موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٨ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

عظة الأحد الخامس والعشرين من الزمن العادي – السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
أحد مَثل العَمَلة وأجرتهم

أحد مَثل العَمَلة وأجرتهم

 

تتحول الصلاة التي تلوناها قبل الاستماع إلى كلمة الله إلى ابتهال يستلهم تعليم مثل عملة الساعة الأخيرة: لقد دعونا الله أبانا، العادل والعظيم، الذي من خلال معاملته للآخِرين كما يعامل الأوائل، يُظهر لنا أن طرقه تبتعد كثيرًا عن طرقنا. فضلاً عن ذلك، إنه لشرف عظيم أن نعمل في كرم الله منذ الصباح الباكر.

 

قبل سبعة قرون من ميلاد السيد المسيح بحسب الجسد، تطرق النبي أشعيا إلى المسافة اللامتناهية بين الله وبيننا، مشبهًا إياها بتلك التي تفصل السماء عن الأرض. عندها نسأل أنفسنا: لماذا كل هذه المسافة بيننا وبين إلهنا، لا سيما بالنظر إلى حبه اللامتناهي لنا؟ هذا بالتأكيد ليس من باب التعالي علينا، بل لأن الله هو ببساطة "الآخر"، "المختلف" عنا نظرًا لطبيعته: الأزلي، الحكيم جدًا، القدير، البطئ الغضب، الصالح والرحيم لدرجة لا تُحد، الرؤوف، الحنون للغاية، والغافر دائمًا.

 

إن هذا الله، "المتخصص" في الرحمة والمغفرة، هو من يدعونا، بل "يتوسل إلينا" لنعود إليه ما دمنا في الوقت المناسب: "التمسوا الرب ما دام يوجد، ادعوه ما دام قريبًا" (أشعيا 55، 6).

 

إن كلمات النبي التي تَلي ذلك يمكن أن تشكل فعل ندامة جميلًا جدًا: "ليترك الشرير طريقه، والأثيم أفكاره، وليرجع إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا فإنه يُكثِر العفو" (الآية 7). إنه "إله البابا فرنسيس" الذي لا يملّ من أن يغفر لنا، إذا لم نملّ نحن من طلب المغفرة منه.

 

فكيف لا نفيض إذًا بأناشيد البركة والحمد مع صاحب المزامير لإلهنا: "في كل يوم أباركك، وأبد الدهور أبارك اسمك" (المزمور 144، 2).

 

إن إنجيل عملة الساعة الأخيرة يسألنا عمّا إذا كنا نفضّل إلهًا يمارس العدل وفقًا لمعاييرنا الشخصية، أم إلهًا صالحًا إلى لا نهاية ويخلّص: يمنح فرصة الحياة حتى لمن يصل في الدقيقة الأخيرة.

 

هو إله يمنحنا إمكانية الحب على الرغم من تأخرنا أو تضييعنا للوقت.

 

إله يأتي للبحث عنا، حتى عندما نكون في كثير من الأحيان مشغولين بأمور أخرى، أو لا نتدبر أمر حضورنا.

 

إله يتجاوز عن ترددنا وكسلنا.

 

إله يخرج لملاقاتي حتى عندما يعلم أن اليوم – أي حياتي – أصبحت ساعاته معدودة.

 

إله يُشعرنا بأننا أساسيون عندما يجعلنا الجميع نشعر بأننا بلا فائدة ويهمشوننا.

 

إله يعيد إليّ كرامتي ويجعلني أشعر بالتقديرالدائم، ليس لساعة واحدة فقط.

 

إله لا يفكر بأسلوب "فوات الأوان" أو "انتهاء الوقت"، بل يَعلم أنه ما دام هناك القليل من النور، فهناك دائمًا وقت للظَفر بالدعوة.

 

إذا قبلنا هذا الإله في حياتنا، فلن نراه بالتأكيد كإله "غير عادل"، بل كأب سخي يفاجئنا دائمًا. وحينها ستكون حياتنا وحياة إخوتنا أجمل بكثير!

 

في بحثنا المستمر عن حياة أكثر تجذرًا في المسيح، يكشف لنا القديس بولس أن يسوع أصبح بالنسبة له "الحياة" بشكل حصري، إلى درجة أنه يحيا بالمسيح وللمسيح، فأصبحت محبته للمسيح "المحرك" لحياته، وهو ما منحه الطاقة للمضي قُدمًا رغم الصعاب وإتمام رسالته.

 

لنصلِّ لكي نصبح كرماء مثل الآب، ولِكي يصبح يسوع كل يوم، وبشكل أكبر، حياتَنا.