موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تضعنا مقطوعة إنجيل هذا الأحد، عرس قانا الجليل أمام مفارقة لافتة: هذا الإنجيل الذي تفتتح به الكنيسة زمن الصوم، وهو في الوقت عينه الإنجيل الذي يُتلى في معظم الأعراس. بين الصوم والعرس مسافة تبدو شاسعة؛ فالصوم يذكّر بالموت والحزن، والعرس يحتفي بالحياة والفرح. ومع ذلك، تصرّ الكنيسة أن تبدأ مسيرة الصوم من مشهد عرس، وكأنها تقول لنا إن الطريق إلى القيامة يمرّ عبر فهم أعمق للفرح نفسه.
لا يقدّم لنا الإنجيل تفاصيل كثيرة عن العروسين، فلا ذكر لأسماء العروسين، ولا نسمع كلمة منهما، إنما يركّز الانجيل على حضور يسوع وأمه «كانَ في قانا الجَليلِ عُرسٌ وكانَت أُمُّ يَسوعَ هُناك. ٢فدُعِيَ يسوعُ أَيضًا وتلاميذُه إِلى العُرس». حدث بسيط، لكنه يتحوّل إلى لحظة مفصلية: ينفد الخمر (والخمر في الكتاب المقدس يرمز إلى الفرح)، لذا نفاد الخمر في منتصف الاحتفال ليس تفصيلًا صغيرًا، بل إحراجًا كبيرًا يهدد فرح المناسبة وسمعة العائلة. كان يمكن أن يُذكر ذلك العرس لاحقًا كعرسٍ انطفأ فيه الفرح في منتصف الطريق.
هنا تتدخّل مريم بهدوء، دون أضواء او تصفيق، لا تصنع مشهدًا مسرحياً، ولا توبّخ أحدًا، بل تكتفي بلفت نظر يسوع: «لَيسَ عِندَهم خَمْر». تتكلم كأمّ تثق بأن ابنها يملك حلاً، حتى وإن لم تكن تعرف كيف سيكون هذا الحل. يسوع يبدو في البداية متحفّظًا، لكن ما يحدث بعد ذلك يفتح أمامنا أفقًا جديدًا: يطلب ملء أجران التطهير ماءً، ثم يتحوّل الماء إلى خمر، ويشهد رئيس المتكأ بأن الخمر الأخيرة أفضل بكثير من الأولى.
هنا يكمن المعنى العميق. أولى آيات يسوع لم تكن شفاء مريض ولا اخرج روح شريرة، ولا إقامة ميت، بل إنقاذ فرح عرس. لم تكن استعراضًا للقوة، بل إعلانًا لبداية جديدة: انتقال من مرحلة إلى أخرى، من ماء عادي إلى خمر جيّد بإمتياز، من فرح مهدّد بالانطفاء إلى فرح متجدد.
إن كان الصوم يذكّرنا بأن الإنسان «من تراب وإلى التراب يعود» (را. تك 3،19)، فإن عرس قانا يذكّرنا بأن الله لا يريد لنا موتًا بلا رجاء، بل تحوّلًا يقود إلى حياة أسمى وأعمق. الصوم ليس احتقارًا للحياة، بل تدريبًا على أن تتحوّل حياتنا. كما تحوّل الماء إلى خمر في صمت، يُفترض أن يتحوّل فينا شيء خلال هذا الزمن المقدس.
المعجزة في قانا كانت أولى آيات يسوع، أول علامة، لكنها لم تكن الهدف بحد ذاتها. الآية، المعجزة تقول إن الله حاضر وقادر أن يتدخل، وحياتنا المسيحية لا تقوم على المعجزات المتكررة. المطلوب هو الاستعداد الداخلي للتحوّل. في قانا، ملأ الخدم الأجران ماءً؛ قاموا بما هو في استطاعتهم. التحوّل حدث بعد ذلك. هكذا أيضًا في حياتنا: هناك ما هو مطلوب منا قبل أن نطلب من الله أن يتدخل.
زمن الصوم يضعنا أمام سؤال صريح: ماذا يجب أن يتغيّر فينا؟
من السهل أن نغيّر بعض العادات: طعامًا نمتنع عنه، عادة نخفّف منها، وقتًا نخصّصه للصلاة. لكن الأصعب هو تغيير الذهنية، طريقة التفكير، نظرتنا إلى الحياة وإلى الآخرين. الأصعب أن نتحوّل من الداخل، لا من الخارج فقط.
الصوم، في هذا المعنى، ليس مجرد طقس ديني، بل دعوة إلى وعي جديد. هو زمن نتذكر فيه محدوديتنا، لكن أيضًا قدرتنا على الاختيار. نتذكر أننا تراب، نعم، لكننا تراب مدعو إلى أن يتحوّل. الماء في الأجران لم يبق ماءً، لأنه وُضع في يد يسوع. والسؤال المطروح علينا هو: هل نسمح نحن أيضًا أن توضع حياتنا في يده؟
عرس قانا يعلّمنا أن البداية قد تكون بسيطة: مشكلة صغيرة، نقص في الخمر، موقف محرج. لكن الاستجابة يمكن أن تفتح أفقًا جديدًا بالكامل. هكذا أيضًا حياتنا: قد يبدأ التحوّل من اعتراف صادق، من قرار داخلي، من خطوة صغيرة في اتجاه مختلف.
بين عرس قانا وبداية الصوم، توجّه الكنيسة رسالة واضحة: الفرح الحقيقي لا يُلغى بالتوبة، بل يتعمّق بها. والموت الذي يذكّرنا به الصوم ليس نهاية، بل دعوة إلى حياة أصدق. كما تحوّل الماء إلى خمر في صمت، يُمكن أن يتحوّل خوفنا إلى رجاء، وضعفنا إلى قوة، وعاداتنا القديمة إلى بداية جديدة.
المعجزة الأولى كانت علامة على عصر جديد. هنيئاً لمن ينتهز مسيرة الصوم كفرصة لآية أخرى، لا من الخارج هذه المرة، بل من الداخل: والرب يسوع جاهز أن يحولنا ويحول حياتنا إلى خمر "فرح" لذيذ وخمر فرح" وفير.