موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ما أعمق كلمات البابا بندكتس السادس عشر وما أجملها، في صلاة التبشير الملائكي، في عيد انتقال العذراء القديسة إلى السماء، عام 2011: "إن السر الذي نحتفل به اليوم لهو سر عظيم، وهو قبل كل شيء سر رجاء وفرح لنا جميعًا: ففي مريم نرى الغاية التي يسير نحوها كل مَن يعرف كيف يربط حياته بحياة يسوع، ومن يعرف كيف يتبعه كما فعلت مريم. يتحدث هذا العيد إذن عن مستقبلنا، ويقول لنا إننا سنكون نحن أيضًا إلى جانب يسوع في فرح الله، ويدعونا إلى التحلي بالشجاعة، وإلى الإيمان بأن قوة قيامة المسيح يمكنها أن تعمل فينا أيضًا وتجعلنا رجالاً ونساءً يسعون كل يوم للعيش كقائمين، حاملين نور الخير إلى ظلمة الشر الموجودة في العالم".
من المعلوم أن البابا بيوس الثاني عشر هو الذي أعلن عقيدة الانتقال عام 1950، ولكننا نجهل كيف ومتى حدثت وفاة البتول القديسة، التي احُتفل بها مبكرًا جدًا باسم "رقاد العذراء". عيد الانتقال هو العيد الرئيس للسيدة العذراء، إذ هو يوم دخولها مجد السماء، وهذا ينسجم مع أعياد القديسين الآخرين، الذي يُحتفل عادة بأعيادهم يوم رحيلهم إلى بيت الآب. ويُرجَّح أن يوم 15 آب يُحيي ذكرى تكريس بازيليك للعذراء مريم في المدينة المقدسة.
تحتفل الكنيسة اليوم بمريم كتحقيق للسر الفصحى. وبما أن مريم هي "المُنعم عليها" -الممتلئة نعمة-أي دون أي شائبة خطيئة، فقد أراد الآب إشراكها في قيامة يسوع منذ نهاية رحلتها الأرضية.
تقدم لنا قراءات القداس بطريقة واضحة للغاية قِيم انتقال مريم، والمكانة التي تحتلها في تدبير الخلاص، ورسالتها إلى البشرية.
مريم هي "تابوت العهد" الحقيقي، وهي "المرأة الملتحفة بالشمس" (القراءة الأولى)، رمز الكنيسة. وكما كان التابوت الذي صنعه موسى قائمًا في الهيكل لأنه كان "علامة وأداة" لعهد الله مع شعبه، هكذا فإن مريم هي في السماء بجسدها الممجد الذي لم ينل منه الفساد، علامة العهد الجديد وأداته. كان تابوت العهد يحتوي على لوحي الشريعة، ومنه كان الله يجيب على طلبات الشعب. أما مريم فتقدّم لنا يسوع، مُعلن شريعة المحبة ومحقق العهد الجديد للخلاص: فيه يكلّمنا الآب ويستمع إلينا. مريم هي صورة الكنيسة وباكورتها، أم المسيح وأم البشر الذين ولدتهم لله في الألم تحت صليب ابنها، ولذلك هي تبشير بالخلاص الكامل الذي سيتحقق في ملكوت الله.
وسيتم ذلك بفعل المسيح القائم من بين الأموات (القراءة الثانية)، مثال القيامة النهائية ومحققها، التي أُفيضت على مريم بإنعام خاص بسبب أمومتها الإلهية. لقد بَشرت العذراء البريئة من الخطيئة الأصلية بغاية الفداء، وهي قيادة البشر إلى كمال البر؛ أما العذراء المنتقلة، فهي تبشير بالهدف النهائي للفداء: تمجيد البشرية في المسيح. تدعونا مريم اليوم إلى الإيمان بأننا مدرجون في تاريخ الخلاص ومعدون لنكون على صورة المسيح، بفعل الروح القدس، في بيت الآب. لهذا السبب، يقول المجمع الفاتيكاني الثاني إنّ العذراء المنتقلة أُُعطيت للبشر كـ "علامة رجاء وطمأنينة أكيدين" (دستور عقائدي في الكنيسة Lumen gentium نور الأمم، رقم 68).
في نشيد "تعظم نفسي الرب" (الإنجيل)، تنقل إلينا مريم رسالتها: إنها تعلن أن الله قد أحدث انقلابًا ثلاثيًا للأوضاع البشرية الزائفة، لكي يسترد البشرية من خلال عمله الخلاصي.
في المجال الديني، يحطم الله الاكتفاء الذاتي البشري: يربك مخططات أولئك الذين يُضمرون أفكار الكبرياء، ويقفون ضد الله ويظلمون الآخرين.
وفي "المجال السياسي"، يقلب الله الفوارق البشرية غير المبرَّرة: يُسقط المقتدرين عن العروش ويرفع المتواضعين؛ ولا يريد أولئك الذين يتسلطون على الشعوب، بل الذين يخدمونها لتعزيز خير الأفراد والمجتمعات دون أي تمييز.
وفي المجال الاجتماعي، يربك الله الطبقية التي لا تُمس والقائمة على المال ووسائل السلطة: يُشبع الجياع خيرًا ويرسل الأغنياء فارغي الأيدي، لإقامة أخوّة حقيقية شاملة، لأن الجميع أبناء الله.
وهكذا، تذكّرنا أعياد "الحبل الطاهر" و"الانتقال" بتاريخ الخلاص من أقصاه إلى أقصاه: الخلاص الذي يتحقق لنا اليوم، والذي نصلّي بشفاعة مريم أمنا لكي تقودنا حتى إتمامه.
مريم في انتقالها هي الخليقة التي بلغت ملء الخلاص، حتى تجلِّي الجسد. إنها "المرأة الملتحفة بالشمس وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا". إنها الأم التي تنتظرنا وتحثنا على السير نحو ملكوت الله. والدة الإله هي صورة الكنيسة وضمانة مضيئة بأن خلاصنا مضمون: كما حدث فيها، هكذا سيحدث فينا جميعًا، وسيعمل روح القائم من بين الأموات على إتمام مهمته بالكامل. إنها منذ الآن ما سنكونه نحن لاحقًا.
مريم، المنتقلة إلى السماء، هي ضمانة بأن الإنسان بكليته سيَخلُص، وأن أجسادنا ستقوم. في الإفخارستيا، خبز الخلود، نجد أغذيتنا الأساسية: القمح والكرمة؛ فالإفخارستيا هي الضمانة اليومية بأن الخلاص يصل إلى كل إنسان في واقعه الملموس لينتزعه من الموت، عدوه الأشد رعبًا، ويفتح له أبواب الحياة الأبدية المجيدة.