موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثالث والعشرون من الزّمن العادي (أ)
المقدّمة
في عالمنا اليوم، كثيرًا ما يكون السعي وراء الربح المادي لتحسين مستوى المعيشة، ولمواجهة أوقات الأزمات الاقتصادية، والادّخار للمستقبل غير المضمون. إلّا أن نصَّي هذا المقال يشيران إلى عامل جديد وغير متوقَّع، إذ نحن مدعوون لنربح ونكنز ربحًا حقيقيًا ودائمًا، وهو العلاقة بالأخ/الأخت. هذا الربح لا يعتمد على زمن معيّن ولا مكان معيّن، بل يتناسب مع كلّ الأوقات والأزمنة والأماكن.
ففي النص النبوي لحزقيال (33: 1، 7-9)، سنناقش دوره الذي يميّز رسالته كرقيب، أي وكيل عن الحضور الإلهي وسط شعبه، وهذا الرقيب له ميزة خاصة سنتعمق فيها لاحقًا. وعلى ضوء هذه الرسالة النبوية السامية، يتوقف بنا متّى (18: 15-20) أمام إشكالية العلاقات الأخوية، ليناقش وضعًا معاصرًا ليسوع، مُتيحًا مجالًا لتعليم من نوع فريد، إذ يتوجه الرب برسالة خاصة لي ولك، وهي قبول الدخول في عالم الأخوّة الذي يفتتحه يسوع بتعليمه من خلال هذا النص.
1. رسالة الرقيب (حز 33: 1، 7-9)
تُمثّل نبوءة حزقيال إحدى نبوءات الأنبياء الكبار بسبب الموضوعات اللاهوتية التي يشملها هذا السفر. وفي الآيات القليلة التي سنناقشها اليوم (33: 1، 7-9)، وهي ضمن جزء ذي أهمية بالغة بحسب مضمون السفر بكامله، يتناول الكاتب موضوع إحياء الشعب المائت (33: 1-37: 38). ففي هذه الآيات يُسمعنا الكاتب النبوي صوت الرب الذي يعرض عليه عنصرًا مهمًا في رسالته، التي تربط بين كلمات الرب وتوصيلها للشعب. إلّا أن رسالة النبي كرقيب تعني أنه هو مَن يجعل حضور الرب غير المرئي في عصره حضورًا حيًا من خلال كلمته الموجّهة للشعب، والسبب هو إعلان خلاصه وعدم تركه.
لذا يروي الكاتب بصيغة المتكلم، ويُرجّح أنه النبي ذاته، الحوار الذي بادر الرب به قائلًا: «وكانَت إِلَيَّ كَلـمةُ الرَّبِّ قائِلًا: [...] وأَنتَ يا ٱبنَ الإِنْسان، فقَد جَعَلتُكَ رَقيبًا لِبَيتِ إِسْرائيل، فتَسمَعُ الكَلـمةَ مِن فَمي وتُنذِرُهم عنِّي. فإِذا قُلتُ لِلشِّرِّير: يا شِرِّير، إِنَّكَ تَموتُ مَوتًا، ولـم تَتَكَلـم أَنتَ مُنذِرًا الشِّرِّيرَ بِطَريقِه، فذٰلك الشِّرِّيرُ يَموتُ في إِثمِه، لٰكِنِّي مِن يَدِكَ أَطلُبُ دَمَه. أَمَّا إِذا أَنذَرتَ الشِّرِّيرَ بِطَريقِه لِيَرجِعَ عنه ولـم يَرجِعْ عن طَريقِه، فهو يَموتُ في إِثمِه، لٰكِنَّكَ تَكونُ قَد خَلَّصتَ نَفْسَكَ» (حز 33: 1، 7-9).
تتضح رسالة النبي الرقيب من خلال هذه الآيات القليلة، بأن السلطة المعطاة له هي من الرب بسبب اختياره له، ليسمع جيدًا رسالته ثم يقوم بتوصيلها إلى بني إسرائيل. ففي حال كان أداة سليمة وأنذر الشرير ليتوب، فلا لوم على النبي، الرقيب على الشعب، من قِبل الرب. أما إذا لم يُنذر الشعب ولم يقم بدوره الجوهري المعطى له من الرب، فسيطلب دم هذا الخاطئ من النبي الذي اختاره الرب ليسهر على شعبه ويكشف حضوره.
تحمل هذه الرسالة النبوية رسالة رجاء الأخ إلى إخوته، فهم شعبه وبنو إسرائيل مثله، لأن كل متمرد على الرب هو أيضًا أخ له، يتلقى من أخيه إنذارًا، أما الإخوة الأمناء للرب فسينالون نعمة الخلاص. وهنا تتضح جوهرية رسالة النبي الرقيب؛ فهو أولًا بمثابة الأخ البشري، وهو الذي يرى بعين الله، ويسمع بأذنيه، ويتكلم بفمه ليعلن رسالة الخلاص لإخوته.
2. ربح الأخ/الأخت (مت 18: 15)
يُشكّل هذا المقطع الإنجيلي أهمية حياتية وإيمانية. سنناقش في هذا النص جزءًا من خطبة يسوع الأخيرة، وهي ما نطلق عليها، بحسب اللاهوت الكتابي، الخطبة الكنسية، بحسب منهجية ولاهوت الإنجيلي متّى في كل الإصحاح الثامن عشر. ففي هذا المقطع يتواصل حديثنا الذي بدأناه على ضوء كلمات الرب في نبوءة حزقيال ودعوته ليكون رقيبًا على بني شعبه. وهذا الدور يتميز بطابع أخوي خاص، إذ تقع مسؤولية كبيرة على النبي، وهو بمثابة الأخ الأكبر الذي يقوم بتوصيل رسالة الرب إلى إخوته.
هذا النص غالبًا ما يُعنون في الأناجيل التي بين أيدينا بعنوان التأديب أو النصح الأخوي. عمليًا، يتمحور الموضوع حول الأخ الذي يخطئ في حق أخيه في الجماعة، ويفتتح متّى كلمات يسوع بطرح المشكلة: «إِذا خَطِئَ أَخوكَ ٱذهَبْ إِليهِ وَٱنفَرِدْ بِه ووَبِّخْهُ. فإِذا سَمِعَ لَكَ، فقَد رَبِحتَ أَخاك» (مت 18: 15). لم يتحدث يسوع عن الأخ/الأخت في الأسرة الجسدية فقط، بل في تقليد المجتمع اليهودي، كان كل المحيطين من أقارب وجيران وأهل البلدة إخوة. لذا يشير لفظ «أخ»، بحسب قول يسوع، إلى كل إنسان آخر.
يمكننا اليوم أن نتساءل: كيف يُقدَّم النصح الأخوي في هذا النص الإنجيلي؟ أولًا، يجب أن نقول إن علاقات الأخوّة تُبنى، وتُرمَّم علاقاتنا الشخصية يومًا بعد يوم، ويجب الاهتمام بها ورعايتها، فهي ليست شيئًا عفويًا أو تلقائيًا. وهذا ما يدعونا إليه النص: رعاية علاقاتنا مع كل آخر. إذن، بخطوات بسيطة قد نربح الآخر، فتُنسج علاقة أخوّة شخصية ينفتح فيها الطرفان لبناء العلاقة معًا وترميم ما نالها من تلف.
فنتيجة الخطوتين الأوليين، عند إتمامهما بنجاح، هي ربح الأخ/الأخت (راجع مت 18: 15). ويبدو، باختصار، أن هذه الآيات ليست سوى تطبيق لمثل الخروف الضال السابق لنصنا هذا مباشرة (راجع مت 18: 12-14) على حياتنا الكنسية بشكل عملي، وعلى العلاقات بيننا كمؤمنين. ففي سعينا كمسيحيين لاستعادة أخينا الضال، علينا أن نشارك الله الشغف نفسه الذي يتقد في قلبه تجاه الخاطئ، والفرح نفسه الذي يشعر به تجاه الخاطئ الذي يتوب. وفي النهاية، ما يُوصف في هذا النص هو البدء بخطوة لاستعادة العلاقة مع أخ/أخت أخطأ، من دون إدانته.
لذا، فإن النصح الأخوي ليس ممارسة تقوية يتبادلها المؤمنون الملتزمون للتنافس في الفضيلة، بل هو فعل بالغ الأهمية يشهد لعالم الأخوّة، وهو ما يميّز حياة الجماعة المسيحية، ويقوم على أساس سلوك الله ذاته.
3. عالم الأخوّة (مت 18: 16-18)
يهتم تعليم يسوع الحياتي بالتأكيد برعاية الجراح التي تُشوّه، بل تُدمّر، علاقات الأخوّة، ولكن من الصحيح دائمًا أن هذه العلاقات تحتاج إلى رعاية من جانب كلٍّ منا، من خلال خطوات لترميم الأخوّة. لذا، فإن يسوع، أثناء حياته البشرية، لمس هشاشة علاقاتنا وبدأ يفتح أمامنا عالمًا جديدًا، وهو عالم الأخوّة وبناء علاقات تعتمد على الغفران وطلب غفران الآخر. فنحن بأمسّ الحاجة إلى ترميم علاقاتنا، لأنها تعطينا حياة ذات معنى وتجعلنا نعيش حياة حقيقية.
يتعلق مضمون النصح الأخوي بالاهتمام بمعالجة جراحات علاقتنا، وهذا يتطلب ثلاث خطوات، بحسب النص المتّاوي، وقد تختلف في درجة رسميتها أو مدى انخراط الجماعة المؤمنة فيها، طارحًا أمامنا ثلاث خطوات لإعادة نسج علاقة الأخوّة وعدم فقدانها، أي كسبها ورعايتها بشكل عملي، قائلًا:
· «وإِن لـم يَسمَعْ لَكَ فَخُذْ معَكَ رَجُلًا أَو رَجُلَين، لِكَي يُحكَمَ في كُلِّ قَضِيَّةٍ بِناءً على كَلامِ شاهِدَينِ أَو ثَلاثَة» (مت 18: 16).
· «فإِن لـم يَسمَعْ لَهما، فأَخبِرِ الكَنيسةَ [الجماعة] بِأَمرِه» (مت 18: 17أ).
· «وإِن لـم يَسمَعْ لِلكَنيسَةِ أَيضًا، فَلْيَكُنْ عندَكَ كالوَثَنِيِّ والجابي» (مت 18: 17ب).
هذه الحقيقة تدعونا إلى التوقف، لأنها تصف واقعنا في علاقاتنا المشوّهة، والتي نُدمّرها يوميًا بسبب عدم رعايتنا لها. وفي الوقت ذاته، تثير فينا تساؤلات كثيرة، على سبيل المثال: كيف نتصرف كتلاميذ ليسوع تجاه مَن يرتكبون أخطاء جسيمة؟ ومَن يقومون بأفعال لا تتناسب مع إيمانهم؟ هل نشهد احترامًا، أم نشهد آلام الله ومغفرته المطلقة الواضحة في كلمات يسوع، وهي تهيمن على هذه الخطبة الكنسية بحسب إنجيل متّى؟
يكفي أن نتأمل في تعامل يسوع الحياتي أو التعليمي مع معاصريه وتلاميذه بحسب إنجيل متّى (راجع مت 18: 21-22). ففي العديد من لقاءاته مع الخطأة، يُظهر شفقة عميقة واحترامًا بالغًا لا علاقة له بالخطيئة، وله من القدرة على استعادة كرامة إخوته وهدايتهم بالرغم من خطاياهم (راجع مت 9: 9-13؛ 11: 16-19). ومع هذا، لا يمكننا أن ننسى كلمات يسوع الصريحة القائل، قبل عبوره سرّه الفصحي: «ها قدِ ٱقتَرَبَتِ السَّاعَةُ الَّتي فيها يُسلـم ٱبنُ الإِنسانِ إِلى أَيدي الخاطئين» (مت 26: 45). هذا هو جوهر تسليم يسوع عالم الأخوّة الذي عاشه بشكل واقعي؛ فلم يهرب ولم يتجنب رفض إخوته له، بل سار مُكملًا نحو إتمام مشروعه الخلاصي.
لكن ثمة سؤال آخر يجب أن نطرحه على أنفسنا. فالمرحلة المؤلمة، وهي المرحلة الأخيرة من استراتيجية نصح الأخ/الأخت، هي تقبّل جرح القطيعة، تجنبًا للعيش في حل وسط يضر بالمجتمع وبالفرد أو بالأفراد المعنيين.
هذا هو الحل الأمثل في مواجهة الرفض العنيد للتوبة والرجوع إلى الله. إنه القرار النهائي والمؤلم بعد استنفاد جميع السبل الممكنة لاستعادة العلاقة الأخوية مع الأخ/الأخت. يقودنا هذا الجانب إلى مواجهة خطر الصمت المريح، الذي قد يؤدي إلى اللامبالاة. وهو جانب يساعد على توضيح أن الغفران المطلق، في سياق عالم الأخوّة، يجب أن يأخذ في الحسبان إمكانية قبول الصراع. أي إن الجماعة الكنسية اليوم، باسم النفاق، لا يمكنها المساس بأتباعها، بل بهويتها كجماعة يحكمها الحب. في هذه الحالة، وبدافع حب الحق الإنجيلي، يصبح حتى الطرد فعل حب يهدف إلى استعادة الأخ/الأخت واستعادة هوية الجماعة. هذا ما يسميه كاتب رسالة أفسس: «قول الحق بمحبّة» (أف 4: 15). قد يتحول الغفران بأي ثمن إلى عمى، وقد يتعارض مع الحق، وإلى انحراف الجماعة عن هويتها وعيشها إنجيلًا آخر.
لكن يجب ألّا ننسى أن نص متّى موجّه إلى جماعته. لذا، يمكننا قراءة المرحلة الأخيرة (راجع مت 18: 17)، الموصوفة في مسيرة الإصلاح الأخوي، لا كإدانة تُفرض، بل كتحذير من قطع العلاقات الأخوية، وبذل كل جهد ممكن لشفاء الجراح وبناء الوحدة. هل أنا مَن أبدأ بالخطوة الأولى لأستعيد أخي، وأرمّم ما انكسر في علاقتنا، وأعيد نسج رباط الأخوّة معه؟
4. العامل المشترك: يسوع (مت 18: 19-20)
يختتم متّى هذا المقطع الإنجيلي على لسان يسوع بتأكيده: «إِذا ٱتَّفَقَ ٱثنانِ مِنكم في الأَرضِ على طَلَبِ أَيِّ حاجةٍ كانت، حَصلا علَيها مِن أَبي الَّذي في السَّمَوات، فَحَيثُما ٱجتَمَعَ ٱثنانِ أَو ثَلاثَةٌ بِٱسمي، كُنتُ هُناكَ بَينَهم» (مت 18: 19-20).
غالبًا ما نقرأ كلمات يسوع هذه وكأنها تشير فقط إلى الصلاة. لكننا هنا تحديدًا في سياق إشكالية الانقسامات في الجماعة. لذا، يخبرنا يسوع في النص أنه، مع صحة وجود «عملية» يجب علينا اتباعها لاستعادة العلاقة مع أخي وأختي اللذين يخطئان، فإن كل هذا يمكن أن تكون له نتيجة إيجابية إذا تم أمام الله بالصلاة.
يستحيل علينا أن نختبر حياة الأخوّة، ولا نستطيع بناءها بجهودنا الذاتية وحدها؛ ففي علاقتنا بالله، وفي الصلاة، وفي يقيننا بأن الرب حاضر حقيقة بيننا، نستطيع بناء جماعة تلاميذ يسوع والانفتاح على عالم أخوّة حياتي وحقيقي.
الخلاصة
تتألق كلمات يسوع في خطبته الكنسية، في سياق هذا المقال، على ضوء النص النبوي لحزقيال. وقد ساعدتنا قراءتنا الأولى لنص حزقيال النبي (حز 33: 1، 7-9) على فهم المنظور الذي تدعونا إليه قراءتنا الإنجيلية بحسب متّى (18: 15-20). فقد دعا الرب النبي حزقيال ليحمل كلمته بجرأة، كمسؤول ورقيب على كلمته الإلهية. والشرط الإلهي هو أنه إذا لم يحمل النبي الكلمة التي يسمعها من الرب، فإنه يصير مسؤولًا عن حياة إخوته؛ لأن تواصل حياته الأخوية، وهي حياة النبي نفسها، يعتمد على أمانته في إعلان كلمة الله بجرأة. ورأينا كيف يُحاسَب النبي على حياة أولئك الذين وُجّهت إليهم كلمة الله.
وأخيرًا، تتبعنا كيف شكّلت كلمات يسوع التعليمية هذه خلفية بالغة الأهمية لفهم النص النبوي. ففي الواقع، إن الحب الأخوي المتبادل والرغبة في ربح الأخ/الأخت هما اللذان يشكّلان أساس تعليم يسوع عن النصح الأخوي. فقد كشف لنا كلا النصين أن كلمة الله وحدها هي القادرة على تغييرنا وقيادتنا إلى التوبة وجعلنا أكثر أخوّة، وأن كل شيء يجب أن يُعاش بالمحبّة في عالم الأخوّة. وكحزقيال، كل واحد منا مدعو إلى أن يكون رقيبًا وحاملًا لكلمة الله، ليس فقط للوعظ والتعليم، بل لكي يحياها بشكل عملي مع كل آخر.
دمتم إخوة على الدوام.