موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٥ أغسطس / آب ٢٠٢٦

عيد الانتقال: حين تصبح الأرض ممرّاً والسماء وطناً

بقلم :
الأب سالم لولص - الأردن
عيد انتقال العذراء الى السماء

عيد انتقال العذراء الى السماء

 

في زحمة الأيام وتناوب الأحداث، نحتاج أحياناً إلى وقفة تأملية تعيد بوصلة حياتنا إلى اتجاهها الصحيح. وفي قلب شهر آب، يطل علينا عيد انتقال السيدة العذراء مريم بالنفس والجسد إلى المجد السماوي، لا ليكون مجرد محطة تاريخية أو عقائدية في الذاكرة الكنسية، بل ليمثل علامة فارقة ورجاءً حياً يلامس عمق وجودنا الإنساني اليوم.

 

 

سقف التراب وآفاق الأبدية

 

كثيراً ما تختزلنا الحياة اليومية في تفاصيلها المادية الضيقة؛ فنغرق في الهموم، ونقيد أنفسنا بقيود الأرض وخيباتها. يأتي عيد الانتقال ليكسر هذا الطوق المادي، ويذكّر الإنسان بأنه مخلوق لغاية أسمى وأكبر بكثير من حدود الفناء. مريم العذراء، ابنة الناصرة البسيطة، التي عاشت واقعنا البشري بكل تفاصيله وتحدياته، هي البرهان الحي على أن التراب ليس نهاية المطاف، وأن الجسد البشري ليس سجناً، بل هو هيكل معدّ للمجد. انتقالها يخبرنا بصوت خفي أن نهايتنا ليست في القبر، بل في الحضن الإلهي.

 

 

حين يلتقي الإصغاء الإلهي بالثقة البشرية

 

إن عظمة العذراء مريم لا تكمن فقط في مجدها النهائي، بل في رحلتها الأرضية التي سارت فيها بالإيمان الصامت والرجاء الثابت. لقد كانت "الكلمة" تتجسد في قلبها قبل أن تتجسد في أحشائها. في كل موقف صعب، وفي كل محطة صامتة، كانت تحفظ الكلام وتتأمله في قلبها. هذا الإصغاء العميق والثقة المطلقة هما اللذان مهّدا الطريق لكي تعبر عتبة الموت دون خوف، لأنها كانت تدرك أن من يحمل الله في داخله لا يمكن أن يضيع في غيابات الموت.

 

 

رمز للرجاء في عالم يتخبط بالألم

 

إننا نعيش اليوم في عالم يغصّ بالحروب، والأزمات، وفقدان المعنى؛ عالم يبدو فيه المستقبل ضبابياً والألم هو السيد المتطاول. وسط هذه العتمة، يبرز عيد الانتقال كنجم صبح يضيء درب المتألمين والتائهين. إنه يوجه رسالة واضحة لكل قلب موجوع: إن الوجع أرض زائلة، والظلم مهما اشتد، ليس الكلمة الأخيرة. هناك سماء تنتظرنا، وأم رحيمة سبقتنا إلى المجد لتمهد لنا الطريق وتشفّع بنا.

 

 

خاتمة

 

في عيد انتقال أمنا العذراء، لندع هذه الذكرى تلامس أعماق أرواحنا. لنرفع أعيننا من تراب الهموم نحو آفاق السماء المفتوحة، واثقين بأن حياتنا لا تمضي عبثاً، بل تسير نحو ملء المحبة والمجد. فلنطلب شفاعتها لكي تظل عائلاتنا ومجتمعاتنا واحات سلام ورجاء، ولكي نحفظ في قلوبنا القدرة على الإصغاء، متذكرين دائماً أننا أناس وُلدنا للأبدية، وأن السماء ليست بعيدة لمن يحب ويؤمن.