موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عالمٍ يقيس النجاح بالأرقام والنتائج السريعة، يبدو الله مختلفًا تمامًا عنَّا.
ففي إنجيل الأحد الخامس عشر من زمن السنة، يقدِّم لنا يسوع صورةً قد تبدو غريبةً في نظر أهل هذا العصر: زارعٌ يخرج ليزرع، فيُلقي البذار على الطريق، وبين الصخور، وفي وسط الشوك، وعلى الأرض الجيدة أيضًا.
بحسابات البشر، يبدو هذا الزارع غير حكيم؛ فهو يبدِّد بذاره في أماكن يعرف مسبقًا أنَّها لن تعطي ثمرًا.
أمَّا بحسابات الله، فالأمر مختلف.
الله لا يزرع بحسب احتمالات النجاح، بل بحسب وفرة الحب.
إنَّه إله الفرصة الثانية، والثالثة، والعاشرة. لا ينظر إلى الإنسان على أنَّه مشروع فشل، بل مشروع حياة لم يكتمل بعد. لذلك يستمر في الزرع، حتى في القلوب التي تحوَّلت إلى طرقٍ قاسية بفعل الخيبات، أو إلى أراضٍ صخرية بسبب الجراح، أو إلى حقولٍ مليئة بأشواك القلق والخوف والانشغالات.
ربما كان الإنسان المعاصر أكثر الناس شبهًا بالأرض المليئة بالشوك.
فالضجيج يملأ حياتنا، والإشعارات لا تتوقف، والعمل يلاحقنا، والقلق على المستقبل يسرق سلام الحاضر، حتى أصبح من الصعب أحيانًا أن تجد كلمة الله مكانًا هادئًا تنمو فيه داخل القلب.
ليست المشكلة أنَّنا لم نعد نسمع كلمة الله، بل أنَّنا لم نعد نملك الوقت الكافي لنصغي إليها.
نسمع كثيرًا، لكنَّنا نصغي قليلًا.
ونقرأ كثيرًا، لكنَّنا نتأمل قليلًا.
ونتكلَّم كثيرًا، لكنَّنا نترك مساحةً صغيرة لله كي يتكلَّم.
لهذا لا يسألنا إنجيل اليوم عن نوعية البذار، لأنَّ البذار هي كلمة الله الحية والفعَّالة، ولا يسألنا عن مهارة الزارع، لأنَّ الزارع هو الله نفسه، بل يضع أمام كل واحدٍ منَّا السؤال الأكثر إزعاجًا والأكثر صدقًا في الوقت ذاته:
أيُّ نوعٍ من الأرض هو قلبي؟
هل أصبح قلبي طريقًا تعبر عليه الكلمات دون أن تدخل إليه؟
هل تحوَّل إلى أرضٍ صخرية تشتعل بالحماس سريعًا ثم تنطفئ عند أوَّل تجربة؟
هل اختنقت كلمة الله داخلي بين شوك الخوف والهموم والسعي الدائم وراء المزيد؟
أم أنَّ هناك مساحةً ما تزال قادرة على استقبال البذار وحمايتها حتى تنضج وتثمر؟
لكنَّ أجمل ما في هذا المثل ليس أنواع الأرض، بل عناد الزارع الجميل.
الله لا يتعب من الزرع.
نحن الذين نتعب من المحاولة، أمَّا هو فلا.
نحن الذين نغلق الأبواب، أمَّا هو فيواصل القرع.
نحن الذين نصدر الأحكام النهائية على أنفسنا وعلى الآخرين، أمَّا هو فما يزال يرى إمكانية الحصاد حتى في أكثر الأراضي قسوةً وجفافًا.
ولعلَّ هذا هو الرجاء المسيحي الحقيقي:
أنَّ الله لا يرى ما نحن عليه الآن فقط، بل ما يمكن أن نصبح عليه بنعمته.
فالطريق يمكن أن يتحوَّل إلى أرضٍ خصبة.
والصخور يمكن أن تُزال.
والشوك يمكن أن يُقتلع.
والقلب الذي بدا يومًا بعيدًا يستطيع أن يصبح موطنًا لكلمة الله.
لذلك، عندما نخرج من قداس هذا الأحد، ربما لا يكون السؤال الذي نحمله معنا هو: "ماذا قال الإنجيل اليوم؟"
بل:
ماذا سيجد الله في قلبي عندما يعود غدًا ليزرع من جديد؟
لأنَّ الله، ببساطة، لا يتعب من الزرع.
فهل نتعب نحن من أن نصير أرضًا صالحة؟