موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يبدو الكلام عن الافتخار بالضيقات غريباً في منطق الإنسان العادي. فالإنسان بطبيعته يهرب من الألم، ويتجنب الضيق، ويسعى إلى حياة هادئة خالية من العناء. لكن الإيمان المسيحي يقدّم رؤية مختلفة للحياة والألم، رؤية تنبع من سرّ عظيم هو سرّ القيامة. ولهذا كتب الرسول بولس في رسالة رومية: "نفتخر أيضاً في الضيقات، عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يُخزي" (رومية 5: 1–5).
إن سرّ قوة إيماننا ليس في غياب الضيقات، بل في الرجاء الحي الذي يشرق في قلب الضيق. فالقيامة المجيدة كشفت الحقيقة الكبرى في التاريخ الإنساني: أن الشر لا يدوم، وأن الظلم مهما استفحل فمصيره الزوال، وأن آلام الصليب ليست النهاية بل هي الطريق إلى فجر القيامة.
من هنا نفهم لماذا يستطيع المؤمن أن يفتخر بالضيقات. ليس لأنه يحب الألم أو يطلبه، بل لأنه يرى ما وراء الألم. فالضيق في المنظور الإيماني ليس طريقاً مسدوداً، بل مسيرة روحية تُنضج الإنسان وتعمّق ثقته بالله. الضيق يولّد الصبر، والصبر يطهّر القلب ويزكّيه، والتزكية تولّد رجاءً لا يخيب، لأن هذا الرجاء ليس أمنية بشرية، بل ثقة راسخة بعمل الله في التاريخ.
والواقع أن الضيقات والآلام ليست بعيدة عن حياة البشر. فكثيرون يختبرون الألم والظلم ويجترعون كأس المرّ. هناك من يحمل جراح الفقدان، ومن يئن تحت ثقل الظلم، ومن يتعب من قسوة العالم وتقلباته. والكتاب المقدس لا يتجاهل هذه الحقيقة، بل يكشفها بواقعية عميقة، إذ يعرض الآلام البشرية في أشكالها وأسبابها. لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة على الرجاء، مؤكداً أن عدالة السماء ليست وهماً، وأن الله لا يترك التاريخ أسير الظلم إلى الأبد.
فالقيامة ليست مجرد حدث ماضٍ في تاريخ الخلاص، بل هي إعلان دائم أن الحياة أقوى من الموت، وأن الحق أقوى من الباطل، وأن الحقيقة تنتصر في النهاية على الخداع والغش، وأن العدالة الإلهية أعمق من كل ظلم بشري. لهذا فإن الرجاء المسيحي ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل يقيناً متجذّراً في عمل الله الذي أقام المسيح من بين الأموات.
وهذا الرجاء هو الذي يعطي للضيقة معناها الروحي. فعندما ينظر الإنسان إلى الألم بعين القيامة، يتحول الضيق من عبءٍ يثقل القلب إلى مدرسةٍ للإيمان. وفي هذه المدرسة يتعلم الإنسان الصبر، ويتطهّر قلبه من الغرور، ويتعمّق اتكاله على الله. ولهذا قال القديس أوغسطينوس: "الرجاء له ابنتان جميلتان: الغضب والشجاعة؛ الغضب على واقع الأشياء كما هي، والشجاعة تغييرها".
فالرجاء الحقيقي لا يجعل الإنسان مستسلماً للألم، بل يمنحه القوة ليصمد في وجهه، والثقة بأن الله يعمل حتى في أحلك اللحظات. إن عظمة الرجاء المسيحي تكمن في أنه يولد من قلب الصليب نفسه. فمن الجرح يولد الشفاء، ومن الألم يولد المجد، ومن ظلمة القبر يشرق نور القيامة. ولهذا يستطيع المؤمن، حتى وسط الضيق، أن يقول بثقة: إن طريق الألم ليس نهاية الطريق، لأن القيامة تنتظر في الأفق.
فالرجاء الذي لا يخيب هو أن الله حاضر في التاريخ، وأن الشر عابر مهما طال، وأن الضيقات ليست الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة هي دائماً للحياة، للحق، وللمجد الذي كشفه المسيح بقيامته المجيدة.