةِ بِالمِثلِ: فَكَما يَعتَرِفُ المُؤمِنُ بِالمَسيحِ عَلَى الأَرضِ، يَعتَرِفُ المَسيحُ بِهِ في السَّماءِ. إِنَّ الشَّهادَةَ لِلمَسيحِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ تُقابِلُها شَهادَةُ المَسيحِ لِلمُؤمِنِ في الأَبَدِيَّةِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ الَّذي لا يَخجَلُ مِنَ المَسيحِ أَمامَ البَشَرِ، لَن يَخجَلَ المَسيحُ مِن أَنْ يُعلِنَهُ خاصَّتَهُ أَمامَ الآبِ وَالمَلائِكَةِ" (PL 9, 973).
أَمَّا عِبارَةُ "أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ" فَتُشيرُ إِلى مَشهَدِ الدَّينونَةِ الأَخيرَةِ، حَيثُ يَقِفُ المَسيحُ الدَّيّانُ وَالشَّفيعُ مَعًا. فَالمَسيحُ هُنا يُنَصِّبُ نَفسَهُ وَسيطًا بَينَ المُؤمِنينَ وَالآبِ، كَما يُعلِنُ يوحنّا الرَّسولُ: "إِن أَخطَأَ أَحَدٌ، فَلَنا شَفيعٌ عِندَ الآبِ، يَسوعُ المَسيحُ البارُّ" (1 يوحنّا 2: 1). ويُذَكِّرُ هٰذا الوَعدُ بِما وَرَدَ في العَهدِ القَديمِ: "إِنَّ الَّذينَ يُكرِمونَني أُكرِمُهُم" (1 صموئيل 2: 30). فَمَن يُكرِمُ المَسيحَ بِالإِيمانِ وَالشَّهادَةِ عَلَى الأَرضِ، يُكرِمُهُ المَسيحُ بِالمَجدِ أَمامَ الآبِ في السَّماءِ. ويُعلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير قائِلًا: "إِنَّ الاعتِرافَ بِالمَسيحِ أَمامَ النَّاسِ يَتِمُّ في زَمَنِ الجِهادِ، أَمَّا اعتِرافُ المَسيحِ بِنا أَمامَ الآبِ فَيَتِمُّ في زَمَنِ المَجدِ" (PL 76, 1203). كَما يَربِطُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيّ بَينَ هٰذِهِ الآيةِ وَدَورِ المَسيحِ الوَسيطِ، فَيَقولُ: "إِنَّ الَّذينَ يَتَّحِدونَ بِالمَسيحِ بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ، يَعتَرِفُ بِهِمُ الابنُ أَمامَ الآبِ كَأَعضاءِ جَسَدِهِ وَشُرَكاءِ مَجدِهِ" (PG 72, 429). وتَكشِفُ هٰذِهِ الآيةُ عَنِ السَّبَبِ الرّابِعِ الَّذي يَدعو التَّلاميذَ إِلى عَدَمِ الخَوفِ. فَحَتّى لَو رَفَضَهُمُ العالَمُ أَو اضطَهَدَهُم أَو حَكَمَ عَلَيهِم بِالمَوتِ، فَإِنَّ المَسيحَ نَفسَهُ سَيَقِفُ إِلى جانِبِهِم يَومَ الدَّينونَةِ وَيَشهَدُ لَهُم أَمامَ الآبِ السَّماويِّ. لِذٰلِكَ فَخَسارَةُ رِضى النَّاسِ لا تُقارَنُ بِرِبحِ شَهادَةِ المَسيحِ في الأَبَدِيَّةِ. وفي هٰذا الصَّدَدِ يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس بالاماس: "كَخادِمٍ لِلرَّبِّ يَشهَدُ القِدِّيسونَ لِلمَسيحِ أَمامَ البَشَرِ في هٰذِهِ الحَياةِ القَصيرَةِ، أَمَّا المَسيحُ فَيَشهَدُ لَهُم أَمامَ الآبِ في الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتي لا تَزولُ" (PG 151, 433). وَهٰكَذا تَدعو هٰذِهِ الآيةُ كُلَّ مُؤمِنٍ إِلى فَحصِ ضَميرِهِ: هَل أَشهَدُ لِلمَسيحِ في حَياتي اليَوميَّةِ، أَم أُخفي إيماني خَوفًا مِنَ النَّاسِ؟ فَالشَّهادَةُ لِلمَسيحِ لَيسَتِ امتِيازًا لِلرُّسُلِ وَالشُّهَداءِ فَقَط، بَل هِيَ دَعوَةُ كُلِّ مُعَمَّدٍ، لأَنَّ الَّذي يَعتَرِفُ بِالمَسيحِ أَمامَ النَّاسِ، سَيَجِدُ المَسيحَ نَفسَهُ يَومًا يَعتَرِفُ بِهِ "أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ".
33 وَمَن أَنْكَرَني أَمامَ النَّاس، أُنكِرْهُ أَنا أَيضًا أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمَوات
تُشيرُ عِبارَةُ "وَمَن أَنْكَرَني" فالفعلُ اليونانيُّ ἀρνήσηται مِنَ الفِعل ἀρνέομαι، وَمَعناهُ: "يُنكِرُ" أَو "يَرفُضُ الاعترافَ". وَلا يَقتَصِرُ الإِنكارُ عَلَى الأَقوالِ فَقَط، بَل يَشمَلُ الأَفعالَ أَيضًا. فَقَد يُنكِرُ الإِنسانُ المَسيحَ بِكَلامِهِ، أَو بِسُلوكِهِ، أَو بِصَمتِهِ عِندَما يَجِبُ أَنْ يَتَكَلَّمَ. وَهٰذا ما حَدَثَ مَعَ بُطرُسَ الرَّسولِ عِندَ دارِ رَئيسِ الكَهَنَةِ، إِذ قالَ: "إِنِّي لا أَعرِفُ هٰذا الرَّجُل" (متّى 26: 72). ويُعلِّقُ القدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَم قائِلًا: "الإِنكارُ لا يَكونُ بِاللِّسانِ وَحدَهُ، بَلْ بِالحَياةِ أَيضًا، فَكَثيرونَ يَعترِفونَ بِالمَسيحِ بِأَفواهِهِم وَيُنكِرونَهُ بِأَعمالِهِم".
أمَّا عِبارَةُ "أَمامَ النَّاس" فَتُشيرُ إِلى المَجالِ العَلَنيِّ الَّذي يَظهَرُ فيهِ الإِيمانُ أَو الإِنكارُ. فَالمَسيحيَّةُ لَيسَت أَمرًا خَاصًّا مَحصورًا في الدَّاخِلِ، بَل هِيَ شَهادَةٌ تُعاشُ وَتُعلَنُ في العالَمِ.
أمَّا عِبارَةُ "أُنكِرْهُ أَنا أَيضًا" فَتُشيرُ إِلى مَبدَأِ المُعامَلَةِ بِالمِثلِ في الدَّينونَةِ. فَمَن رَفَضَ المَسيحَ أَمامَ البَشَرِ، يَرفُضُهُ المَسيحُ أَمامَ الآبِ. وَلا يَعني ذٰلِكَ أَنَّ المَسيحَ يَنتَقِمُ، بَل أَنَّهُ يُثَبِّتُ بِالحُكمِ الإِلٰهيِّ الخِيارَ الَّذي اتَّخَذَهُ الإِنسانُ بِحُرِّيَّتِهِ. ويُعلِّقُ القدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "مَن لا يُريدُ أَنْ يَكونَ لِلمَسيحِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ، لا يَستَطيعُ أَنْ يَطلُبَ أَنْ يَكونَ المَسيحُ لَهُ في الأَبَدِيَّةِ" (PL 9, 974).
أمَّا عِبارَةُ "أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمَوات" فَتُشيرُ إِلى مَشهَدِ الدَّينونَةِ الأَخيرَةِ، حَيثُ يَقِفُ المَسيحُ وَسيطًا وَشَفيعًا وَدَيّانًا في آنٍ واحِدٍ. وَهُنا يَتَحَقَّقُ ما قالَهُ يَسوعُ في مَوضِعٍ آخَرَ: "ما عَرَفتُكُم قَطّ، فَابتَعِدوا عَنِّي يا فاعِلي الإِثم" (متّى 7: 23). ويُشيرُ إِنجيلُ مَرقُسَ إِلى المَعنى نَفسِهِ: "مَن يَستَحيي بي وَبِكَلامي في هٰذا الجيلِ الفاسِقِ الخاطِئِ يَستَحيي بِهِ ابنُ الإِنسانِ مَتى جاءَ في مَجدِ أَبيهِ مَعَ المَلائِكَةِ الأَطهار" (مرقس 8: 38). كما يُردِّدُ بولُسُ الرَّسولُ هٰذا التَّعليمَ قائِلًا: "إِذا أَنكَرْناهُ أَنكَرَنا هُوَ أَيضًا" (2 طيموثاوس 2: 12). وَيُعلِّقُ القدِّيسُ أوغسطينوس: "مَن يَرفُضُ المَسيحَ بِإِرادَتِهِ يَحرِمُ نَفسَهُ مِن شَفاعَتِهِ، لأَنَّهُ أَغلَقَ البابَ الَّذي أَرادَ اللهُ أَنْ يَدخُلَ مِنهُ إِلَيهِ" (PL 38, 436). ومَعَ ذٰلِكَ فَهٰذِهِ الآيةُ لا تُغلِقُ بابَ الرَّجاءِ أَمامَ الخاطِئ. فَبُطرُسُ نَفسُهُ أَنكَرَ الرَّبَّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، لٰكِنَّهُ بَكى بُكاءً مُرًّا (متّى 26: 75)، وَنالَ الغُفرانَ وَأُعيدَ إِلى رِسالَتِهِ (يوحنّا 21: 15-19). وَمِن هُنا تُعَلِّمُ الكَنيسَةُ أَنَّ إِنكارَ المَسيحِ لَيسَ خَطيئَةً لا تُغتَفَرُ إِذا صاحَبَتْهُ تَوبَةٌ صادِقَةٌ. ويُعلِّقُ القدِّيسُ غريغوريوس الكبير: "لَم يَهلِكْ بُطرُسُ لأَنَّهُ أَنكَرَ، بَل لَو أَصرَّ عَلَى الإِنكارِ. فَالدُّموعُ الَّتي سالَت مِن عَينَيهِ أَعادَتْهُ إِلى نِعمَةِ الرَّبِّ" (PL 76, 1179). لِذٰلِكَ فَإِنَّ هٰذِهِ الآيةَ تَحمِلُ في آنٍ واحِدٍ تَحذيرًا وَرَجاءً: تَحذيرًا مِن خَطَرِ التَّنَكُّرِ لِلمَسيحِ خَوفًا مِنَ النَّاسِ، وَرَجاءً لِكُلِّ مَن يَسقُطُ ثُمَّ يَعودُ بِتَوبَةٍ صادِقَةٍ. فَالخَلاصُ لَيسَ لِمَن لَم يَسقُطْ أَبَدًا، بَل لِمَن يَبقَى أَمينًا لِلمَسيحِ وَيَعودُ إِلَيهِ كُلَّما ضَعُفَ. وفي ضوء هذه الآية يَسأَلُ المؤمنُ نَفسَهُ: هل أُعلِنُ انتمائي للمسيح بشجاعة، أم أَتنكَّرُ له بصمتي أو بمسايرتي للعالم؟ فَمَن يَثبُتْ في المَسيحِ أَمامَ النَّاسِ، يَجِدِ المَسيحَ يَشهَدُ لَهُ أَمامَ الآبِ في مَجدِ السَّماءِ. تعلن هٰذِهِ الآيةُ إلى الوجهِ الآخرِ مِنَ الشَّهادةِ للمسيح. فَبَعدَ الوَعدِ المَجيدِ لِلَّذينَ يَعترِفونَ بِهِ أَمامَ النَّاسِ (متّى 10: 32)، يُحَذِّرُ يَسوعُ مِن خَطَرِ إِنكارِهِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَوقِفَ الإِنسانِ مِنهُ في هٰذِهِ الحَياةِ يَحمِلُ نَتائِجَ أَبَدِيَّةً.
ثانياً: تَطْبيقاتُ النَّصِّ الإِنْجيليِّ (مَتّى 10: 26-33)
بَعْدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنْجيليِّ وَتَحْليلِهِ (مَتّى 10: 26-33)، نَستَنْتِجُ أَنَّ مَحْوَرَهُ الأَساسِيَّ يَدورُ حَوْلَ رِسالَةِ التَّلاميذِ في التَّبْشيرِ بِمَلَكوتِ اللهِ وَالشَّهادَةِ لِلْمَسيحِ في عالَمٍ يَرفُضُ الحَقَّ أَحيانًا وَيُقاوِمُهُ أَحيانًا أُخْرى. وَمِن هُنا يَبرُزُ السُّؤالُ: ما هِيَ مُقَوِّماتُ الرِّسالَةِ التَّبْشيريَّةِ النّاجِحَةِ بِالمَسيحِ؟
إِنَّ رِسالَةَ المَلَكوتِ لَيْسَت مُبادَرَةً بَشَرِيَّةً، بَل هِيَ مُبادَرَةُ اللهِ الآبِ مِن أَجْلِ خَلاصِ النُّفوسِ، وَهِيَ تَنْبُعُ مِن قَلْبِ يَسوعَ الرَّحيمِ الَّذي "رَأَى الجُموعَ فَأَخَذَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِم، لأَنَّهُم كانوا تَعِبينَ رازِحينَ كَغَنَمٍ لا راعِيَ لَها" (مَتّى 9: 36). فَقَد أَعْلَنَ يَسوعُ بِأَقْوالِهِ وَأَعْمالِهِ حُضورَ مَلَكوتِ اللهِ، وَها هُوَ الآنَ يُشْرِكُ تَلاميذَهُ في هذِهِ الرِّسالَةِ الخَلاصيَّةِ وَيُرْسِلُهُم لِيُبَشِّروا بِها.
غَيْرَ أَنَّ حامِلَ هذِهِ الرِّسالَةِ لَنْ يَسْلَمَ مِنَ الرَّفْضِ وَالاضْطِهادِ. فَيَسوعُ لا يُخْفِي عَنْ تَلاميذِهِ صُعوبَةَ الطَّريقِ، بَل يُصارِحُهُم قائِلًا: "يُبْغِضُكُم جَميعُ النّاسِ مِن أَجْلِ اسْمي" (مَتّى 10: 22). وَقَد يَأْتي هذَا الاضْطِهادُ مِنَ الخارِجِ، مِنَ السُّلُطاتِ وَالحُكّامِ وَالمَحاكِمِ: "تُساقونَ إِلى الحُكّامِ وَالمُلوكِ مِن أَجْلي" (مَتّى 10: 18)، وَقَد يَأْتي مِن أُناسٍ يَتَظاهَرونَ بِالتَّدَيُّنِ وَهُم بُعَداءُ عَن رُوحِ اللهِ: "إِحذَروا النّاسَ، فَسَيُسلِمونَكُم إِلى المَجالِسِ وَيَجلِدونَكُم في مَجامِعِهِم" (مَتّى 10: 17)، وَقَد يَبْلُغُ إِلى أَقْرَبِ النّاسِ إِلَى الإِنسانِ، أَيِ العائِلَةِ نَفْسِها: "سَيُسلِمُ الأَخُ أَخاهُ إِلى المَوتِ، وَالأَبُ ابْنَهُ" (مَتّى 10: 21).
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الاضْطِهادَ لا يُعَدُّ فَشَلًا لِلرِّسالَةِ، بَل قَد يَتَحَوَّلُ إِلى فُرْصَةٍ لِلشَّهادَةِ وَإِعْلانِ بُشارَةِ الخَلاصِ. فَالتَّاريخُ الكَنَسِيُّ يُظْهِرُ أَنَّ دَمَ الشُّهَداءِ صارَ بَذْرَةً لِلْمُؤمِنينَ الجُدُد، وَأَنَّ الآلامَ الَّتي تَحَمَّلَها الرُّسُلُ وَالشُّهودُ أَسْهَمَتْ في انْتِشارِ الإِنْجيلِ أَكْثَرَ مِمّا فَعَلَتْهُ أَزْمِنَةُ الرَّاحَةِ وَالأَمْنِ.
لِذٰلِكَ أَعْطَى يَسوعُ تَلاميذَهُ تَوْصِياتٍ خاصَّةً تَتَعَلَّقُ بِمُواجَهَةِ الرَّفْضِ وَالاضْطِهادِ. وَيَستَعْمِلُ الإِنْجيليُّ مَتّى فِعْلَ "أَوْصاهُم" الَّذي يُشيرُ إِلى تَعْليمٍ سُلْطانِيٍّ وَحازِمٍ. فَيَسوعُ يَتَكَلَّمُ كَقائِدٍ إِلٰهيٍّ يُعِدُّ جُنودَهُ لِمَعْرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ دائِمَةٍ ضِدَّ الشَّرِّ وَقُوّاتِهِ، وَكَمُعَلِّمٍ يُسَلِّمُ تَلاميذَهُ فِكْرَهُ وَرُوحَهُ، وَكَمَلِكٍ يُرْسِلُ سُفَراءَهُ لِيُعْلِنوا دُسْتورَ مَلَكوتِهِ. وَهٰذِهِ المَعْرَكَةُ لَيْسَت ضِدَّ البَشَرِ، بَل ضِدَّ قُوَى الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ، كَما يُؤَكِّدُ الرَّسولُ بولُس: "تَسَلَّحوا بِسِلاحِ اللهِ لِتَسْتَطيعوا مُقاوَمَةَ مَكايدِ إِبْليس، فَلَيْسَ صِراعُنا مَعَ اللَّحْمِ وَالدَّمِ، بَل مَعَ أَصْحابِ الرِّئاسَةِ وَالسُّلْطانِ وَوُلاةِ هٰذا العالَمِ المُظْلِمِ" (أَفَسُس 6: 11-12). وَمِن أَجْلِ ذٰلِكَ كُلِّهِ، يُقَدِّمُ يَسوعُ في هذَا المَقْطَعِ الإِنْجيليِّ مَجْموعَةً مِنَ التَّوْصِياتِ الأَساسِيَّةِ الَّتي تُشَكِّلُ دُسْتورَ المُبَشِّرِ وَالشّاهِدِ لِلْمَسيحِ. وَيُمْكِنُ تَلْخيصُها في خَمْسِ رَكائِزَ رَئيسِيَّةٍ:
1. الجِهادُ في سَبيلِ إِعْلانِ مَلَكوتِ اللهِ (مَتّى 10: 26-27)
قالَ يَسوعُ: "الَّذي تَسمَعونَهُ يُهمَسُ في آذانِكُم، نادوا بِهِ عَلى السُّطوحِ (متّى 10: 27). فَالإِيمانُ لَيسَ أَمرًا خُصوصِيًّا مَحضًا، بَل شَهادَةٌ عَلَنِيَّةٌ لِلحَقِّ. وَهٰذا ما عاشَتهُ الكَنيسَةُ مُنذُ يَومِ العَنصَرَةِ، حِينَ خَرَجَ الرُّسُلُ يُبَشِّرونَ بِجُرأَةٍ في أُورَشَليمَ وَالعالَمِ كُلِّهِ. وَيَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "الحَقُّ الَّذي لا يُعلَنُ يَفقِدُ فاعِلِيَّتَهُ، وَالمَوهِبَةُ الَّتي لا تُشارَكُ تَذبُلُ" (PL 76, 1139). إِنَّ تِلميذَ المَسيحِ صاحِبُ رِسالَةٍ، وَرِسالَتُهُ هِيَ نَقلُ إِنجيلِ المَلَكوتِ إِلى النّاسِ أَجمَعينَ. فَالإِنجيلُ لَيسَ مَعرِفَةً نَظَرِيَّةً أَو قَناعَةً شَخصِيَّةً فَحَسب، بَل هُوَ شَهادَةٌ حَيَّةٌ لِلرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ أَمامَ العالَمِ.
فَالمُؤمِنُ مَدعُوٌّ إِلى أَنْ يُعلِنَ الحَقَّ بِجُرأَةٍ وَوُضوحٍ، مِن غَيرِ مُوارَبَةٍ أَو رِياءٍ أَو مُجامَلَةٍ لِلعالَمِ. وَالشَّهادَةُ لِلمَسيحِ تَقتَضي أَحيانًا الجِهادَ وَالبَذلَ وَالتَّضحيَةَ، بَل قَد تَصِلُ إِلى بَذلِ الحَياةِ نَفسِها. وَمِن هُنا يَقولُ الرَّسولُ يُوحَنّا: "بِهٰذا عَرَفْنا المَحبَّةَ: أَنَّ ذاكَ قَد بَذَلَ نَفسَهُ في سَبيلِنا، فَعَلَينا نَحنُ أَيضًا أَنْ نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ الإِخوَةِ" (1 يوحنّا 3: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "إِنَّ الرَّبَّ لا يَطلُبُ مِن تَلاميذِهِ أَنْ يَحفَظوا الكَلِمَةَ لِأَنفُسِهِم، بَل أَنْ يُذيعوها في كُلِّ مَكانٍ، لأَنَّ نُورَ الحَقِّ خُلِقَ لِيُضيءَ لا لِيُخفَى" (PG 57, 399).
وَبِناءً عَلى ذٰلِكَ يَتَوَجَّبُ عَلى التِّلميذِ أَنْ يَسلُكَ بِرُوحِ مُعَلِّمِهِ، "الحَمَلِ الحَقيقيِّ" الَّذي قادَهُ الحُبُّ إِلى بَذلِ الذّاتِ. فَالتِّلميذُ يَصيرُ حَمَلًا بِاتِّحادِهِ بِالمَسيحِ، وَالمَسيحُ يَلتَزِمُ بِرِعايَتِهِ وَالعَمَلِ مِن خِلالِهِ، مُعلِنًا قُوَّتَهُ في ضُعفِهِ. وَقَد اختَبَرَ الرَّسولُ بولُسُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ حِينَ قالَ لَهُ الرَّبُّ: "حَسبُكَ نِعمَتي، فَإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعفِ"(2 قورنتس 12: 9). لِذٰلِكَ أَجابَ بولُسُ: "فَإِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيحِ... لأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا" (2 قورنتس 12: 9-10). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ القُوَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَنبُعُ مِن قُدراتِ الإِنسانِ، بَل مِن سُكنى المَسيحِ فيهِ؛ فَكُلَّما تَجَرَّدَ الإِنسانُ مِنَ الاتِّكالِ عَلى نَفسِهِ، اِزدادَ اِمتِلاؤُهُ مِن قُوَّةِ اللهِ" (PL 37, 1712).
وَنَستَنتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لا يَكونُ لِلتِّلميذِ وُجودٌ وَمَصيرٌ إِلَّا بِوُجودِ سَيِّدِهِ وَمَصيرِهِ. فَقَد قالَ يَسوعُ: "فَحَسبُ التِّلميذِ أَنْ يَصيرَ كَمُعَلِّمِهِ وَالخادِمِ كَسَيِّدِهِ. فَإِذا لَقَّبوا رَبَّ البَيتِ بِبَعلَ زَبول، فَما أَحراهُم بِأَنْ يَقولوا ذٰلِكَ في أَهلِ بَيتِهِ؟" (متّى 10: 24-25). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ الَّذي يَتبَعُ المَسيحَ لا يَنبَغي أَنْ يَنتَظِرَ مَجدًا أَعظَمَ مِن مَجدِ مُعَلِّمِهِ، فَإِن كانَ الرَّبُّ قَد اِحتَمَلَ الرَّفضَ وَالاضطِهادَ، فَالتِّلميذُ يَسيرُ في الطَّريقِ نَفسِها" (PL 9, 970).
لِذٰلِكَ وَعَدَ يَسوعُ تَلاميذَهُ بِقُوَّةٍ رُوحِيَّةٍ تُساعِدُهُم عَلى الثَّباتِ وَالأَمانَةِ حَتّى وَإِن تَعَرَّضَت حَياتُهُم البَشَرِيَّةُ لِلخَطَرِ. فَالشَّهادَةُ لِلمَسيحِ لَيسَت اِعتمادًا عَلى القُدُراتِ الشَّخصِيَّةِ، بَل اِتِّكالٌ كامِلٌ عَلى نِعمَةِ اللهِ. وَكَمَا يَقولُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "إِنَّ الَّذينَ يَحمِلونَ كَلِمَةَ اللهِ بِأَمانَةٍ لا يَسيرونَ وَحدَهُم، لأَنَّ الرَّبَّ نَفسَهُ يَسيرُ أَمامَهُم وَيَتَكَلَّمُ فيهم" (PL 76, 1144).
فَالجِهادُ في سَبيلِ إِعلانِ مَلَكوتِ اللهِ لَيسَ جِهادًا بَشَرِيًّا فَحَسب، بَل هُوَ اِشتِراكٌ في رِسالَةِ المَسيحِ نَفسِهِ، وَحَملٌ لِصَليبِهِ، وَثِقَةٌ بِأَنَّ قُوَّةَ اللهِ تَعمَلُ في ضُعفِ الإِنسانِ، حَتّى يَصيرَ شاهِدًا أَمِينًا لِلإِنجيلِ أَمامَ العالَمِ.
2. قَبولُ الاضْطِهادِ وَاحْتِمالُ الآلامِ مِن أَجْلِ المَسيحِ (مَتّى 10: 28)
جاءَ المَسيحُ لِيُخَلِّصَ العالَمَ لا لِيُدينَه، كما وَرَدَ في إِنجيلِ يُوحَنّا: "فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَل لِيُخَلَّصَ بِه العالَمُ" (يوحنّا 3: 17). وَمَعَ ذٰلِكَ لَم يَسلَمْ مِن رَفضِ العالَمِ وَبُغضِهِ، بَل بَلَغَ الاضطِهادُ ذِروَتَهُ في آلامِهِ وَصَليبِهِ. وَلِذٰلِكَ أَعلَنَ لِتَلاميذِهِ أَنَّهُم سَيَشترِكونَ في مَصيرِهِ، قائِلًا: "إِذا اضطَهَدوني فَسَيَضطَهِدونَكُم أَيضًا" (يوحنّا 15: 20).
فَالمَسيحُ يَضَعُ نَفسَهُ مِثالًا لِتَلاميذِهِ، فَإِن كانَ رَبُّ المَجدِ قَد تَأَلَّمَ وَاحتَمَلَ الرَّفضَ وَالاضطِهادَ، فَكَم بِالأَحرى يَنبَغي لِأَتباعِهِ أَنْ يَقبَلوا مَشقّاتِ الرِّسالَةِ. وَفي هٰذا السِّياقِ يَقولُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّين: "كانَ يَحسُنُ بِهِ أَنْ يَجعَلَ مُبدِئَ خَلاصِهِم مُكَمَّلًا بِالآلامِ" (عبرانيّين 2: 10). فَيَسوعُ يَتَشَبَّهُ بِنا في كُلِّ شَيءٍ ما خَلا الخَطيئَة، وَنَحنُ نَتَشَبَّهُ بِهِ عَن طَريقِ الاشتِراكِ في آلامِهِ، لِنَبلُغَ مَعَهُ إِلى المَجدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائِلًا: "لَم يَرفُضِ المَسيحُ الآلامَ، بَل جَعَلَها طَريقًا إِلى المَجدِ، لِكَي يَتَعَلَّمَ أَعضاؤُهُ أَن يَسيروا وَراءَ الرَّأسِ في الطَّريقِ ذاتِها" (PL 38, 1454).
وَكَما أَرسَلَ الآبُ ابنَهُ إِلى العالَمِ، كَذٰلِكَ أَرسَلَ يَسوعُ تَلاميذَهُ، وَأَخبَرَهُم مُقَدَّمًا بِالآلامِ وَالاضطِهاداتِ الَّتي سَتُواجِهُهُم، حَتّى لا يَفزَعوا عِندَ حُدوثِها، بَل يَزدادَ إِيمانُهُم وَثِقَتُهُم بِهِ. فَقَد قالَ لَهُم: "لَقَد أَنبَأتُكُم مُنذُ الآنَ بِالأَمرِ قَبلَ حُدوثِهِ حَتّى إِذا حَدَثَ تُؤمِنونَ" (يوحنّا 14: 29). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّ الرَّبَّ يُعلِنُ لِتَلاميذِهِ مُسبَقًا ما سَيُصيبُهُم، لِئَلّا يَظُنّوا أَنَّ اللهَ تَرَكَهُم، بَل لِيَعلَموا أَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَجري بِعِلمِهِ وَتَدبيرِهِ" (PG 74, 661).
إِنَّ خُطورَةَ الاضطِهادِ تَكمُنُ في أَنَّهُ يُوَجَّهُ إِلى تَلاميذِ المَسيحِ لا لِشَخصِهِم، بَل لِأَنَّهُم شُهودُ الحَقِّ وَحَمَلَةُ بُشارَةِ الإِنجيلِ. فَبِواسِطَةِ الاضطِهادِ يُحاوِلُ العالَمُ الشِّرِّيرُ أَنْ يُعرقِلَ مَخطَّطَ اللهِ الخَلاصيَّ، وَأَنْ يَحجُبَ نُورَ الإِنجيلِ عَنِ النّاسِ، وَأَنْ يَفصِلَهُم عَنِ المَسيحِ. وَكَثيرًا ما يُسمَّى الخَيرُ شَرًّا، وَالحَقُّ ضَلالًا، وَالأَمانَةُ تَعَصُّبًا. فَإِذا كانَ المَسيحُ نَفسُهُ، وَهُوَ القُدُّوسُ البارُّ، قَد دُعِيَ "بَعلَ زَبول" (متّى 10: 25)، فَلا عَجَبَ أَنْ يُواجِهَ أَتباعُهُ الاِتِّهاماتِ وَالاِفتِراءاتِ نَفسَها. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائلًا: "إِذا كانَ الرَّأْسُ قَد احتَمَلَ الإِهانَةَ وَالاِضطِهادَ، فَكَيفَ يَستَغرِبُ الأَعضاءُ أَنْ يُشارِكوهُ في الآلامِ؟"(PG 57, 410) .
غَيرَ أَنَّ الاضطِهادَ لَيسَ عَلامَةَ هَزيمَةٍ، بَل قَد يُصبِحُ وَسيلَةً لِإِظهارِ أَمانَةِ التَّلاميذِ وَثَباتِهِم. فَالتِّلميذُ البارُّ الَّذي يَحتَمِلُ الآلامَ مِن أَجلِ الحَقِّ يَستَطيعُ أَنْ يَغلِبَ العالَمَ لا بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ، بَل بِقُوَّةِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ. لِذٰلِكَ يُشَجِّعُ الرَّبُّ تَلاميذَهُ قائِلًا: "تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَم، وَلكِن ثِقوا، إِنِّي قَد غَلَبتُ العالَمَ" (يوحنّا 16: 33). وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى هٰذا المَعنى قائِلًا: "إِنَّ الاضطِهاداتِ لا تُطفِئُ الإِيمانَ الحَقَّ، بَل تُنَقِّيهِ كَما تُنَقِّي النّارُ الذَّهَبَ" (PL 36, 808). لِذٰلِكَ يَجِبُ عَلى تَلاميذِ يَسوعَ أَنْ يَتَعَلَّموا أَلّا يَخافوا في وَقوفِهِم مَعَ اللهِ وَكَلِمَتِهِ، بَل أَنْ يُواجِهوا الاضطِهادَ بِالإِيمانِ وَالثِّقَةِ وَالرَّجاءِ. وَقَد سَبَقَهُم إِلى ذٰلِكَ النَّبِيُّ إِرميا الَّذي عَرَفَ السُّخرِيَّةَ وَالرَّفضَ وَالمُؤامَراتِ، لٰكِنَّهُ بَقِيَ مُتَّكِلًا عَلَى اللهِ وَمُرنِّمًا: "أَمَّا الرَّبُّ فَمَعي كَجَبّارٍ قَدير" (إرميا 20: 11)، وَمُعلِنًا ثِقَتَهُ بِالخَلاصِ: "رَنِّموا لِلرَّبِّ وَسَبِّحوه، لأَنَّهُ أَنقَذَ نَفسَ البائِسِ مِن يَدِ الأَشرار" (إرميا 20: 13). وَهٰكَذا يَبقى الاضطِهادُ، في مَنظورِ الإِيمانِ، فُرصَةً لِلشَّهادَةِ لا سَبَبًا لِلخَوفِ، وَطَريقًا إِلى المَجدِ لا عَلامَةً عَلى الهَزيمَةِ.
وَيَدُلُّ الاضطِهادُ أَيضًا عَلى أَنَّ تَلاميذَ المَسيحِ لا يَنتمونَ إِلى العالَمِ، بَل إِلى اللهِ. فَقَد صَرَّحَ يَسوعُ: "لَو كُنتُم مِنَ العالَمِ لأَحَبَّ العالَمُ ما كانَ لَه، وَلكِن لأَنَّكُم لَستُم مِنَ العالَمِ... فَلِذٰلِكَ يُبغِضُكُمُ العالَمُ"(يوحنّا 15: 19). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس الكَبير: "إِنَّ بُغضَ العالَمِ لِلأَبرارِ هُوَ شَهادَةٌ لِأَنَّهُم يَسيرونَ في طَريقِ المَسيحِ، لأَنَّ العالَمَ لا يُبغِضُ أَبناءَهُ بَل أَبناءَ اللهِ" (PL 76, 1218).
وَمَعَ أَنَّ المُضطَهِدينَ قَد يَقتُلونَ الجَسَدَ، إِلَّا أَنَّهُم لا يَملِكونَ سُلطانًا عَلى النَّفسِ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: "لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ وَلا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفسِ" (متّى 10: 28). فَإِنَّ أَقصى ما يَستَطيعُهُ أَعداءُ المَسيحِ هُوَ إِنهاءُ الحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ، أَمَّا الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ فَلا سُلطانَ لَهُم عَلَيها. وَيَقولُ القِدِّيسُ إِغناطيوس الأَنطاكيُّ، وَهُوَ سائِرٌ إِلى الاستِشهادِ: "دَعوني أَصيرُ طَعامًا لِلوُحوشِ، فَبِها أَبلُغُ إِلى اللهِ" (PG 5, 690). وَيَنسَجِمُ هٰذا المَعنَى مَعَ ما نُسِبَ إِلى القِدِّيسِ يوستينوس الشَّهيدِ مِن قَولِهِ لِقاتِليه: "أَنتُم تَستَطيعونَ قَتلي، لَكِنَّكُم لا تَستَطيعونَ إِيذائي"، لأَنَّ الأَذى الحَقيقيَّ عِندَهُ هُوَ هَلاكُ النَّفسِ لا مَوتُ الجَسَدِ. وَلِذٰلِكَ يُواصِلُ الرَّبُّ القائِمُ مِن بَينِ الأَمواتِ تَشجيعَ مُؤمِنيهِ قائِلًا: "كُنْ أَمينًا حَتَّى المَوتِ، فَسَأُعطيكَ إِكليلَ الحَياةِ" (رؤيا 2: 10).
وَما أَجمَلَ أَنْ يَشعُرَ المُؤمِنُ أَنَّهُ في يَدِ اللهِ الرَّحيمِ، وَأَنَّهُ لا سُلطانَ لِأَحَدٍ عَلَيهِ إِلَّا بِسَماحٍ إِلٰهيٍّ، كَما قالَ يَسوعُ لِبيلاطُس: "لَم يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ مِن سُلطانٍ أَلْبَتَّةَ لَو لَم يُؤتَكَ مِن فَوقُ" (يوحنّا 19: 11). فَحَياةُ التَّلاميذِ لَيسَت في يَدِ مُضطَهِديهِم، بَل في يَدِ اللهِ الَّذي لَهُ السُّلطانُ عَلى الجَسَدِ وَالنَّفسِ مَعًا. أَمَّا مَن يُنكِرُ المَسيحَ خَوفًا مِنَ العَذابِ، فَقَد يَحفَظُ جَسَدَهُ أَيّامًا قَليلَةً، وَلٰكِنَّهُ يُخاطِرُ بِخَسارَةِ نَفسِهِ أَبَدِيًّا. لِذٰلِكَ يَدعونا يَسوعُ إِلى الثَّباتِ وَالأَمانَةِ وَالثِّقَةِ، لأَنَّ اللهَ أَقوى مِنَ المَوتِ، وَمِن "المَوتِ الثّاني" أَيِ الهَلاكِ الأَبَدِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيبريانوس القَرطاجِيّ: "مَن يَخافُ المَوتَ لا يَستَطيعُ أَنْ يَبلُغَ إِلى الإِكليلِ، أَمَّا مَن يَثِقُ بِالمَسيحِ فَيَعبُرُ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياةِ" (PL 4, 591).
3. عَدَمُ الخَوفِ وَالثِّقَةُ المُطْلَقَةُ بِاللهِ (مَتّى 10: 26-31)
يَحتاجُ التَّلاميذُ، في مُواجَهَتِهِم مَسؤوليّاتِ التَّبشيرِ بِرِسالَةِ الإِنجيلِ، إِلى الثِّقَةِ بِاللهِ، كَي لا يَشُلَّهُمُ القَلَقُ مِن ناحِيَةٍ، وَلِكَي يَثبُتوا رَغمَ الصِّعابِ وَالاضطِهاداتِ، وَلا يَفقِدوا الرَّجاءَ في تَبليغِ رِسالَتِهِم مِن ناحِيَةٍ أُخرى. لِذٰلِكَ يُوصي يَسوعُ تَلاميذَهُ قائِلًا: "لا تَخافوا". فَقَد كَرَّرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ (متّى 10: 26، 28، 31). وَهِيَ عِبارَةُ اِطمِئنانٍ، وَفي الوَقتِ نَفسِهِ دَعوَةٌ إِلى تَغييرِ الحَياةِ، لأَنَّ الثِّقَةَ بِاللهِ تُزيلُ مِنَ القَلبِ كُلَّ خَوفٍ. وَهٰذا ما يُعلِنُهُ صاحِبُ المَزاميرِ: "إِنِّي وَلَو سِرتُ في وادي الظُّلُماتِ لا أَخافُ سوءًا، لأَنَّكَ مَعي" (مزمور 23: 4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم: "لَم يَعِدْهُم بِإِزالَةِ التَّجارِبِ، بَل أَعطاهُم الشَّجاعَةَ لِلتَّغَلُّبِ عَلَيها" (PG 57, 401).
يُعَلِّمُنا يَسوعُ أَلّا نَخافَ مِمَّن يُخيفُ جَسَدِيًّا، بَل أَنْ نَخافَ اللهَ مَخافَةَ الأَبناءِ. فَالمُؤمِنُ لا يَخافُ الإِنسانَ وَلا الشِّرِّيرَ، لأَنَّهُ يَخافُ اللهَ مَخافَةَ المَحبَّةِ وَالإِيمانِ، لا مَخافَةَ العَبيدِ. وَيَذكُرُ يَسوعُ عِدَّةَ أَسبابٍ لِعَدَمِ خَوفِ تَلاميذِهِ في الرِّسالَةِ.
السَّبَبُ الأَوَّل: أَنَّ الحَقَّ سَيَظهَرُ. يَقولُ يَسوعُ: "لا تَخافوهُم إِذًا! فَما مِن مَستُورٍ إِلّا سَيُكشَفُ، وَلا مِن مَكتومٍ إِلّا سَيُعلَمُ" (متّى 10: 26). فَالتِّلميذُ هُوَ شاهِدٌ لِلكَلِمَةِ وَخادِمٌ لَها، يَزرَعُها في كُلِّ مَكانٍ، وَلا يَستَطيعُ إِلّا أَنْ يَشهَدَ لِقُوَّتِها وَحَيوِيَّتِها. فَكَلِمَةُ اللهِ لَها قُوَّةٌ في ذاتِها، تَنمو وَتَنضُجُ كَما تَنمو البِذرَةُ في الأَرضِ.
السَّبَبُ الثّاني: أَنَّ سُلطانَ المُضطَهِدينَ مَحدودٌ. يَقولُ الرَّبُّ: "لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ وَلا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفسِ، بَل خافوا الَّذي يَقدِرُ عَلى أَنْ يُهلِكَ النَّفسَ وَالجَسَدَ جَميعًا في جَهَنَّمَ" (متّى 10: 28). فَتِلميذُ المَسيحِ لا يَخافُ مِن أَعدائِهِ الأَشرارِ، لأَنَّ قُدرَتَهُم لا تَبلُغُ إِلّا الجَسَدَ، أَمَّا النَّفسُ فَهِيَ في يَدِ اللهِ. لَيسَ هُناكَ سَيِّدٌ مُطلَقٌ عَلى حَياةِ التِّلميذِ إِلّا اللهُ وَحدَهُ.
السَّبَبُ الثّالِث: أَنَّ اللهَ يَعتَني بِتَلاميذِهِ عِنايَةً دَقيقَةً. يَقولُ يَسوعُ: "أَمَّا يُباعُ عُصفورانِ بِفَلسٍ؟ وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ أَبيكُم. أَمَّا أَنتُم، فَشَعَرُ رُؤوسِكُم نَفسُهُ مَعدودٌ بِأَجمَعِهِ" (متّى 10: 29-30). فَحَياةُ الشّاهِدِ تَخصُّ اللهَ الَّذي يَعتَني بِهِ وَيَحفَظُهُ، وَيَعرِفُهُ حَتّى في أَدَقِّ تَفاصيلِ حَياتِهِ. فَمَوتُ التَّلاميذِ لا يَكونُ عَرَضًا أَو صُدفَةً، بَل يَدخُلُ في تَدبيرِ اللهِ وَعِنايَتِهِ. وَيُسانِدُ السَّيِّدُ المَسيحُ تَلاميذَهُ لِيَقبَلوا الضّيقَ وَالاضطِهاداتِ وَالمَوتَ بِلا خَوفٍ، مُعلِنًا لَهُم أَنَّ حَياتَهُم الدّاخِلِيَّةَ لَن تُؤذى، وَأَنَّ أَجسادَهُم أَيضًا لا تُؤذى بِدونِ سَماحِ الآبِ السَّماويِّ. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ يَعرِفُ التَّلاميذُ أَنَّ اللهَ مَعَهُم في كُلِّ الظُّروفِ لِيَحمِيَهُم وَيُقَوِّيَهُم. وَهٰذا ما عَبَّرَ عَنهُ بولُسُ الرَّسولُ قائِلًا: "إِنِّي عالِمٌ عَلى مَنِ اتَّكَلتُ، وَموقِنٌ أَنَّهُ قادِرٌ عَلى أَنْ يَحفَظَ وَديعَتي إِلى ذٰلِكَ اليَومِ" (2 طيموتاوس 1: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس، مُخاطِبًا مَن يُريدُ اضطِهادَهُ: "إِنَّني لَن أَخافَ مِن وَعيدِكَ حَتّى بِالنِّسبَةِ إِلى جَسَدي، فَإِن كانَ لَكَ سُلطانٌ عَلَيهِ، فَحَتّى شَعرُ رَأسي مَحصًى لَدَى خالِقي".
السَّبَبُ الرّابِع: أَنَّ المَسيحَ سَيَشهَدُ لِمَن يَشهَدُ لَهُ. يَقولُ الرَّبُّ: "مَن شَهِدَ لي أَمامَ النّاسِ، أَشهَدُ لَهُ أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ" (متّى 10: 32). فَاللهُ يُعامِلُ تَلاميذَهُ في المُستَقبَلِ بِقَدرِ أَمانَتِهِم لَهُ في الحاضِرِ، إِذ يُنَصِّبُ يَسوعُ نَفسَهُ وَسيطًا بَينَنا وَبَينَ الآبِ، وَيَشهَدُ أَمامَ أَبيهِ لِلَّذينَ شَهِدوا لَهُ وَتَضامَنوا مَعَهُ عَلى الأَرضِ. وَلِذٰلِكَ يُرسِلُ يَسوعُ تَلاميذَهُ لِلرِّسالَةِ وَالتَّبشيرِ، وَيُوصيهِم أَلّا يَخافوا وَأَلّا يَفقِدوا رَباطَةَ الجَأشِ أَمامَ الصِّعابِ. وَيَقولُ لَهُم: "لا تَخَفْ أَيُّها القَطيعُ الصَّغيرُ، فَقَد حَسُنَ لَدَى أَبيكُم أَنْ يُنعِمَ عَلَيكُم بِالمَلَكوتِ" (لوقا 12: 32). فَفي وَسَطِ الاضطِهادِ يَستَطيعُ تِلميذُ المَسيحِ أَنْ يَطمَئِنَّ، لأَنَّ الرَّبَّ يَسوعَ قَد غَلَبَ العالَمَ: "تُعانونَ الشِّدَّةَ في العالَمِ، وَلٰكِن ثِقوا، إِنِّي قَد غَلَبتُ العالَمَ" (يوحنّا 16: 33).
إِنَّ المُرسَلَ المَسيحيَّ لا يَخافُ مِن رَأيِ النّاسِ (متّى 10: 26)، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ الحَقَّ الَّذي يُعلِنُهُ لَيسَ مِن عِندِهِ بَل مِنَ اللهِ. وَكَما قالَ الرُّسُلُ أَمامَ المَجلِسِ: "يَجِبُ أَنْ نُطيعَ اللهَ أَكثَرَ مِنَ النّاسِ" (أعمال 5: 29) من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأَنَّ غَلَبَةَ الأَشرارِ هِيَ إِلى حينٍ، وَأَنَّ النَّميمَةَ وَالشِّكايَةَ الكاذِبَةَ لا بُدَّ أَنْ تَظهَرَ يَومًا أَمامَ نورِ اللهِ. وَالشَّرطُ هُوَ الثَّباتُ في المَسيحِ، كَما قالَ يَسوعُ: "يُبغِضُكُم جَميعُ النّاسِ مِن أَجلِ اسمي، وَالَّذي يَثبُتُ إِلى النِّهايَةِ فَذاكَ الَّذي يَخلُصُ" (متّى 10: 22). فَالثَّباتُ هُوَ الدَّليلُ عَلى أَنَّ التِّلميذَ كَرَّسَ نَفسَهُ وَحَياتَهُ لِيَسوعَ وَإِنجيلِهِ. وَيَقولُ البابا القدِّيسُ يوحنّا الثّالِثُ وَالعِشرون: "الإِيمانُ كانَ دائِمًا سَبَبَ الاضطِهادِ، لٰكِنَّ مَن يُؤمِنُ لا يَخافُ". والواقع، لَم يَطلُبْ يَسوعُ مِن تَلاميذِهِ أَنْ يَكُونوا ناجِحينَ بِالمَقاييسِ البَشَرِيَّةِ، بَل أَنْ يَكُونوا أُمَناءَ. فَقَد يَرفُضُ العالَمُ الرِّسالَةَ، لٰكِنَّ المُهِمَّ هُوَ أَلّا يَتَخَلّى التِّلميذُ عَن أَمانَتِهِ لِلمَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "لَيسَ المَطلوبُ مِنَ المُرسَلِ أَنْ يَضمَنَ قَبولَ الرِّسالَةِ، بَل أَنْ يَبقى أَمينًا لِمَن أَرسَلَهُ" (PG 72, 431).
وَعَلى التِّلميذِ أَلّا يَخافَ مِنَ الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ (متّى 10: 28)، وَأَلّا يَتَراجَعَ حَتّى أَمامَ المَوتِ، لأَنَّ حَياتَهُ وَمَوتَهُ في يَدِ اللهِ. فَاللهُ وَحدَهُ يَملِكُ السُّلطانَ عَلى النَّفسِ وَالجَسَدِ. وَمَخافَةُ اللهِ لَيسَت خَوفَ العَبيدِ، بَل مَخافَةَ الأَبناءِ، وَهِيَ تُوَجِّهُ الإِنسانَ نَحوَ إِيمانٍ أَعمَقَ، يَتَخَلّى عَنِ الضَّماناتِ الشَّخصِيَّةِ وَيَعتمِدُ عَلى حُبِّ اللهِ الَّذي يَعتَني بِهِ.
وَعَلى التِّلميذِ أَلّا يَخافَ مِنَ الشَّيطانِ، فَلا تُوجَدُ آيَةٌ تَأمُرُنا بِأَنْ نَخافَ مِنَ الشَّيطانِ، بَل بِأَنْ نُقاوِمَهُ بِثَباتٍ، كَما يَقولُ يَعقوبُ الرَّسولُ: "قاوِموا إِبليسَ فَيُوَلِّي عَنكُم هارِبًا" (يعقوب 4: 7)، وَكَما يُحَذِّرُ بُطرُسُ الرَّسولُ: "قاوِموهُ راسِخينَ في الإِيمانِ" (1 بطرس 5: 9).
وَعَلى التِّلميذِ أَلّا يَخافَ مِنَ المَوتِ، لأَنَّ مَصيرَهُ في يَدِ مَن غَلَبَ المَوتَ. فَالمُؤمِنُ يَغلِبُ الخَوفَ مِنَ المَوتِ لأَنَّهُ يُؤمِنُ بِرَبِّ الحَياةِ الَّذي أَقامَهُ مِن قَبرِ الشَّكِّ وَاليَأسِ وَالتَّرَدُّدِ. وَلَن نَتَغَلَّبَ عَلى المَوتِ إِلّا إِذا مُتنا عَن أَنفُسِنا لِنَحيا في مَن ماتَ وَقامَ مِن أَجلِنا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائِلًا: "لا تَخَفْ وَلا يَضعُفْ قَلبُكَ وَلا تَنزَعِجْ عِندَما يُسحَبُ مِنكَ المالُ أَوِ الطَّعامُ أَوِ الشَّرابُ أَوِ المَلَذّاتُ أَوِ المَسكَنُ أَو جَسَدُكَ ذاتُهُ، بَل خَفِ العَدُوَّ الَّذي يَسحَبُ نَفسَكَ مِنَ الإِيمانِ وَالاتِّكالِ عَلى اللهِ وَمَحبَّةِ اللهِ وَالقَريبِ".
نَستَنتِجُ مِمّا سَبَقَ أَنَّ اللهَ قالَ: "لا تَخَفْ" لِكُلِّ نَبِيٍّ وَرَسولٍ وَتِلميذٍ دَعاهُ إِلى خِدمَتِهِ: قالَها لِإِبراهيمَ (تكوين 15: 1)، وَلِموسى (عدد 21: 34)، وَلِيَشوعَ بنِ نون (يشوع 8: 1)، وَلِداودَ (1 صموئيل 23: 17)، وَلِإِيليا النَّبيِّ (2 ملوك 1: 15)، وَلِزَكَرِيّا والِدِ يوحنّا المَعمَدانِ (لوقا 1: 13)، وَلِسِمعانَ بُطرُسَ (لوقا 5: 10)، وَلِلسَّيِّدَةِ مَريَمَ العَذراءِ، وَلِبولُسَ الرَّسولِ (أعمال الرُّسُل 27: 24). وَلِتَلاميذِهِ يَقولُ المَسيحُ: "لا تَخافوا". وَاليَومَ يَقولُ لَنا ما قالَهُ لِكُلِّ تِلميذٍ قَبلَنا: لا تَخَفْ. فَالمَسيحُ يُزيلُ مِن قُلوبِنا كُلَّ أَسبابِ الخَوفِ وَدَواعي القَلَقِ وَالاضطِرابِ، لأَنَّهُ هُوَ الرَّاعي الصّالِحُ، وَالحاضِرُ مَعَنا، وَالغَالِبُ لِلعالَمِ وَالمَوتِ.
4. الإِيمانُ بِعِنايَةِ اللهِ وَحِمايَتِهِ الأَبَوِيَّةِ (مَتّى 10: 29-31)
يُؤَسِّسُ يَسوعُ الشَّجاعَةَ عَلى الثِّقَةِ بِاللهِ. فَإِذا كانَ اللهُ يَعتَني بِالعَصافيرِ وَيُحصي شُعورَ الرُّؤوسِ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعتَني بِأَبنائِهِ! وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "مَن وَضَعَ ثِقَتَهُ في اللهِ لا يَخافُ شَيئًا، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَجري تَحتَ عَينَيِ الآبِ" (PL 36, 261). فَاللهُ يَهتَمُّ بِالعَصافيرِ الصَّغيرَةِ الَّتي لا قِيمَةَ كَبيرَةً لَها في نَظَرِ النّاسِ، كَما يَقولُ الرَّبُّ: "أَمَّا يُباعُ عُصفورانِ بِفَلسٍ؟ وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَسقُطُ واحِدٌ مِنهُما إِلى الأَرضِ بِغَيرِ عِلمِ أَبيكُم" (متّى 10: 29). فَكَم بِالحَرِيِّ يَهتَمُّ بِتَلاميذِهِ المُبَشِّرينَ بِاسمِهِ! إِنَّنا أَعِزّاءُ جِدًّا عَلى اللهِ، حَتّى إِنَّهُ أَرسَلَ ابنَهُ الوَحيدَ لِيَموتَ عَنّا: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَل تَكونَ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنّا 3: 16).
لا يَرتَكِزُ المُبَشِّرُ الحَقيقيُّ عَلى ضَماناتٍ بَشَرِيَّةٍ، بَل عَلى عِنايَةِ اللهِ الَّذي يَقودُ التّاريخَ وَيَحفَظُ خُدّامَهُ. اللهُ يَهتَمُّ بِالإِنسانِ كَما يَهتَمُّ بِالخَليقَةِ كُلِّها مِن أَجلِهِ. إِنَّهُ مَعَنا، وَلِذٰلِكَ يَنزِعُ عَنّا كُلَّ خَوفٍ. إِنَّهُ يُحِبُّنا حُبًّا لا يُمكِنُنا أَنْ نُدرِكَهُ إِدراكًا كامِلًا، وَتَمتَدُّ عِنايَتُهُ في حَياتِنا مِن إِحصاءِ شُعورِ رُؤوسِنا جَميعِها إِلى إِعدادِ المَجدِ لَنا في السَّماواتِ.
لِذٰلِكَ لا حاجَةَ بِنا إِلى أَنْ نَخشى التَّهديداتِ الشَّخصِيَّةَ أَوِ التَّجارِبَ العَسيرَةَ أَوِ الاضطِهاداتِ، لأَنَّ هٰذِهِ كُلَّها لا تَستَطيعُ أَنْ تَنزِعَ مَحَبَّةَ اللهِ مِنّا. وَهٰذا ما يُعلِنُهُ بولُسُ الرَّسولُ قائِلًا: "فَمَن يَفصِلُنا عَن مَحَبَّةِ المَسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيف؟" (رومة 8: 35).
وَمِن ناحِيَةٍ أُخرى، لا يَنبَغي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللهَ سيُزيلُ عَنّا كُلَّ المَتاعِبِ لِمُجَرَّدِ أَنَّنا تَلاميذُ الرَّبِّ. فَالمَطلوبُ مِن تَلاميذِهِ أَنْ يُبَشِّروا بِالوَداعةِ أَمامَ العُنفِ، وَبِالحِكمَةِ وَالفِطنَةِ أَمامَ الشَّراسَةِ، كَما قالَ يَسوعُ: "هاءَنَذا أُرسِلُكُم كَالخِرافِ بَينَ الذِّئابِ، فَكونوا كَالحَيّاتِ حاذِقينَ وَكَالحَمامِ ساذِجينَ" (متّى 10: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبيُّ الفَم قائِلًا: "ما دُمنا نَحنُ غَنَمًا، فَإِنَّنا سَنَغلِبُ، بِالرَّغمِ مِن وُجودِ الذِّئابِ تَجولُ حَولَنا لِافتِراسِنا؛ أَمّا إِذا صِرنا ذِئابًا فَسَنُهزَمُ، إِذ يُفارِقُنا عَونُ راعينا، الَّذي لا يَرعى الذِّئابَ بَلِ الغَنَمَ" (PG 57, 389).
وَهٰكذا فَعِنايَةُ اللهِ لا تَعني غِيابَ الصِّعابِ، بَل حُضورَ اللهِ في وَسَطِها. فَالمُؤمِنُ لا يَثِقُ بِأَنَّ الطَّريقَ سَيَكونُ سَهلًا، بَل يَثِقُ بِأَنَّ الآبَ السَّماويَّ يُرافِقُهُ في كُلِّ طَريقٍ. وَمَن يَعرِفُ أَنَّهُ مَحفوظٌ في يَدِ اللهِ، يَستَطيعُ أَنْ يَشهَدَ لِلمَسيحِ بِجُرأَةٍ وَسَلامٍ، لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّهُ أَثمَنُ مِنَ العَصافيرِ جَميعًا.
5. الرَّجاءُ في المُكافَأَةِ السَّماوِيَّةِ وَشَهادَةِ المَسيحِ لِشُهودِهِ أَمامَ الآبِ (مَتّى 10: 32-33)
يَختِمُ يَسوعُ تَعاليمَهُ بِوَعدٍ عَظيمٍ: "مَن شَهِدَ لي أَمامَ النّاسِ أَشهَدُ لَهُ أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ" (متّى 10: 32). إِنَّ الشَّهادَةَ لِلمَسيحِ لَيسَت مَجرَّدَ كَلامٍ، بَل أُسلوبُ حَياةٍ. فَالمُؤمِنُ يَشهَدُ لِلرَّبِّ في عائِلَتِهِ وَعَمَلِهِ وَخِدمَتِهِ وَمَواقِفِهِ اليَومِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أُسقُف بواتييه: "إِنَّ الَّذي لا يَخجَلُ مِنَ المَسيحِ أَمامَ البَشَرِ، لَن يَخجَلَ المَسيحُ مِن أَن يَعتَرِفَ بِهِ أَمامَ الآبِ" (PL 9, 973).
إِذا كانَ السَّيِّدُ يَسوعُ المَسيحُ قَد سَمَحَ بِالآلامِ وَالاضطِهاداتِ وَحَتّى بِالمَوتِ في سَبيلِ الإِنجيلِ، وَطَلَبَ مِن تَلاميذِهِ أَلّا يَخافوا، فَلأَنَّهُ لا يَترُكُهُم وَحدَهُم في مِحنَتِهِم، بَل يَقبَلُ آلامَهُم في آلامِهِ، وَيُشارِكُهُم نُصرَتَهُ وَمَجدَهُ. فَهُوَ الَّذي غَلَبَ العالَمَ وَالمَوتَ، وَيُريدُ أَن يَجعَلَ مِن تَلاميذِهِ شُرَكاءَ في غَلَبَتِهِ.
لِذٰلِكَ وَعَدَ يَسوعُ تَلاميذَهُ الَّذينَ يُقاسِمونَهُ الصُّعوباتِ وَالاضطِهاداتِ مِن أَجلِ المَلَكوتِ بِقُوَّةٍ رُوحِيَّةٍ تُمَكِّنُهُم مِنَ الثَّباتِ في الإِيمانِ وَالشَّهادَةِ، حَتّى وَإِن تَعَرَّضَت حَياتُهُم لِلتَّهديدِ أَوِ السُّخرِيَّةِ أَوِ الخَطَرِ أَوِ المَوتِ. فَالصُّعوباتُ لَيسَت مُجرَّدَ عَقَباتٍ في طَريقِ التِّلميذِ، بَل قَد تَغدو وَسيلَةً لِلِّقاءِ الأَعمَقِ بِالرَّبِّ، وَفُرصَةً لِلإِصغاءِ إِلى صَوتِهِ، وَمُعايَنَةِ حُضورِهِ وَعَمَلِهِ في الحَياةِ. فَكَثيرًا ما يَكتَشِفُ المُؤمِنُ في أَوقاتِ الضِّيقِ وَالتَّجرِبَةِ أَنَّ اللهَ أَقرَبُ إِلَيهِ مِمّا كانَ يَظُنُّ، وَأَنَّ نِعمَتَهُ تَعمَلُ بِقُوَّةٍ خُصوصًا عِندَ الضُّعفِ. وَقَدِ اختَبَرَ الرَّسولُ بولُسُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ حِينَ سَمِعَ الرَّبَّ يَقولُ لَهُ: "تَكفيكَ نِعمَتي، فَإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعفِ» (2 قورنتس 12: 9). فَالضِّيقُ لا يُبعِدُ التِّلميذَ عَنِ اللهِ، بَل قَد يَجعَلُهُ أَكثَرَ اِلْتِصاقًا بِهِ وَثِقَةً بِعِنايَتِهِ.
لِذٰلِكَ فَالثَّباتُ في المَسيحِ لَيسَ مُجرَّدَ صَبرٍ بَشَريٍّ أَو قُدرَةٍ نَفسيَّةٍ عَلَى الاِحتِمالِ، بَل هُوَ ثَمَرَةُ نِعمَةِ اللهِ العَامِلَةِ في المُؤمِنِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائِلًا: "إِنَّ اللهَ لا يَترُكُ أَولادَهُ في التَّجارِبِ، بَل يَمنَحُهُم القُوَّةَ لِيَحتَمِلوها، وَيُحَوِّلُ الضِّيقَ إِلى سَبيلٍ لِلنُّموِّ في المَحبَّةِ وَالإِيمانِ" (PL 36, 724). وَهٰكَذا تُصبِحُ الصُّعوباتُ وَالاضطِهاداتُ مَدرَسَةً لِلثِّقَةِ بِاللهِ، وَطَريقًا إِلى قَداسَةٍ أَعمَقَ، وَمَجالًا لاِختِبارِ حُضورِ المَسيحِ الَّذي وَعَدَ قائِلًا: "هاءَنَذا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلى انقِضاءِ الدَّهر" (متّى 28: 20).
لِذٰلِكَ وَعَدَ يَسوعُ تَلاميذَهُ الَّذينَ يُقاسِمونَهُ الصُّعوباتِ وَالاضطِهاداتِ مِن أَجلِ المَلَكوتِ بِقُوَّةٍ رُوحِيَّةٍ تُمَكِّنُهُم مِنَ الثَّباتِ في الإِيمانِ وَالشَّهادَةِ، حَتّى وَإِن تَعَرَّضَت حَياتُهُم لِلتَّهديدِ أَوِ السُّخرِيَّةِ أَوِ الخَطَرِ أَوِ المَوتِ. فالصعوبات ما هي إلّا وسيلة للقاء بالربّ والإصغاء له ورؤيته. والثَّباتُ في المَسيحِ لَيسَ مَجرَّدَ صَبرٍ بَشَريٍّ، بَل هُوَ ثَمَرَةُ نِعمَةِ اللهِ العَامِلَةِ في المُؤمِن.
وَالَّذينَ يَثبُتونَ في المَسيحِ رَغمَ كُلِّ المَتاعِبِ يَفوزونَ بِمُكَافَأَةٍ أَبَدِيَّةٍ. لِذٰلِكَ يُعلِنُ يَسوعُ: "طوبى لَكُم إِذا شَتَموكُم وَاضطَهَدوكُم وَافتَرَوا عَلَيكُم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي. اِفرَحوا وَابتَهِجوا، فَإِنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عَظيمٌ، فَهٰكَذا اضطَهَدوا الأَنبِياءَ الَّذينَ مِن قَبلِكُم" (متّى 5: 11-12). فَالأَلَمُ مِن أَجلِ المَسيحِ لا يَبقى أَلَمًا عابِرًا، بَل يَتحَوَّلُ إِلى مَجدٍ وَإِكليلٍ وَشَركَةٍ في نُصرَةِ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبيُّ الفَم قائلًا: "إِنَّ المَسيحَ لا يَعِدُ أَتباعَهُ بِأَنْ يَتَجَنَّبوا الاضطِهادَ، بَل بِأَنْ يَحصُلوا عَلى أَجرٍ أَعظَمَ مِن كُلِّ ما يَتَألَّمونَ مِن أَجلِهِ" (PG 57, 411). أَمَّا القِدِّيسُ أُوغُسطينوسُ فَيَرَى أَنَّ مَجدَ الشُّهَداءِ لا يَكمُنُ في شِدَّةِ آلامِهِم، بَل في مَحبَّتِهِم لِلمَسيحِ الَّتي جَعَلَتهُم يَحتَمِلونَها، قائِلًا: "لَيسَ العِقابُ هُوَ الَّذي يَصنَعُ الشَّهيدَ، بَل القَضيَّةُ الَّتي يَموتُ مِن أَجلِها" (PL 36, 340). وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غريغوريوسُ الكَبيرُ أَنَّ الثَّباتَ في التَّجارِبِ هُوَ طَريقُ المَجدِ، قائِلًا: "إِنَّ اللهَ يَسمَحُ بِالتَّجارِبِ لِكَي يُظْهِرَ أَمانَةَ مُختاريهِ وَيُعِدَّ لَهُم إِكليلَ الحَياةِ" (PL 76, 1259). وَفي هٰذا السِّياقِ يَكتُبُ توما الأَكمبيسي في كِتابِ الاقتداء بالمسيح: "إِنَّ كُلَّ مَن يَحكُمُ عَلى الأُمورِ لا بِحَسَبِ أَقوالِ النّاسِ وَظُنونِهِم، بَل بِحَسَبِ حُكمِ اللهِ، فَهُوَ حَقًّا حَكيمٌ وَمُتَعَلِّمٌ مِنَ اللهِ" (De Imitatione Christi, II, 1).
وَهٰكَذا يَربِطُ يَسوعُ بَينَ الشَّهادَةِ لَهُ عَلى الأَرضِ وَالمَجدِ في السَّماءِ. فَمَن يَعتَرِفُ بِهِ أَمامَ النّاسِ، يَعتَرِفُ بِهِ المَسيحُ أَمامَ الآبِ السَّماويِّ (متّى 10: 32)، وَمَن يَثبُتُ مَعَهُ في زَمَنِ الجِهادِ سَيَملِكُ مَعَهُ في زَمَنِ المَجدِ. وَمِن هُنا يَصبِحُ الاضطِهادُ لا عَلامَةَ هَزيمَةٍ، بَل طَريقًا إِلى النُّصرَةِ، وَلا يَكونُ المَوتُ نِهايَةً، بَل بَدايَةَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَالإِكليلِ الَّذي أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذينَ يُحِبّونَهُ.
الخُلاصَة
يُشَكِّلُ هٰذا الإِنْجيلُ (متى 10: 26-33) جُزْءًا مِن خِطابِ الإِرساليَّةِ الَّذي وَجَّهَهُ يَسوعُ إِلى تَلاميذِهِ قَبْلَ إِرسالِهِم لِلتَّبشيرِ بِالمَلَكوتِ. وَإِذا كانَ المَسيحُ قَد أَعلَمَهُم بِما سَيُواجِهونَهُ مِن رَفْضٍ وَاضطِهادٍ وَمُعارَضَةٍ، فَإِنَّهُ في المُقابِلِ يَمْلأُ قُلوبَهُم بِالثِّقَةِ وَالرَّجاءِ، مُكَرِّرًا ثَلاثَ مَرّاتٍ وَصِيَّتَهُ المُطَمْئِنَةَ: "لا تَخافوا"(مَتّى 10: 26، 28، 31).
إِنَّ الرِّسالَةَ الَّتي يُعْلِنُها يَسوعُ اليَومَ يُمْكِنُ تَلْخيصُها في عِبارَةٍ واحِدَةٍ: "قُلِ الحَقَّ وَلا تَخَفْ". فَالمُؤمِنُ مَدْعُوٌّ إِلى أَنْ يَكونَ شاهِدًا لِلْحَقِّ لا مُساوِمًا عَلَيْهِ، وَمُبَشِّرًا بِالإِنْجيلِ لا خائِفًا مِن رَدّاتِ فِعْلِ النّاسِ. فَيَسوعُ يَقولُ: "والَّذي أَقولُهُ لَكُم في الظُّلُماتِ قُولوهُ في وَضَحِ النَّهارِ، والَّذي تَسمَعونَهُ يُهْمَسُ في آذانِكُم نادوا بِهِ عَلَى السُّطوحِ" (مَتّى 10: 27). فَالحَقُّ الَّذي نِلْناهُ لَيْسَ كَنْزًا نُخَبِّئُهُ، بَل نُورًا نَحمِلُهُ إِلى العالَمِ. وَالكَنيسَةُ لَم تُولَدْ لِتُخْفِي الحَقَّ، بَل لِتُعْلِنَهُ بِجُرْأَةٍ وَمَحَبَّةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائلًا: "لَم يُعطِ المَسيحُ تَلاميذَهُ الإِنجيلَ لِيُخفوه، بَل لِيُضيئوا بِهِ العالَمَ كُلَّهُ" (PG 57, 402).
غَيْرَ أَنَّ إِعْلانَ الحَقِّ قَد يُكَلِّفُ غالِيًا. فَالمَسيحُ لَم يَعِدْ تَلاميذَهُ بِطَريقٍ سَهْلَةٍ، بَل أَعْلَمَهُم مُسْبَقًا أَنَّهُم سَيُواجِهونَ الرَّفْضَ وَالاضطِهادَ. وَمَعَ ذٰلِكَ يَقُولُ لَهُم: "لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ ولا يَستَطيعونَ قَتْلَ النَّفْسِ" (مَتّى 10: 28). فَأَقْصى ما يَستَطيعُهُ العالَمُ أَنْ يَفعَلَهُ هُوَ أَنْ يُؤذيَ الجَسَدَ، أَمّا النَّفْسُ فَهِيَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. وَيَختِمُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوسُ هٰذا المَعنى بِقَولِهِ: "إِذا كانَ اللهُ مَعَكَ، فَمِمَّن تَخاف؟ وَإِذا كانَ اللهُ حافِظَكَ، فَماذا يَستَطيعُ العالَمُ أَنْ يَفعَلَ بِكَ؟" (PL 36, 673).
وَيُعَزِّزُ يَسوعُ هٰذِهِ الثِّقَةَ بِالتَّأْكيدِ عَلَى عِنايَةِ الآبِ السَّماوِيِّ: "أَمَّا أَنتُم فَشَعَرُ رُؤوسِكُم نَفْسُهُ مَعْدودٌ بِأَجْمَعِهِ" (مَتّى 10: 30). فَاللهُ لا يَعْرِفُنا مَعْرِفَةً عامَّةً فَقَط، بَل يَعْرِفُ أَدَقَّ تَفاصِيلِ حَياتِنا. وَإِذا كانَ يَعْتَني بِالعَصافيرِ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَعْتَني بِأَبنائِهِ الَّذينَ أَرسَلَ ابْنَهُ الوَحيدَ لِيَفْتَدِيَهُم.
وَيَخْتِمُ يَسوعُ تَعْليمَهُ بِوَعْدٍ عَظيمٍ: "مَن شَهِدَ لي أَمامَ النّاسِ أَشهَدُ لَهُ أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ" (مَتّى 10: 32). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوسُ الكَبيرُ: "مَن اعترَفَ بِالمَسيحِ في زَمَنِ الجِهادِ، يَعتَرِفُ بِهِ المَسيحُ في زَمَنِ المَجدِ" (PL 76, 1203). فَالشَّهادَةُ لِلْمَسيحِ عَلَى الأَرْضِ تَقودُ إِلى شَهادَةِ المَسيحِ لِنا في السَّماءِ. وَمَن يَثْبُتْ في الإِيمانِ وَالحَقِّ، يَنَلْ إِكْليلَ المَجْدِ الَّذي لا يَزولُ. لِذٰلِكَ فَإِنَّ رِسالَةَ هٰذا الأَحَدِ واضِحَةٌ: لا تَخَفْ مِن قَوْلِ الحَقِّ، وَلا تَخْجَلْ مِن إِيمانِكَ، وَلا تَتَراجَعْ أَمامَ الصُّعوباتِ. فَالحَقُّ سَيَنْتَصِرُ، وَاللهُ مَعَكَ، وَالمَسيحُ سَيَشْهَدُ لَكَ أَمامَ الآبِ إِذا شَهِدْتَ لَهُ أَمامَ النّاسِ. "قُلِ الحَقَّ وَلا تَخَفْ، لأَنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِن كُلِّ خَوْفٍ".
يَدعونا هٰذا الإِنجيلُ إِلى أَنْ نَكونَ شُهودًا شُجعانًا لِلمَسيحِ في عالَمٍ يَرفُضُ أَحيانًا قِيَمَ الإِنجيلِ. فَالتِّلميذُ الحَقيقيُّ لا يَخافُ مِنَ الرَّفضِ وَلا مِنَ الاضطِهادِ، لأَنَّهُ يَثِقُ بِعِنايَةِ الآبِ، وَيُعلِنُ الحَقَّ بِجُرأَةٍ، وَيَثبُتُ في شَهادَتِهِ لِلمَسيحِ حَتّى النِّهايَةِ. فَاليَومَ أَيضًا يُوَجِّهُ المَسيحُ إِلَينا نَفسَ الدَّعوَةِ الَّتي وَجَّهَها إِلى رُسُلِهِ: لا تَخافوا! فَهُوَ يُزيلُ مِن قُلوبِنا أَسبابَ الخَوفِ وَدَواعِيَ القَلَقِ، وَيَدعونا إِلى أَنْ نَكونَ شُهُودًا أُمَناءَ لِإِنجيلِهِ، وَاثِقينَ بِعِنايَةِ الآبِ، ثابِتينَ في الإِيمانِ، وَمُنتَظِرينَ الإِكليلَ الَّذي أَعَدَّهُ لِلَّذينَ يُحِبّونَهُ. فَالسُّؤالُ الَّذي يَطرَحُهُ هٰذا النَّصُّ عَلَينا اليَومَ هُوَ: هَل نَملِكُ الشَّجاعَةَ لِنَشهَدَ لِلمَسيحِ أَمامَ النّاسِ، أَم نَسمَحُ لِلخَوفِ أَنْ يُسكِتَ صَوتَ الإِنجيلِ في حَياتِنا؟
دُعاء
أَيُّها الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ، نَشكُرُكَ لأَنَّكَ دَعَوتَنا لِنَكونَ مِن تَلاميذِكَ وَشُهودِكَ في العالَم. أَعطِنا نِعمَةَ الإِصغاءِ إِلى كَلِمَتِكَ، وَقُوَّةَ العَمَلِ بِها، وَجُرأَةَ إِعلانِها أَمامَ النّاسِ بِلا خَوفٍ وَلا تَرَدُّد.
اَملأ قُلوبَنا بِرُوحِكَ القُدُسِ لِنَشهَدَ لِفَرَحِ الإِنجيلِ في كُلِّ مَكان، وَاجعَلنا أَدَواتِ سَلامٍ وَمَحبَّةٍ وَرَجاءٍ بَينَ إِخوَتِنا. وَهَبْنا الشَّجاعَةَ لِنَحتَمِلَ الصِّعابَ وَالتَّجارِبَ وَالاضطِهاداتِ الَّتي قَد تُواجِهُنا في سَبيلِ خِدمَتِكَ وَنَشرِ مَلَكوتِكَ.
ثَبِّتنا في الإِيمانِ عِندَ الشِّدَّةِ، وَلا تَدَعِ الخَوفَ يَتَسَلَّلُ إِلى قُلوبِنا، بَل ذَكِّرنا دَومًا أَنَّنا أَثْمَنُ في عَينَيكَ مِن كُلِّ خَليقَة، وَأَنَّكَ تَعتَني بِنا وَتُرافِقُنا في كُلِّ خُطوَةٍ مِن مَسيرَتِنا.
فَاجعَلنا أُمَناءَ لِدَعوَتِنا، ثابِتينَ في الشَّهادَةِ لَكَ حَتّى النِّهايَة، لِنَستَحِقَّ أَنْ تَعتَرِفَ بِنا أَمامَ الآبِ السَّماويِّ وَتُشارِكَنَا مَجدَكَ الأَبَدِيَّ. لَكَ المَجدُ وَالإِكرامُ إِلى الأَبَد. آمين.
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: الشَّهيدُ القِدِّيسُ بوليكاربوس وَعَدَمُ الخَوف
مِن أَجمَلِ الأَمثِلَةِ الواقِعِيَّةِ عَلى تَطبيقِ كَلِماتِ يَسوع: "لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس" (متّى 10: 28)، سيرةُ القِدِّيسِ بوليكاربوس أُسقُفِ أزمير، وَتِلميذِ الرَّسولِ يُوحَنّا.
عاشَ بوليكاربوس في القَرنِ الثّاني الميلاديِّ، وَكانَ شَيخًا مُتَقَدِّمًا في السِّنِّ عِندما اندَلَعَ اضطِهادُ المَسيحيِّينَ في عَهدِ الإِمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ. فَأُلقِيَ القَبضُ عَلَيهِ وَأُحضِرَ إِلى المَلعَبِ أَمامَ الوالي وَالجَماهيرِ الغاضِبَةِ. حاوَلَ الوالي أَنْ يُنقِذَ حَياتَهُ، فَقالَ لَهُ: "اِقسِمْ بِعَظَمَةِ قَيصَر، وَالعَنْ المَسيحَ، وَسَأُطلِقْ سَراحَكَ". فَأَجابَ بوليكاربوس بِهُدوءٍ وَثَباتٍ: "خَدَمتُ المَسيحَ سِتًّا وَثَمانينَ سَنَةً، وَلَم يُسِئْ إِلَيَّ بِشَيءٍ. فَكَيفَ أُجَدِّفُ عَلى مَلِكي وَمُخَلِّصي؟". وَحينَ هَدَّدَهُ الوالي بِالنّارِ قالَ: "أَنتَ تُهَدِّدُني بِنارٍ تَحتَرِقُ ساعَةً ثُمَّ تَنطَفِئُ، أَمَّا أَنا فَأَعرِفُ نارَ الدَّينونَةِ الأَبَدِيَّةِ المُعَدَّةَ لِلأَشرار".
فَحَكَموا عَلَيهِ بِالحَرقِ. وَتَروي الكَنيسَةُ أَنَّ الشَّيخَ القِدِّيسَ سارَ إِلى مَوضِعِ استِشهادِهِ بِسَلامٍ عَجيبٍ، كَأَنَّهُ ذاهِبٌ إِلى عِيدٍ لا إِلى مَوتٍ. لَم يَكُن يَخافُ الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسَدَ، لأَنَّ قَلبَهُ كانَ مَملوءًا بِالثِّقَةِ في المَسيحِ. وَقَد حَفِظَ التّاريخُ هٰذا المَوقِفَ، لأَنَّ بوليكاربوس عاشَ حَرفِيًّا ما أَوصى بِهِ الرَّبُّ يَسوعُ في الإِنجيلِ: لَم يُنكِرِ المَسيحَ أَمامَ النّاسِ، لِذٰلِكَ تُؤمِنُ الكَنيسَةُ أَنَّ المَسيحَ اعتَرَفَ بِهِ أَمامَ الآبِ في السَّماواتِ. وَيُعَلِّقُ مُؤَرِّخو الكَنيسَةِ أَنَّ استِشهادَهُ شَجَّعَ مِئاتِ المُؤمِنينَ عَلى الثَّباتِ في الإِيمانِ رَغمَ الاضطِهاداتِ، لأَنَّهُم رَأَوا فيهِ إِنسانًا عادِيًّا انتَصَرَ عَلَى الخَوفِ بِقُوَّةِ الإِيمانِ.
العِبرَةُ
الخَوفُ مِنَ الأَلَمِ أَمرٌ طَبيعيٌّ، لٰكِنَّ الخَوفَ لا يَجِبُ أَنْ يَكونَ أَقوى مِنَ الإِيمانِ. فَقَد خَسِرَ بوليكاربوس حَياتَهُ الأَرضِيَّةَ، لٰكِنَّهُ رَبِحَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ. وَهٰكَذا تَحَقَّقَ وَعدُ المَسيحِ: "مَن شَهِدَ لي أَمامَ النّاسِ، أَشهَدُ لَهُ أَمامَ أَبي الَّذي في السَّمواتِ"(متّى 10: 32) (PG 5: 1029-1044).