موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

عظة الأحد السابع والعشرين من الزمن العادي – السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

مثل الكرامين القتلة

 

تنقل إلينا صفحة إنجيل هذا الأحد مَثَل الكرمة. تُشير "الكرمة" في السياق الكتابي إلى شعب إسرائيل، الشعب الذي اختاره الله واعتنى به منذ أن كان جماعة من العبيد في مصر: حرّرهم، ثم "غرسهم" في "أرض الميعاد"، وقبل كل شيء، عقد معهم عهدًا. غير أن هذه الكرمة ستتبين غير مثمرة: لم يُنتج إسرائيل الثمار التي كان الله ينتظرها، مقصِّرًا خاصة في الطاعة له كإله واحد. فكثيرًا ما عبد بنو إسرائيل آلهة أخرى، مما أثار "غيرة" الله. وفي مناسبات عديدة، أدان الأنبياء حالة الخيانة هذه، لكن أصواتهم غالباً ما بقيت غير مسموعة.

 

إنّ رمزية الكرمة تُذكّر بموضوع "زواج" الله مع إسرائيل، وهو موضوع سيتكرر كثيراً في الأدب الكتابي. فحيناً يُشار إلى إسرائيل ككرمة (إرميا 2: 21؛ حزقيال 15: 1-8؛ المزمور 79/ 80: 9-17)، وحيناً كعروس مُدلّلة ثم منبوذة بسبب خيانتها (حزقيال 16؛ متى 22: 2-14؛ 25: 1-13).

 

في نشيد أشعيا الذي تعرضه علينا ليتورجية هذا الأحد، تختلط الرمزيتان من خلال تداخل الصورتين، وتدخُّل النبي يُذكّر بدور صديق العريس.

 

العناية التي تحظى بها الكرمة (الآية  2 من القراءة الأولى؛ انظر الإنجيل أيضاً) هي نفسها التي يغمر الله بها عروسه (حزقيال 16: 1-14؛ أفسس 5: 25-33). وحُكم الله على الكرمة يجري علناً، كما تقتضي الشريعة في حالة الزنا. وأخيراً، فإن الحكم على الكرمة بالعقم هو اللعنة المفروضة على العروس الخائنة (حزقيال 16: 35-43؛ هوشع 2: 4-15).

 

تصبح صورة الكرمة، كما صورة العروس، مثالاً يسهّل علينا فهم تاريخ الخلاص وعمل الله تجاه شعبه وكل فرد منه -ما يعني كل واحد منا أيضا- والعالم أجمع.

 

إن الحوار بين الله وشعبه -الكرم- من خلال التساؤل الإلهي عما يريد فعله، درامي؛ ولكن في النهاية يظل الحب هو الذي ينتصر دائماً على رفض الإنسان وخيانته. ولهذا السبب يبرز فوراً الفارق بين القراءة الأولى والإنجيل: فبينما يدمّر الله الكرمة التي لا تثمر بحسب أشعيا النبي، يُوجَّر الكرم في المثل الإنجيلي إلى "كَرّامين آخرين يؤدون له الثمار في وقته". وبذلك يُشار إلى مهمة الكنيسة بعد موت يسوع. فالكنيسة هي الشعب الجديد الذي تحمّل مَهمّة "تأدية الثمر". ولهذا السبب حلّت محل إسرائيل، وقد أخذت هذا المكان في الفصح، عندما صار "الحجر الذي رفضه البنّاؤون" "رأس الزاوية". هذا الحجر هو يسوع الذي، رغم رفضه وصلبه، انتصر على الموت وأصبح الأساس الثابت الذي يجب أن يقوم عليه كل بناء مستقبلي للجماعة ولكل فرد. لهذا، "لا يمكنني، إن أردتُ النجاح والخلاص، أن أبني على أساس غيرك، ربي وإلهي".

 

وكما يتضح، فإن التعليم هو نفسه في مثل الابنين الذي ورد في الأحد السابق، ولكن الآفاق تتسع هنا في بُعد مسيحاني، وتُفهم الأعمال المطلوبة بشكل أفضل: تتطلب الموت، وتمرّ عبر قبول سر المسيح المائت والقائم.

 

كان سمعان الشيخ قد تنبأ بأن يسوع سيكون "آية معرضة للرفض"، وأنه جُعل "لسقوط كثيرمن الناس وقيام كثير منهم في إسرائيل" (لوقا 2: 34). ومَثَل اليوم هو تحقيق لهذه النبوءة وإعلان لأحداث الفصح الخاصة بيسوع. فالشعب "المختار" يرفض يسوع كمسيح، مواصلاً تقليد رفض الأنبياء، لأن رسالتهم لا تتوافق مع توقعاته ومصالحه السلطوية. ولكن رغم ذلك، تبدأ مبادرة الله بالتحقق، مقدِّمةً "المرذول" كربّ حيّ لأمة أخرى. إسرائيل يرفض يسوع ، لكن تاريخ الخلاص يستمر بطريقة جديدة.

 

إن صورة تاريخ إسرائيل ومصيره الغامض تدعونا نحن أيضاً، اليوم، إلى تأمل سر الاختيار الذي يتحول بسبب خطأ الإنسان إلى رفض، بينما يبرز ويتقدم مختارون جُدد ومُعيّنون جُدد. لا أحد منا، نحن المسيحيين، يشعر أنه خارج هذا السر الرهيب والذي لا يُسبر غوره، لأن مسيرة الشعب المختار يمكن أن تتكرر في تاريخ كل واحد منا وفي ضميره، إذ إن اختيار الله يتطلب دائماً استجابة شخصية أمينة.

 

بالتأكيد، لدينا الوعد بأن "الشعب الجديد" لن يُرفض وأن قوى الشر لن تقوى على الكنيسة، ولكن من المثير للدهشة دائماً التفكير في كيف أن العديد من المجتمعات المسيحية المزدهرة جداً في القرون الأولى (كنائس إفريقيا وآسيا الصغرى) قد مُحيت في غالبيتها، ولم يبقَ من الكثير منها سوى الاسم والذكرى. ماذا سيكون حال المجتمعات المسيحية في الغرب بعد بضعة قرون؟ هل ستكون كنائس مزدهرة ومجتمعات متحمسة وحيوية، أم أن شعلة الإيمان والاختيار ستُنتقل إلى أيدي الكنائس الجديدة في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية؟ هل سيُتحدث عن كنائس مدن الغرب كما نتحدث نحن الآن عن كنيسة برغامس، أو فيلادلفيا الواردة في سفر الرؤيا، أو عن كنيسة هيبون التي كان القديس أغسطينوس أسقفها؟ تلك كنائس من الماضي، لا تعيش إلا في الذاكرة والمعالم.

 

إن عملية العلمنة والدنيوية، التي اختزلت الكنيسة في الغرب في كثير من الحالات إلى حالة شتات وحضور غير ذي دلالة، هل ستُمحي من تلك مناطق كل أثر للتقليد والثقافة المسيحية، أم ستكون فرصة لإعادة إكتشاف طريقة جديدة ليكون أولئك المسيحيون مؤمنين حقا وليعيشوا الإنجيل؟ وماذا عنا، مسيحيي الشرق، ونحن نواجه تحديات ليست بالقليلة، إن لم تهدد استمرار وجودنا، فإنها تقلصنا عددا وتضعفنا حضورا ودورا؟

 

ولهذا نصلي من وحي ليتورجية هذا الأحد، سائلين الآب العادل والرحيم أن لا يترك كنيسته أبدا -الكرمة التي غرستها يمينه-، وأن يحمي كل غصن فيها، حتى إذا تأصلت في المسيح، حملت ثمارا غزيرة في الزمن والأبد.