موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٨ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

سيناريو التاريخ البديل: بقاء المسيحية المبكرة محصورة في اليهودية

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
سيناريو التاريخ البديل: بقاء المسيحية المبكرة محصورة في اليهودية

سيناريو التاريخ البديل: بقاء المسيحية المبكرة محصورة في اليهودية

 

تُعد فرضية عدم حدوث التحول الأممي في المسيحية المبكرة – بمعنى بقاء أتباع حركة يسوع التاريخ منغلقين داخل الإطار اليهودي ومتمسكين بالختان وحفظ الناموس وشرائع الأطعمة – نقطة انطلاق كبرى لدراسة ما يُسمى بـ «التاريخ البديل».

 

لو انتصر تيار كنيسة أورشليم بقيادة يعقوب حرفيًا في «مجمع أورشليم»، لانكمشت الحركة لتصبح مجرد فرقة دينية داخل اليهودية الهلنستية، ولكانت واجهت مصير الحركات الإصلاحية التي اندثرت كليًا مع الخراب الدموي للهيكل عام 70 م، وقمع الثورات اليهودية لاحقًا.

 

مصير بولس وبرنابا افتراضيًا: في هذا السيناريو المعاكس، فإن مصير قطبي التيار الأممي سينقلب جذريًا:

 

بولس الطرسوسي: بدون نجاحه في تمرير رؤيته المتحررة من الناموس، سيتحول بولس من مهندس لاهوتي لديانة عالمية إلى «شخصية هامشية» أو مارقة داخل قيادة أورشليم. في حال أصرّ على تبشير الأمم بشروطه الخاصة، فسيتم اعتباره معلمًا ضالًا أو «متهودًا» مخالفًا لشرائع كنيسة أورشليم، وربما تعرض للحرمان الكنسي والملاحقة من قبل حزب يعقوب، لتنتهي حياته مبكرًا كمنشق بلا أثر مؤسسي واسع.

 

برنابا: بحكم قربه التاريخي من بولس ورفضه قيود الناموس الصارمة على الأمم في أنطاكية، سيواجه المصير ذاته من العزل والتهميش التنظيمي، ليبقى معلمًا محليًا محدود النطاق، وربما يعود صاغرًا تحت طاعة سلطة أورشليم المركزية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من وحدة الصف الضيقة.

غياب الحداثة الغربية وتداعياتها: لوظلت المسيحية حركة يهودية سرية، لما نشأت «الحداثة الغربية» بالمعنى والنتائج المعروفة اليوم. إن البناء الحضاري للغرب استند إلى جذور لاهوتية وميتافيزيقية دقيقة أفرزتها المسيحية الأممية:

 

نزع الألوهية عن الطبيعة: سمح التحول الديني (التوحيدي) بنزع القداسة الأسطورية عن الطبيعة واعتبارها مخلوقًا مسخّرًا للاستثمار، وهو الشرط الضروري لظهور العلم التجريبي والتقنية الحديثة.

 

استقلالية الهاجس الفردي والمساواة الوجودية الأساسية: تدمير التراتبيات الصارمة عبر فكرة «قيمة الروح الفردية» مهّد لاحقًا لحقوق الإنسان والديمقراطية الحديثة، بمعنى أن البشر جميعًا متساوون في الجوهر والكرامة أمام الإله بغض النظر عن طبقاتهم أو ألوانهم.

 

ثنائية الروح والمادة: فصل الدين عن السياسة عبر صيغة «ما لقيصر لقيصر» خلق المجال الدنيوي المستقل، وهو ما يعجز العالم الوثني القديم عن إنتاجه.

 

التاريخ الخطي وأزمة التقدم المعاصرة: جلبت المسيحية التصور الخطي للزمن – الذي يتجه نحو غاية أو خلاص – بدل الدائرة الأبدية للحضارات القديمة. هذا التصور «الخطي» جرى جدولته وعلمنته في العصر الحديث ليتحول إلى «الإيمان بالتقدم الحتمي» نحو الأفضل عبر العلم والتاريخ، في صياغة علمانية بحتة للرؤية الخلاصية الكبرى.

 

اليوم، تعود أزمات الحداثة العميقة لتتجسد في تصدع هذا الإيمان بالتقدم. عندما تخلت الحداثة عن أفقها اللاهوتي المتعالي، وتركت الإنسان غارقًا في فراغ وجودي ومحكومًا بتكنولوجيا فائقة بلا بوصلة أخلاقية، لتتحول أدوات السيطرة والتقنية الحديثة إلى تهديد وجودي حقيقي.

 

الرغبة في تجاوز الموت، بين الدين والتكنولوجيا: في جوهرها، تظل كل منجزات الإنسان – سواء عبر الخلاص الديني قديمًا أو عبر الطموحات التكنولوجية والمعاصرة لتجاوز الجسد وقهر الفناء بيولوجيًا – تعبيرًا عن محاولة أزلية لقهر الموت والضعف البشري. إن التقنية والذكاء الاصطناعي اليوم ليسا سوى النسخة العلمانية لذلك الشوق القديم نحو الخلود، حيث تستبدل وعود السماء بيوتوبيا تجاوز الموت على الأرض.

 

الكشف عن طبيعة الرسالة الخلاصية: سيناريو التاريخ البديل يثبت لاهوتيًا أن المسيحية، بطبيعتها الجوهرية كرسالة فداء عالمية، كانت ستختنق لو حُبست في قوالب الناموس الحرفي. فافتراض اندثارها مع سقوط أورشليم عام 70 م يؤكد أن بقاءها وانتشارها لم يكن وليد صدفة سياسية، بل انعكاسًا لكونها «بشارة لكل خلق»، وهو ما يتسق تمامًا مع الرؤية الإيمانية بأن الخلاص موجه لكل الجنس البشري لا لجماعة إثنية محددة.

 

العناية الإلهية عبر حرية التاريخ: التدبير الإلهي لا يلغي الإرادة البشرية أو المنعطفات التاريخية، بل يمر من خلالها. نجاح التيار الأممي وبولس لم يكن قسرًا جبريًا يلغي حرية البشر، بل كان التقاءً بين الرؤية البولسية واحتياج العالم البشري المفتوح على الخلاص. إن استعراض السيناريو العكسي (الكارثي) يجعل المؤمن يُدرك كم كانت الهوة سحيقة لو ترك التاريخ لتعصب بشري ضيق، وكيف أن حراسة الروح القدس للكنيسة تمثلت في فتح الباب للأمم بلا عوائق.

 

 

مراجع مختارة:

حموي، صبحي. هوية المسيحي. )مقتبس عن كتاب هانس كونغ (Christsein. بيروت: منشورات دار المشرق، 1982.

Dunn, James D. G. The Partings of the Ways Between Christianity and Judaism and their Significance for the Character of Christianity. London: SCM Press, 2006.

Sanders, E. P. Paul and Palestinian Judaism: A Comparison of Patterns of Religion. Minneapolis: Fortress Press, 2017.