موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حين أُعلن انتخاب بابا أميركي على رأس الكنيسة الكاثوليكية، ظننت—بغير قليل من الريبة—أن نفوذ السلطة قد تسرّب إلى ما نؤمن أنه عمل الروح القدس، وأن السياسة استطاعت أن تطرق بابًا يفترض أنه محروس بالعناية الإلهية.
لكن ما سمعته منه في عظة أحد الشعانين وتصريحاته اللاحقة بدّل هذا الظنّ إلى مراجعة صادقة.
حين قال، في معنى لا يحتمل التأويل، إن الله لا يصغي لصلوات من يشنّون الحرب، وإن الأيدي الملطّخة بالدماء لا يمكن أن تُرفع بطهارة، لم يكن ذلك خطابًا عابرًا، بل إعادة وضعٍ للحدّ الفاصل بين الإيمان والدم.
وحين دعا إلى وقف الحرب، ورفض تهديد شعبٍ بأكمله، وأكد أن ما يحدث ليس مجرد قضية قانون دولي، بل مسألة أخلاق وضمير، كان يرفع الصوت حيث يجب أن يُرفع: في وجه الدم، لا في وجه طرفٍ بعينه.
هذا الموقف ليس موجّهًا فقط لمن يدير الحرب، بل أيضًا لمن يباركها باسم الدين، ولمن يدّعي الصلاح وهو يبرّر الخراب.
إن أخطر ما يواجه الإيمان ليس العداء الصريح له، بل تحريفه من داخله—حين يُختزل إلى أداة تبرير، أو يُعاد تفسيره وفق أهواء سياسية أو أيديولوجية، كما تفعل تيارات تعظم القوة وتُقدّس الغلبة، فتمنحها شرعية زائفة وتلبسها ثوب الخلاص.
البابا هنا يعيد صوت الكنيسة الحقيقي، ليذكّر بما هو أعمق من كل هذه التأويلات:
أن الإيمان الذي نحمله ليس صناعة سياسية، بل عقيدة رسولية راسخة، متوارثة منذ ألفي عام، قائمة على الحق والعدل والرحمة، لا على القوة والهيمنة.
البابا لا يمثّل دولة، ولا يعكس توجّهًا سياسيًا، بل يقف صادقًا مع رسالته، معبّرًا عن ضميرٍ إنساني حيّ، يعيد توجيه البوصلة إلى حيث يجب أن تكون: الإنسان أولًا.
أنا لا أتحدث هنا دفاعًا عن دولة، ولا تبنّيًا لسياسة، ولا انحيازًا لمحور.
أنا أتحدث عن الإنسان كما يجب أن يكون، خارج كل اصطفاف، وخارج كل حسابٍ ضيّق.
شكرًا للبابا الذي اختار أن يقف في موقع الضمير، وأن يقول ما يجب أن يُقال،
وحافظ على الحقيقة: أن ما بناه الروح القدس لا تهزّه حسابات الأرض،
وأن الإيمان، حين يكون صادقًا، لا يساوم على الدم… مهما كان الثمن.