موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

عظة الأحد الرابع للفصح - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
لنسأل الحكمة التي تأتي من علُ لكي نعرف كيف نميز صوت المسيح، الراعي الصالح

لنسأل الحكمة التي تأتي من علُ لكي نعرف كيف نميز صوت المسيح، الراعي الصالح

 

لكل واحد منا طريقته الخاصة في فهم نفسه وبالتالي في التعريف بها. وهذا ينطبق أيضاً على السيد المسيح الذي يعرف نفسه ويعرّف بها هكذا:

 

· الطريق والحق والحياة: "أَنا الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحد إلى الآب إلا بي" (يوحنا 14، 6).

· نور العالم: "أَنا نور العالم من يتبعني لا يمش في الظلام بل يكون له نور الحياة" (يوحنا  8، 12).

· خبز الحياة: "أنا خبز الحياة من يُقبل إلي فلن يجوع ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً" (يوحنا  6، 35).

 

لوصف العلاقة الحيوية مع تلاميذه قال: "أنا الكرمة الحق وأبي هو الكرّام " (يوحنا 15، 1) ؛ و"أنا الكرمة وأنتم الأغصان فمن ثبت في وثبتّ فيه فذاك الذي يثمر ثمرا كثيرا لأنكم، بمعزل عني، لا تستطيعون أن تعملوا شيئا" (يوحنا 15، 5).

 

أما التعبير الذي استخدمه يسوع في أغلب الأحيان للإشارة إلى نفسه، فهو لقب "ابن الإنسان"، الذي ورد 82 مرة في الأناجيل.

 

اللقب الذي نركّز عليه انتباهنا اليوم هو يسوع "باب الخراف"، وبالتالي بابنا نحن أيضاً. الباب، الراعي، الخراف، هي صور استخدمها يسوع ليجعل تعليمه أسهل فهماً، وبالتالي أسهل عيشا. ولكن، كما يذكر إنجيل اليوم، حتى من خلال الصور والأمثال، فإن الفهم ليس مضموناً دائماً.

 

بالنسبة للقطيع، الحاجة الأولى هي الأما، وعدو الخراف الأول هو الذئب كما هو معلوم. ونحن أيضا، خراف السيد المسيح، بحاجة إلى الحماية والأمان. على سبيل المثال، يصلي صاحب المزمور قائلاً: "اللهم احفظني فإني بك اعتصمت" (مزمور 16، 1). وفي رسالة بطرس الأولى نجد هذا التحذير: "كونوا قنوعين ساهرين، إنّ إبليس خصمكم كالأسد الزائر يرود في طلب فريسة له، فقاوموه راسخين في الإيمان" (1 بطرس 5، 8).

 

إن الحظيرة ضرورية لحماية الحيوانات الأليفة، وكذلك الحدائق والبساتين. ها هو، على سبيل المثال، العقاب الذي سينزله الله بشعبه غير الأمين: "فالآن لأعلمنّكم بما أصنع بكرمي. أزيل سياجه فيصير مرعى وأهدم جداره فيصير مَداسا" (أشعيا 5، 5). كل شخص أيضاً، بما في ذلك نحن، إذا أراد أن يعيش حياة سليمة مثمرة، يحتاج إلى "سياج"، إلى إطار حياة يحميه من الفوضى والضياع. أتذكر في هذا الصدد توصية مدير الإكليريكية في فترة تحضيرنا للكهنوت: أن تكون حياتنا منضبطة ومؤطرة. وأولئك منكم الذين لديهم أبناء مراهقون يعرفون هذا التحدي جيداً.

 

يسوع يضمن لقطيعه، أي لنا، حظيرة ذات باب فريد من نوعه: هو نفسه!  إنه يعلن: "أنا هو الباب"، "أنا هو باب الخراف". يسوع هو باب الخلاص لكل واحد منا ولجميع الذين يقبلون اتّباعه ويكونوا من خاصته.

 

إن صورة الراعي الذي يدخل من الباب ويسلك كراع صالح، تتباين مع صورة الراعي المزيف الذي يتصرف بهذه الطريقة: "لا يدخل حظيرة الخراف من الباب بل يتسلق إليها من مكان آخر" (يوحنا 10، 1). هذا" "لص سارق" وغريب لا تعرفه الخراف ولن تتبعه بل تهرب منه، لأنها لا تعرف صوت الغرباء. وهناك نوع من الرعاة ذو خطر كبير، يحذرنا يسوع منهم قائلاً: "إياكم والأنبياء الكذابين، فإنهم يأتونكم في لباس الخراف، وهم في باطنهم ذئاب خاطفة" (متى 7، 15).

 

بصفتنا خراف المسيح يسوع، المدعوين لاتباعه كراع والدخول من خلاله كباب خلاص، لسنا محصنين ضد مخاطر الرعاة الكذبة والذئاب المتخفية في زي الحملان. يكفي أن نفكر في خطر الشيع التي تحمل الاسم المسيحي زوراً، كما يحذّر القديس يوحنا: "مِن عندنا خرجوا ولم يكونو مِنا فلوا كانوا منا لأقاموا معنا" (1 يوحنا 2، 19). لهذا السبب، من المهم أن نعتني بعضنا ببعض عندما يهدد الإيمانَ دخلاء، ونبلّغ كاهن الرعية أو من ينوب عنه عند الضرورة.

 

الراعي المعتمَد مختلف: هو أمين ومستقيم، لا يسلك طرقاً ملتوية. هو معروف ومعترف به من قِبل الأشخاص الموكلين إلى رعايته. وهو أيضاً يعرفهم واحداً واحداً. كم أتوق لمعرفة كل فرد في رعيتنا، كل عائلة، كل مريض أو مَن يعاني من أي ضيق، البعيدين والقريبين، جميع الأشخاص الذين يشغلون مناصب مؤسسية، المتطوعين، المرتلين وخدام الهيكل، فرحي وفرحنا جميعا!

 

على عكس الراعي الصالح، الراعي المزيف الذي هو سارق ولص، يبحث عن مصلحته الخاصة في الأوقات العادية ويهرب عندما يحل الخطر. الدافع بسيط: الخراف ليست له، بل هو مستغل لها ومستفيد منها ولا يهمه أمرها. في هذا السياق، ندرك بأية مرارة يكتب القديس بولس إلى أبنائه الأحباء في كنيسة فيلبي: "كلهم يسعى إلى ما يعود على نفسه، لا إلى ما يعود على يسوع المسيح" (2، 21). شتان ما بين الأجير والراعي المزيف، وبين يسوع، الراعي الصالح، الراعي الوحيد الحقيقي، نموذج كل راع! يسوع بذل نفسه عنا، منذ لحظة التجسد في أحشاء العذراء القديسة وحتى الموت على الصليب. عاش فقيراً ومات فقيراً، وأراد أن يستمر في بذل نفسه لنا، خاصة في سر الحب الإلهي: الإفخارستيا.  كيف لا نكون شاكرين وممتنين! كيف لا نجتهد في محبته أكثر فأكثر، متجنبين أن نكون غير مبالين أو باردين، أو، الأسوأ من ذلك، أن نسيء إليه بالخطيئة!

 

يسوع، الذي هو الطريق والحق والحياة، خبز الحياة، الذي كلامه روح وحياة، جاء لكي لا تكون لنا الحياة فقط، بل لتكون لنا بفيض (راجع يوحنا 10، 10).

 

لنسأل الحكمة التي تأتي من علُ لكي نعرف كيف نميز صوت المسيح، الراعي الصالح ومعطي الحياة بوفرة، ونصغي إليه، ونتبعه كل أيام حياتنا، إلى أن نرى وجهه البهي في المراعي الأبدية.