موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد العشرون من الزّمن العادي (أ)
المقدّمة
في هذا المقال، الذي يربط بين نصَّين من كلا العهدَين، تدعونا القراءة الأولى من نبوءة إشعياء (56: 1-7) إلى التأمّل في وعد الله بالخلاص لجميع الشعوب. في الواقع، يفاجئنا النص النبوي بأنّ القرابين المحرقة، حتى تلك التي يقدّمها الأجانب، أي الغرباء عن الديانة اليهوديّة، وهم «الّذين انضمّوا إلى خدمة الرّبّ»، سيقبلها الرّبّ.
ويروي كاتب الإنجيل الأوّل، متّى الرسول (15: 21-28)، حوارًا دار في لقاء يسوع بالمرأة الكنعانيّة. وهذا اللقاء هو بمثابة حدث قد يثير تعجّبنا، بل اندهاشنا، ولا سيّما أنّ متّى، منذ الآيات الأولى من بشارته، لم يُعطِ مجالًا كبيرًا للعنصر النسائي، لأنّه يوجّه إنجيله إلى مَن ينتمون إلى الأصل اليهودي، في مجتمع ذي طابع ذكوري.
نلاحظ أنّ الإنجيلي يروي هذا النص بأسلوب بسيط للغاية، يتضمّن عناصر قد تدهشنا من تصرّف يسوع، إذ يؤكّد أنّ يسوع المعلّم، وهو من أصل يهودي، يلتقي بقلب نابض بالإيمان، هو قلب امرأة أجنبيّة من الأمم الوثنيّة، فهي من أصل كنعاني. ويفاجئنا بأنّه يمدح إيمانها العظيم! ونهدف من هذا المقال إلى التعرّف إلى القلب النابض بالإيمان في أرض وثنيّة.
1. شموليّة الخلاص (إش 56: 1، 6-7)
يفتتح كاتب نبوءة إشعياء هذا الجزء الثالث والأخير من النبوءة (56-66) بصيغة كتابيّة ذات أهميّة كبرى في قسم النبوءات بشكل عام، ولدى إشعياء بشكل خاص، وهي: «هٰكذا قالَ الرَّبّ» (56: 1أ).
يعلن النبي علانيةً أنّ مصدر رسالته النبويّة ومنبعها هو الرّبّ، أي إله بني إسرائيل، وأنّ ما يتفوّه به وما يحمله من رسائل لا ينبع منه، بل يحمل اسم الرّبّ. وهنا، لكلّ كلمة يعلنها للشعب ولنا قدرةٌ على الخلاص. وتتمحور الرسالة النبويّة حول علاقة الرّبّ بنا وعلاقتنا به، فالعلاقة بالشخص الإلهي هي المعيار الذي يجعل من رسالة النبي، ومن قلب كلّ مَن يؤمن به، ينبوعًا يفيض على ذاته وعلى الآخرين.
ثم تلي هذه الصيغة الكتابيّة رسالة يحملها النبي إلى معاصريه وإلينا اليوم أيضًا، لأنّ الكلمة الإلهيّة معاصرة لكلّ زمان ومكان. ورسالة الرّبّ من خلال النبي إشعياء هي: «حافِظوا على الحَقِّ وأَجْروا البِرّ، فقَدِ ٱقتَرَبَ خَلاصي أَن يَجيءَ وبِرِّي أَن يَتَجَلَّى» (إش 56: 1ب).
تكشف أفعال الأمر «حافظوا» و«أجروا»، بصيغة الجمع، عن رسالة إلهيّة موجّهة إلى الجميع من دون استثناء، فالجميع مدعوون إلى الدخول في المخطّط الخلاصي الذي يدبّره الرّبّ لجميع الشعوب. وهنا تشمل هذه الرسالة شعب الله والشعوب الأخرى، أي الوثنيّين والأمم.
ثم يعطي النبي أمثلة على بعض الفئات التي ليست من أصل يهودي، أي إنّها لا تعرف إله بني إسرائيل ولا تربطها به علاقة. وتتمثّل هذه الفئات في الخصيان والغرباء... (راجع إش 56: 2-5)، ممّا يشير إلى الأمميّين الذين لم تكن لهم علاقة بالرّبّ وعهده مع البطاركة والأنبياء في الماضي.
وتشير شموليّة الخلاص إلى سخاء الرّبّ في قبوله مَن يرغب في الانتماء إليه من الشعوب الأخرى، ووعده بأن يكون له اسم أبدي بين أبناء الرّبّ وشعبه.
ويختتم هذا النص النبوي بوعد الرّبّ القدير، الذي سيفتح أبواب نعمته الخلاصيّة لكلّ مَن ينضمّ إليه ويختار بحريّته إله بني إسرائيل، قائلًا: «بَنو الغَريبِ الـمُنضَمُّونَ إِلى الرَّبِّ لِيَخدُموه ويُحِبُّوا ٱسمَ الرَّبِّ ويَكونوا لَه عَبيدًا، كُلُّ مَن حافَظَ على السَّبتِ ولم يَنتَهِكْه وتَمَسَّكَ بِعَهْدي، آتي بِهم إِلى جَبَلِ قُدْسي وأُفَرِّحُهم في بَيتِ صَلاتي، وتَكونُ مُحرَقاتُهم وذَبائِحُهم مَرضِيَّةً على مَذبَحي، لِأَنَّ بَيتي بَيتَ صَلاةٍ يُدْعى لِجَميعِ الشُّعوب» (إش 56: 6-7).
إنّ قبول الرّبّ لكلّ وثني يفتح مجالًا جديدًا في تاريخ الخلاص، إذ إنّ كلّ مَن هو خارج بني إسرائيل، كشعب مختار من الرّبّ، لديه المجال ليختار بحريّة الانتماء إلى الرّبّ، حين ينبض قلبه بالإيمان والإخلاص له، من دون عبادة آلهة أخرى. ونحن مدعوون، كمؤمنين، إلى أن نجدّد إيماننا من خلال هذه الرسالة النبويّة، فتنبض قلوبنا بنبض جديد هو الإيمان بالرّبّ.
وعلى ضوء هذا الوعد الإلهي، الذي يكشف عن الخلاص الذي يشمل جميع الشعوب، سنناقش، بحسب متّى الإنجيلي (15: 21-28)، لقاءً حيويًّا بين يسوع، الرجل العبري الأصل، وامرأة تنتمي إلى الأمم، حيث سننبهر، كمؤمنين، بكيفيّة بدء الحوار الذي ستختلف نهايته تمامًا عن بدايته.
2. طلب الرحمة (مت 15: 21-28)
يدعونا متّى الإنجيلي، من خلال لقاء خاص بين يسوع وإحدى النساء اللواتي لا ينتمين إلى الشعب اليهودي، وفي حضور تلاميذه، إلى التأمّل في حدث مميّز. نحن في أرض صور وصيدا، وهما مدينتان تقعان في لبنان حاليًا، حيث يجعلنا الإنجيلي، من خلال وصفه، نتبع خطوات يسوع الذي يمرّ بأرض صور وصيدا، وهي أرض وثنيّة.
وهذه الأرض هي أرضنا اليوم، فكم من الوثنيّة تسلّلت إلى عاداتنا اليوميّة لتسرق إيماننا، وتمركزت بشكل أو بآخر، سواء في باطننا أم في خارجنا. وفي اللحظة التي نعي فيها الجزء الوثني الذي نحمله في باطننا، تأتينا كلمات الإنجيلي قائلًا: «ثُمَّ خَرَجَ يسوعُ مِن هُناكَ وذهَبَ إِلى نَواحي صُورَ وصَيدا» (مت 15: 21).
يكشف متّى عن خطوات يسوع الذي يترك أرضه ويمرّ بأرضنا ليلتقي بنا، كما ستفعل المرأة التي هي من أصل كنعاني، أي وثني.
يفاجئنا الإنجيلي بأنّه، في زمن لم يكن من المعتاد فيه أن يتحاور رجل يهودي مع امرأة وثنيّة، يروي في سياقه: «وإِذا ٱمرأَةٌ كَنعانيَّةٌ خارِجَةٌ مِن تِلكَ البِلادِ تَصيح: "رُحْماكَ، يا ربّ! يا ٱبنَ داود؛ إِنَّ ٱبنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطًا شَديدًا"» (مت 15: 22).
يقدّم الإنجيلي هذه المرأة من دون اسم شخصي، ومن دون ذكر اسم رجل تنتمي إليه، سواء أكان أباها أم زوجها أم حتى ابنها الذكر! إنّها مجهولة الهويّة تمامًا. إلّا أنّه يصرّ على الكشف عن أصلها، فهي من صور وصيدا، أي وثنيّة الأصل.
وعلى الرغم من أنّها ليست يهوديّة، فإنّها كشفت بجدارة عن هويّة يسوع الإلهيّة التي يجهلها تلاميذه، كما ناقشنا في المقال السابق (راجع مت 14: 22-33). فهذه المرأة الوثنيّة الأصل تأتي طالبة الرحمة لابنتها، وتنادي يسوع بلفظ Kyrios، أي «الرّبّ» في الأصل اليوناني، وهو لقب يسوع الإلهي. ثم تناديه بلقبه البشري «ابن داود»، كما كشف لنا متّى، في الكلمات الأولى من بشارته، عن أصل يسوع الإلهي والبشري معًا (راجع مت 1: 1).
غريبٌ قلب هذه المرأة التي تعرف ما لم يعرفه المقرّبون والتابعون ليسوع مثلنا. فهي لا تنتمي إلى اليهود ولا تعرف الشريعة، إلّا أنّ قلبها ينبض بالإيمان بيسوع منذ لقائها الأوّل به، ونعتقد أنّه اللقاء الأخير أيضًا، إذ لا نقرأ عنها ثانيةً في العهد الجديد.
تدعونا هذه الوثنيّة اليوم إلى أن نلجأ إلى الرّبّ بقلب نابض بالإيمان، يعرفه ويعرف قدرته، بل يعرف أصله الإلهي، وأن نناديه بقلب يثق برحمته ويؤمن بها.
3. ردود أفعال يسوع! (مت 15: 23-24)
«فلَم يُجِبْها [يسوع] بِكَلِمَة» (مت 15: 23أ). للمرّة الوحيدة نجد يسوع يصمت تمامًا، إلى درجة أنّ تلاميذه يتشفّعون لها لدى يسوع قائلين له: «إِصْرِفْها، فإِنَّها تَتبَعُنا بِصِياحِها» (مت 15: 23).
ماذا نفعل حين يصمت الرّبّ أمام طلبة رفعناها إليه؟ هل نصمد بقلب ينبض بالإيمان أم نتجاهله؟
إنّ إلحاح المرأة في طلبها وتوسّل التلاميذ ساهما في أن يتفوّه يسوع بحقيقة لم نتوقّعها، إذ قال: «لَم أُرسَلْ إِلَّا إِلى الخِرافِ الضَّالَّةِ مِن بَيتِ إِسرائيل [...] لا يَحسُنُ أَن يُؤخَذَ خُبزُ البَنينَ فيُلْقى إِلى صِغارِ الكِلاب» (مت 15: 24، 26).
يمكث يسوع صامتًا، وحين يتكلّم يعلن أنّ الملكوت يجب أن يصل أولًا إلى بني إسرائيل، ذوي القلوب المنغلقة حتى الآن، فهم لم يكتشفوا بعد هويّة يسوع حقًّا.
ومع ذلك، تأتي المرأة الوثنيّة ثانيةً، ومن خلال كلماتها وسجودها، بحسب سرد متّى، معلنةً: «أَغِثْني يا رَبّ!» [...] «نَعَم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها» (مت 15: 25، 27).
تدرك المرأة أنّها غير مستحقّة، وتؤكّد حقيقة أنّ اليهود كانوا يدعون الوثنيّين «كلابًا». ومع ذلك، تجد ذاتها غير مستحقّة لنِعَم الرّبّ الذي تستغيث به. لقد طرقت هذه المرأة، بإيمانها الواضح في سجودها واعترافها بربوبيّة يسوع، بابًا إلهيًّا لن يُغلق أمامها.
4. القلب النابض بالإيمان (مت 15: 28)
أمام أفعال المرأة الوثنيّة وأقوالها، نجد تغييرًا شاملًا في ردّ فعل يسوع، كما كشف سابقًا آباء الكنيسة في تحليلهم لهذا النص، معلنين عن «توبة» يسوع، أي تغيير موقفه تجاهها بوصفها وثنيّة، والسبب هو قلبها النابض بالإيمان بالرّبّ.
إذ يمتدحها يسوع بقوله: «ما أَعظَمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها الـمرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين». «فشُفِيَتِ ٱبنَتُها في تِلكَ السَّاعة» (مت 15: 28).
ليس صحيحًا أنّ شعوب الأمم، أي الوثنيّين، ليس لهم إله، فحين يؤمنون يصير إيمانهم ناضجًا وثابتًا، ويصبحون موضع ثناء الرّبّ ذاته. وقد نالت ابنة المرأة الوثنيّة التحرير والشفاء بسبب قلب أمّها النابض بالإيمان، الذي جعلها تكتشف هويّة يسوع الإلهيّة. وبإلحاحها، جعلت يسوع يغيّر برنامجه الخلاصي وينفتح، في أثناء حياته الأرضيّة، على الوثنيّين بخلاص أبدي، كما استبق إشعياء (56: 6-7) في رسالته المذكورة أعلاه، وذلك بمروره في أراضيهم.
أبدعت هذه المرأة، التي يمكننا أن نعطيها لقبًا جديدًا في مقالنا هذا، فهي «ذات القلب النابض بالإيمان». وتمثّل نموذجًا حيًّا لنا اليوم في ألّا نتراخى أمام التجارب، بل نستمر في طرق باب الرّبّ بالصلاة والسجود والإلحاح. والأهم أن نتعلّم كيف نهيّئ قلوبنا لتكون نابضة بالإيمان بالرّبّ يومًا بعد يوم.
هذه المرأة الوثنيّة ما هي إلّا رمز، بل نبوءة وصورة، لأولئك الذين سيأتون في آخر الزمان من أقاصي الأرض ليبشّروا بمجد الرّبّ.
الخلاصة
«القلب النابض بالإيمان» هو العنوان الذي أعطيناه لمقالنا اليوم، إذ كشف كلا النصَّين في العهدَين عن أهميّة علاقة الإنسان بالرّبّ من خلال ما يحمله في قلبه.
ففي نص نبوءة إشعياء (56: 1-7)، كشف النبي عن قبول الرّبّ جميع الشعوب لخلاصه. وبالتوازي، ناقشنا معايير الرّبّ التي تختلف اختلافًا جذريًّا عن معاييرنا البشريّة في العلاقة معه. ففي واقع الأمر، بينما يبدو أنّ بعض المؤمنين هم أكثر كفاءة أمام الله، نجدهم في الحقيقة أبعد، بينما قد يكون الأقل كفاءة هم الأقرب، لأنّه لا أحد كفؤ أمام الرّبّ.
وهذا ما يدعونا إلى السعي والبحث عنه في كلّ مكان وزمان، لأنّ له القدرة على أن يعلن ذاته في أيّ صورة أو حدث أو كلمة، ونحن مدعوون إلى فتح قلوبنا للإيمان به.
ومع ذلك، يُطلق على بعض الرجال والنساء أنّهم ذوو إيمان عظيم! ومن بينهم الوثنيّون، أولئك الذين هم في حدّ ذاتهم الأقل كفاءة أمام إله إسرائيل، والذين لا يستطيعون ادّعاء أيّ حقّ أمام الله، لأنّهم يجهلون الشريعة وإله بني إسرائيل. لكن هؤلاء الوثنيّين أنفسهم قد يكونون الأفضل بسبب استعدادهم لفتح قلوبهم لإله حاضر دائمًا، يسمح لكلّ بشر بأن يلتقي به بحريّة.
واليوم، نحن الذين قبلنا بشارة الملكوت والخلاص، ما زلنا بحاجة إلى القيام بخطوة صغيرة ولكن حاسمة، وهي تحرير أنفسنا من أوهامنا بأنّ ما نملكه من كفاءات وقدرات هو من ذواتنا، فما نحن عليه ليس إلّا من فيض حبّ الرّبّ.
هذا ما فعلته المرأة الكنعانيّة بقلبها النابض بإيمان عظيم، إلى درجة أنّها استطاعت أن تجعل يسوع الإنسان يغيّر وجهة نظره تجاهها بصورة خاصة، وتجاه الوثنيّين بصورة عامة.
ونحن مدعوون، من خلال كلا النصَّين في هذا المقال، إلى الاقتراب والإصغاء إلى قلب المرأة الكنعانيّة الذي ينبض بالإيمان الحقيقي، لا المزيّف.