موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
المحطة الثالثة: أعلم معنى الجوع
بعد الفاجعة التي حلّت بنا بوفاة والدي، مررنا بتجربة أخرى لا تقلّ قسوة: قلقٌ شديد سببه الجوع. ففي تلك السنوات خسرنا كلّ المحاصيل بسبب الجفاف القاسي، وارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا ملحوظًا.
كان كثيرون يخبرونني عن طوابير لا تنتهي من المتسوّلين الذين يستجدون حفنة من الشعير أو النخالة لإعداد إناء من الحساء. وعلى جوانب الطرق وفي المروج، كان يُرى أحيانًا أناسٌ وقد ملأوا أفواههم بالعشب، في محاولة يائسة لإسكات آلام الجوع.
تحوّلت تلال “المونفيراتو الجميلة” إلى صحراء قاحلة مقفرة. أقول هذا لأنني عرفت الجوع طفلًا، على الرغم من أنّ والدتي بذلت كلّ ما في وسعها لتؤمّن لنا الحدّ الأدنى من الطعام. كان الجميع جياعًا، لكن إن طرق فقير باب بيتنا الصغير، كانت أمّي جاهزة لإعداد طبق من الحساء له.
أتذكّر أنّه كان في قريتنا رجلٌ فقير أضاع شبابه في الإسراف والكسل، ولم يتعلّم مهنة يقتات منها. وكان في شيخوخته يخجل من السؤال أو التسوّل. وأذكر جيّدًا أنّه في ساعة متأخّرة من المساء، عندما ينطفئ مصباح آخر بيت في القرية، كانت أمّي توقظ أحدنا قائلة: "انهض، لنذهب لنقوم بعمل خير".
كنّا نحمل إليه بعض الطعام ونضعه عند باب بيته. ولم يكن الوحيد؛ بل كان هناك آخرون أيضًا. كان كلّ بيت يحصل على شيء ما، المهمّ أن يبقوا على قيد الحياة. وكنّا نقدّم ما استطعنا بكلّ لباقة ولطف، لأنّ مساعدة الفقير لا تحتاج إلى إذلاله.
ومنذ ذلك الحين تعلّمت أن أقدّر قيمة الطعام. هل تعرفون ماذا كنت أسمّي أولادي؟ “آكلي الحجارة!” لأنّهم كانوا ينقضّون على الطعام ويلتهمونه كلّه.
كان هناك كثيرون من الناس الطيّبين الذين يتبرّعون لي، وكان الخبّاز صبورًا في تحمّل الدَّين. وفي بعض الأحيان، استخدمني الربّ لمضاعفة الأرغفة القليلة المتبقّية لإطعام أولادي.
لم أقدّم لهم يومًا قطعة خبز فقط، بل كنت أرفقها بكلمة طيّبة، أو نكتة مفرحة، أو نصيحة مقتضبة. أحيانًا كان الخبز بائتًا يابسًا، فكنّا نبلّله بماء النافورة ليطرى ويصبح صالحًا للأكل. ولا تزال تلك النافورة موجودة إلى اليوم، شاهدةً على "تليين الخبز". كنّا نقدّم الكثير من الخبز، لكنّنا لم نُهدر يومًا خبزة واحدة. بالنسبة إليّ، كان الخبز مقدّسًا، لأنّه ثمرة عرق الجبين.
الزوادة: العطاء حتى في أوقات الشدة
هناك مثل يقول: "لايوجد فقير ليس لديه ما يقدمه ولا يوجد غني ليس بحاجة إلى شيء". العطاء هو أحد أعظم الفضائل، عندما نتعرض لمحن وصعوبات، يتجلى العطاء كوسيلة للتواصل مع الآخرين ولإظهار المحبة المجانية. ماتعلمه دون بوسكو من والدته اصبح جزءا لا يتجزأ من شخصيته الذي عاشها مع ابنائه الفقراء.
يعزز العطاء شعور الإنسان بالقيمة والجدوى. عندما نقدم العون للآخرين، نشعر بالقيمة والمعنى من حياتنا، ونُشعر الآخرين بالحب المجاني، وهذا يقيني من الشعور باليأس والاحباط التي قد تراودني في أوقات الشدة. هذا النوع من العطاء يعكس النقاء الداخلي والحب الأمل الذي يستمد قوته من الإيمان "لِأَنَّ أَباكُم يَعلَمُ ما تَحتاجونَ إِلَيه قَبلَ أَن تَسأَلوه". (متى 6، 8).
خبرة دون بوسكو في الكرم والتسامح مكنته من أن يقدر قيمة كل لقمة ويعتبرها ثمرة من ثمار الجهد والتضحية.
"فلْيُعْطِ كُلُّ ٱمرِئٍ ما نَوى في قَلْبِه، لا آسِفًا ولا مُكْرَهًا. لِأَنَّ اللهَ يُحِبُّ مَن أَعْطى مُتَهَلِّلًا". (2كو 9، 7).