موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
إنَّ أحدَ أهمِّ العناصر في بدايات الحياة الرُّوحية - وأكثرها إهمالًا- هو القدرة على الاستجابة للواقع؛ أن نرى القيمة والجمال في الأشياء العاديَّة، وأن ننتبه إلى البهاء المحيط بنا في خلائق الله.
إنَّ الكتاب المقدَّس، في جوهره، عملٌ فنّيٌّ بديع. فعلى مدى ما يزيد على ألف عام، وعبر ثلاث قارّات، نسج البشر خيوط الشعر والنثر ومختلف الأساليب الأدبيَّة ليصوغوا منها تلك الروائع الجماليَّة التي يتكوَّن منها الكتاب المقدَّس.
فمن تراتيل المزامير القابلة للتلحين، إلى الشعر الفلسفي في سفر الجامعة، ومن الرسائل الجدليَّة العميقة عند بولس الرسول، إلى السرديَّات الآسرة والمشوِّقة في سفري لوقا وإستير، نجد أنَّ الفنَّ الأدبي الذي يملأ صفحات الكتاب المقدَّس يُعَدُّ من أكثر النتاجات تأثيرًا في تاريخ الإنسانيَّة كلِّه.
لكنَّ كثيرًا من الحقائق المرتبطة بالفنِّ الكتابي قد ضاعت أو أسيءَ فهمها عبر الزمن. فكثيرٌ من ترانيم الكنائس الغربيَّة، سواء أكانت أناشيد تراثيَّة تقليديَّة أم أغانٍ حديثة للتسبيح، لا ترتقي إلى مستوى المزامير في صدقها الصارخ، وتنفيسها العاطفي العميق، وتجذُّرها في الحياة اليوميَّة، وعمقها اللاهوتي، وجماليَّتها الفنّيَّة. إذ يبدو بعض ما نسمعه في الكنائس اليوم متكلَّفًا، ومتقادِمًا، ومنفصلًا عن واقع الحياة.
لقد تخلَّى كثيرٌ من المسيحيين عن دعوتهم إلى الإبداع. فالكتاب المقدَّس يحثُّنا مرارًا وتكرارًا على أن «نرنِّم للرب ترنيمة جديدة» (مزمور 3:33؛ 3:40؛ 1:96؛ 1:98؛ 9:144؛ 1:149؛ إشعياء 10:42؛ رؤيا 9:5؛ 3:14). لكنَّنا كثيرًا ما نترك هذا النوع من الإبداع للفنَّانين الكبار وشركات الإنتاج، أو نتصرَّف وكأنَّ عجلة الإبداع قد توقَّفت عند الأجيال الغابرة التي خُطَّت ترانيمُنا المفضَّلة منذ مئات السنين. ونتيجةً لذلك، غاب عن كنائسنا شكلان قويَّان من أشكال التعبير الفنّي:
أوَّلًا: عجز الأجيال الحاليَّة عن ابتكار أغانٍ وأعمال فنّيَّة نابعة من خصوصيَّة اختبارات مجتمعاتهم المحليَّة مع الله.
ثانيًا: إحجام الكنيسة عن توظيف الموروث الفنَّي الموجود بالفعل داخل الكتاب المقدَّس – كالمزامير – ليكون لسان حالها في العبادة.
غير أنَّ التعبير الفنَّي بوصفه عبادة، لا يقتصر على الموسيقى وحدها؛ ففي سفر الخروج (1:31-11) نرى كيف ملأ الروح القدس الفنَّانين والصُّنَّاع الأوائل بمواهب روحيَّة لصياغة فنون بصريَّة وتصاميم بديعة. فالله هو نبع كلِّ إبداع حقيقي، وبما أنَّ الله خالق ومبدع، فليس من المستغرب أن يتَّسم البشر، المخلوقون على صورته ومثاله (تكوين 26:1-27) بالسِّمة الإبداعيَّة ذاتها.
في عام 1888، كتب الفنَّان فنسنت فان جوخ في رسالة إلى صديقه إميل برنارد قائلًا:
«أقول لنفسي إنَّك قد تتفاجأ ربما حين ترى كم أنَّ محبَّتي للكتاب المقدَّس ضئيلة، رغم أنني حاولت مرارًا دراسته قليلًا. غير أنَّ هناك هذه الجوهرة الفذَّة: المسيح؛ والذي يبدو لي متفوِّقًا - من المنظور الفنَّي، أو على الأقل شيئًا مغايرًا تمامًا - عن كلاسيكيَّات الحضارات الإغريقيَّة والهنديَّة والمصريَّة والفارسيَّة، التي بلغت شأنًا عظيمًا. وهنا أكرِّرها: إنَّ هذا المسيح هو فنَّان يفوق الفنَّانين؛ إنَّه يعمل في الروح والجسد الحيَّين، والإنسان، بوقارٍ وإجلال يمنعاني من أن أكون رجلًا ذا مطامع دنيويَّة».
وفي السياق ذاته، يكتب اللاهوتي والقسّ دون بوستيما في كتابه «متّسع لله (Space for God)»:
«يكشف بعض الفنَّانين عن بصيرة نافذة تتغلغل في أعمال الواقع، وقدرة على الرؤية لما تحت قشرة الطبيعة والبشر، ووعي يميط اللثام عن حيويَّة روحيَّة في عالمنا وفي ذواتنا – وهي حيويَّة توجِّهنا نحو الله. وما أدهشني هو أنَّ الإنسان المتأمِّل والمصلِّي حقًّا يمتلك قدرة شبيهة على الإبصار العارم في كنه الواقع، والقدرة على الانتباه لما هو قابع تحت السطح، والجسارة على التركيز طويلًا لالتقاط الرؤية». (متّسع لله، 20).
ويتابع قائلًا:
«نحن عمل الله الفنَّي» (أفسس 10:2). «إنَّنا نُخلّق ويُعاد تشكيلنا بلمسة المسيح الشافية. ذاك الذي قال عنه فان جوخ إنَّه "فنَّان يفوق الفنَّانين"، والذي صاغ بالجسد الحي والروح الحيَّة بشرًا أحياء، لا تماثيل جامدة». (متّسع لله، 21).
لقد تحوَّلت مصطلحات مثل «الحمد» و«العبادة» إلى عبارات مستهلّكة لدى بعض المسيحيين، لدرجة أنَّنا نغفل أحيانًا عن إدراك جوهريتهما. إنَّ العبادة تتخطَّى مجرَّد التغنِّي بترانيم؛ إنَّها تكمن في تحقيق الغاية الأسمى من الوجود الإنساني: أي تجسيد صورة الله في سلوكنا، ونمط حياتنا، وصنيع تعبيرنا الإبداعي.
وسواء أكانت وزناتك ومواهبك في الكتابة، أم الغناء، أم النحت، أم البرمجة، أم المونتاج، أم الرسم، أم الرقص التعبيري، أم التصميم، أم الخطابة، أم الأداء المسرحي، أم كتابة النصوص، أم التسجيل، أم الإخراج، أم أي مجال آخر؛ فإنَّ الكتاب المقدَّس يؤكِّد بجَلاء أنَّ مواهبك الإبداعية هي طريقٌ قويَّة ومقدَّسة لإكرام خالقك.
وحين تُطلق العنان لطاقتك الإبداعيَّة الكامنة، ستجد سبلًا تُنير بها خلوتك الشخصيَّة مع الله، وتُثري بها الطريقة التي يتعبَّد بها مجتمعك الإيماني معًا.
هَلِّلُويَا. غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً.
المقالة مترجمة عن موقع:
https://www.ibelievebible.com/creative-arts-christian-spirituality/