موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ليس الحديث هنا عن أيّ إيمان عابر أو موروث يُتلى بالكلمات، بل عن الإيمان المُزكّى؛ الإيمان الذي صقلته الأيام، ونقّته التجارب، وطهّرته الآلام، فصار إيمانًا حيًا نابضًا، راسخًا لا يتزعزع أمام العواصف والشكوك والحيرة. إنّه إيمان لا يُقاس بسهولته، بل بقدرته على الثبات حين تهتزّ الأرض تحت أقدامنا.
هذا الإيمان يُجسّده لنا تلميذ المسيح توما، الذي لم يكن حاضرًا مع التلاميذ في مساء أحد القيامة، فوقف في حيرة وتساؤل، بل وفي شكّ صريح. لكن هذا الشك لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته نحو إيمان أعمق وأصدق. فعندما ظهر له الرب وأراه آثار المسامير وطعنة الحربة، لم يكتفِ توما بالمعاينة، بل انتقل من الشك إلى الإعلان العظيم: "ربي وإلهي".
وهكذا تحوّل شكّه إلى إيمان مزكّى، إيمانٍ نضج في نار التجربة، لا في راحة اليقين السهل.
إنّ حقيقة القيامة التي عاينها التلاميذ لم تكن حدثًا عابرًا، بل انقلابًا في المفاهيم، وتحوّلًا جذريًا في نظرة الإنسان إلى الحياة والموت، إلى ذاته ورسالة وجوده، وإلى محبة الله التي تفوق كل عقل. لقد عاشوا لأجل هذه الحقيقة، وبشّروا بها، ودفعوا حياتهم ثمنًا لها، لأن إيمانهم لم يكن نظريًا، بل مُختبَرًا ومزكّى.
ومن هنا، نحن مدعوون اليوم أن نحيا هذا النوع من الإيمان؛ إيمان لا تهزّه كثرة التجارب، ولا تُضعفه آلام الجسد، ولا تكسره ضيقات الحياة أو اضطهاد البشر. إيمان يرى ما وراء الألم، ويثق أن الطريق الضيّق يقود إلى مجد عظيم. فالإيمان المزكّى هو ذاك الذي لا ينطفئ في الظلمة، بل يزداد نورًا كلما اشتدّ الليل.
وما نحياه اليوم من تعب وألم لا يُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا. فطوبى لمن يُزكّى إيمانه كما تزكّى إيمان التلاميذ، لأن ما يمنحه الرب القائم من بين الأموات هو الرجاء الحي؛ رجاء لا يخيب، وثقة راسخة بأن تعبنا في الرب ليس باطلًا. قد يحاول العالم أن يُطفئ هذا النور في قلوبنا، وقد تتكاثر الضغوط والتحديات، لكن من أشعل هذا النور فينا هو نفسه الذي يثبّتنا ويقوّينا، ويقودنا نحو رجاء لا يفشل.
إنّ الإيمان المزكّى لا يُبنى في أوقات الراحة، بل في أتون المعاناة. هناك، حيث تُختبر القلوب، ويُمحّص الرجاء، ويُكشف عمق العلاقة مع الله. فإمّا أن ينهار الإنسان، أو أن يخرج أنقى وأقوى، كذهبٍ صُفّي في النار. ولذلك، فإن تزكية الإيمان هي أثمن من الذهب الفاني، لأنها تقود إلى مجد وكرامة ومدح عند ظهور الرب.
ونحن، وإن لم نرَ المسيح بالجسد كما رآه التلاميذ، وإن لم نضع اصبعنا في أثر المسامير ويدنا في جنبه، إلا أننا نحبه ونؤمن به، وفي أعماقنا نحيا بفرح لا يُنطق به ومجيد أي فرح عظيم. هذا هو سرّ الإيمان المزكّى: أن نثق دون أن نرى، وأن نثبت دون أن نتراجع، وأن نحبّ رغم كل ما حولنا.
فلنثبت إذًا إلى المنتهى، حاملين في أجسادنا آلام الزمان الحاضر، لكن بعيونٍ شاخصة نحو المجد الآتي، ومتذكّرين كلمات الرب: "لا تخافوا، أنا معكم". ففي حضوره تزكية لإيماننا، وفي وعده قوة لثباتنا، وفي قيامته ضمانة لرجائنا الأبدي.