موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يمثل استحداث برنامج دكتوراه الفلسفة في الإعلام في جامعة اليرموك محطة مفصلية في مسيرة التعليم الإعلامي الأردني والعربي، وخطوة نوعية تعكس وعي مؤسسي عميق بحجم التحولات البنيوية التي يشهدها الحقل الإعلامي على الصعيد الإعلامي، فالمسألة لا تتعلق بإضافة برنامج أكاديمي جديد إلى منظومة الدراسات العليا، وإنما بتأسيس فضاء معرفي متقدم لإنتاج الفكر الإعلامي، وصياغة المقاربات النظرية القادرة على استيعاب تعقيدات المشهد الاتصالي المعاصر.
لقد تجاوز الإعلام الحديث وظيفته التقليدية بوصفه ناقل للأحداث، ليصبح فاعل استراتيجي في تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة هندسة المجال العام، وصناعة التأثير السياسي والثقافي والاقتصادي. وفي ظل هيمنة المنصات الرقمية، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتنامي اقتصاد الانتباه، باتت الحاجة ملحة إلى باحثين يمتلكون أدوات التحليل النقدي والقدرة على تفكيك الظواهر الإعلامية واستشراف مآلاتها المستقبلية.
من هذا المنطلق، يأتي برنامج الدكتوراه في الإعلام بجامعة اليرموك ليؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن متابعة التحولات إلى قيادتها. فالجامعات الرائدة لا تُقاس بقدرتها على تخريج الطلبة فحسب، بل بقدرتها على بناء المدارس الفكرية، وإثراء الحقول العلمية بأبحاث أصيلة تسهم في تطوير النظريات والمفاهيم والمنهجيات.
ويكتسب البرنامج أهمية مضاعفة كونه يرفد البيئة الأكاديمية والإعلامية العربية بكفاءات بحثية قادرة على معالجة القضايا الإعلامية المستجدة من منظور علمي رصين، بعيدًا عن التوصيفات السطحية أو القراءات الانطباعية. كما أنه يعزز مكانة جامعة اليرموك بوصفها مؤسسة أكاديمية تمتلك رؤية استشرافية تستند إلى التميز والريادة والابتكار.
وتحسب هذه الخطوة النوعية لإدارة جامعة اليرموك التي واصلت العمل برؤية استراتيجية تستشرف احتياجات المستقبل ومتطلبات التنمية المعرفية، كما تسجل لكلية الإعلام وعمادتها وأعضاء هيئتها التدريسية الذين بذلوا جهود أكاديمية وعلمية متواصلة لإنجاز هذا المشروع الطموح. ويعكس استحداث البرنامج مستوى النضج المؤسسي والتخطيط الأكاديمي الذي تتبناه الجامعة، ويؤكد قدرتها على تحويل الطموحات العلمية إلى برامج نوعية تسهم في تعزيز مكانتها الأكاديمية على الصعيدين المحلي والإقليمي ، وترسخ دورها بوصفها حاضنة للتميز والإبداع وإنتاج المعرفة.
إن الموافقة على استحداث هذا البرنامج ليست مجرد إنجاز إداري أو أكاديمي، بل هي استثمار استراتيجي في رأس المال المعرفي، ورسالة تؤكد أن الأردن ماض في ترسيخ دوره مركز إقليمي لإنتاج المعرفة الإعلامية. فالمستقبل لن يكون لمن يمتلك أدوات الاتصال فقط، بل لمن يمتلك القدرة على تفسيرها، ونقدها، وإعادة صياغة مساراتها، وهو الدور الذي ينتظر أن يؤديه خريجو دكتوراه الفلسفة في الإعلام بجامعة اليرموك.
وفي المحصلة، فإن هذا الإنجاز يمثل إضافة نوعية لمسيرة التعليم العالي الأردني، ويجسد إيمان جامعة اليرموك بأن المعرفة هي أساس النهضة، وأن البحث العلمي الرصين هو المدخل الحقيقي لبناء مستقبل إعلامي أكثر وعي وتأثير وقدرة على مواكبة التحولات العالمية وصناعة الفرص التنموية والمعرفه للأجيال القادمة.
ولعل ما يضفي على هذا الإنجاز بعد إضافي من الأهمية أن كلية الإعلام في جامعة اليرموك تمتلك إرث أكاديمي ومهني راسخ، جعلها على مدار عقود مناره لتخريج الكفاءات الإعلامية التي أسهمت في بناء المشهد الإعلامي الأردني والعربي. فمن بين خريجيها إعلاميون وقادة رأي ومؤسسو محطات تلفزيونية وإذاعية وصحف ومنصات إعلامية تركت بصمات واضحة في فضاء الإعلام والاتصال، الأمر الذي يعكس جودة مخرجاتها وقدرتها المستمرة على رفد القطاع الإعلامي بكفاءات متميزة تجمع بين التأهيل العلمي والخبرة المهنية.
كما لا يغيب عن الأذهان التكريم الملكي السامي الذي حظيت به الكلية عندما أنعم جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين عليها بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى، وهو تكريم يجسد المكانة الوطنية والأكاديمية التي وصلت إليها الكلية، ويعكس تقدير الدولة لدورها في خدمة الإعلام الأردني وإعداد أجيال من الإعلاميين الذين أسهموا في تعزيز رسالة الإعلام المسؤول وخدمة قضايا الوطن. ومن هنا، فإن استحداث برنامج دكتوراه الفلسفة في الإعلام لا يمثل نقطة بداية جديدة فحسب، بل امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من التميز والعطاء والريادة الأكاديمية التي رسختها كلية الإعلام في جامعة اليرموك عبر عقود.