موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦

الهشاشة النفسية: التربية مرآة للإيمان

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
الأب داني قريو السالزياني - لبنان

الأب داني قريو السالزياني - لبنان

 

جزء كبير من الهشاشة النفسية التي نراها اليوم في وجوه الشباب لم يتكوَّن فجأة، ولم يسقط من السماء، بل نشأ بهدوء داخل البيت. هناك آلام لا تأتي من الشارع ولا من المدرسة، بل من أسلوب تربية ظنّ الأهل أنه عادل، وإذا به يترك في النفس ندوبًا لا تُرى ولا تُمحى.

 

أحد أخطر أسباب التربية الخاطئة هو المساواة في التعامل بين الأبناء. الفكرة تبدو نبيلة: أن أتعامل مع أبنائي جميعًا بالطريقة نفسها. لكن المساواة ليست دائمًا عدلًا. حين أساوي بين المجتهد والمتكاسل، بين الهادئ والمشاغب، بين من يحترم القواعد ومن يخرقها، فأنا لا أحقق العدالة، بل أخلط الأوراق.

 

هناك من يقول: “المساواة في الظلم عدل”. والحقيقة أن المساواة في الظلم ظلم مضاعف. في بعض الأنظمة العسكرية هناك قاعدة معروفة: “المكافأة فردية، أما العقاب فجماعي“. الفكرة هناك أن الخطأ قد يؤثر في الجميع. لكن هل يُعقل أن ننقل هذا المنطق إلى بيوتنا؟ أن يُخطئ أحدهم - حتى ولو بنية الحب - فنساوي بينه وبين من لم يُخطئ؟ أو أن يجتهد واحد، فلا نميّزه عن غيره حتى لا “نجرح مشاعر الآخرين”؟ للأسف هكذا، نخلق في البيت ظلماً أكبر: الظلم للابن الصالح لأنه يفتش عن سبب كونه جيدًا، ويتحمل ذنبًا أبدياً، وهو لم يقصر، فينشأ الصراع الداخلي المرير والصامت. أما الابن المشاغب لا يواجه نتائج أفعاله، فيكبر معتقدًا أن لا فرق بين الخير والشر. إن لم تكن المكافأة أيضًا فردية، فإننا نقتل الدافع بصمت.

 

تخيّل طالبين في البيت نفسه: أحدهما يسهر ليدرس، والآخر يقضي وقته على تصفح السوشال ميديا. ثم تأتي النتيجة متقاربة في المعاملة: لا تقدير خاص للأول، ولا محاسبة حقيقية للثاني. ماذا يتعلم المجتهد؟ يتعلم أن تعبه لا معنى له. وماذا يتعلم المهمل؟ أن تقصيره بلا ثمن.

 

الابن الصالح "المطيع والعاقل" غالبًا هو الضحية الصامتة. لأنه لا يصرخ، لا يكسر، لا يهدد، لا يضع أهله في مواقف محرجة. لذلك يُفترض فيه دائمًا أن يتحمل. تُطلب منه التنازلات، ويُقال له: أنت الكبير، انت اللي بتفهم، انت العاقل”. شيئًا فشيئًا تتحول طيبته إلى مساحة يستريح فيها الآخرون. للأسف “طيبته تسمح لأقرب المقربين أن يستغلوه -دون قصد-“. كم من أمّ تطلب معظم حاجاتها من الابن المطيع لأنه لن يرفض؟ وكم من أب يعتمد على الابن الهادئ لتحمّل مسؤوليات إضافية بينما يُعفى المشاغب حتى لا “تحدث مشكلة”؟

 

يصبح الابن الصالح هو من يُوقظ أخاه، وهو من يتنازل عن وقته، وهو من يُطلب منه أن يستوعب ظروف الجميع. ذنبه الوحيد أنه محترم. ومع مرور الوقت، قد لا يتمرد، لكنه يحمل داخله سؤالًا موجعًا: لماذا أكون صالحاً إذا كان الصالح يدفع الثمن؟!

 

إذا تأملنا في الكتاب المقدس، نرى أن كل أبوة أرضية هي انعكاس ناقص لأبوة الله. كما يقول بولس: «فمِنه تَستَمِدُّ كُلُّ أُسرَةٍ ٱسمَها في السَّماءِ والأَرْض» (أفس 3، 15). الله لا يعامل جميع أبنائه بنفس الطريقة، لكنه يحب الجميع بالمقدار نفسه. هذا يوضح أن العدل المسيحي ليس تطابقًا في المعاملة، بل أمانة لحقيقة كل شخص. في مثل الوزنات، لم يُعطِ السيد العبيد المقدار نفسه، بل « فأَعْطى أَحَدَهم خَمسَ وَزَنات والثَّانيَ وَزْنَتَين والآخَرَ وَزْنَةً واحدة، كُلًّا مِنهم على قَدْرِ طاقَتِه» (متى 25، 15). هذا ليس تمييزًا ظالمًا، بل عدلًا حكيمًا يراعي الفروق الفردية. وحين عاد ليحاسبهم، لم يُساوِ بين من ضاعف الوزنات ومن دفنها. لأن العدل لا يعني التطابق، بل الإنصاف.

 

حين يختلط العدل بالمساواة العمياء، قد نربي أبناءً ناجحين ظاهريًا، لكنهم من الداخل مثقلون بأحمال لا نتخيلها، شعور غير مفهوم بالظلم. أما حين يكون البيت قائمًا على ميزان واضح، حيث يرى كل ابن أن جهده يُرى، وخطأه يُصحح بمحبة، فهناك تنمو شخصيات متينة ومتوازنة.

 

إنَّ مساواة الله ليس مساواةً عمياء «لِأَنَّ اللهَ لا يُحابي أَحَدًا» (رو 2، 11)، بل عدل يرى القلب ويجازي بحسب العمل. والإيمان المسيحي يؤكد أن الإنسان كائن حر ومسؤول: «فإِنَّ كُلَّ واحِدٍ يَحمِلُ حِمْلَه» (غلا 6، 5). عندما نساوي بين الأبناء دون مراعاة الاختلاف، نشوّه إحساسهم بالمسؤولية. الطفل الصالح يبدأ بتوجيه اللوم إلى نفسه، يتساءل: لماذا أنا ملتزم وأخطاء الآخر تمر؟ وهكذا، يولد شعور بالذنب والارتباك النفسي، حينها ينشأ الاحساس بالظلم فيعشعش في النفس لسنوات طويلة، ويمكن أن ينتهي إلى الانتحار ليس فقط إلى الإحباط.

 

التربية العادلة لا تعني أن نفضّل ابنًا على آخر، ولا أن نزرع الغيرة بينهم، بل أن نكون واضحين: السلوك الجيد له تقدير، والسلوك الخاطئ له تقويم. أن نشرح لهم لماذا نكافئ هذا اليوم ولماذا نحاسب ذاك غداً، كي يفهموا أن الميزان واحد، لكن التطبيق مرتبط بالفعل.

 

العدل ليس فقط مبدأ تربويًا، بل فضيلة روحية، وأحد أركان الحياة الأخلاقية. البيت هو المدرسة الأولى للفضائل. إذا نشأ الطفل في بيت لا يرى علاقة واضحة بين السلوك والنتيجة، سينقل هذا التصور إلى علاقته بالله: إما أن يراه ظالمًا، أو غير مبالٍ. لكن إذا عاش عدلًا مشبعًا بالمحبة، سيتعلم معنى المسؤولية والكرامة، ويفهم أن أفعاله ليست عبثية، وأن كل تصرف له أثر. هذا العدل التربوي يعلم الطفل أيضًا معنى الرحمة، فالابن الطيب يعرف أن العقوبة العادلة هي تعليم لا إساءة، وأن المكافأة ليست محاباة بل تقدير للخير.

 

في الختام، التربية ليست فقط تهيئة للعيش في المجتمع، بل تدريب روحي. إنها صورة مصغرة عن ملكوت الله في البيت: كل شخص مسؤول، كل فعل له وزنه، وكل تمييز في العدل يعكس محبة الله. وعندما نتعامل بعدل مع الأبناء، ننقل لهم درسًا أعمق: أن المحبة الحقيقية لا تعني المساواة الآلية، بل الرعاية الصادقة لكل قلب بحسب ما يحتاجه، لتكون شخصيته ناضجة، قوية، وحرة، قادرة على الحب والاحترام والإيمان.