موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يشهد العالم المعاصر تحولات دراماتيكية تتشابك فيها المصالح السياسية بالرؤى الأخلاقية، مفرزة حالة من الاستقطاب الحاد بين منطقين: منطق «فائض القوة» الذي يسعى لفرض الإرادة عبر التهديد بالسلاح، ومنطق «الشهادة للحق» الذي يستمد قوته من قيم روحية راسخة لا تتزعزع بتبدل موازين القوى.
إن الصدام بين هذين المنطقين ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو اختبار لمدى قدرة الضمير الإنساني على الصمود أمام إغراءات السيطرة ومادية القوة.
وهم القوة واختبار الأخلاق. حين تشعر الأنظمة السياسية بفائض القوة العسكرية والاقتصادية، تقع غالبًا في فخ «المركزية الذاتية»، حيث تظن أن امتلاك أدوات الردع يمنحها الحق في تسيير العالم وفق رؤيتها الخاصة. هذا المنطق يؤدي بالضرورة إلى استعلاء يرفض النقد، بل ويصل إلى حد محاولة إخضاع القيادات الروحية والاعتبارية لمنظومتها النفعية. إن اعتبار الدعوة إلى السلام «ضعفًا» أو «جهلًا بالسياسة» هو مغالطة كبرى؛ فالسلام في جوهره هو أرقى أشكال الشجاعة، لأنه يتطلب كبح جماح الذات والتخلي عن لغة الوعيد لصالح لغة الحوار.
الثوابت الروحية أمام متغيرات السلطة. تثبت الأحداث التاريخية أن القيادات الدينية التي تستند إلى إرث روحي ممتد لآلاف السنين، تمتلك «مناعة» فطرية ضد الضغوط السياسية اللحظية. فعندما تستدعي هذه القيادات نصوصًا عتيقة مثل «طوبى لصانعي السلام»، فهي لا تمارس خطابًأ تعبويًا، بل تستحضر حقائق وجودية تؤكد أن العنف ليس قدرًا محتومًا، وأن السلم هو الحالة الطبيعية التي يجب أن تسعى إليها البشرية. القوة هنا تكمن في «البساطة»؛ ففي مواجهة التهديدات النووية وتعقيدات المحاور الدولية، تظل الرسالة الواضحة التي ترفض الحروب هي الأكثر تأثيرًا وقدرة على اختراق وجدان الشعوب، مهما حاولت الآلات الإعلامية الضخمة تشويهها أو حصرها في زوايا أيديولوجية ضيقة.
التداعيات الكارثية لمنطق الصراع. إن الإصرار على منهجية الصدام والمواجهة بدلًا من الحوار، يؤدي حتمًا إلى نتائج كارثية تتجاوز حدود الدول المتصارعة لتلقي بظلالها على العالم أجمع. الحروب ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي زلازل اقتصادية واجتماعية تضرب استقرار الشعوب وتعمّق الكراهية. وعندما يفشل الفاعل السياسي في إدارة الأزمات بحكمة، ويستبدل الدبلوماسية بالهجوم على الرموز الأخلاقية، فإنه يفقد تدريجيًا شرعيته في الداخل والخارج. فالانتقادات التي تأتي من النخب الفكرية واللاهوتية، وحتى من وسائل الإعلام الرصينة، ليست مجرد معارضة سياسية، بل هي صرخة تحذير من الهاوية التي يقود إليها «الغرور العسكري».
استقلالية الموقف الروحي كصمام. من الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي يقع فيها بعض الساسة، هي محاولة ربط الموقف الديني بالهوية الوطنية أو التبعية السياسية. إن القائد الروحي الحقيقي مهما كانت جنسيته أو انتماؤه الجغرافي، يظل مستقلًا بقراره، لأن مرجعيته ليست قانونًا وضعيًا أو مصلحة انتخابية، بل هي ضمير أخلاقي والتزام تجاه الإنسانية جمعاء. هذه الاستقلالية هي التي تمنح المؤسسات الروحية هيبتها وتجعل منها صمام أمان في أوقات التشنج، حيث يلوذ بها الباحثون عن مخرج حضاري للأزمات المستعصية.
نحو رؤية حضارية جديدة. إن مراجعة الحسابات هي فضيلة سياسية قبل أن تكون ضرورة انتخابية. لقد آن الأوان لاعتراف القوى الدولية بأن القوة الحقيقية لا تقاس بحجم الترسانات، بل بمدى القدرة على حماية الحياة وصناعة السلام. إن الرد على لغة الجرح والتصادم لا يكون بالمثل، بل بالتمسك بالقيم التي تجعل من الإنسان كائنًا أخلاقيًا. وكما تعلمنا الدروس القاسية للحروب، فإن الأصوات التي تدعو للسلام قد تبدو وحيدة في البداية، لكنها في النهاية هي التي تكتب التاريخ الحقيقي للإنسان، لأنها تنطق بلسان الحق الذي لا يموت.
في الصخب والعنف
النص السابق معالجة هادئة وقراءة في مشهد صدام المبادئ بين رؤيتين متناقضتين؛ رؤية الرئيس الأمريكي ترامب التي تنطلق من مبدأ القوة العسكرية والسياسية «الواقعية»، حيث يرى أن موقف بابا روما «ضعف» أو تودد لخصوم سياسيين مثل إيران.
أما رؤية البابا ليو الرابع عشر، فتنطلق من رسالة إنجيلية تدعو للسلام والحوار، وترى أن «عبادة الذات والمال وعرض القوة» هي وقود الحروب. هو هنا يتحدث كقائد روحي يتجاوز حدود الدول.
المثير للاهتمام هنا هو قول ترامب: «لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان»، وهي محاولة لربط الشأن الروحي بالمناورات السياسية، بينما رد البابا بجملة «طوبى لصانعي السلام»، وهي استدعاء لنص «الموعظة على الجبل»، ليؤكد أن منطلقه ليس سياسيًا بل هو التزام بتعاليم السيد المسيح.
هل حدث صدام مماثل بين «بابا» ورئيس سابقًا؟
نعم، تاريخ العلاقة بين الفاتيكان والبيت الأبيض شهد توترت مماثلة، وإن اختلف الأسلوب:
البابا يوحنا بولس الثاني وجورج بوش الابن: كان البابا معارضًا شرسًا لغزو العراق عام 2003، ووصف الحرب بأنها «هزيمة للإنسانية»، مما خلق توترًا كبيرًا مع إدارة بوش التي كانت تروّج للحرب كضرورة أمنية وأخلاقية.
البابا فرنسيس ودونالد ترامب (في ولايته الأولى): في عام 2016، انتقد البابا فرانسيس فكرة بناء جدار على الحدود مع المكسيك، قائلًا: «الشخص الذي يفكر فقط في بناء الجدران وليس الجسور، ليس مسيحيًا». ورد ترامب حينها بوصف تصريح البابا بأنه «مخجل».
كيف نرد على التصرفات التي «تجرح المشاعر»؟
يمكن مقاربة هذا الموقف عبر النقاط التالية:
التمسك بجوهر الرسالة: البابا في تصريحه لم يرد الإساءة بالإساءة، بل أكد أنه «لا ينوي الدخول في جدال». الرد الأقوى على الحدة هو الثبات على المبدأ (السلام والحوار) دون الانزلاق إلى لغة التخوين.
التفريق بين «السياسي» و«الروحي»: يطالب ترامب البابا بأن يكون «قائدًا دينيًا لا سياسيًا»، والرد الحضاري هنا هو توضيح أن السلام ليس «أجندة سياسية يسارية» كما يراها البعض، بل هو صلب العمل الروحي الذي لا يمكن للكنيسة التخلي عنه.
تبني لغة «طوبى لصانعي السلام»: هذه اللغة ليست ضعفًا، بل هي «قوة ناعمة» ترفض الانجرار لمنطق الحروب وامتلاك السلاح النووي كحل وحيد.
باختصار، يبدو أن البابا ليو الرابع عشر يطبق مبدأ «الحكمة كالحيّات والوداعة كالحمام» (متّى 16:10)؛ فهو يرفع صوته ضد الحرب، لكنه يترفع عن الاشتباك الشخصي الذي قد يزيد من الانقسام.
خلاصة هذا المسار بين الرؤيتين:
المرجعية الروحية فوق الهوية الوطنية: البابا ليو الرابع عشر، رغم كونه أول أمريكي يتولى المنصب، أكد أن رسالته هي «نشر السلام» وتعزيز الحوار، وهي رسالة ثابتة لا تتغير بتغير جنسية حاملها.
رفض التبعية السياسية: رد البابا بأنه «لا يخشى» الإدارة الأمريكية وأنه ليس سياسيًا، يوضح استقلالية قراره الفاتيكاني عن أي ضغوط من بيته الأبيض القديم.
تجاوز «منطق الصفقة»: ادعاء ترامب بأن الكنيسة اختارت بابا أمريكيًا فقط للتعامل مع إدارته هو محاولة لـ «تسييس» الاختيار الروحي، بينما يثبت رد البابا بتمسكه بقيم الإنجيل أن مرجعيته أخلاقية وليست نفعية.
إن محاولة تصوير البابا كـ «موظف» أو «تابع» بسبب جنسيته هي مغالطة يقع فيها الساسة أحيانًا، لكن التاريخ أثبت أن الكرسي الرسولي يفرض على صاحبه منظورًا كونيًا يتجاوز حدود جواز السفر.