موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٦ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

عِيدُ جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ الأَقْدَسَيْن

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
يَسوعُ خُبزُ الحَياةِ النَّازِلُ مِنَ السَّماءِ

يَسوعُ خُبزُ الحَياةِ النَّازِلُ مِنَ السَّماءِ

 

النص الانجيلي: (يوحنا 6: 51-59)

 

51 أَنا الخبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء مَن يَأكُلْ مِن هذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم)). 52فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضاً وقالوا: ((كَيفَ يَستَطيعُ هذا أَن يُعطِيَنا جسدَه لِنأكُلَه؟)) 53فقالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة. 54مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. 55لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ 56مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه. 57وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. 58هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد)). 59قالَ هذا وهو يُعلِّمُ في المجمَعِ في كَفَرْناحوم.

 

 

مُقَدِّمَة

تَحتَفِلُ الكَنيسَةُ الكاثوليكيَّةُ في كُلِّ سَنَةٍ بِعيدِ جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ الأَقدَسَين (Corpus Christi)، بَعدَ الاِحتِفالِ بِعيدِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ، لِتُعلِنَ أَنَّ اللهَ الَّذي كَشَفَ ذاتَهُ ثالوثَ مَحبَّةٍ يَستَمِرُّ في الحُضورِ وَالعَطاءِ مِن خِلالِ سِرِّ الإِفخارِستِيّا. وَقَد عَمَّمَ البابا اوربان الرابع Urban IV هٰذا العيدَ عَلَى الكَنيسَةِ الجَمعاءِ سَنَة 1264 مِن خِلالِ البُرْهَان الرَّسولي (Transiturus de hoc mundo).

 

وَيُسَلِّطُ إِنجيلُ هٰذا العيدِ الأَضواءَ عَلَى يَسوعَ المَسيحِ الَّذي أَعلَنَ عَن نَفسِهِ قائِلًا: "أَنا هُوَ الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ" (يو 6: 51). فَفي خِطابِ خُبزِ الحَياةِ (يوحنّا 6: 51-58) يَكشِفُ الرَّبُّ عَن سِرِّ عَطيَّتِهِ العُظمى، إِذ يُقَدِّمُ جَسَدَهُ مَأكَلًا حَقًّا وَدَمَهُ مَشرَبًا حَقًّا لِحَياةِ العالَمِ وَخَلاصِهِ.

 

فَالإِفخارِستِيّا لَيْسَت مُجَرَّدَ ذِكرى لِلعَشاءِ الأَخيرِ، بَلْ هِيَ حُضورُ المَسيحِ الحَقيقيُّ وَالدّائِمُ وَسَطَ كَنيسَتِهِ، حُضورًا جَوهَرِيًّا بِجَسَدِهِ وَدَمِهِ وَنَفسِهِ وَلاهوتِهِ. فَالجَسَدُ الَّذي بَذَلَهُ عَلَى الصَّليبِ مِن أَجلِنا وَمِن أَجلِ العالَمِ، وَالدَّمُ الَّذي أَراقَهُ لِغُفرانِ الخَطايا، يَصيرانِ في الإِفخارِستِيّا يَنبوعَ قُوَّةٍ وَقَداسَةٍ وَحَياةٍ أَبَدِيَّةٍ لِكُلِّ مَن يَتَناوَلُهُما بِإِيمانٍ.

 

إِنَّ حُضورَ يَسوعَ المَسيحِ الحَيِّ في سِرِّ القُربانِ الأَقدَسِ يُدخِلُنا إِلى جَوهَرِ سِرِّ الخَلاصِ، وَيَجعَلُنا نَشترِكُ مُنذُ الآنَ في الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي جاءَ لِيَهَبَها لِلعالَمِ. وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ، ثُمَّ في تَطبيقاتِهِ الرُّوحيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، لِنُدرِكَ عَظَمَةَ عَطيَّةِ الإِفخارِستِيّا وَنَحيا مِنها وَبِها كُلَّ يَوم.

 

 

أولا: وقائع النص الإنجيلي وتحليله (يوحنا 6: 51-59)

 

51 "أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد، وَالخُبزُ الَّذي سَأُعْطيهِ أَنا هُوَ جَسَدي أَبذِلُهُ لِيَحيا العالَم"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "أَنا الخُبزُ الحَيُّ" Ἐγώ εἰμι ἄρτος ζῶν إِلى شَخصِ يَسوعَ نَفسِهِ، لا إِلى تَعليمِهِ فَحَسب. فَهُوَ لا يَقولُ إِنَّهُ يُعطي خُبزَ الحَياةِ، بَل إِنَّهُ هُوَ نَفسُهُ خُبزُ الحَياةِ. وَتَعبيرُ "أَنا هُوَ" Ἐγώ εἰμι يَحمِلُ بُعدًا لاهوتيًّا عَميقًا يُذَكِّرُ بِإِعلانِ اللهِ لِموسى: "أَهْيَهِ الَّذي أَهْيَه" (خر 3: 14)، فَيُعلِنُ يَسوعُ أَنَّهُ الحاضِرُ دَومًا، وَمَنبَعُ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ وَواهِبُها. أَمَّا كَلِمَةُ "خُبز" ἄρτος فَلا تَدُلُّ فَقَط عَلَى الغِذاءِ المادِّيِّ، بَل عَلَى القُوتِ الضَّروريِّ الَّذي لا تَستَطيعُ الحَياةُ أَنْ تَستَمِرَّ بِدونِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّ قُلوبَنا جائِعَةٌ إِلى اللهِ، وَالمَسيحُ هُوَ الخُبزُ الَّذي يُشبِعُ هٰذا الجوعَ" (In Ioannem, 26).

 

وَيُضيفُ يُوحَنَّا وَصفَ "الحَيُّ"   ζῶν لِيُؤَكِّدَ أَنَّ يَسوعَ لَيسَ خُبزًا جامِدًا أَو رَمزًا مَيِّتًا، بَل خُبزًا يَحمِلُ الحَياةَ في ذاتِهِ وَيَنقُلُها إِلى مَن يَقتاتُ مِنهُ. فَهُوَ الخُبزُ الَّذي يَحيا، وَالخُبزُ الَّذي يُحيي، وَالخُبزُ الَّذي يَهبُ الحَياةَ الَّتي لا يَقدِرُ المَوتُ أَنْ يَغلِبَها. إِنَّها مَنطِقُ الخُبزِ في التَّدبيرِ الإِلٰهيِّ: فَالخُبزُ لا يُؤكَلُ لِيُحفَظَ أَو يُخزَّنَ، بَل لِيَصيرَ حَياةً وَقُوَّةً وَحَرَكَةً. وَهٰكَذا أَرادَ المَسيحُ أَنْ يَكونَ لِلمُؤمِنِينَ؛ لا مَوضوعَ تَأمُّلٍ فَحَسب، بَل غِذاءً رُوحِيًّا يَدخُلُ إِلى أَعماقِ الإِنسانِ وَيُحَوِّلُهُ مِنَ الدّاخِلِ. فَمَن يَقتاتُ مِن هٰذا الخُبزِ يَحمِلُ في ذاتِهِ حَياةَ المَسيحِ نَفسِها، وَيُصبِحُ قادِرًا أَنْ يَقولَ مَعَ بولُسَ الرَّسولِ: "فَما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غل 2: 20). وَمِن هُنا تَنتَقِلُ الإِفخارِستِيّا مِن كَونِها عَطيَّةً تُنالُ إِلى حَياةٍ تُعاشُ، وَمِن طَعامٍ يُؤكَلُ إِلى شَرِكَةٍ تُحَوِّلُ المُؤمِنَ إِلى صُورَةِ المَسيحِ الحَيِّ. وَيُعَلِّقُ الراهب السِّسترسيُّ بودوان دو فورد: "يُدعَى المَسيحُ الخُبزَ الحَيَّ لأَنَّهُ يَملِكُ الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ، وَيَستَطيعُ أَنْ يُنقِذَ مِنَ المَوتِ الرُّوحيِّ وَيَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ".

 

أَمَّا عِبارَةُ "الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ" ἐκ τοῦ οὐρανοῦ καταβάς فَتُشيرُ إِلى أَصلِ يَسوعَ الإِلٰهيِّ. فَهُوَ لَيسَ خُبزًا أَرضِيًّا كَالْمَنِّ الَّذي أُعطِيَ لِشَعبِ إِسرائيلَ في البَرِّيَّةِ، بَل خُبزٌ سَماوِيٌّ حَقيقيٌّ نَزَلَ مِن عِندِ الآبِ. وَالمَنُّ كانَ رَمزًا وَظِلًّا، أَمَّا المَسيحُ فَهُوَ الحَقيقَةُ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "كانَ المَنُّ يُبقي الحَياةَ الجَسديَّةَ أَيّامًا قَليلَةً، أَمَّا المَسيحُ فَيَهَبُ الحَياةَ الَّتي لا نِهايَةَ لَها" (PG 73: 580).

 

أَمَّا عِبارَةُ "مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد" فَتُظهِرُ أَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ هِيَ ثَمَرَةُ الاِتِّحادِ بِالمَسيحِ. وَالفِعلُ اليونانيُّ φάγῃ (يَأكُل) لا يَعني مُجرَّدَ التَّذوُّقِ، بَل الاِقتياتَ وَالاِتِّحادَ. فَكَما يَتحَوَّلُ الخُبزُ الطَّبيعيُّ إِلى جَسَدِ الإِنسانِ وَدَمِهِ، هٰكَذا يَدخُلُ المُؤمِنُ بِالتَّناوُلِ في شَرِكَةٍ عَميقَةٍ مَعَ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس: "كَما أَنَّ الخُبزَ الأَرضِيَّ يَصيرُ إِفخارِستِيّا، هٰكَذا يَصيرُ الإِنسانُ شَريكًا في الحَياةِ الخالِدَةِ" (Adversus Haereses IV, 18).

 

أَمَّا عِبارَةُ "الخُبزُ الَّذي سَأُعطيهِ أَنا"، فَتُشيرُ إِلى عَطِيَّةِ الإِفخارِسْتِيّا الَّتي سَيُقَدِّمُها المَسيحُ لِكَنيسَتِهِ. وَالفِعلُ اليُونانِيُّ δώσω  (سَأُعطي) يَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ مُستَقبَلِيٍّ يَبلُغُ ذِروَتَهُ في العَشاءِ الأَخيرِ وَفي ذَبيحَةِ الصَّليب. فَيَسوعُ لا يَتَحَدَّثُ عَن عَطِيَّةٍ خارِجِيَّةٍ أَو شَيءٍ يَملِكُهُ وَيُقَدِّمُهُ، بَل عَن بَذلِ ذاتِهِ كُلِّها. فَهُوَ في آنٍ مَعًا الواهِبُ وَالعَطِيَّةُ، الكاهِنُ وَالذَّبيحَةُ، المُقَدِّمُ وَالمُقَدَّمُ. وَمِن هٰذا السِّياقِ وُلِدَت كَلِمَة Εὐχαριστία (إِفخارِسْتِيّا)، أَي "الشُّكر"، المُشتَقَّةُ مِن الفِعلِ εὐχαριστέω (يَشكُرُ)، الَّذي استَخدَمَهُ الرَّسولُ بولُسُ عِندَ وَصفِ تَأسيسِ سِرِّ القُربانِ المُقَدَّس: "ثُمَّ شَكَرَ وَكَسَرَ" (1 قور 11: 24). فَالإِفخارِسْتِيّا هِيَ أَوَّلًا عَطِيَّةُ المَسيحِ لِلآب وَعَطِيَّةُ المَسيحِ لِلبَشَرِيَّة، وَهِيَ أَيضًا دَعوَةٌ لِلمُؤمِنِ أَنْ يَعيشَ حَياةَ الشُّكرِ الدّائِم. وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ مِن خِلالِ هٰذِهِ العِبارَةِ أَنَّ ما يُغَذِّينا حَقًّا لا يَأتي مِنّا، بَل مِنَ الله. فَكَم مِن مَرَّةٍ يَقَعُ الإِنسانُ في وَهمِ الاكتِفاءِ الذّاتِيّ، مُعتَقِدًا أَنَّهُ بِقُدراتِهِ وَإِمكاناتِهِ يَستَطيعُ أَنْ يُؤَمِّنَ حَياتَهُ وَمُستَقبَلَهُ وَسَعادَتَهُ! غَيرَ أَنَّ الإِنجيلَ يُذَكِّرُنا بِأَنَّ كُلَّ عَطِيَّةٍ صالِحَةٍ وَكُلَّ نِعمَةٍ كامِلَةٍ هِيَ مِن فَوق (يع 1: 17). فَعِندَما يَنسى الإِنسانُ المُعطِي وَيَنشَغِلُ بِالعَطايا، يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُكتَفٍ بِنَفسِهِ، وَيَفقِدُ عِلاقَتَهُ بِمَصدَرِ الحَياةِ الحَقِيقِيِّ. لِذٰلِكَ تَبقى الإِفخارِسْتِيّا تَذكيرًا دائِمًا لَنا بِأَنَّ الحَياةَ هِبَةٌ، وَالخَلاصَ نِعمَةٌ، وَالمَسيحَ هُوَ الخُبزُ الحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِيُشبِعَ جُوعَ الإِنسانِ إِلى الله. فَالمُؤمِنُ لا يَعيشُ بِما يَمتَلِكُهُ، بَل بِمَن يَتَّحِدُ بِهِ؛ وَكُلَّما تَغَذَّى بِالمَسيحِ، تَعَلَّمَ أَنْ يَعيشَ لا بِرُوحِ الاكتِفاءِ الذّاتِيّ، بَل بِرُوحِ الشُّكرِ وَالثِّقَةِ وَالاتِّكالِ عَلَى اللهِ الَّذِي يُعطِي بِسَخاءٍ وَلا يَكُفُّ عَنِ العَطاء.

 

أَمَّا عِبارَةُ "هُوَ جَسَدي" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ σάρξ، وَلا تَعني الجَسَدَ المادّيَّ فَقَط، بَل الإِنسانَ بِكامِلِ وَاقِعِهِ البَشَريِّ. وَهِيَ الكَلِمَةُ ذاتُها الَّتي استَخدَمَها يوحنّا قائلًا: "وَالكَلِمَةُ صارَ بَشَرًا (σὰρξ)" (يو 1: 14). فَالإِفخارِستِيّا مُرتَبِطَةٌ اِرتِباطًا وَثيقًا بِسِرِّ التَّجَسُّدِ؛ فَالَّذي نَتَناوَلُهُ هُوَ الجَسَدُ ذاتُهُ الَّذي اتَّخَذَهُ الاِبنُ مِن مَريَمَ العَذراء.

 

أمَّا عِبارَةُ "أَبذِلُهُ لِيَحيا العالَم" ὑπὲρ τῆς τοῦ κόσμου ζωῆς فَتُظهِرُ البُعدَ الفِدائِيَّ وَالذَّبائِحِيَّ لِسِرِّ الإِفخارِستِيّا. فَحَرفُ الجَرِّ اليُونانِيّ ὑπέρ  يَحمِلُ مَعانيَ "مِن أَجلِ"، وَ"لِصالحِ"، وَأَحيانًا "«نِيابَةً عَن"، وَهُوَ مِن أَغنَى الأَلفاظِ اللاهوتِيَّةِ الَّتي يَستَعمِلُها العَهدُ الجَديدُ لِلتَّعبيرِ عَن مَوتِ المَسيحِ الخَلاصيِّ. وَهُنا يَنتَقِلُ الكَلامُ مِن صُورَةِ "خُبزِ الحَياةِ" إِلى إِعلانِ «ذَبيحَةِ الصَّليب». فَالجَسَدُ الَّذي يُعطيهِ المَسيحُ في الإِفخارِستِيّا هُوَ عَينُهُ الجَسَدُ الَّذي سَيُبذَلُ عَلَى الجُلجُثَةِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَم. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت ذِكرى رَمزيَّةً لِذَبيحَةِ الصَّليبِ، بَل حُضورٌ سِرِّيٌّ لِلذَّبيحَةِ الواحِدَةِ عَينِها الَّتي قَدَّمَها المَسيحُ مَرَّةً واحِدَةً عَلَى الصَّليبِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "إِنَّ الذَّبيحَةَ الَّتي نُقَدِّمُها الآنَ هِيَ نَفسُها الَّتي قُدِّمَت يَومَئِذٍ، لا ذَبيحَةٌ أُخرى، بَل نَحنُ نُقيمُ ذِكرَ تِلكَ الذَّبيحَةِ الواحِدَةِ" (العِظَة 17 عَلَى الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّين). وَفِي مَوضِعٍ آخَرَ يُؤَكِّدُ: "المَذبَحُ وَالجُلجُثَةُ سِرٌّ واحِدٌ، وَالذَّبيحَةُ واحِدَةٌ، وَالمَسيحُ هُوَ الكاهِنُ وَالقُربانُ مَعًا" (PG 61: 200). لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا هِيَ اِمتِدادٌ سِرِّيٌّ لِبَذلِ المَسيحِ نَفسَهُ، وَإِعلانٌ دائِمٌ لِحُبِّ اللهِ الَّذي "أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يوحنّا 3: 16)، حَتّى يَكونَ لِلعالَمِ الحَياةُ بِهِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "العالَم" κόσμος فَتَحمِلُ في اللاهوتِ اليوحنّيِّ بُعدًا شُموليًّا. فَالمَسيحُ لا يَبذِلُ ذاتَهُ مِن أَجلِ إِسرائيلَ فَقَط، بَل مِن أَجلِ البَشَرِيَّةِ جَمعاءَ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ أفرام السرياني: "كانَ المَنُّ لِشَعبٍ واحِدٍ، أَمَّا جَسَدُ المَسيحِ فَهُوَ خُبزٌ لِكُلِّ الشُّعوبِ" (تفسير الإنجيل). وَبِذٰلِكَ يُعلِنُ يَسوعُ أَنَّ الحَياةَ الحَقيقيَّةَ لا تُنالُ إِلّا مِنهُ، وَأَنَّ الطَّريقَ إِلى مَحبَّةِ اللهِ وَشَرِكَتِهِ يَمُرُّ مِن خِلالِ جَسَدِهِ المَبذولِ وَدَمِهِ المُراقِ. فَهُوَ الخُبزُ الوَحيدُ الَّذي يُشبِعُ جوعَ الإِنسانِ إِلى اللهِ، وَيَهَبُهُ الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ.

 

52 "فَخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهُم بَعضًا وقالوا: كَيفَ يَستَطيعُ هٰذا أَنْ يُعطِيَنا جَسَدَهُ لِنَأكُلَه"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "فَخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهُم بَعضًا" في الأَصلِ اليونانيِّ ἐμάχοντο πρὸς ἀλλήλους إِلى جِدالٍ حادٍّ وَمُنازَعَةٍ عَنيفَةٍ. وَالفِعلُ "فَخاصَمَ " μάχομαι يَعني يُقاتِل أَو يُخاصِم، وَلا يَدُلُّ عَلَى مُجرَّدِ مُناقَشَةٍ هادِئَةٍ، بَل عَلَى صِدامٍ فِكريٍّ ناتِجٍ عَن رَفضِ ما قالَهُ يَسوعُ. وَكَثيرًا ما يَستَعمِلُ يوحنّا هٰذا الأُسلوبَ لِيُظهِرَ أَنَّ كَلامَ المَسيحِ يَفرِزُ المَواقِفَ وَيَكشِفُ ما في القُلوبِ. وَقَد أَخطَأَ اليَهودُ في فَهمِ كَلامِ يَسوعَ، كَما أَخطَأَ قَبلَهُم نيقوديموس حِينَ فَهِمَ الوِلادَةَ الجَديدَةَ فَهمًا جَسَدِيًّا (يو 3: 4)، وَكَما أَخطَأَتِ المَرأَةُ السّامِريَّةُ في فَهمِ الماءِ الحَيِّ (يو 4: 11). فَهُم وَقَفوا عِندَ المَعنى الحَرفيِّ المادّيِّ وَعَجَزوا عَن إِدراكِ البُعدِ السِّرِّيِّ وَالخَلاصيِّ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "كَيفَ يَستَطيعُ هٰذا أَنْ يُعطِيَنا جَسَدَهُ لِنَأكُلَه؟" فَتُشيرُ إِلى سُؤالٍ ِنكارِيٍّ يَحمِلُ طابَعَ السُّخرِيَةِ وَالرَّفضِ. وَالفِعلُ" يُعطِيَنا " διδόναι يَكتَسِبُ هُنا بُعدًا فِدائِيًّا، لأَنَّ يَسوعَ لا يَتَكَلَّمُ عَن عَطاءٍ عاديٍّ، بَل عَن بَذلِ ذاتِهِ. أَمَّا كَلِمَةُ " جَسَدَهُ " σάρξ فَتُشيرُ إِلى البَشَرِيَّةِ الكامِلَةِ الَّتي اتَّخَذَها الاِبنُ المُتَجَسِّدُ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ. وَقَد زادَت صُعوبَةُ كَلامِ يَسوعَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِم لأَنَّ الشَّريعَةَ الموسَوِيَّةَ كانت تُحَرِّمُ أَكلَ الدَّمِ أَو شُربَهُ: "لأَنَّ نَفسَ الجَسَدِ هِيَ في الدَّمِ" (أح 17: 11). لٰكِنَّ يَسوعَ لا يَدعوهُم إِلى مُخالَفَةِ الشَّريعَةِ، بَل إِلى قَبولِ الذَّبيحَةِ الجَديدَةِ الَّتي تُحقِّقُ ما كانَتِ الذَّبائِحُ القَديمَةُ تُشيرُ إِلَيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندريُّ قائِلًا: "إِذا كانَ دَمُ الحَمَلِ الفِصحيِّ قَد أَنقَذَ الآباءَ مِنَ المُهلِكِ، فَكَم بِالأَحرى دَمُ حَمَلِ اللهِ الحَقيقيِّ يَهبُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِلَّذينَ يَتناوَلونَهُ" PG 73: 604)). وَمِن هُنا يَظهَرُ أَنَّ سَبَبَ الجَدَلِ لَم يَكُن صُعوبَةَ الكَلامِ فَقَط، بَل نَقصَ الإِيمانِ. فَالإِيمانُ يَسبِقُ الفَهمَ وَيَقودُ إِلَيهِ. وَكَما قالَ أَشَعيا: "إِن لَم تُؤمِنوا فَلَن تَفهَموا" (أش 7: 9 بحسب السبعينيَّة).

 

53 " فَقالَ لَهُم يَسوعُ: الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم: إِذا لَم تَأكُلوا جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ وَتَشرَبوا دَمَهُ فَلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياةُ"

تُشيرُ عِبارَةُ "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم" Ἀμὴν ἀμὴν λέγω ὑμῖν إِلى أَعلى دَرَجاتِ التَّأكيدِ في إِنجيلِ يوحنّا. فَيَسوعُ لا يُخَفِّفُ مِن وَقعِ كَلامِهِ بَعدَ اِعتراضِ اليَهودِ، بَل يُشَدِّدُ عَلَيهِ أَكثَرَ. وَكَأَنَّهُ يَقولُ إِنَّ ما تَعتَبِرونَهُ مُستَحيلًا هُوَ في الحَقيقَةِ شَرطُ الحَياةِ وَالخَلاصِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "إِذا لَم تَأكُلوا" فَتُشيرُ إِلى شَرطٍ ضَروريٍّ. وَالفِعلُ " تَأكُلوا " φάγητε يَدُلُّ عَلَى الاِقتياتِ وَالاِتِّحادِ. وَالمَعنى أَنَّ الحَياةَ الَّتي يَحمِلُها المَسيحُ لا تُنالُ مِن بَعيدٍ، بَل بِالدُّخولِ في شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ.

 

أَمَّا عِبارَةُ «"جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ" فَتَجمَعُ بَينَ سِرِّ التَّجَسُّدِ وَسِرِّ الفِداءِ. فَلَقبُ "ابن الإِنسان" υἱὸς τοῦ ἀνθρώπου يُشيرُ إِلى المَسيحِ المُتَجَسِّدِ الَّذي أَخَذَ طَبيعَتَنا البَشَرِيَّةَ لِكَي يَبذِلَها مِن أَجلِ خَلاصِنا.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَتَشرَبوا دَمَهُ" فَتُشيرُ إِلى الدَّمِ المَسفوكِ عَلَى الصَّليبِ. وَفي الفِكرِ الكِتابِيِّ الدَّمُ هُوَ الحَياةُ نَفسُها. فَيَسوعُ لا يُعطينا مَوتَهُ فَقَط، بَل الحَياةَ الَّتي تَنبَعُ مِن ذَبيحَتِهِ الفِصحيَّةِ. وَهٰذا ما أَعلَنَتهُ الرِّسالَةُ إِلى العِبرانيّين: "دَمُ المَسيحِ يُطَهِّرُ ضَمائِرَنا" (عب 9: 14). وَيُشيرُ هٰذا الكَلامُ بوضوحٍ إِلى سِرِّ الإِفخارِستِيّا الَّذي سَيُؤَسِّسُهُ يَسوعُ في العَشاءِ الأَخيرِ، حِينَ قالَ: "هٰذا هُوَ جَسَدي... هٰذا هُوَ دَمي" (مت 26: 26-28). فَالإِفخارِستِيّا وَالصَّليبُ لَيْسا حَدَثَينِ مُنفَصِلَينِ، بَل وَجهَينِ لِلسِّرِّ الفِصحيِّ الواحِدِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياةُ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الحَياةَ الإِلٰهيَّةَ لا تُقتَنى بِالمَعرِفَةِ وَلا بِالإِعجابِ بِيَسوعَ فَقَط، بَل بِالاِتِّحادِ بِهِ. فَمَن يَرفُضُ جَسَدَهُ وَدَمَهُ يَرفُضُ مَنبَعَ الحَياةِ ذاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أغناطيوس الأنطاكي: الإِفخارِستِيّا هِيَ دَواءُ الخُلودِ وَتِرياقُ عَدَمِ المَوتِ" (رسالة إلى أهل أفسس 20). وَبِهٰذا يَنتَقِلُ يَسوعُ مِن مُجرَّدِ الإِعلانِ أَنَّهُ خُبزُ الحَياةِ إِلى التَّأكيدِ أَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ مُرتَبِطَةٌ اِرتِباطًا جَوهَرِيًّا بِالتَّناوُلِ مِن جَسَدِهِ وَدَمِهِ، أَي بِالشَّرِكَةِ الكامِلَةِ مَعَ ذَبيحَتِهِ وَقِيامَتِهِ.

 

54 " مَن يَأكُلْ جَسَدي وَيَشرَبْ دَمي فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ"

 

عِبارَةُ "مَن يَأكُلْ" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ τρώγων، وَهُوَ اِسمُ فاعِلٍ مِنَ الفِعلِ τρώγω، الَّذي يَعني حَرفِيًّا: "يَمضُغُ" أَو "يَقضِمُ". وَقَد تَعَمَّدَ يوحنّا اِستِعمالَ هٰذا الفِعلِ الحِسِّيِّ القَويِّ بَدَلًا مِنَ الفِعلِ العاديِّ ἐσθίω (يَأكُل)، لِيُؤَكِّدَ واقِعِيَّةَ التَّناوُلِ وَحَقيقَةَ الاِتِّحادِ بِجَسَدِ المَسيحِ. فَالأَمرُ لَيْسَ مُجرَّدَ رَمزٍ أَو تَصوُّرٍ ذِهنيٍّ، بَل شَرِكَةٌ حَقيقيَّةٌ في شَخصِ المَسيحِ المُتَجَسِّدِ. وَيَرَى كَثيرٌ مِنَ الآباءِ أَنَّ اِختِيارَ هٰذا الفِعلِ يُشِيرُ أَيضًا إِلى وَجْبَةِ الفِصحِ اليَهوديِّ، حَيْثُ كانَ المُؤمِنونَ يَأكُلونَ الحَمَلَ الفِصحيَّ أَكلًا حَقيقيًّا. فَالمَسيحُ هُوَ حَمَلُ الفِصحِ الجَديدُ الَّذي يُعطِي ذاتَهُ طَعامًا لِشَعبِهِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "جَسَدي" (σάρξ) فَتُشيرُ إِلى البَشَرِيَّةِ الحَقيقيَّةِ الَّتي اتَّخَذَها كَلِمَةُ اللهِ. وَهُنا يَبرُزُ البُعدُ المُضادُّ لِلبِدَعِ الظّاهِرِيَّةِ (الدوسيتية) الَّتي أَنكَرَت حَقيقَةَ تَجَسُّدِ المَسيحِ. فَيَسوعُ لا يُعطِي مَظهَرًا جَسَدِيًّا وَهمِيًّا، بَل جَسَدَهُ الحَقيقيَّ الَّذي وُلِدَ مِن مَريَمَ وَبُذِلَ عَلَى الصَّليبِ مِن أَجلِ حَياةِ العالَمِ. وَيُلاحَظُ أَنَّ يَسوعَ يَنتَقِلُ هُنا مِن صيغَةِ الغائِبِ: "جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ" (يو 6: 53) إِلى صيغَةِ المُتَكَلِّمِ: "جَسَدي". وَهٰذا الاِنتِقالُ يُؤَكِّدُ وَحدَةَ شَخصِهِ؛ فَابنُ الإِنسانِ الَّذي أَعلَنَت عَنهُ النُّبوءَاتُ هُوَ يَسوعُ النّاصِريُّ نَفسُهُ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَيَشرَبْ دَمي" فَتُشيرُ إِلى الشَّرِكَةِ في الذَّبيحَةِ الفِصحيَّةِ. فَالدَّمُ في الفِكرِ الكِتابِيِّ هُوَ مَوضِعُ الحَياةِ: "لأَنَّ نَفسَ الجَسَدِ هِيَ في الدَّمِ" (أح 17: 11). وَبِذٰلِكَ يَمنَحُ المَسيحُ لِلمُؤمِنينَ حَياتَهُ الإِلٰهيَّةَ نَفسَها مِن خِلالِ دَمِهِ المَسفوكِ عَلَى الصَّليبِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ " مَن يَأكُلْ جَسَدي وَيَشرَبْ دَمي" τρώγων μου τὴν σάρκα καὶ πίνων μου τὸ αἷμα فتُعَدُّ ذِروَةَ خِطابِ خُبزِ الحَياةِ، إِذ تُعيدُ تَأكيدَ ما أَعلَنَهُ يَسوعُ في الآيَةِ السّابِقَةِ: "إِذا لَم تَأكُلوا جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ وَتَشرَبوا دَمَهُ فَلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياةُ" (يو 6: 53). فَبَعدَ أَنْ عَبَّرَ بِالصّيغَةِ السَّلبيَّةِ عَن فَقدانِ الحَياةِ لِمَن يَرفُضُهُ، يُعَبِّرُ الآنَ بِالصّيغَةِ الإِيجابيَّةِ عَن العَطيَّةِ الَّتي يَنالُها مَن يَتَّحِدُ بِهِ: الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ وَالقِيامَةُ المَجيدَةُ.  فَقَد وَرَدَت بِصيغَةِ "مَن يَأكُلْ" τρώγων اِسمِ الفاعِلِ المُستَمِرِّ، وَهُوَ ما يَدُلُّ عَلَى الاِستِمرارِ وَالدَّيمومَةِ. فَالمَعنى لَيْسَ مَرَّةً واحِدَةً مِنَ الأَكلِ وَالشُّربِ، بَل حَياةٌ مُستَمِرَّةٌ مِنَ الشَّرِكَةِ وَالاِتِّحادِ بِالمَسيحِ في الإِفخارِستِيّا.

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (ἔχει ζωὴν αἰώνιον) فَتُشيرُ إِلى عَطيَّةٍ حاضِرَةٍ لا مُستَقبَلِيَّةٍ فَقَط. فَالفِعلُ اليونانيُّ ἔχει "لَهُ" جاءَ في زَمَنِ الحاضِرِ، أَي إِنَّ المُؤمِنَ يَمتَلِكُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ مِنَ الآنِ. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ عِندَ يوحنّا لَيْسَت مُجرَّدَ خُلودٍ بَعدَ المَوتِ، بَل شَرِكَةٌ في حَياةِ اللهِ ذاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندريُّ قائلًا: "إِنَّ المَسيحَ إِذ يَسكُنُ فينا بِجَسَدِهِ المُقَدَّسِ يَزرَعُ فينا بَذارَ عَدَمِ الفَسادِ وَالحَياةِ" PG 73: 580)).

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ" فَتُشيرُ إِلى الوَعدِ الاِسكاتولوجيِّ بِالقِيامَةِ المَجيدَةِ. هٰذِهِ هِيَ المَرَّةُ الرّابِعَةُ في خِطابِ خُبزِ الحَياةِ الَّتي يَعِدُ فيها يَسوعُ بِالقِيامَةِ (يو 6: 39، 40، 44، 54). فَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ تَبدَأُ الآنَ بِالإِيمانِ وَالإِفخارِستِيّا، لٰكِنَّها تَبلُغُ مِلأَها في اليَومِ الأَخيرِ عِندَ قِيامَةِ الجَسَدِ. وَيُعَلِّمُ بولُسُ الرَّسولُ أَنَّ الخَلاصَ يَبلُغُ كَمالَهُ في "افتِداءِ أَجسادِنا" (رو 8: 23)، أَي عِندَما يَشتَرِكُ الجَسَدُ أَيضًا في المَجدِ الَّذي تَنالُهُ النَّفسُ. لِذٰلِكَ رَأَى آباءُ الكَنيسَةِ في الإِفخارِستِيّا "بَذارَ القِيامَةِ" وَ"دَواءَ الخُلودِ". وَيَقولُ القِدِّيسُ أغناطيوس الأَنطاكيُّ: "الإِفخارِستِيّا هِيَ دَواءُ الخُلودِ وَتِرياقُ عَدَمِ المَوتِ" (إلى أفسس 20). وَالجَديرُ بِالمُلاحَظَةِ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تُقابِلُ ما وَرَدَ في يوحنّا 6: 40: "كُلُّ مَن يَرى الابنَ وَيُؤمِنُ بِهِ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ". فَكَمَا أَنَّ الإِيمانَ يُعطِي الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ، كَذٰلِكَ الإِفخارِستِيّا. وَهٰذا يُظهِرُ أَنَّ الإِيمانَ وَالإِفخارِستِيّا مُرتَبِطانِ اِرتِباطًا وَثيقًا؛ فَالإِيمانُ يَقودُ إِلى المائِدَةِ المُقَدَّسَةِ، وَالإِفخارِستِيّا تُغَذِّي الإِيمانَ وَتُكَمِّلُهُ. وَبِهٰذا يُعلِنُ يَسوعُ أَنَّ الاِشتِراكَ في جَسَدِهِ وَدَمِهِ لَيْسَ مُجرَّدَ عَمَلٍ طَقسيٍّ، بَل دُخولٌ في شَرِكَةِ حَياتِهِ وَمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ، وَعُربونُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَالقِيامَةِ المَجيدَةِ في اليَومِ الأَخيرِ. تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ ذِروَةَ خِطابِ خُبزِ الحَياةِ، إِذ تُعيدُ تَأكيدَ ما أَعلَنَهُ يَسوعُ في الآيَةِ السّابِقَةِ: "إِذا لَم تَأكُلوا جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ وَتَشرَبوا دَمَهُ فَلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياةُ" (يو 6: 53).

 

55 " لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقٌّ، وَدَمي شَرابٌ حَقٌّ"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "لأَنَّ جَسَدي" γὰρ σάρξ μου إِلى جَسَدِ المَسيحِ المُتَجَسِّدِ وَالمَبذولِ عَلَى الصَّليبِ. فَكَلِمَةُ "جَسَد" σάρξ لا تَدُلُّ عَلَى مَظهَرٍ خارِجيٍّ أَو رَمزٍ فَحَسب، بَل عَلَى البَشَرِيَّةِ الكامِلَةِ الَّتي اتَّخَذَها الاِبنُ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ. وَكَما صارَ "الكَلِمَةُ جَسَدًا" (يو 1: 14)، هٰكَذا يُصبِحُ هٰذا الجَسَدُ نَفسُهُ غِذاءً رُوحِيًّا لِلمُؤمِنينَ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "طَعامٌ حَقٌّ" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ ἀληθής βρῶσις وَالصِّفَةُ "حَقٌّ" ἀληθής لا تَعني مُجرَّدَ الصِّدقِ في مُقابِلِ الكَذِبِ، بَل تَعني "الحَقيقيَّ، الأَصيلَ، الكامِلَ" في مُقابِلِ ما هُوَ ظِلٌّ أَو رَمزٌ أَو نُموذَجٌ. وَهِيَ مِنَ الأَلفاظِ المُفَضَّلَةِ عِندَ يوحنّا الإِنجيليِّ، الَّذي يَتَحَدَّثُ عَن "النُّورِ الحَقيقيِّ" (يو 1: 9)، وَ"الكَرمَةِ الحَقيقيَّةِ" (يو 15: 1)، وَهُنا عَن "الطَّعامِ الحَقيقيِّ". َبِهٰذِهِ اللُّغَةِ يُقارِنُ يَسوعُ بَينَ المَنِّ الَّذي أَكَلَهُ الآباءُ في البَرِّيَّةِ وَبَينَ جَسَدِهِ. فَالمَنُّ كانَ طَعامًا حَقيقيًّا لِلجَسَدِ، لٰكِنَّهُ كانَ رَمزًا وَظِلًّا لِلطَّعامِ الحَقيقيِّ الَّذي يَهبُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ: "آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّةِ وَماتوا" (يو 6: 49)، أَمَّا مَن يَتَغَذّى مِن جَسَدِ المَسيحِ فَيَحيا إِلى الأَبَدِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَدَمي شَرابٌ حَقٌّ" τὸ αἷμά μου ἀληθής ἐστιν πόσις فَتُشيرُ إِلى الدَّمِ المَسفوكِ عَلَى الصَّليبِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ. وَفي التَّفكيرِ الكِتابِيِّ الدَّمُ هُوَ مَوضِعُ الحَياةِ، وَمِن هُنا فَشُربُ دَمِ المَسيحِ يَعني الاِشتِراكَ في حَياتِهِ وَقُوَّةِ فِدائِهِ. وَيُشيرُ يَسوعُ هُنا ضِمنًا إِلى العَشاءِ الأَخيرِ، حِينَ سَيَقولُ: "هٰذا هُوَ دَمي الَّذي يُراقُ مِن أَجلِ الكَثيرينَ" (مر 14: 24). فَالخُبزُ وَالخَمرُ الَّلذانِ يُقَدَّمانِ عَلَى المائِدَةِ الإِفخارِستِيَّةِ لَيْسا مُجرَّدَ رُموزٍ، بَل يَصيرانِ بِقُوَّةِ كَلِمَةِ المَسيحِ جَسَدَهُ وَدَمَهُ الحَقيقيَّينِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الأُورُشليميُّ قائِلًا: "لا تَنظُرْ إِلى الخُبزِ وَالخَمرِ كَعَناصِرَ عادِيَّةٍ، فَإِنَّهُما بِإِعلانِ الرَّبِّ جَسَدُ المَسيحِ وَدَمُهُ. وَإِنْ كانَ الحِسُّ يُوحِي بِغَيرِ ذٰلِكَ، فَلْيُثَبِّتْكَ الإِيمانُ" (التعليم السِّرِّيّ 4: 6). وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "هٰذا الخُبزُ الَّذي تَرَونَهُ عَلَى المَذبَحِ، بَعدَ أَنْ قَدَّسَتهُ كَلِمَةُ اللهِ، هُوَ جَسَدُ المَسيحِ؛ هٰذِهِ الكَأسُ، أَو بِالأَحرى ما فيها، بَعدَ أَنْ قَدَّسَتهُ كَلِمَةُ اللهِ، هُوَ دَمُ المَسيحِ" (العِظَة 227). وَإِذا كانَ الطَّعامُ وَالشَّرابُ الجَسَدِيّانِ يُحافِظانِ عَلَى الحَياةِ الزَّمَنِيَّةِ، فَإِنَّ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ يُغَذِّيانِ الحَياةَ الرُّوحِيَّةَ وَيَمنَحانِ المُؤمِنَ شَرِكَةً حَيَّةً مَعَ اللهِ. وَهٰذا هُوَ مَقصِدُ يَسوعَ مِن وَصفِ جَسَدِهِ وَدَمِهِ بِأَنَّهُما "طَعامٌ حَقٌّ وَشَرابٌ حَقٌّ"، أَي الطَّعامُ الَّذي يُحَقِّقُ غايَةَ كُلِّ طَعامٍ، وَالشَّرابُ الَّذي يُحَقِّقُ غايَةَ كُلِّ شَرابٍ: الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ. وَمِن هُنا فَالإِفخارِستِيّا لَيْسَت تَذكارًا فَحَسب، بَل حُضورُ المَسيحِ الحَيِّ بَينَ شَعبِهِ، وَمَنبَعُ الحَياةِ وَالقُدسِيَّةِ وَعُربونُ المَجدِ الآتي، كَما تُرَنِّمُ الكَنيسَةُ: "يا وَلِيمَةَ المَسيحِ، فيها نَتَغَذّى بِالمَسيحِ، وَيَمتَلِئُ القَلبُ نِعمَةً، وَنَنالُ عُربونَ المَجدِ الأَبَدِيِّ". تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ مِن أَقوَى النُّصوصِ الإِفخارِستِيَّةِ في العَهدِ الجَديدِ، إِذ يُؤَكِّدُ فيها يَسوعُ حَقيقَةَ العَطيَّةِ الَّتي يُقَدِّمُها لِلمُؤمِنينَ. فَبَعدَ أَنْ أَعلَنَ أَنَّ مَن يَأكُلُ جَسَدَهُ وَيَشرَبُ دَمَهُ يَنالُ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ، يُوَضِّحُ الآنَ سَبَبَ هٰذِهِ العَطيَّةِ وَأَساسَها: لأَنَّ جَسَدَهُ هُوَ الطَّعامُ الحَقيقيُّ وَدَمَهُ هُوَ الشَّرابُ الحَقيقيُّ.

 

56 " مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فيه"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي" إِلى الاِشتِراكِ الفِعلِيِّ في سِرِّ جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ. وَقَد استَخدَمَ يُوحَنَّا هُنا " أَكَلَ " الفِعلَ اليونانيَّ τρώγων (يَمضَغُ، يَلتَهِمُ، يَأكُلُ بِواقِعِيَّةٍ)، وَهُوَ فِعلٌ حِسِّيٌّ جِدًّا، يَدُلُّ عَلَى حَقيقَةِ التَّناوُلِ لا عَلَى مَعنىً رَمزِيٍّ مَحضٍ. وَبِهٰذا التَّعبيرِ يُشَدِّدُ الإِنجيليُّ عَلَى واقِعِيَّةِ الحُضورِ الإِفخارِستِيِّ، وَعَلَى أَنَّ المُؤمِنَ يَدخُلُ في شَرِكَةٍ حَقيقيَّةٍ مَعَ جَسَدِ المَسيحِ المَبذولِ وَدَمِهِ المَسفوكِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ. وَقَد أَكَّدَ الرَّسولُ بولُسُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "كَأسُ البَرَكَةِ الَّتي نُبارِكُها، أَلَيسَت شَرِكَةً في دَمِ المَسيح؟ وَالخُبزُ الَّذي نَكسِرُه، أَلَيسَ شَرِكَةً في جَسَدِ المَسيح؟" (1 قور 10: 16). فَالتَّناوُلُ لَيسَ مُجرَّدَ تَذكارٍ لِلمَسيحِ، بَل دُخولٌ في شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَهُ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "ثَبَتَ فِيَّ" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ μένει ἐν ἐμοί وَالفِعلُ "ثَبَتَ" μένω مِن أَهمِّ الأَفعالِ اللاهوتِيَّةِ عِندَ يُوحَنَّا، وَيَعني: يَسكُنُ، يَقيمُ، يَثبُتُ، يَبقَى في شَرِكَةٍ دائِمَةٍ. وَلا يَدُلُّ عَلَى عَلاقَةٍ عابِرَةٍ أَو مُؤَقَّتَةٍ، بَل عَلَى اِتِّحادٍ مُستَمِرٍّ وَعَميقٍ. فَالإِفخارِستِيّا لا تُعطِي المُؤمِنَ نِعمَةً خَارِجِيَّةً فَحَسب، بَل تُدخِلُهُ في حَياةِ المَسيحِ نَفسِها. وَكَما أَنَّ الغُصنَ يَستَمِدُّ حَياتَهُ مِنَ الكَرمَةِ، هٰكَذا يَستَمِدُّ المُؤمِنُ حَياتَهُ الرُّوحِيَّةَ مِنَ المَسيحِ. وَمِن هُنا سَيَقولُ يَسوعُ لاحِقًا: "اُثبُتوا فِيَّ وَأَنا فيكُم" (يو 15: 4).

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَثَبَتُّ فيه" فَتُشيرُ إِلى المُبادَلَةِ العَجيبَةِ بَينَ المَسيحِ وَالمُؤمِنِ. فَلَيسَ المُؤمِنُ وَحدَهُ هُوَ الَّذي يَسكُنُ في المَسيحِ، بَلِ المَسيحُ أَيضًا يَسكُنُ فيهِ. وَهٰذا يَكشِفُ عَن أَعمَقِ أَبعادِ الحَياةِ المَسيحِيَّةِ: أَنْ يُصبِحَ المَسيحُ حاضِرًا وَفاعِلًا في قَلبِ المُؤمِنِ. وَيُعَبِّرُ بولُسُ الرَّسولُ عَن هٰذِهِ الخِبرَةِ قائِلًا: "فَما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غل 2: 20). فَالغايَةُ النِّهائِيَّةُ مِنَ الإِفخارِستِيّا هِيَ أَنْ يَتَشَكَّلَ المَسيحُ في المُؤمِنِ وَأَنْ يَحمِلَ المُؤمِنُ صُورَةَ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندريُّ قائلًا: "كَما أَنَّ الشَّمعَ إِذا ذابَ وَاختَلَطَ بِشَمعٍ آخَرَ يُصبِحانِ واحِدًا، هٰكَذا مَن يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ يَتَّحِدُ بِهِ اِتِّحادًا سِرِّيًّا" (In Ioannem IV). وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِنَّنا لا نَتَحَوَّلُ نَحنُ إِلى الطَّعامِ الَّذي نَأكُلُهُ، بَلِ الطَّعامُ السَّماوِيُّ هُوَ الَّذي يُحَوِّلُنا إِلَيهِ" (Confessiones VII). فَفي الطَّعامِ العادِيِّ يَتَحَوَّلُ الطَّعامُ إِلى جَسَدِ الآكِلِ، أَمَّا في الإِفخارِستِيّا فَالمُؤمِنُ هُوَ الَّذي يَتَحَوَّلُ تَدريجِيًّا إِلى شَبَهِ المَسيحِ. وَتُشيرُ هٰذِهِ الآيَةُ أَيضًا إِلى صَلاةِ يَسوعَ الكَهَنوتِيَّةِ: "كَما أَنَّكَ فِيَّ يا أَبَتِ وَأَنا فيكَ، فَلْيَكونوا هُم أَيضًا فينا" (يو 17: 21). فَالاِتِّحادُ الإِفخارِستِيُّ بِالمَسيحِ يَقودُ المُؤمِنَ إِلى الاِشتِراكِ في شَرِكَةِ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ نَفسِها. إِنَّ الإِفخارِستِيّا، إِذًا، لَيسَت مُجرَّدَ غِذاءٍ رُوحِيٍّ، بَل سِرُّ الحُضورِ المُتَبادَلِ: المَسيحُ في المُؤمِنِ، وَالمُؤمِنُ في المَسيحِ. وَهٰذا هُوَ سِرُّ القُداسَةِ وَمَنبَعُ كُلِّ ثَمَرٍ رُوحِيٍّ، وَعُربونُ الوَحدَةِ الَّتي سَتَبلُغُ كَمالَها في المَلَكوتِ السَّماوِيِّ. فَيا لَها مِن كَرامَةٍ عَظيمَةٍ وَمَسؤوليَّةٍ أَعظَمَ: أَنْ يَحمِلَ المُؤمِنُ المَسيحَ في داخِلِهِ، وَأَنْ يُصبِحَ هُوَ نَفسُهُ هَيكَلًا حَيًّا لِحُضورِ اللهِ.  تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ ذِروَةَ الخِطابِ الإِفخارِستِيِّ في كَفَرناحوم، إِذ يَنتَقِلُ يَسوعُ مِنَ الحَديثِ عَن الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَالقِيامَةِ إِلى الحَديثِ عَن أَعظَمِ ثَمَرَةٍ لِسِرِّ الإِفخارِستِيّا، وَهِيَ الاِتِّحادُ الحَيُّ وَالدّائِمُ بَينَ المُؤمِنِ وَالمَسيحِ.

 

 57 "كَما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني، وَأَنِّي أَحيا بِالآب، فَكَذٰلِكَ الَّذي يَأكُلُني سَيَحيا بي"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "الآبَ الحَيَّ" ( ζῶν πατήρ) إِلى أَنَّ الآبَ هُوَ مَنبَعُ الحَياةِ وَأَصلُها وَمَصدَرُها الأَوَّل. فَهُوَ وَحدَهُ يَملِكُ الحَياةَ في ذاتِهِ، وَمِنهُ تَنبُعُ كُلُّ حَياةٍ، وَبِهِ تَقومُ وَتَستَمِرُّ. فَنُقطَةُ بِدايَةِ الحَياةِ لَيسَت في الإِنسانِ وَلا في الخَليقَةِ، بَل في اللهِ الآبِ نَفسِهِ. فَاللهُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ لَيسَ إِلٰهًا جامِدًا أَو فِكرَةً مُجرَّدَةً، بَل هُوَ "الإِلٰهُ الحَيُّ" الَّذي يَملِكُ الحَياةَ في ذاتِهِ وَيَهَبُها لِخَليقَتِهِ. وَقَد أَعلَنَ مُوسى هٰذِهِ الحَقيقَةَ قائِلًا: "أَيُّ بَشَرٍ سَمِعَ صَوتَ اللهِ الحَيِّ مُتَكَلِّمًا مِن وَسَطِ النّارِ مِثلَنا وَبَقِيَ حَيًّا؟" (تثنية 5: 26). وَيُؤَكِّدُ يَسوعُ نَفسُهُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ حِينَ يَقولُ: "فَكَما أَنَّ الآبَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ، كَذلِكَ أَعطى الِابنَ أَن تَكونَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ"(يوحنّا 5: 26). وَفِي هٰذا السِّياقِ يُعلِنُ يَسوعُ: "كَما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وَأَنِّي أَحيا بِالآبِ" (يوحنّا 6: 57).

 

أَمَّا عِبارَةُ "أَرسَلَني" ἀπέστειλέν με فَتُشيرُ إِلى الإِرساليَّةِ الإِلٰهيَّةِ لِلابنِ. فَيَسوعُ لَم يَأتِ مِن ذاتِهِ، بَلْ أَرسَلَهُ الآبُ إِلى العالَمِ لِيُتَمِّمَ عَمَلَ الخَلاصِ. وَهٰذا الإِرسالُ لا يَعني دُونِيَّةَ الابنِ لِلآبِ، بَلْ يَكشِفُ عَن عَلاقَةِ المَحبَّةِ وَالوَحدَةِ القائِمَةِ بَينَهُما في سِرِّ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَأَنِّي أَحيا بِالآب" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ: κἀγὼ ζῶ διὰ τὸν πατέρα أَي: "أَنا أَحيا بِالآبِ" أَو "مِن أَجلِ الآبِ". فَلا يَعني قَولُهُ "أَحيا بِالآبِ» أَنَّ الآبَ سَبَبُ حَياةِ الابنِ بِمَعنى الزَّمَنِ أَو الخَلقِ، بَل إِنَّ الابنَ يَنالُ مِنَ الآبِ بِوِلادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ كُلَّ ما لِلآبِ، بِما في ذٰلِكَ مَلءَ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَكَما أَنَّ الآبَ حَيٌّ، كَذلِكَ الابنُ حَيٌّ، لأَنَّهُ "إِلٰهٌ مِن إِلٰهٍ، نُورٌ مِن نُورٍ، إِلٰهٌ حَقٌّ مِن إِلٰهٍ حَقٍّ" (قانون الإِيمان). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائلًا: "إِنَّ الابنَ يَحيا بِالآبِ، لا كَمَن يَستَمِدُّ حَياةً غَريبَةً عَنهُ، بَل لأَنَّهُ مَولودٌ مِن جَوهرِ الآبِ الحَيِّ، وَيَحمِلُ في ذاتِهِ مِلءَ الحَياةِ الَّتي لِلآبِ" (In Ioannem IV).

 

وَالفِعلُ " أَحيا " ζῶ يَدُلُّ عَلَى الحَياةِ الكامِلَةِ وَالدّائِمَةِ. وَلا يَقصِدُ يَسوعُ أَنَّ الآبَ هُوَ سَبَبُ حَياتِهِ بِمَعنى أَنَّهُ كانَ عَديمَ الحَياةِ ثُمَّ أُعطِيَها، بَلْ يُشيرُ إِلى عَلاقَةِ البُنُوَّةِ الأَزَلِيَّةِ، فَالابنُ يَستَمِدُّ وُجودَهُ الأَزَلِيَّ مِنَ الآبِ بِالوِلادَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَيَملِكُ مِلءَ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ نَفسِها. لِذٰلِكَ صَرَّحَ يَسوعُ: "كَما أَنَّ الآبَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ، كَذٰلِكَ أَعطَى الابنَ أَن تَكونَ لَهُ الحَياةُ في ذاتِهِ" (يو 5: 26).  

 

أَمَّا عِبارَةُ "فَكَذٰلِكَ الَّذي يَأكُلُني سَيَحيا بي" (καὶ τρώγων με κἀκεῖνος ζήσει διἐμέ) فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المُؤمِنَ الَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ يَدخُلُ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ نَفسِها. فَكَما أَنَّ الابنَ يَحيا بِالآبِ، هٰكَذا المُؤمِنُ يَحيا بِالمَسيحِ. وَاللّافِتُ لِلنَّظَرِ أَنَّ يَسوعَ لا يَقولُ: "سَيَحيا مِثلي"، بَل "سَيَحيا بي" (διἐμέ)، أَي إِنَّ المَسيحَ نَفسَهُ يُصبِحُ مَصدَرَ الحَياةِ وَمَبدَأَها وَقُوَّتَها في المُؤمِنِ. فَالحَياةُ الَّتي مَصدَرُها الآبُ، وَالَّتي يَملِكُها الابنُ بِوِلادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ، لا تَتَوَقَّفُ عِندَ الابنِ، بَل تَفيضُ مِن خِلالِهِ عَلَى البَشَرِيَّةِ كُلِّها. فَيَسوعُ لَيسَ نِهايَةَ مَسارِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ، بَل هُوَ الجِسرُ الَّذي تَعبُرُ مِنهُ إِلَينا. وَقَد حَوَّلَ هٰذِهِ الحَياةَ إِلى جَسَدٍ يُبذَلُ وَخُبزٍ يُكسَرُ مِن أَجلِ حَياةِ العالَمِ. مِن هٰذا المُنطَلَقِ، فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت مُجرَّدَ ذِكرى لِحَدَثٍ ماضٍ أَو رَمزٍ لِحَقيقَةٍ رُوحِيَّةٍ، بَل هِيَ اِشتِراكٌ حَقيقيٌّ في حَياةِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ. فَمَن يَتناوَلُ جَسَدَ الرَّبِّ وَدَمَهُ يَحمِلُ في داخِلِهِ حَياةَ المَسيحِ الَّتي لا يَغلِبُها المَوتُ وَلا الفَسادُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ قائلًا: "مَن يَأخُذُني في داخِلِهِ بِالاِشتِراكِ في جَسَدي يَحيا بِي، لأَنِّي أَنا الحَياةُ بِالطَّبيعَةِ، وَمِنَ الآبِ واهِبِ الحَياةِ أَخَذتُ كُلَّ ما لِي" (In Ioannem, IV). وَيُشَبِّهُ الآباءُ هٰذِهِ الشَّرِكَةَ بِالغُصنِ المُتَّصِلِ بِالكَرمَةِ. فَكَما يَستَمِدُّ الغُصنُ نَسغَهُ وَحَياتَهُ مِنَ الكَرمَةِ، هٰكَذا يَستَمِدُّ المُؤمِنُ حَياتَهُ الرُّوحِيَّةَ مِنَ المَسيحِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ: "أَنا الكَرمَةُ وَأَنتُمُ الأَغصانُ. مَن ثَبَتَ فيَّ وَثَبَتُّ فيه يُثمِرُ ثَمَرًا كَثيرًا (يوحنّا 15: 5). وَبِهٰذا المَعنى تُصبِحُ الإِفخارِستِيّا اِمتِدادًا لِحَياةِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ في الإِنسانِ. فَالآبُ هُوَ يَنبوعُ الحَياةِ، وَالابنُ يَنقُلُ هٰذِهِ الحَياةَ إِلَينا بِتَجَسُّدِهِ وَفِدائِهِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ يَجعَلُنا شُرَكَاءَ فيها وَيُثَبِّتُنا فِيها. وَكَما يُعَلِّمُ القِدِّيسُ أَثَناسيوس الرَّسوليّ: "تَأَنَّسَ ابنُ اللهِ لِنَصيرَ نَحنُ شُرَكَاءَ الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ" (De Incarnatione, 54). فَمَن يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ لا يَنالُ بَرَكَةً فَحَسب، بَل يَدخُلُ في دائِرَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ نَفسِها. إِنَّ الرَّابِطَةَ القائِمَةَ بَينَ الآبِ وَالابنِ تُصبِحُ أَصلًا وَمِثالًا لِلرَّابِطَةِ القائِمَةِ بَينَ المَسيحِ وَالمُؤمِنِ. فَنَحنُ نَحيا بِالمَسيحِ كَما أَنَّ المَسيحَ يَحيا بِالآبِ، وَهٰكَذا يُدخِلُنا سِرُّ الإِفخارِستِيّا إِلى أَعمَقِ شَرِكَةٍ مَعَ اللهِ، وَيَجعَلُ مِنَّا أَبناءً في الابنِ، وَوَرَثَةً لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. لِذٰلِكَ تُعَدُّ هٰذِهِ الآيَةُ مِن أَعمَقِ النُّصوصِ الإِفخارِستِيَّةِ وَالثَّالوثِيَّةِ في إِنجيلِ يُوحَنَّا، إِذ تَربِطُ بَينَ حَياةِ الآبِ وَالابنِ الأَزَلِيَّةِ مِن جِهَةٍ، وَبَينَ حَياةِ المُؤمِنِ المُتَّحِدِ بِالمَسيحِ في الإِفخارِستِيّا مِن جِهَةٍ أُخرى، فَيُصبِحُ التَّناوُلُ مُشارَكَةً حَقيقيَّةً في حَياةِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ وَعُربونًا لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ " سَيَحيا بي" فتيشيرُ الفِعلُ اليُونانِيُّ ζήσει إِلى حَياةٍ مُستَمِرَّةٍ وَمُتَجَدِّدَةٍ، لا تَقتَصِرُ عَلَى الحَياةِ الجَسَدِيَّة، بَل تَشمَلُ الحَياةَ الإِلٰهِيَّةَ الَّتِي يَمْنَحُها المَسيحُ لِلمُؤمِن. فَالرَّبُّ يَسوعُ لا يَقولُ فَقَط إِنَّ المُؤمِنَ يَحْيا مِنهُ، بَل إِنَّهُ يَحْيا بِهِ (διἐμέ)، أَي إِنَّ المَسيحَ يُصبِحُ مَبدَأَ حَياتِهِ، وَقُوَّتَها، وَمَصدَرَها الدّائِم. وَيَقولُ القِدِّيسُ كيرلس الاسكندري: "كَما أَنَّ قِطعَةَ الحَديدِ إِذا وُضِعَت في النّارِ تَكتَسِبُ حَرارَةَ النّار، كَذٰلِكَ الَّذِي يَتَّحِدُ بِالمَسيحِ في الإِفْخارِسْتِيَّا يَشتَرِكُ في حَياتِهِ الإِلٰهِيَّة". وَيُضيفُ القِدِّيسُ اوغسطينوس "لَيسَ الطَّعامُ الجَسَدِيُّ هُوَ الَّذِي يُحَوِّلُ المَسيحَ إِلى جُزءٍ مِنّا، بَل نَحنُ الَّذِينَ نَتَحَوَّلُ إِلى المَسيحِ عِندَما نَتَغَذَّى بِهِ بِالإِيمانِ وَالمَحَبَّة". وَتَحمِلُ هٰذِهِ الآيَةُ مَعنًى خاصًّا لِلكاهِنِ الَّذِي يَحتَفِلُ يَومِيًّا بِالإِفْخارِسْتِيَّا. فَالكاهِنُ لا يُوَزِّعُ خُبزَ الحَياةِ لِلآخَرينَ فَحَسب، بَل هُوَ أَوَّلُ المَدعُوِّينَ إِلى أَنْ يَحْيا بِالمَسيحِ، وَمِنَ المَسيحِ، وَلِأَجْلِ المَسيح. فَكُلَّما وَقَفَ أَمامَ المَذبَحِ لِيُقَدِّمَ الذَّبيحَةَ المُقَدَّسَة، يَنبَغِي أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ لا يَحمِلُ لِلنّاسِ مَجرَّدَ تَعاليمَ أَو وَصايا، بَل يَحمِلُ لَهُم شَخصَ المَسيحِ الحَيّ، الَّذِي وَحْدَهُ يُشبِعُ جُوعَ القُلوبِ وَيَمْنَحُ الحَياةَ الأَبَدِيَّة. لِذٰلِكَ يَستَطيعُ الكاهِنُ أَنْ يُصَلِّيَ قائِلًا: يا رَبَّ يَسوع، كَما أَنَّكَ تَحْيا بِالآب، اجعَلنِي أَحْيا بِكَ. وَكَما أُغَذِّي شَعبَكَ مِن جَسَدِكَ وَدَمِكَ، أَغْذِ أَنتَ حَياتِي بِنِعمَتِكَ، حَتّى لا أَكتَفِيَ بِخِدمَةِ المَذبَح، بَل أَنْ أَعيشَ كُلَّ يَومٍ مِنَ الإِفْخارِسْتِيَّا الَّتِي أَحتَفِلُ بِها، وَأَشهَدَ لِحُضورِكَ المُحْيِي في وَسَطِ شَعبِكَ. آمين. تَكشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَن أَعْمَقِ أَبْعادِ سِرِّ الإِفْخارِسْتِيَّا وَالاتِّحادِ بِالمَسيح. فَكَما أَنَّ الابنَ يَحْيا في شَرِكَةٍ كامِلَةٍ مَعَ الآب، كَذٰلِكَ المُؤمِنُ الَّذِي يَتَناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ يَدْخُلُ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ الابن.

 

58 "هٰذا هُوَ الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، لا كَما أَكَلَ الآباءُ وَماتوا. مَن يَأكُلْ هٰذا الخُبزَ يَحيَ لِلأَبَد"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "هٰذا هُوَ الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ" (يو 6: 58) إِلى يَسوعَ نَفسِهِ، الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ، الَّذي أَرسَلَهُ الآبُ خُبزًا حَيًّا لِخَلاصِ البَشَرِيَّةِ. وَقَد تَكَرَّرَ التَّعبيرُ "النّازِلُ مِنَ السَّماءِ" مِرارًا في هٰذا الفَصلِ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ أَصلَ يَسوعَ لَيسَ أَرضِيًّا، بَل إِلٰهِيٌّ. فَهُوَ لَيسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ أَو مُعَلِّمٍ عَظيم، بَلِ الابنُ الأَزَلِيُّ الَّذي خَرَجَ مِن عِندِ الآبِ وَنَزَلَ إِلى العالَم، لِيُدخِلَ الإِنسانَ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ اوغسطينوس قائلًا: "كانَ المَنُّ ظِلًّا، أَمَّا المَسيحُ فَهُوَ الحَقيقَةُ؛ كانَ المَنُّ وَعدًا، أَمَّا المَسيحُ فَهُوَ العَطِيَّةُ نَفسُها"(In Ioannis Evangelium Tractatus, 26). فَالمَنُّ الَّذي أَكَلَهُ بَنو إِسرائيلَ في البَرِّيَّةِ كانَ عَلامَةً مُسْبَقَةً وَرَمزًا لِلخُبزِ الحَقِيقِيِّ الَّذي سَيُعطِيهِ اللهُ لِلعالَم. وَأَمَّا في المَسيحِ، فَقَد تَحَقَّقَ الوَعدُ وَصارَتِ الرُّموزُ وَاقِعًا، لأَنَّ اللهَ لَم يَعُد يُعطِي عَطِيَّةً فَقَط، بَل أَعطى ذاتَهُ في شَخصِ ابنِهِ. وَمِن خِلالِ هٰذا الإِعلانِ يَكشِفُ يَسوعُ مِن جَديدٍ أَنَّ الحَياةَ الَّتي يُريدُ اللهُ أَنْ يَهَبَها لِلإِنسانِ لا تَقومُ فَقَط عَلَى سَماعِ كَلِمَةِ اللهِ أَو قِراءَتِها، مَع أَنَّ ذٰلِكَ أَساسِيٌّ وَضَرورِيّ. فَقَد أَعلَنَ اللهُ في العَهدِ القَديم: "لَيسَ بِالخُبزِ وَحدَهُ يَحْيا الإِنسان، بَل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنسان" (تث 8: 3). غَيرَ أَنَّ كَلِمَةَ اللهِ الَّتي كانَ الإِنسانُ يَسمَعُها في العَهدِ القَديم، صارت في مِلءِ الزَّمانِ شَخصًا حَيًّا هُوَ يَسوعُ المَسيح. لِذٰلِكَ فَالحَياةُ المَسيحِيَّةُ لا تَكتَمِلُ بِسَماعِ الكَلِمَةِ فَقَط، بَل تَبلُغُ مِلأَها بِالاتِّحادِ الكامِلِ بِالكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ. وَهٰذا ما يَتَحَقَّقُ بِصورةٍ سامِيَةٍ في سِرِّ الإِفخارِسْتِيّا، حِينَما سَلَّمَ المَسيحُ ذاتَهُ تَحتَ شَكلَي الخُبزِ وَالخَمرِ، أَي جَسَدِهِ وَدَمِهِ المُقَدَّسَين. فَالمُؤمِنُ لا يَكتَفِي بِالإِصغاءِ إِلى كَلِمَةِ الله، بَل يَتَّحِدُ بِالابنِ الإِلٰهِيِّ نَفسِهِ، وَيَدخُلُ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَهُ. وَبِهٰذا المَعنى تَصيرُ الإِفخارِسْتِيّا ذِروَةَ ما بَدَأَ بِهِ الوَحيُ الإِلٰهِيُّ: فَالكَلِمَةُ الَّتي كانَت تُسْمَعُ، أَصبَحَت تُعايَنُ وَتُلمَسُ وَتُتناوَلُ، لِكَي يَحْيا الإِنسانُ لا مِن خُبزِ الأَرضِ فَقَط، بَل مِنَ المَسيحِ خُبزِ السَّماءِ وَواهِبِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة.

 

أَمَّا عِبارَةُ "لا كَما أَكَلَ الآباءُ وَماتوا" فَتُشيرُ إِلى المُقارَنَةِ بَينَ المَنِّ الَّذي أَعطاهُ اللهُ لِشَعبِ إِسرائيلَ في البَرِّيَّةِ (خر 16)، وَبَينَ خُبزِ الحَياةِ الَّذي يُعطِيهِ المَسيحُ. فَالمَنُّ كانَ عَطيَّةً إِلٰهيَّةً عَظيمَةً، لٰكِنَّهُ كانَ يُشبِعُ الجُوعَ الجَسَدِيَّ فَقَط، أَمَّا المَوتُ فَبَقِيَ سُلطانُهُ عَلَى الَّذينَ أَكَلُوهُ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: "أَكَلَ آباؤُكُمُ المَنَّ في البَرِّيَّةِ وَماتوا" (يو 6: 49). أَمَّا الخُبزُ الجَديدُ، أَي جَسَدُ المَسيحِ وَدَمُهُ، فَيُعطِي ما لَم يَستَطِعِ المَنُّ أَنْ يُعطِيَهُ: الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ وَالغَلَبَةَ عَلَى المَوتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندريُّ: "المَنُّ كانَ يُبقي الحَياةَ الجَسَدِيَّةَ زَمَنًا قَليلًا، أَمَّا جَسَدُ المَسيحِ فَيُعطِي الحَياةَ الَّتي لا يَستَطيعُ المَوتُ أَنْ يَسلُبَها" (In Ioannem IV).

 

أَمَّا عِبارَةُ "مَن يَأكُلْ هٰذا الخُبزَ يَحيَ لِلأَبَد" فَتُشيرُ إِلى النَّتيجَةِ النِّهائِيَّةِ لِلاِتِّحادِ بِالمَسيحِ في الإِفخارِستِيّا. وَالفِعلُ اليونانيُّ " سَيَحيا " ζήσεται   يَدُلُّ عَلَى حَياةٍ مُستَمِرَّةٍ وَدائِمَةٍ، لا تَنقَطِعُ بِالمَوتِ الجَسَدِيِّ. فَالمُؤمِنُ الَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ لا يُعفَى مِن مَوتِ الجَسَدِ الزَّمَنِيِّ، لٰكِنَّهُ يَنالُ بَذِرَةَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتي تَغلِبُ المَوتَ وَتُتوَّجُ بِالقِيامَةِ المَجيدَةِ. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ هٰذِهِ الحَقيقَةَ مُرارًا في هٰذا الخِطابِ: "وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ" (يو 6: 54). فَالإِفخارِستِيّا هِيَ عُربونُ الخُلُودِ، وَخَميرَةُ القِيامَةِ، وَدَواءُ عَدَمِ المَوتِ، عَلَى حَدِّ تَعبيرِ القِدِّيسِ أغناطيوس الأَنطاكيِّ: "الإِفخارِستِيّا هِيَ دَواءُ الخُلُودِ وَتِرياقُ عَدَمِ المَوتِ" (رسالة إلى أفسس 20). وَيَبدو في هٰذِهِ الآيَةِ أَنَّ يَسوعَ يَضَعُ السّامِعينَ أَمامَ خِيارٍ حاسِمٍ: فَبَعضُهُم قَبِلُوا هٰذا السِّرَّ بِالإِيمانِ، كَما أَعلَنَ بُطرُسُ قائلًا: "يا رَبُّ، إِلى مَن نَذهَبُ؟ عِندَكَ كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو 6: 68)، أَمَّا آخَرونَ فَرَفَضُوا وَارتَدُّوا قائِلينَ: "هٰذا كَلامٌ عَسيرٌ، مَن يُطيقُ سَماعَهُ؟" (يو 6: 60). وَبِهٰذا تُلَخِّصُ هٰذِهِ الآيَةُ كُلَّ خِطابِ خُبزِ الحَياةِ: فَالمَنُّ كانَ عَطيَّةً زَمَنِيَّةً، أَمَّا المَسيحُ فَهُوَ العَطيَّةُ الأَبَدِيَّةُ؛ المَنُّ كانَ يُغَذِّي الجَسَدَ، أَمَّا جَسَدُ المَسيحِ فَيُغَذِّي النَّفسَ؛ المَنُّ لَم يَمنَعِ المَوتَ، أَمَّا خُبزُ الحَياةِ فَيَهَبُ الحَياةَ الَّتي لا تَنتَهي. وَمِن هُنا تَظهَرُ الإِفخارِستِيّا كَقَلْبِ الحَياةِ المَسيحِيَّةِ، وَكَسِرِّ الحُضورِ الدّائِمِ لِلمَسيحِ في كَنيسَتِهِ، وَكَعُربونِ المَلَكوتِ الآتي. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الخاتِمَةَ اللاهوتِيَّةَ لِخِطابِ خُبزِ الحَياةِ في كَفَرناحوم، وَفيها يُقَدِّمُ يَسوعُ المُقارَنَةَ النِّهائِيَّةَ بَينَ المَنِّ الَّذي أُعطِيَ في البَرِّيَّةِ وَبَينَ جَسَدِهِ الَّذي يُعطَى لِحَياةِ العالَمِ.

 

59 "قالَ هذا وَهُوَ يُعَلِّمُ في المَجمَعِ في كَفَرناحوم"

 

تُشيرُ عِبارَةُ "قالَ هذا" (Ταῦτα εἶπεν) إِلى كُلِّ ما سَبَقَ مِن تَعاليمَ في خِطابِ خُبزِ الحَياةِ (يوحنّا 6: 26-58)، بِما يَتَضَمَّنُهُ مِن إِعلانِ يَسوعَ أَنَّهُ الخُبزُ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ، وَأَنَّ جَسَدَهُ وَدَمَهُ هُما غِذاءُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "وَهُوَ يُعَلِّمُ" فَفي الأَصلِ اليونانيِّ διδάσκων، وَهِيَ صِيغَةُ اِسمِ الفاعِلِ الَّتي تُفيدُ الاِستِمرارَ. فَيَسوعُ يَظهَرُ هُنا بِصِفَتِهِ المُعَلِّمَ الإِلٰهيَّ الَّذي يُعَلِّمُ بِسُلطانٍ، لا كَأَحَدِ الكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ. وَيُلاحَظُ أَنَّ خِطابَ خُبزِ الحَياةِ لَم يُقَدَّمْ في حَديثٍ خَاصٍّ أَو سِرِّيٍّ، بَلْ في تَعليمٍ عَامٍّ أَمامَ الجَماعَةِ.

 

وَتُشيرُ عِبارَةُ "في المَجمَعِ" ἐν συναγωγῇ إِلى المَكانِ الرَّسميِّ لِلتَّعليمِ وَقِراءَةِ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ عِندَ اليَهودِ. وَهٰذا يُبَيِّنُ أَنَّ يَسوعَ لَم يَخَشَ إِعلانَ سِرِّ الإِفخارِستِيّا أَمامَ الجَميعِ، بَلْ أَعلَنَهُ في المَوضِعِ الَّذي كانَ يُنظَرُ إِلَيهِ كَمَركَزٍ لِلتَّعليمِ الدِّينِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ قائِلًا: "لَم يَقُلْ هٰذِهِ الأَقوالَ في الخَفاءِ، بَلْ في المَجمَعِ وَأَمامَ الجَميعِ، لِكَي لا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ يُعَلِّمُ تَعاليمَ سِرِّيَّةً أَو غَيرَ مَشروعةٍ" ( (Homiliae in Ioannem, 47. وَيُضيفُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسوعَ اِختارَ المَجمَعَ لِسَبَبَينِ: لِيُخاطِبَ أَكبَرَ عَدَدٍ مُمكِنٍ مِنَ السّامِعينَ، وَلِيُظهِرَ أَنَّ تَعليمَهُ لا يُناقِضُ وَحيَ الآبِ الَّذي أُعلِنَ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ.

 

أَمَّا عِبارَةُ "في كَفَرناحوم" فَتُشيرُ إِلى المَوقِعِ التّاريخِيِّ الَّذي أُلقِيَ فيهِ هٰذا الخِطابُ. وَكَفَرناحوم في العِبرِيَّةِ כְּפַר נַחוּם (كِفار ناحوم)، أَي "قَريةُ ناحوم" أَو "قَريةُ التَّعزِيَة". وَكانَت كَفَرناحومُ تَقَعُ عَلَى الشّاطِئِ الشَّمالِيِّ الغَربِيِّ لِبُحَيرَةِ طَبَرِيَّةَ، وَتُمثِّلُ مَوقِعًا اِستِراتِيجيًّا مُهِمًّا عَلَى الطَّريقِ التِّجارِيِّ بَينَ دِمَشقَ وَساحِلِ البَحرِ المُتَوَسِّطِ. وَكانَ فيها مَركَزُ جِبايَةٍ (مر 2: 14)، وَحامِيَةٌ عَسكَرِيَّةٌ رومانِيَّةٌ (متّى 8: 5)، وَمَجمَعٌ يَهودِيٌّ كَبيرٌ. وَقَد جَعَلَها يَسوعُ مَركَزًا لِخِدمَتِهِ في الجَليلِ، حَتّى دُعِيَت "مَدينَتَهُ" (متّى 9: 1). وَفيها شَفى حَماةَ بُطرُسَ (متّى 8: 14-15)، وَالمُقعَدَ (مرقس 2: 1-12)، وَعَبدَ قائِدِ المِئَةِ (متّى 8: 5-13)، وَكَثيرينَ مِنَ المَرضى. وَلَيسَ مِنَ المُصادَفَةِ أَن يُعلِنَ يَسوعُ سِرَّ خُبزِ الحَياةِ في كَفَرناحوم، فَهِيَ المَدينَةُ الَّتي شَهِدَت كَثيرًا مِن مُعجِزاتِهِ وَتَعاليمِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ سَيَقولُ لَها لاحِقًا: "وَأَنتِ يا كَفَرناحوم، أَلَعَلَّكِ تَرتَفِعينَ إِلى السَّماءِ؟ سَتُهبَطينَ إِلى مَثوَى الأَمواتِ" (متّى 11: 23). فَالمَكانُ الَّذي أُعلِنَ فيهِ أَعظَمُ سِرٍّ، أَي سِرُّ الإِفخارِستِيّا، هُوَ نَفسُهُ المَكانُ الَّذي رَفَضَ كَثيرونَ مِن سُكّانِهِ الإِيمانَ بِالمَسيحِ. وَبِهٰذا تَختِمُ الآيَةُ خِطابَ خُبزِ الحَياةِ بِإِطارٍ تّاريخِيٍّ وَكَنَسِيٍّ وَاضِحٍ: فَالتَّعليمُ عُلِنَ جِهارًا، وَفي المَجمَعِ، وَفي قَلبِ الجَماعَةِ المُؤمِنَةِ، وَبِذٰلِكَ أَصبَحَ أَساسًا لِإِيمانِ الكَنيسَةِ بِالحُضورِ الحَقيقِيِّ لِلمَسيحِ في سِرِّ الإِفخارِستِيّا عَلَى مَرِّ الأَجيالِ. وَهٰكَذا تَعمَلُ هٰذِهِ الآيَةُ كَخاتِمَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَلٰاهوتِيَّةٍ لِخِطابِ الإِفخارِستِيّا، مُؤَكِّدَةً أَنَّ كُلَّ ما سَبَقَ لَم يَكُن تَعليمًا عارِضًا أَو مَجازًا عابِرًا، بَلْ إِعلانًا أَساسِيًّا في رِسالَةِ المَسيحِ.

 

 

ثانياً: تَطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يوحنّا 6: 51-59)

 

بَعدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (يوحنّا 6: 51-59)، نَستَنتِجُ أَنَّهُ يَتمَحوَرُ حَولَ سِرِّ الإِفخارِستِيّا، خُبزِ الحَياةِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، الَّذي يُعطي الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِكُلِّ مَن يَتَّحِدُ بِالمَسيحِ. وَمِن هُنا نَتَساءَلُ: ما هِيَ ظُروفُ خِطابِ خُبزِ الحَياةِ؟ وَما هِيَ ثِمارُ سِرِّ الإِفخارِستِيّا في حَياةِ المُؤمِن؟

 

1) ظُروفُ خِطابِ الإِفخارِستِيّا

 

يُظْهِرُ إِنجيلُ يُوحَنّا مَسيرَةً تَدريجيَّةً يَقودُ فيها يَسوعُ الإِنسانَ إِلى أَعماقِ سِرِّهِ الخَلاصيِّ. فَبَعدَ أَن كَشَفَ مَجدَهُ في عُرسِ قانا الجَليلِ (يو 2: 1-11)، وَبَعدَ أَن أَعلَنَ ضَرورَةَ الوِلادَةِ الجَديدَةِ لِنيقوديمُس (يو 3: 1-21)، وَوَعَدَ المَرأَةَ السّامِرِيَّةَ بِالماءِ الحَيِّ (يو 4: 1-42)، يَصِلُ بِالقارِئِ إِلى قِمَّةِ الإِعلانِ السِّرِّيِّ في خِطابِ خُبزِ الحَياةِ (يو 6).

 

فَبَعدَ مُعجِزَةِ تَكثيرِ الخُبزِ وَالسَّمَكَتَينِ، لَم يَكُن هَدَفُ يَسوعَ مُجرَّدَ إِشباعِ الجُموعِ جَسَدِيًّا، بَل أَن يَقودَهُم إِلى اِكتِشافِ المَعنى العَميقِ لِلمُعجِزَةِ. فَالمُعجِزَةُ لَم تَكُن غايَةً في ذاتِها، بَل آيَةً تُشيرُ إِلى حَقيقَةٍ أَعظَمَ، أَي إِلى شَخصِ يَسوعَ نَفسِهِ. لِهٰذا قالَ لِلجُموعِ: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: أَنتُم تَطلُبونَني لا لأَنَّكم رَأَيتُمُ الآياتِ، بَل لأَنَّكم أَكَلتُم مِنَ الخُبزِ وَشَبِعتُم" (يوحنّا 6: 26).

 

فَقَد كانَت نَظَرَةُ الجُموعِ ما تَزالُ مَحصورَةً في الاِحتِياجاتِ المادِّيَّةِ. أَمَّا يَسوعُ فَأَرادَ أَن يَرفَعَهُم مِن خُبزِ الأَرضِ إِلى خُبزِ السَّماءِ، وَمِنَ الشَّبَعِ الزَّمَنِيِّ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس قائلًا: "إِنَّ كَثيرينَ يَطلُبونَ يَسوعَ لِمَنافِعِهِم، وَقَليلينَ هُم الَّذينَ يَطلُبونَ يَسوعَ مِن أَجلِ يَسوعَ نَفسِهِ" (In Ioannis Evangelium Tractatus 25)). لِذٰلِكَ وَجَّهَهُم يَسوعُ إِلى البُعدِ الرُّوحيِّ قائِلًا: "لا تَعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَفنى، بَل لِلطَّعامِ الَّذي يَبقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّةً، ذاكَ الَّذي يُعطيكموهُ ابنُ الإِنسانِ" (يوحنّا 6: 27).

 

عِندَئِذٍ سَأَلوهُ: "ماذا نَعمَلُ لِنَقومَ بِأَعمالِ الله؟" (يوحنّا 6: 28). فَأَجابَهُم يَسوعُ مُعلِنًا أَنَّ البِدايَةَ الحَقيقِيَّةَ لِكُلِّ حَياةٍ رُوحيَّةٍ هِيَ الإِيمانُ بِشَخصِهِ: "عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَلَ" (يوحنّا 6: 29). غَيرَ أَنَّ الجُموعَ، كَما حَدَثَ مِرارًا في التّاريخِ الخَلاصيِّ، طَلَبَت آيَةً أُخرى تُثبِتُ رِسالَتَهُ، مُقارِنَةً إِيّاهُ بِموسى "آباؤُنا أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّة"(يوحنّا 6: 31).

 

هُنا يَنتَقِلُ يَسوعُ مِن رَمزِ المَنِّ إِلى حَقيقَةِ الإِفخارِستِيّا. فَالمَنُّ كانَ عَطيَّةً زَمَنِيَّةً أَشبَعَت الجَسَدَ لِيَومٍ واحِدٍ، أَمَّا الإِفخارِستِيّا فَهِيَ عَطيَّةُ الآبِ الأَبَدِيَّةُ الَّتي تُشبِعُ النَّفسَ وَتَهَبُها الحَياةَ الَّتي لا تَزول. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "لَم يَكُنِ المَنُّ إِلّا ظِلًّا وَرَمزًا، أَمَّا الحَقيقَةُ فَهِيَ المَسيحُ نَفسُهُ، الَّذي يَهَبُ جَسَدَهُ لِحَياةِ العالَمِ" (In Ioannem IV).

 

إِنَّ مُعجِزَةَ تَكثيرِ الخُبزِ لَم تَكُن إِلّا مُقدِّمَةً لِمائِدَةٍ أَعظَمَ. فَالمَسيحُ لَم يُرِدْ أَن يُشبِعَ الجُموعَ لِيَومٍ واحِدٍ، بَل أَن يُطعِمَهُم مِن جَسَدِهِ وَدَمِهِ لِيُشبِعَ جوعَهُم إِلى الأَبَد. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس: "إِذا كانَت كَلِمَةُ المَسيحِ قادِرَةً أَن تَخلُقَ مِنَ العَدَمِ، فَكَم بِالحَرِيِّ هِيَ قادِرَةٌ أَن تُحَوِّلَ الخُبزَ وَالخَمرَ إِلى جَسَدِهِ وَدَمِهِ" (De Mysteriis).

 

مِن هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ خِطابَ خُبزِ الحَياةِ لَم يَكُن تَعليمًا نَظَرِيًّا، بَل إِعلانًا عَن سِرِّ الإِفخارِستِيّا الَّذي سَيُؤَسِّسُهُ يَسوعُ في العَشاءِ الأَخيرِ، وَيَجعَلُهُ يَنبوعَ الحَياةِ لِكَنيسَتِهِ عَلَى مَرِّ الأَجيالِ. فَمُعجِزَةُ الخُبزِ تُظهِرُ قُدرَةَ المَسيحِ، أَمَّا الإِفخارِستِيّا فَتُظهِرُ قَلبَهُ. وَالمُعجِزَةُ أَشبَعَت الجُموعَ لِساعَةٍ، أَمَّا الإِفخارِستِيّا فَتُشبِعُ المُؤمِنينَ إِلى الأَبَد.

 

2) مَعاني خِطابِ الإِفخارِستِيّا

 

رَوَتِ الأَناجيلُ الإِزائِيَّةُ تَأسيسَ سِرِّ الإِفخارِستِيّا في العَشاءِ الأَخير: فَرَوَى متّى، وَهُوَ يُعبِّرُ عَن تَقليدِ كَنيسَةِ أُورَشَليمَ، أَحداثَ التَّأسيسِ (متّى 26: 26-29)، وَكَذٰلِكَ مَرقُسُ (مرقس 14: 22-25). أَمَّا لوقا وَالرَّسولُ بولُسُ فَيُمثِّلانِ تَقليدَ كَنائِسِ أَنطاكيةَ وَآسِيَّةَ الصُّغرى، حَيثُ نَجِدُ أَقدَمَ نَصٍّ كِتابِيٍّ عَن تَأسيسِ الإِفخارِستِيّا (لوقا 22: 15-20؛ 1 قورنتس 11: 23-25).

 

وَالإِفخارِستِيّا (Εὐχαριστία) لَفظةٌ يُونانِيَّةٌ تَعني "الشُّكرَ" أَو "الحَمدَ"، وَهِيَ تُذَكِّرُ بِالبَرَكاتِ الَّتي يُمَجِّدُ فيها شَعبُ اللهِ أَعمالَهُ الخَلاصيَّةَ في الخَلقِ وَالفِداءِ وَالتَّقديسِ (لوقا 22: 19؛ 1 قورنتس 11: 24؛ متّى 26: 26). فَالإِفخارِستِيّا هِيَ شُكرُ الكَنيسَةِ الدّائِمُ لِلآبِ عَلَى عَطيَّةِ الاِبنِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُس.

 

أَمَّا الإِنجيليُّ يُوحَنّا، فَمِنَ اللاّفِتِ أَنَّهُ لَم يَرْوِ وَقائِعَ تَأسيسِ سِرِّ الإِفخارِستِيّا في العَشاءِ الأَخيرِ كَما فَعَلَتِ الأَناجيلُ الإِزائِيَّةُ، بَلِ استَعاضَ عَن ذٰلِكَ بِخِطابِ خُبزِ الحَياةِ في كَفَرناحوم (يوحنّا 6: 22-59)، الَّذي يُعَدُّ أَعمَقَ تَفسيرٍ لاهوتيٍّ لِسِرِّ الإِفخارِستِيّا في العَهدِ الجَديد. فَبَينَما تُرَكِّزُ الأَناجيلُ الأُخرى عَلَى لَحظَةِ التَّأسيسِ، يُرَكِّزُ يُوحَنّا عَلَى ثِمارِ السِّرِّ وَنَتائِجِهِ في حَياةِ المُؤمِن.

 

لِذٰلِكَ يَتَناوَلُ خِطابُ خُبزِ الحَياةِ أَربَعَ نَتائِجَ او أثمار رَئيسِيَّةٍ لِلإِفخارِستِيّا في حَياةِ المُؤمِن:

الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ وَالقِيامَةُ (يوحنّا 6: 54).

الثَّباتُ في المَسيحِ وَثَباتُ المَسيحِ في المُؤمِن (يوحنّا 6: 56).

الاِتِّحادُ بِحَياةِ الاِبنِ وَبِالآبِ الَّذي أَرسَلَهُ (يوحنّا 6: 57).

تَكريسُ الذّاتِ وَالمُشارَكَةُ في ذَبيحَةِ المَسيحِ مِن أَجلِ حَياةِ العالَم (يوحنّا 6: 51).

 

وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ، لا تَظهَرُ الإِفخارِستِيّا عِندَ يُوحَنّا كَمُجرَّدِ طَقْسٍ لِيتورجيٍّ، بَل كَسِرِّ الحَياةِ الجَديدَةِ، وَخُبزِ الخُلودِ، وَرابِطَةِ الشَّرِكَةِ مَعَ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ، وَعُربونِ المَلَكوتِ الآتي. فَهِيَ، عَلَى حَدِّ تَعبيرِ القِدِّيسِ أغناطيوس الأَنطاكيّ، "دَواءُ الخُلودِ وَتِرياقُ عَدَمِ المَوتِ" (رسالة إلى أهل أفسس 20: 2).

 

ثَمَرَةُ الإِفخارِستِيّا الأولى: الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ وَالقِيامَةُ (يوحنّا 6: 54).

 

عادتِ الجُموعُ في الغَدِ تَبحَثُ عَن يَسوع، لا لِأَنَّها أَدرَكَت سِرَّ شَخصِهِ، بَل لِأَنَّها "أَكَلَت مِنَ الخُبزِ وَشَبِعَت" (يوحنّا 6: 26). لِذٰلِكَ أَرادَ يَسوعُ أَنْ يَرتَفِعَ بِها مِنَ الخُبزِ الزَّمَنِيِّ إِلى خُبزِ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، فَقَدَّمَ لَها مائِدَةً جَديدَةً لَيسَت مِن هٰذا العالَم، بَل مِنَ السَّماءِ، هِيَ جَسَدُهُ وَدَمُهُ المَبذولانِ مِن أَجلِ حَياةِ العالَم. فَقالَ لَهُم: "مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخير" (يوحنّا 6: 54).

 

الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ

 

يُشيرُ تَعبيرُ "أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي" إِلى سِرِّ الإِفخارِستِيّا، الَّذي فِيهِ يَشترِكُ المُؤمِنُ في حَياةِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأَموات. فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت مُجرَّدَ تِذكارٍ لِماضٍ خَلاصيٍّ، بَل هِيَ لِقاءٌ حَقيقيٌّ بِالمَسيحِ الحَيِّ الَّذي يَمنَحُ المُؤمِنينَ حَياتَهُ الإِلٰهيَّةَ.

 

فَبِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس يَتحَوَّلُ جَوهرُ الخُبزِ وَالخَمرِ إِلى جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ، وَيُصبِحُ المُتناوِلُ شَريكًا في الحَياةِ الَّتي لا تَعرِفُ فَسادًا وَلا مَوتًا. َهٰذِهِ الحَياةُ هِيَ ثَمَرَةُ هِبَةِ المَسيحِ لِنَفسِهِ، وَعَطيَّةُ حُبٍّ أَقوى مِنَ المَوتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "يَليقُ بِالأَبَدِيِّ أَنْ يَهَبَ ما هُوَ أَبَدِيٌّ، لا أَنْ يُعطيَ طَعامًا زَمَنِيًّا يَدومُ لِبَعضِ السّاعاتِ فَقَط، بَل أَنْ يَجعَلَ المُشتَرِكينَ في جَسَدِهِ أَسمى مِنَ المَوتِ وَالفَساد" (In Ioannem, IV).

 

وَيُظهِرُ يَسوعُ نَفسَهُ هُنا كَتَحقيقٍ كامِلٍ لِرَمزِ المَنِّ الَّذي أُعطِيَ لِشَعبِ اللهِ في البَرِّيَّة. فَالمَنُّ كانَ عَطيَّةً عَجيبَةً، لٰكِنَّهُ لَم يَستَطِع أَنْ يَمنَعَ المَوتَ عَن آكِليهِ: "آباؤُكُم أَكَلوا المَنَّ في البَرِّيَّةِ ثُمَّ ماتوا" (يوحنّا 6: 49). أَمَّا المَسيحُ فَيُقَدِّمُ نَفسَهُ: "الخُبزَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ الَّذي يَأكُلُ مِنهُ الإِنسانُ وَلا يَموت" (يوحنّا 6: 50).

 

فَالمَنُّ كانَ ظِلًّا، أَمَّا الإِفخارِستِيّا فَهِيَ الحَقيقَةُ؛ المَنُّ كانَ يُغَذِّي الجَسَدَ لِيَومٍ واحِدٍ، أَمَّا جَسَدُ المَسيحِ وَدَمُهُ فَيُغَذِّيانِ الإِنسانَ لِلأَبَدِ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ أَفرام السُّرياني:"المَنُّ أَشبَعَ الجَسَدَ، أَمَّا خُبزُ الرَّبِّ فَيُحيي النَّفسَ وَالجَسَدَ مَعًا".

 

وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "إِنَّ المَسيحَ هُوَ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ نَفسُها، فَمَن يُؤمِنُ بِهِ يَقتَنيهِ، وَمَن يَقتَنِ المَسيحَ يَقتَنِ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ". غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ الحَياةَ الَّتي نَمتَلِكُها الآنَ بِالإِيمانِ وَالإِفخارِستِيّا سَتَبلُغُ كَمالَها عِندَ مَجيءِ المَسيحِ الثّاني، حِينَ يُقيمُ الأَمواتَ وَيُجَدِّدُ الخَليقَةَ. وَكَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "في لَحظَةٍ وَطَرفَةِ عَينٍ، عِندَ النَّفخِ في البُوقِ الأَخيرِ ... فَيَقومُ الأَمواتُ غَيرَ فاسِدينَ" (1 قورنتس 15: 52). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِن كانَت لَمسَةُ جَسَدِ المَسيحِ قَد أَقامَتِ الأَمواتَ، فَكَم بِالحَرِيِّ يَفعَلُ جَسَدُهُ الحَيُّ في الَّذينَ يَتناوَلونَهُ، إِذ يَغرِسُ فيهِم بَذارَ الحَياةِ وَالخُلودِ".

 

لِهٰذا تُعَلِّمُ الكَنيسَةُ: "الإِفخارِستِيّا هِيَ سِرُّ التَّقوى، وَعَلامَةُ الوَحدَةِ، وَرِباطُ المَحبَّةِ، وَالوَليمَةُ الفِصحِيَّةُ الَّتي فيها نَتناوَلُ المَسيحَ، وَتَمتَلِئُ النَّفسُ نِعمَةً، وَنَنالُ عُربونَ المَجدِ الآتي" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1323).

 

القِيامَةُ

 

لا يَقتَصِرُ وَعدُ الإِفخارِستِيّا عَلَى الحَياةِ الحاضِرَةِ، بَل يَمتَدُّ إِلى القِيامَةُ، المَجدِ المُستَقبَلِيِّ: "وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخير" (يوحنّا 6: 54). فَالإِفخارِستِيّا هِيَ "بَذارُ الخُلودِ" وَ"دَواءُ عَدَمِ المَوتِ"، عَلَى حَدِّ تَعبيرِ القِدِّيسِ أغناطيوس الأَنطاكيّ (رسالة إلى أهل أفسس 20: 2).

 

إِنَّ الَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ يَحمِلُ في داخِلِهِ عُربونَ القِيامَةِ، لأَنَّهُ يَتَّحِدُ بِجَسَدِ الرَّبِّ القائِمِ وَالمُمَجَّدِ. وَكَما أَنَّ الحَياةَ الإِلٰهيَّةَ تَنبُضُ في المَسيحِ القائِمِ، كَذٰلِكَ تَعمَلُ هٰذِهِ الحَياةُ في المُؤمِنِ الَّذي يَتَغَذّى مِن مائِدَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس: "كَيْفَ يَقولونَ إِنَّ الجَسَدَ لا يَنالُ الخَلاصَ، وَهُوَ يَتَغَذّى بِجَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ؟" (Adversus Haereses V,2,2).

 

فَالقِيامَةُ تَبدَأُ مِن الآنَ، وَإِن كانَت تَكتَمِلُ في اليَومِ الأَخير. وَالمُؤمِنُ يَعبُرُ مُنذُ الآنَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياةِ: "مَن سَمِعَ كَلامي وَآمَنَ بِمَن أَرسَلَني فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ ... بَلِ انتَقَلَ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياةِ" (يوحنّا 5: 24). لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا هِيَ سِرُّ الحَياةِ وَالخُلودِ، وَهِيَ عُربونُ المَلَكوتِ وَبَدايَةُ القِيامَةِ. فَالمُؤمِنُ الَّذي يَقتاتُ مِن جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ لا يَعيشُ فَقَط لِلزَّمَنِ الحاضِرِ، بَل يَحمِلُ في داخِلِهِ وَعدَ الأَبَدِيَّةِ وَرَجاءَ المَجدِ الَّذي لا يَزول.

 

لِذٰلِكَ يَحِقُّ لِلقِدِّيسِ يوحنّا ماري فيانّي أَنْ يَقولَ: "لَو أَدْرَكْنا كُلَّ الخَيراتِ المُختَبِئَةِ في المُناوَلَةِ المُقَدَّسَةِ، لَما اِحتَجنا إِلى شَيءٍ آخَرَ لِإِشباعِ قُلوبِنا". فَالإِفخارِستِيّا هِيَ سِرُّ الحَياةِ وَالخُلودِ، وَعُربونُ السَّماءِ، وَبِدايَةُ القِيامَةِ الَّتي سَتَكتَمِلُ في اليَومِ الأَخيرِ، حِينَ يَدعونا المَسيحُ إِلى َولِمَتِهِ الأَبَدِيَّةِ في مَلَكوتِ الآب.

 

ثَمَرَةُ الإِفخارِستِيّا الثّانية: الثَّباتُ في المَسيحِ وَثَباتُ المَسيحِ في المُؤمِن (يوحنّا 6: 56).

 

الثَّباتُ في المَسيح

 

يُعَدُّ الثَّباتُ في المَسيحِ الثَّمَرَةَ الثّانِيَةَ لِسِرِّ الإِفخارِستِيّا. فَبَعدَ أَن وَعَدَ يَسوعُ بِالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَالقِيامَةِ، كَشَفَ عَن نَتيجَةٍ أَعظَمَ، هِيَ الاِتِّحادُ الشَّخصِيُّ بِهِ، قائِلًا: "مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فيه" (يوحنّا 6: 56).

 

يُشيرُ الفِعلُ اليونانيُّ μένειν (يَثبُتُ، يَبقى، يُقيمُ) إِلى إِقامَةٍ دائِمَةٍ وَشَرِكَةِ حَياةٍ عَميقَةٍ، لا إِلى عَلاقَةٍ عابِرَةٍ أَو خارِجِيَّةٍ. فَالإِفخارِستِيّا تُنشِئُ ثَباتًا مُتَبادَلًا: المُؤمِنُ يَثبُتُ في المَسيحِ، وَالمَسيحُ يَثبُتُ في المُؤمِن.

 

فَكَما يَتحَوَّلُ الطَّعامُ الَّذي يَأكُلُهُ الإِنسانُ إِلى جُزءٍ مِن كِيانِهِ وَحَياتِهِ، كَذٰلِكَ يَصيرُ المُتناوِلُ مُتَّحِدًا بِالمَسيحِ اِتِّحادًا حَيًّا. غَيرَ أَنَّ الفَرقَ هُوَ أَنَّ الطَّعامَ العادِيَّ يَتحَوَّلُ إِلى الإِنسانِ، أَمَّا في الإِفخارِستِيّا فَالإِنسانُ هُوَ الَّذي يَتحَوَّلُ إِلى المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "أَنا خُبزُ الأَقوِياءِ؛ لَستَ أَنتَ الَّذي تُحَوِّلُني إِلى ذاتِكَ كَما يَحدُثُ مَعَ الطَّعامِ الجَسَدِيِّ، بَل أَنا الَّذي أُحَوِّلُكَ إِلَيَّ" (الاعترافات 7: 10).

 

إِنَّ المُؤمِنَ الَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ الرَّبِّ وَدَمَهُ يَدخُلُ في شَرِكَةٍ حَقيقيَّةٍ مَعَ المَسيحِ، وَيُصبِحُ عُضوًا في جَسَدِهِ السِّرِّيِّ الَّذي هُوَ الكَنيسَةُ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "إِنَّنا أَعْضاءُ جَسَدِهِ" (أفسس 5: 30). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِذ نَقتَرِبُ إِلى المائِدَةِ السَّماوِيَّةِ وَنُشارِكُ في جَسَدِ المَسيحِ، نُصبِحُ شُرَكَاءَ الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ، وَنَرتَفِعُ إِلى الحَياةِ وَعَدَمِ الفَسادِ" (In Ioannem IV).

 

لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا لا تُعطينا نِعمَةً فَحَسب، بَل تُعطينا صاحِبَ النِّعمَةِ نَفسَهُ. وَهٰذا ما يُمَيِّزُها عَن سائِرِ الأَسرارِ. فَفي الأَسرارِ الأُخرى يَعمَلُ المَسيحُ بِنِعمَتِهِ، أَمَّا في الإِفخارِستِيّا فَهُوَ يَهَبُ ذٰاتَهُ شَخصِيًّا لِلمُؤمِنِينَ. وَكَما يُعَلِّمُ القِدِّيسُ توما الأَكويني: "الإِفخارِستِيّا تَحتَوي المَسيحَ نَفسَهُ، مَصدَرَ كُلِّ نِعمَةٍ" (Summa Theologiae III, q.65, a.3).

 

مِن هُنا يَفهَمُ المُؤمِنُ كَلامَ بولُسَ الرَّسولِ: "فالحَياةُ عِندي هِيَ المَسيحُ" (فيلبّي 1: 21). فَالإِفخارِستِيّا لا تَعني مُجرَّدَ نَيلِ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ، بَلِ السَّماحَ لِحَياةِ الابنِ أَنْ تَدخُلَ إِلى واقِعِنا اليَوميِّ، وَأَنْ تُشَكِّلَ أَفكارَنا وَقَراراتِنا وَمَواقِفَنا. فَمَن يَتناوَلُ جَسَدَ الرَّبِّ وَدَمَهُ يُدعَى أَنْ يَفكِرَ بِفِكرِ المَسيحِ، وَيُحِبَّ بِقَلبِهِ، وَيَعمَلَ بِإِرادَتِهِ، حَتّى يَستَطيعَ أَنْ يَقولَ مَعَ الرَّسولِ: "فما أَنا أَحيا بَعدَ ذٰلِكَ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20).

 

وَبِهٰذا المَعنى تُصبِحُ الإِفخارِستِيّا مَدرَسَةَ التَّشَبُّهِ بِالمَسيحِ وَسِرَّ التَّحَوُّلِ إِلَيهِ. فَنَحنُ لا نُحَوِّلُ المَسيحَ إِلى ذَواتِنا، بَل هُوَ الَّذي يُحَوِّلُنا إِلَيهِ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "لَستَ أَنتَ الَّذي تُحَوِّلُني إِلى غِذائِكَ كَما يَحدُثُ لِغِذاءِ الجَسَدِ، بَل أَنا الَّذي أُحَوِّلُكَ إِلَيَّ" (الاعترافات 7: 10). فَكُلُّ مُناوَلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَجعَلُ المُؤمِنَ أَكثَرَ اتِّحادًا بِالمَسيحِ، وَأَكثَرَ مُشارَكَةً في حَياتِهِ الَّتي يَستَمِدُّها الابنُ مِنَ الآبِ وَيُفِيضُها عَلَى العالَمِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.

 

ثَباتُ المَسيحِ في المُؤمِن

 

لا يَقتَصِرُ الأَمرُ عَلَى ثَباتِ المُؤمِنِ في المَسيحِ، بَل يَبلُغُ ذِروَتَهُ في ثَباتِ المَسيحِ في المُؤمِنِ: "وَثَبَتُّ فيه". فَبِالتَّناوُلِ المُقَدَّسِ يَسكُنُ المَسيحُ في قَلبِ المُؤمِنِ، وَيُحوِّلُهُ إِلى هَيكَلٍ حَيٍّ لِحُضورِهِ. وَهٰذا يُحَقِّقُ وَعدَ اللهِ القَديمَ: "أَجعَلُ مَسكِني في وَسْطِكُم ... وَأَكونُ لَكُم إِلٰهًا وَتَكونونَ لي شَعبًا" (الأحبار 26: 11-12). وَيَبلُغُ هٰذا الوَعدُ كَمالَهُ في أُورَشَليمَ السَّماوِيَّةِ: "هُوَذا مَسكِنُ اللهِ مَعَ النّاسِ" (رؤيا 21: 3).

 

فَاللهُ خَلَقَ قَلبَ الإِنسانِ لِنَفسِهِ، وَلِذٰلِكَ لا يَجِدُ الإِنسانُ مَلأَهُ وَشَبَعَهُ إِلّا في اللهِ. وَهُنا يَصِدُقُ قَولُ أُوغُسطينوسَ الشَّهير: "خَلَقتَنا لَكَ يا رَبّ، وَقُلوبُنا لا تَعرِفُ الرّاحَةَ حَتّى تَستَريحَ فيكَ". وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ إيريناوس: "مَن يَقبَلُ اللهَ ساكِنًا فيه يَمتَلِئُ حَياةً، أَمَّا مَن يَرفُضُهُ فَيَبقى فارِغًا" (Adversus Haereses).

 

الثَّباتُ وَوَحدَةُ الكَنيسَة

 

إِنَّ الثَّباتَ في المَسيحِ لا يَقودُ فَقَط إِلى الوَحدَةِ مَعَ الرَّبِّ، بَل أَيضًا إِلى الوَحدَةِ مَعَ الإِخوَةِ. فَالَّذينَ يَتَغَذَّونَ مِن خُبزٍ واحِدٍ يَصيرونَ جَسَدًا واحِدًا. لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا تَبني الكَنيسَةَ وَتُحَقِّقُ صَلاةَ يَسوعَ الكَهنوتِيَّةَ: "لِيَكونوا جَميعُهُم واحِدًا، كَما أَنَّكَ فِيَّ يا أَبَتِ وَأَنا فيكَ" (يوحنّا 17: 21). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "جاءَ المَسيحُ لِيَكونَ فينا، وَنَكونَ نَحنُ أَيضًا فيه". وَيُضيفُ القِدِّيسُ هيلاريوس أُسقُفُ بواتييه: "بِما أَنَّ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ حَقِيقِيّانِ، فَإِنَّ أَكلَهُما وَشُربَهُما يَجعَلانِنا في المَسيحِ وَالمَسيحَ فينا" (De Trinitate VIII).

 

إِذًا فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت عَمَلًا فَردِيًّا، بَل سِرُّ وَحدَةٍ وَشَرِكَةٍ. فَمَن يَتَّحِدُ بِالمَسيحِ يَتَّحِدُ بِإِخوَتِهِ أَيضًا، وَيَصيرُ عُضوًا حَيًّا في جَسَدِهِ السِّرِّيِّ. وَبِقَدرِ ما يَثبُتُ المُؤمِنُ في المَسيحِ، يَنمو في المَحبَّةِ وَالقَداسَةِ وَالوَحدَةِ، حَتّى يَبلُغَ إِلى مِلءِ قامَةِ المَسيحِ.

 

ثَمَرَةُ الإِفخارِستِيّا الثالثة: الاِتِّحادُ بِحَياةِ الاِبنِ وَبِالآبِ الَّذي أَرسَلَهُ (يوحنّا 6: 57)

 

يُعَدُّ الاِتِّحادُ بِحَياةِ الاِبنِ وَالدُّخولُ في شَرِكَتِهِ مَعَ الآبِ مِن أَعمَقِ ثِمارِ سِرِّ الإِفخارِستِيّا. فَيَقولُ يَسوعُ: "كَما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وَأَنِّي أَحيا بِالآب، فَكَذلِكَ الَّذي يَأكُلُني سَيَحيا بي" (يوحنّا 6: 57).

 

تُشيرُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلى سِلْسِلَةِ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتي تَنبَعُ مِنَ الآبِ، وَتَتَجَلَّى في الاِبنِ، وَتَصِلُ إِلى المُؤمِنِ مِن خِلالِ الاِتِّحادِ بِالمَسيحِ في الإِفخارِستِيّا. فَكَما أَنَّ الاِبنَ يَحيا في شَرِكَةٍ كامِلَةٍ مَعَ الآبِ وَيَستَمِدُّ مِنْهُ كُلَّ ما لَهُ بِحَسَبِ بُنُوَّتِهِ الأَزَلِيَّةِ، كذلك يَصيرُ المُؤمِنُ، بِتَناوُلِهِ جَسَدَ المَسيحِ وَدَمَهُ، شَريكًا في هٰذِهِ الحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ.

 

فَالإِفخارِستِيّا لا تَمنَحُ المُؤمِنَ نِعمَةً فَحَسب، بَل تَمنَحُهُ المَسيحَ نَفسَهُ. وَمِن ثَمَّ يَدخُلُ المُؤمِنُ في عَلاقَةِ بُنُوَّةٍ مَعَ الآبِ عَن طَريقِ الاِبنِ وَبِفِعلِ الرُّوحِ القُدُس. وَمِن هُنا يَتحَقَّقُ قَولُ بُطرُسَ الرَّسولِ: "لِكَي تُصبِحوا بِها شُرَكاءَ الطَّبيعَةِ الإِلٰهِيَّةِ" (2 بطرس 1: 4). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَرِيُّ: "إِنَّنا عِندَما نَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ المُقَدَّسَ نَحمِلُ في داخِلِنا الكَلِمَةَ واهِبَ الحَياة، فَنَصيرُ شُرَكَاءَ في عَدَمِ الفَسادِ وَالحَياةِ الإِلٰهِيَّةِ".

 

وَيُشَبِّهُ الآباءُ هٰذا الاِتِّحادَ بِغُصنِ الكَرمَةِ المُتَّصِلِ بِالأَصلِ، كَما قالَ يَسوعُ: "أَنا الكَرمَةُ وَأَنتُمُ الأَغصانُ. مَن ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فيه فَذاكَ يُثمِرُ ثَمَرًا كَثيرًا" (يوحنّا 15: 5). فَالَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ المَسيحِ لا يَحيا بِنَفسِهِ وَلا بِقُوَّتِهِ البَشَرِيَّةِ، بَل يَحيا بِالمَسيحِ وَمِنَ المَسيحِ. وَهُنا يَتَحَقَّقُ قَولُ بولُسَ الرَّسولِ: "فَما أَنا أَحيا بَعدُ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20).

 

إِنَّ الإِفخارِستِيّا تَرفَعُ الإِنسانَ مِن مُستَوى الحَياةِ الطَّبيعِيَّةِ إِلى مُستَوى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. فَهِيَ لا تُغَذِّي الجَسَدَ فَحَسب، بَل تُدخِلُ المُؤمِنَ في حَياةِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ نَفسِها. وَبِقَدرِ ما يَتَّحِدُ الإِنسانُ بِالمَسيحِ، يَتَّحِدُ بِالآبِ الَّذي أَرسَلَهُ، وَيُصبِحُ أَكثَرَ اِنفِتاحًا لِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ فيه. لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا هِيَ مَدرَسَةُ البُنُوَّةِ للهِ، وَسِرُّ الشَّرِكَةِ مَعَ المَسيحِ، وَعُربونُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، حَيثُ يَتَحَوَّلُ المُؤمِنُ تَدريجِيًّا إِلى صُورَةِ الاِبنِ، لِيَشترِكَ في مَجدِهِ وَحَياتِهِ وَمَحبَّتِهِ إِلى الأَبَدِ.

 

ثَمَرَةُ الإِفخارِستِيّا الرابعة: تَكريسُ الذّاتِ وَالمُشارَكَةُ في ذَبيحَةِ المَسيحِ مِن أَجلِ حَياةِ العالَم (يوحنّا 6: 51).

 

لا تَقِفُ ثِمارُ الإِفخارِستِيّا عِندَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَالثَّباتِ في المَسيحِ، بَل تَبلُغُ ذِروَتَها في تَكريسِ الذّاتِ لِلرَّبِّ وَالاِشتِراكِ في ذَبيحَتِهِ وَرِسالَتِهِ. فَيَسوعُ الَّذي كَرَّسَ حَياتَهُ كُلَّها لِلآبِ وَبَذَلَ ذاتَهُ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ، يَدعونا أَن نُشارِكَهُ نَفْسَ المَسيرَةِ قائلًا: "كَما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وَأَنِّي أَحيا بِالآب، فَكَذلِكَ الَّذي يَأكُلُني سَيَحيا بي" (يوحنّا 6: 57).

 

تُشيرُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلى أَنَّ المُؤمِنَ لا يَقتَصِرُ عَلَى نَيلِ الحَياةِ مِنَ المَسيحِ، بَل يَدخُلُ في دِينامِيَّةِ حَياتِهِ وَعَطائِهِ وَبَذلِهِ. فَكَما أَنَّ الاِبنَ يَحيا مِن أَجلِ الآبِ وَفي شَرِكَةٍ كامِلَةٍ مَعَهُ، هٰكَذا المَسيحيُّ المَتَّحِدُ بِالإِفخارِستِيّا يَصيرُ مَدعُوًّا لِيَحيا مِن أَجلِ المَسيحِ وَفي شَرِكَةٍ كامِلَةٍ مَعَهُ.

 

إنَّ مِن أَهمِّ رُموزِ الإِفخارِستِيّا حَمَلَ الفِصحِ الَّذي أُمِرَ بِهِ شَعبُ العَهدِ القَديمِ (خروج 12: 5)، وَالَّذي كانَ يَرمُزُ إِلى المَسيحِ حَمَلِ اللهِ الحَقيقيِّ الَّذي حَمَلَ خَطايا العالَمِ وَذُبِحَ مِن أَجلِ خَلاصِ البَشَرِيَّةِ. فَالمَسيحُ هُوَ "فِصحُنا" الَّذي "ذُبِحَ لأَجلِنا" (1 قورنتس 5: 7)، وَذَبيحَتُهُ الواحِدَةُ عَلَى الصَّليبِ أَكمَلَت كُلَّ ذَبائِحِ العَهدِ القَديمِ.

 

وَلِذٰلِكَ لَم يَعُدِ المُؤمِنونَ في حاجَةٍ إِلى الذَّبائِحِ الحَيَوانِيَّةِ، لأَنَّ المَسيحَ قَدَّمَ ذاتَهُ مَرَّةً واحِدَةً وَإِلى الأَبَدِ قُربانًا كامِلًا لِلآبِ، كَما يَقولُ كاتِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّين: "تَأَلَّمَ يَسوعُ أَيضًا خارِجَ البابِ لِيُقَدِّسَ الشَّعبَ بِذاتِ دَمِهِ" (عبرانيّين 13: 12).

فَفي كُلِّ اِحتِفالٍ إِفخارِستِيٍّ تُجعَلُ ذَبيحَةُ المَسيحِ حاضِرَةً سِرِّيًّا، وَيُدعَى المُؤمِنُ لا أَن يُشاهِدَها فَقَط، بَل أَن يُشارِكَ فيها بِتَقدِمَةِ ذاتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ فُولجِنسيوس الأُسقُف: "إِنَّ مُشارَكَتَنا في جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ تَعني أَنَّنا نَموتُ عَنِ العالَمِ، وَأَنَّ حَياتَنا تَصيرُ مُحتَجِبَةً مَعَ المَسيحِ في اللهِ" (في الرَّدِّ على فابيانس).

 

فَالإِفخارِستِيّا لا تَجعلُنا مُتَلَقِّينَ لِلنِّعمَةِ فَحَسب، بَل شُرَكَاءَ في ذَبيحَةِ المَسيحِ وَرِسالَتِهِ. فَكُلُّ مُناوَلَةٍ صادِقَةٍ تُلزمُنا أَن نَحمِلَ الصَّليبَ مَعَهُ، وَأَن نُحَوِّلَ حَياتَنا إِلى عَطاءٍ وَخِدمَةٍ وَمَحبَّةٍ. لِذٰلِكَ يَدعونا الرَّسولُ بولُسُ إِلى أَن نُقَدِّمَ أَنفُسَنا: "ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرضِيَّةً عِندَ الله" (رومة 12: 1).

 

فَالمَسيحيُّ الَّذي يَتناوَلُ جَسَدَ الرَّبِّ وَدَمَهُ لا يَعودُ يَعيشُ لِنَفسِهِ، بَل لِلمَسيحِ الَّذي ماتَ وَقامَ مِن أَجلِهِ. وَهُنا يَصدُقُ قَولُ بولُسَ الرَّسولِ: "فَما أَنا أَحيا بَعدُ، بَلِ المَسيحُ يَحيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20). وَيُشيرُ العَلّامَةُ أوريجانوس إِلى أَنَّ هٰذِهِ الدَّعوَةَ تَشمَلُ كُلَّ مُؤمِنٍ، وَإِن كانَت تَظهَرُ بِصُورَةٍ أَوضَحَ في حَياةِ الرُّسُلِ وَالخُدّامِ وَالمُكَرَّسِينَ الَّذينَ يُدعَونَ إِلى بَذلِ ذَواتِهِم مِن أَجلِ الكَنيسَةِ وَالخَلاصِ.

 

مِن هُنا فَإِنَّ كُلَّ اِحتِفالٍ إِفخارِستِيٍّ يَحمِلُ دَعوَةً واضِحَةً إِلى تَكريسِ الذّاتِ لِلهِ وَخِدمَةِ الإِنسانِ وَالمُجتَمَعِ وَالوَطَنِ. فَالإِفخارِستِيّا لا تَفصِلُنا عَنِ العالَمِ، بَل تُرسِلُنا إِلَيهِ شُهُودًا لِلمَحبَّةِ وَالخِدمَةِ وَالبَذلِ.

 

وخِتامًا، فَإِنَّ يَسوعَ قَدَّمَ ذاتَهُ قُربانَ خَلاصٍ عَنِ البَشَرِيَّةِ كُلِّها، وَوَهَبَنا جَسَدَهُ وَدَمَهُ طَعامًا وَشَرابًا لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. فَإِذا تَناوَلنا جَسَدَهُ المَبذولَ مِن أَجلِنا نِلنا القُوَّةَ، وَإِذا شَرِبنا دَمَهُ المَسفوكَ مِن أَجلِنا نِلنا القَداسَةَ. فَلنَقتَرِبْ إِذًا مِن مائِدَةِ الرَّبِّ بِإِيمانٍ وَمَحبَّةٍ وَخُشوعٍ، لِنَنالَ ثِمارَ الإِفخارِستِيّا: الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ، وَالرَّجاءَ بِالقِيامَةِ، وَالثَّباتَ في المَسيحِ وَكَنيسَتِهِ، وَنُكَرِّسَ ذَواتِنا كُلَّها لِمَجدِ اللهِ وَخِدمَةِ الإِنسانِ.

 

 

الخُلاصَة

 

بَعدَ أَنْ كَثَّرَ يَسوعُ الخُبزَ لِلجُموعِ (يوحنّا 6: 1-15)، وَبَعدَ أَنْ عَبَرَ البُحَيرَةَ الهائِجَةَ (يوحنّا 6: 16-21)، دَخَلَ مَجمَعَ كَفَرناحومَ وَكَشَفَ المَعنى العَميقَ لِمُعجِزَةِ الخُبزِ. فَلَم يَكُنِ الخُبزُ الَّذي أَشبَعَ الجُموعَ غايَةً في ذاتِهِ، بَلْ كانَ عَلامَةً تُشيرُ إِلى سِرِّ الخُبزِ الحَيِّ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، أَي إِلى شَخصِ يَسوعَ المَسيحِ نَفسِهِ. وَهٰكَذا أَعلَنَ يَسوعُ سِرَّ الإِفخارِستِيّا، سِرَّ الحُبِّ الَّذي يَجمَعُ اللهَ بِالإِنسانِ، وَسِرَّ الشَّرِكَةِ الَّتي تَجمَعُ المُؤمِنينَ بَعضَهُم بِبَعضٍ.

 

إِنَّ هٰذا السِّرَّ لا يُدرَكُ بِالعَقلِ وَحدَهُ، وَلا يُفهَمُ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤمَنُ بِهِ، بَلْ يُؤمَنُ بِهِ أَوَّلًا فَيُكشَفُ مَعناهُ تَدريجِيًّا لِلقَلبِ المُؤمِنِ. فَالإِيمانُ يَسبِقُ الفَهمَ، وَالخِبرَةُ تَسبِقُ الاِستِيعابَ. لِذٰلِكَ يَنبَغي أَنْ نَقبَلَ هٰذا السِّرَّ بِثِقَةٍ وَتَواضُعٍ، وَأَنْ نَعيشَهُ في حَياتِنا اليَومِيَّةِ، حَتّى يَصيرَ جُزءًا مِن وُجودِنا وَيُحَوِّلَ قُلوبَنا وَأَفكارَنا وَسُلوكَنا.

 

أَمامَ خِطابِ خُبزِ الحَياةِ لَم يَبقَ لِلتَّلاميذِ إِلَّا الخِيارُ الحاسِمُ: إِمَّا قَبولُ يَسوعَ بِالإِيمانِ، وَإِمَّا رَفضُهُ وَالاِنسِحابُ مِن وَرائِهِ. وَعِندَما تَرَاجَعَ كَثيرونَ وَقالوا: "هٰذا كَلامٌ عَسيرٌ، مَن يُطيقُ سَماعَه؟" (يوحنّا 6: 60)، أَعلَنَ بُطرُسُ الرَّسولُ بِاسمِ الاثنَي عَشَرَ اِعتِرافَ الإِيمانِ الخالِدَ: "يا رَبّ، إِلى مَن نَذهَبُ؟ كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَكَ" (يوحنّا 6: 68).

 

وَنَحنُ أَيضًا نَقِفُ كُلَّ يَومٍ أَمامَ هٰذا الخِيارِ نَفسِهِ. فَكُلَّما اِقتَرَبنا مِن مائِدَةِ الرَّبِّ، وَتَناوَلنا جَسَدَهُ وَدَمَهُ، نُجدِّدُ إِيمانَنا بِوُعودِهِ الخَلاصِيَّةِ: "مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ" (يوحنّا 6: 54)."مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وَثَبَتُّ فيه" (يوحنّا 6: 56). "مَن يَأكُلُني سَيَحيا بي" (يوحنّا 6: 57).

 

إِنَّ الإِفخارِستِيّا هِيَ قَلبُ حَياةِ الكَنيسَةِ وَيَنبوعُ قُوَّتِها، فَفيها يَهَبُنا المَسيحُ ذاتَهُ طَعامًا لِلنُّفوسِ وَزادًا لِلمَسيرَةِ وَعُربونًا لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. وَإِذا كانَ خُبزُ الأَرضِ يَحفَظُ الحَياةَ الزَّمَنِيَّةَ، فَإِنَّ جَسَدَ المَسيحِ يَمنَحُ الحَياةَ الَّتي لا تَزولُ.

 

لِذٰلِكَ فَجَسَدُ المَسيحِ وَدَمُهُ هُما أَسمى بُشرى قُدِّمَت لِلعالَمِ، وَلا يُوجَدُ خُبزٌ أَعظَمُ مِن هٰذا الخُبزِ الَّذي يُقَوِّي الإِنسانَ وَيَقودُهُ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. فَلنَقتَرِبْ بِإِيمانٍ وَخُشوعٍ مِن مائِدَةِ الرَّبِّ، وَلنُجَدِّدْ مَحَبَّتَنا لِلإِفخارِستِيّا، وَلنَجعَلْ مِن حَياتِنا كَسرَ خُبزٍ وَعَطاءٍ وَخِدمَةٍ لِلآخَرينَ، عَلَى مِثالِ يَسوعَ الَّذي صارَ خُبزًا مَكسورًا لِحَياةِ العالَمِ. وَكَما قالَ البابا فرنسيس: "لِيَكُنْ عيدُ جَسَدِ الرَّبِّ مَصدَرَ إِلهامٍ، وَلِيُغَذِّ دائمًا في كُلِّ واحِدٍ مِنّا الرَّغبَةَ وَالاِلتِزامَ مِن أَجلِ مُجتَمَعٍ مُضيافٍ وَمُتَضامِنٍ" (صلاة التبشير الملائكي، 7 حزيران 2015).

 

فَلنُسَبِّحِ الرَّبَّ وَنَشكُرْهُ عَلَى عَطِيَّةِ الإِفخارِستِيّا، وَلنُقَرِّبْ لَهُ "ذَبيحَةَ الحَمدِ في كُلِّ حينٍ" (عبرانيّين 13: 15)، حامِلينَ مَحَبَّتَهُ إِلى العالَمِ، وَشاهِدينَ لِحُضورِهِ الحَيِّ في كَنيسَتِهِ وَفي وَسَطِ شَعبِهِ إِلى أَبَدِ الدُّهورِ.

 

 

دُعاء

أَيُّها الآبُ القُدُّوسُ، يا مَن أَحبَبتَ العالَمَ حتّى جُدتَ بابنِكَ الوَحيدِ خَلاصًا لِلبَشَرِيَّةِ،

وَيا مَن أَرسَلتَ ابنَكَ يَسوعَ المَسيحَ لِيُقَدِّمَ ذاتَهُ ذَبيحَةً كامِلَةً عَن حَياةِ العالَمِ، نَشكُرُكَ عَلَى عَطيَّةِ الإِفخارِستِيّا، سِرِّ مَحبَّتِكَ وَحُضورِكَ الدّائِمِ في وَسَطِ شَعبِكَ.

اِمنَحنا، يا رَبُّ، أَنْ نَقتَرِبَ مِن مائِدَتِكَ المُقَدَّسَةِ بِإِيمانٍ حَيٍّ وَقَلبٍ نَقِيٍّ، فَنَتَناوَلَ جَسَدَ ابنِكَ المَبذولَ مِن أَجلِنا فَنَنالَ القُوَّةَ وَالثَّباتَ، وَنَشرَبَ دَمَهُ المَسفوكَ مِن أَجلِ خَلاصِنا فَنَمتَلِئَ قَداسَةً وَحَياةً جَديدةً.

اِجعَلْنا نَثبُتُ في المَسيحِ وَيَثبُتُ هُوَ فينا، فَنَحمِلَ ثِمارَ المَحبَّةِ وَالخِدمَةِ وَالغُفرانِ، وَنَصيرَ خُبزًا مَكسورًا لإِخوَتِنا عَلَى مِثالِ ابنِكَ الحَبيبِ.

وَقَوِّ إِيمانَنا، وَجَدِّد رَجاءَنا، وَأَضرِم في قُلوبِنا نارَ مَحبَّتِكَ، لِنَسيرَ بِأَمانَةٍ في طَريقِكَ إِلى نِهايَةِ مَسيرَتِنا الأَرضِيَّة. وَإِذ نَقتاتُ مِن خُبزِ الحَياةِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، اِجعَلنا نَشتاقُ دَومًا إِلى المائِدَةِ السَّماوِيَّةِ، حَيثُ نَجلِسُ مَعَ العَذراءِ مَريَمَ، وَالرُّسُلِ، وَالشُّهَداءِ، وَجَميعِ القِدِّيسينَ، لِنُشارِكَ فَرَحَ مَلَكوتِكَ الأَبَدِيِّ، وَنُسَبِّحَكَ مَعَ ابنِكَ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الإِلٰهِ الواحِدِ، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ وَإِلى دَهرِ الدُّهورِ. آمين.

 

 

قِصَّةٌ حَقيقِيَّةٌ: دَمُ المَسيحِ وَعيدُ جَسَدِ الرَّبِّ

 

في صَيفِ سَنَةِ 1263، كانَ كاهِنٌ أَلمانِيٌّ يُدعَى الأَبُّ بُطرُسُ مِن بْراغ (Peter of Prague) يَقُومُ بِرِحلَةِ حَجٍّ إِلى رُوما. وَفي طَريقِهِ تَوَقَّفَ في مَدينَةِ بولسينا القَريبَةِ مِن أورفييتو في إيطاليا، لِيَحتَفِلَ بِالقُدّاسِ الإِلٰهيِّ في كَنيسَةِ القِدِّيسَةِ كريستينا.

 

وكانَ هٰذا الكاهِنُ يُعاني شُكوكًا داخِلِيَّةً حَولَ حُضورِ المَسيحِ الحَقيقيِّ في سِرِّ الإِفخارِستِيّا، عَلَى الرَّغمِ مِن إِيمانِهِ وَكَهنوتِهِ. فَخِلالَ القُدّاسِ، وَبَعدَ أَنْ نَطَقَ بِكَلامِ التَّقديسِ، رَفَعَ البُرشانَةَ المُقَدَّسَةَ وَصَلّى بِحَرارَةٍ قائلًا: "يا رَبُّ، زِدْ إيماني!".

 

وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ، حَسَبَ التَّقليدِ الكَنَسيِّ، ظَهَرَت عَلَى البُرشانَةِ قَطَراتُ دَمٍ حَيٍّ سَالَت عَلَى المِذبَحِ وَعَلَى اللِّفافةِ الكَتّانِيَّةِ (Corporale) المُستَعمَلَةِ في القُدّاس. فَاِضطَرَبَ الكاهِنُ وَسارَعَ إِلى إِبلاغِ البابا أوربان الرابع الَّذي كانَ يُقيمُ آنَذاكَ في مَدينَةِ أورفييتو. فَأَرسَلَ البابا لَجنَةً كَنَسِيَّةً لِلتَّحَقُّقِ مِنَ الحادِثَةِ، وَبَعدَ الفَحصِ أَمَرَ بِنَقلِ اللِّفافةِ المُخَضَّبَةِ بِالدَّمِ إِلى كاتِدرائِيَّةِ أورفييتو، حَيثُ ما زالَت مَحفوظَةً وَمُكرَّمَةً إِلى اليَوم.

 

وكانَت هٰذِهِ الأُعجوبَةُ أَحَدَ الأَسبابِ المُباشِرَةِ الَّتي دَفَعَتِ البابا أوربان الرّابِع إِلى إِصدارِ البُرّاءَةِ الرَّسولِيَّة Transiturus de hoc mundo في 11 آب 1264، الَّتي عَمَّمَ بِمُوجِبِها عِيدَ جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ الأَقدَسَين (Corpus Christi) عَلَى الكَنيسَةِ اللاتينيَّةِ كُلِّها. وَقَد طَلَبَ البابا مِن توما الأكويني أَنْ يُعِدَّ النُّصوصَ اللِّيتورجِيَّةَ الخاصَّةَ بِهٰذا العيد، فَكَتَبَ أَجمَلَ التَّرانيمِ الإِفخارِستِيَّةِ الَّتي لا تَزالُ الكَنيسَةُ تُرتِّلُها إِلى اليَوم، مِثل:

 

Pange Lingua   يا لِساني جُدْ بِوَصفٍ

Tantum Ergo   فلنوقِّر باحترام (وهذه الترنيمة تُعَدّ من أجمل ما كُتب في اللاهوت الإفخارستي في التقليد اللاتيني).

O Salutaris Hostia   خُبزَ الخَلاص الأَعْظَما

Lauda Sion Salvatorem   يا صهيون سبِّحي المخلِّص

           

 

العِبرَةُ الرُّوحِيَّة

لَم تَكُن أُعجوبَةُ بولسينا مِن أَجلِ إِثباتِ قُدرَةِ اللهِ فَحَسب، بَلْ مِن أَجلِ تَقوِيَةِ الإِيمانِ بِحُضورِ المَسيحِ الحَقيقيِّ في سِرِّ الإِفخارِستِيّا. فَإِذا كانَ كاهِنٌ تَسَلَّلَ إِلَيهِ الشَّكُّ قَد وَجَدَ في المَسيحِ جَوابًا لِقَلقِهِ، فَكَم بِالحَرِيِّ نَحنُ مَدعُوُّونَ أَنْ نَقتَرِبَ مِنَ المِذبَحِ بِإِيمانٍ وَخُشوعٍ وَمَحبَّةٍ.

فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت رَمزًا فَقَط، بَلْ هِيَ، وَفْقَ إِيمانِ الكَنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ، الحُضورُ الحَقيقيُّ لِلمَسيحِ جَسَدًا وَدَمًا وَنَفسًا وَلاهوتًا، الَّذي يَهبُنا الحَياةَ وَيُغَذِّي مَسيرَتَنا نَحوَ المَلَكوتِ. "مَن أَكَلَ جَسَدي وَشَرِبَ دَمي فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنا أُقيمُهُ في اليَومِ الأَخيرِ" (يوحنّا 6: 54).