موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أحد الشعانيّن الـمقدّس (أ)
الـمُقدّمة
ها نحن بالقرب من كشف الستار كاملاً عن "سرّ الرّبّ الخلاصيّ"، حيث بدأنا مع هذا الزمن الأربعينيّ لهذا العام 2026، مسيرة صغيرة داخل سلسلتنا الكتابيّة الأسبوعيّة في قرأتنا فيما بين العهدّين. وها نحن على وشك لإكتشاف ذروة التجلّى لهذا السرّ العظيم، وهو سرّ حبّ الله وأمانته لبشريتنا، نعلن بقانون الإيمان بأنّ الـمسيح: "تألم ومات ... من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا". يُعد هذا الـمقال الأخير في حياة يسوع الأرضيّة تاريخيًا، مما يصل بنا إلى جوهر إيماننا وهو "سرّ حبّ الرّبّ" لنا الّذي يصل إلى ذُروته في عبور يسوع اِبنه الألم والـموت وإتمام سرّه الفصحيّ. هدفنا هذا العام، من خلال مقالاتنا في تلك الأسابيع الـماضيّة، هي الإستمرار في السير وراء الرّبّ الّذي يحمل خطايانا ويحررنا منها ويمنحنا حياة وخلاصًا لنقول ليلة القيامة: "الـمَسيح قام ... بالحقيقة قام".
أعطينا عنوانًا لـمقالنا هذا بلفظ عبري الأصل وهو الــ HESED الإلهيّة والّتي تعني الأمانة الإلهيّة. نتلمس هذه الأمانة في العهد القديم من خلال النص النبوي بحسب نبؤة أشعيا (50: 4- 9) الّذي يستبق بآلام العبد أمانة الله الّذي سينتصر بحسب كلماته الّتي سنناقشها لاحقًا. ونجد أنّ يسوع بحسب النص الـمُطوّل بإنجيل متّى (26: 14- 27: 66)، هو الّذي يدخل باِرادته أورشليم. ولكن سنفاجأ بوضعين متناقضين من قبول ورفض معًا من الـمحيطيّين بيسوع في أيامه الأخيرة على الأرض. لكن يبهرنا الله الآب بأمانته الّتي تفوق توقعاتنا إذ ينتصر من جديد في اِبنه بشكل يفوق العادة ويعطي معنى لآلام العبد الغامض الّذي لم تُفهم هويته بزمن أشعيا النبيّ.
1. عمل السّيّد الرّبّ (اش 50: 4- 9)
يأتينا كاتب، الجزء الثانيّ (40-54)، نبؤة أشعيا بأربع أناشيد لعبد الرّبّ (راج أش 40؛ 49؛ 52- 53) بخلاف هذا النشيد الثالث (اش 50: 4-9). ففي هذا النشيد الثالث للعبد الّذي يعطي قراءة إستباقيّة لـما سنعيشه في الثلاثيّة الفصحيّة، بحسب الطقس اللّاتيني، قبل قيامة الرّبّ من بين الأموات تتجلّى أمانة إله العهد القديم. حيث يدعو تلميذاً له ليبدأ مسيرة عمله الخلاصيّ وأمانته لبشريتنا الخاطئة بشكل إستباقي. نشيد هذا العبد، في واقع الأمر، يرويه التلميذ ذاته، يتبع تعاليم السّيّد الرّبّ حرفيًا، تجعلنا كلماته نقترب من عمل الرّبّ الّذّي يعطيه رسالة تتحقق بالألم. تدعونا كلمات العبد الّذي إختاره الرّبّ لرسالة معينة وهي في شكل مونولوج، أي حوار مع الذات، حيث يفتتح هذا النشيد معترفًا بقوله: «آتاني السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسانَ تِلْميذ يَبعَثُ كَلِمَةً لِأَعرِفَ أَن أَسنُدَ الـمُعْيي. يُنَبِّهُ أُذُني صَباحاً فصَباحاً لِأَسمعَ كتِلْميذ. السَّيِّدُ الرَّبُّ فَتَحَ أُذُني فلمِ أَعصِ ولا رَجَعتُ إِلى الوَراء. أَسلمتُ ظَهْري لِلضَّارِبين وخَدِّي لِلنَّاتِفين ولم أَستُرْ وَجْهي عنِ الإِهاناتِ والبُصاق السَّيِّدُ الرَّبُّ يَنصُرُني لِذلك لم أَخجَلْ مِنَ الإِهانة ولذلك جَعَلتُ وَجْهي كالصَّوَّان وأَنِا عالِمٌ بِأَنِّي لا أَخْزى. مُبرري قَريبٌ فمَنِ الَّذي يُخاصِمُني؟ فلنمثُلْ مَعاً مَن صاحِبُ دَعْوى عَليَّ؟ فليَتَقَدَّمْ إِلَيَّ. ها إِنَّ السَّيِّدَ الرَّبَّ يَنصُرُني فمَنِ الَّذي يُجَرِّمُني؟» (اش 50: 4-9). يتجسد عمل الله لهذا التلميذ الـمدعو من الرّبّ في حواسه. فهو بمثابة التلميذ الحقيقيّ الّذي من خلال ألم جسده ظهرت طاعته للرّبّ حيث إنّه بكامل حريته يُتمم رسالته بالرغم من الضرب والإهانة، قرر عدم التراجع والسبب هو ثقته في أمانة وعمل السّيّد الرّبّ الّذي لن يتركه بل سينصره. مدعوين من خلال هذه الكلمات الّتي يعلنها التلميذ أنّ نتعلم القبول برّوح الرضى الألم ليس ككلمة أخيرة بل الثقة في الرّبّ هي الّتي ستكتمل وإنتصاره هو الّذي يظهر ليس فقط في هذا التلميذ بل مفتوح الـمجال أمامنا إذ سنتعمق في يسوع، رجل الألم والّذي ينتصر فيه عمل الله الآب كما سنرى.
2. بين الخيانة والــ HESED (مت 26: 14- 25؛ 27: 3- 10)
في هذا الـمقال سنتوقف على بعض آيات الإنجيليّ متّى بسبب النص الـمُطّول حيث إننا سنتوقف أمام يسوع وهو ليس بتلميذ بل الابن الإلهي الّذي يقرر الإستمرار في أمانته لله الآب ولكل إنسان بالرغم من خيانتنا الّتي تتمثل في خيانة يهوذا الإسخريوطي وهو التلميذ الّذي إختاره الرّبّ (راج 26: 14- 16). خيانتنا البشريّة من خلال الخطيئة، إنقسام القلب، تفضيل الـمال، العلاقات الزائفة، ... إلخ والإستمراريّة فيها بارادتنا الحرة، تحرمنا من التمتع بأمانة الله معنا كأبناء وتبعيّة يسوع كتلاميذ حقيقيّين. هذا التلميذ الخائن يسكن كلاً منا واليّوم تدعونا الأمانة الإلهيّة من مواجهته وعدم الإستمرار بل بالتوبة وبالتبعيّة الحقّيقييّن يمكننا من الإستعداد للإحتفال بالرّبّ الّذي يُسلم ذاته من أجلنا ومن أجل خلاصنا. ومع هذا يأتي يأس يهوذا وانتحاره لاحقًا (مت 27: 3- 10) كرد فعل عن خيانته الّتي ندم عليها وبعد إتمام الـمخطط الإلهي الّذي تمّ بواسطة يهوذا حيث تمّ تسليم يسوع لأيدي البشر معلنًا خطيئته: «خَطِئتُ إِذ أَسلَمتُ دَماً بريئاً» (مت 27: 4). إختار يهوذا الّذي يسكننا اللاتبعيّة للـمعلم ومع هذا نُفاجأ ومن جديد تأتي أمانة الله في صوت الابن الّذي يرغب الإقامة مع كلا منا بقوله: «وعِندَكَ أُقيمُ الفِصحَ مع تَلاميذي» (مت 26: 18). وبعد إعداد عشاء الفصح من قِبل التلاميذ يعلن خبر تسليمه من أحد أصدقائه (راج 26: 20-25) وتستمر أمانة يسوع أمام خيانة يهوذا وزيف التلاميذ.
3. مدرسة الإفخارستيا (مت 26: 26- 75)
أمام الخبز والخمر، يُدخلنا يسوع مدرسة الإفخارستيا الّتي يؤسسها في التو واللحظة لأجل تلاميذه ولأجلنا اليّوم. تصيرن هاتين الـمادتيّن الخبز والخمر مقدّستيّن إذ يعلن من خلال الظرف "بينما" إفتتاح العهد الجديد في حضور تلاميذه وحضورنا في كلّ ذبيحة إلهيّة قائلاً: «وبَينَما هم يَأكُلون، أَخذَ يسوعُ خُبزاً وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَه تلاميذَه وقال: "خُذوا فَكُلوا، هذا هُوَ جَسَدي". ثُمَّ أَخَذَ كَأساً وشَكَرَ وناوَلَهم إِيَّاها قائلاً: "اِشرَبوا مِنها كُلُّكم فهذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهد يُراقُ مِن أَجْلِ جَماعةِ النَّاس لِغُفرانِ الخَطايا" [...] سَبَّحوا وخَرَجوا إِلى جَبَلِ الزَّيتون» (مت 26: 26-30). التسبيح بنشيد الهاليل بحسب العشاء العبري وهو نشيد الحمد للرّبّ. أمام إعلان نكران بطرس ومع حماس بطرس معلنًا: «لَستُ بِناكِرِكَ وإِن وَجَبَ عليَّ أَن أَموتَ معَكَ» (مت 26: 35). وهذا هو موقف كلاً منا حينما يأخذنا الحماس بعد صلاة حارة أو رياضة نصغي فيها لصوت الله وبعدها مباشرة يأخذنا الحماس الوقتيّ، وهنا علينا بالتمييّز إذ هناك موت يوميّ لنتبع يسوع باستمرار، وليس عدو الخير، وليس وقتيًا. ولكن يتم حدث الإنكار الّذي أعلنه يسوع (راج مت 26: 31- 35) عند صياح الديك إذ: «تَذَكَّرَ بُطرُسُ كَلِمَةَ يسوعَ إِذ قال: "قَبلَ أَن يَصيحَ الدِّيكُ تُنكِرُني ثَلاثَ مَرَّات"، فخرَجَ مِن ساحةِ الدَّار وبكى بُكاءً مُرّاً» (مت 26: 69- 75). بكاء بطرس هو الشكل الفعليّ لتوبته عن إنكاره الثلاثي لأمانة يسوع معه ومع كلّ بشريتنا، والّذي من خلاله إعترف بهشاشته وحماسه الزائف والّذي يكشف حقيقتنا الزائفة معه بعد دخولنا العديد في مدرسة الإفخارستيا الإسبوعي الّتي تكشف عن أمانة الرّبّ وفي ذات الوقت تعيننا لنكتشف نقاط إنكارنا ولكن الإعتراف بها بالبكاء أو بالإعتراف ... لنتمكن إننا لازلنا تلاميذ في مدرسة الإفخارستيا.
4. الــ HESED الإلهيّة (مت 27: 32- 66)
لا نقرأ في النص الـمتاويّ دخول يسوع أورشليم على جحش ابن آتان، ولكن يضعنا أمام الأحداث التاليّة لدخول الـمسيّا إذ تعرفنا على إثنين من التلاميذ بالرغم من قربهم إلّا إنهم بعيديّن عن هويّة يسوع الحقّة ونحن اليّوم كمسيحيّين هل ننتمي للمسيح بشكل فعليّ؟ وهنا مدعويّن للدخول مع يسوع الّذي يصارع لأجلنا كالتلاميذ في بستان الزيتون لنستيجيب لطلبته: «أُمكُثوا هُنا، رَيثَما أَمضي وأُصَلِّي هُناك [...] نَفسي حَزينَةٌ حتَّى الـموْت. أُمكُثوا هُنا واسهَروا مَعي [...] يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!» (مت 27: 37- 39). أمانة يسوع الابن في قلب الـمعاناة والألم، لا يختار أنّ يرفع الآب عنه هذه التجربة بشكل نهائي ويتدخل قبل الصليب ولكن وصل بشريًا إلى قمة الألم والحزن مع الصّلاة للآب. موقف يسوع يصل إلى ذروة ما بدأه عبد الله بحسب أشعيا (50: 4- 9) إذ في وقت التجربة يعلن يسوع أمانته للآب ولنا جميعًا بتسليم ذاته بحرية دون أنّ يتراجع إذ بالدموع يقول لا كما اريد أنا بل كما أنت تريد! وقت الألم البشريّ تظهر أمانتنا أم خيانتنا للرّبّ. حينما يعبر بنا التجارب تأتي كلمات يسوع وتسليمه لتنير لنا الطريق بالتسليم لإرادة الآب وليس الأفضل لنا ولا الأصلح بقدر ما يتناسب مع الـمخطط الإلهي. وهذا هو ما يكون عادة عائق أمامنا أنّ نثق بالرّبّ ونستمر في التسليم ليس لجداراتنا ولكن بفضل الــ HESED الإلهيّة.
الخلّاصة
ها نحن في مستهل الأسبوع الـمقدس وتأتي الـ HESED الإلهيّة في مقدمة إتمام سرّ حبّ الله للبشريّة (ليّ ولك). بالعهد القديم من خلال شخصية عبد الله الّذي أعلن إنتصار الرّبّ في آلامه (أش 50: 4-9) بالرغم من عدم أمانة الـمحيطين به. ومع يسوع، بحسب متّى (26: 16- 27: 66) وصلت أمانة الرّبّ لذروتها حيث أنّ يسوع بالرغم من خيانة يهوذا وإنكار بطرس ورفض الكثيرين، كشف عن الفخ الّذي يعوقنا وهو اللأمانة. يدخل يسوع أورشليم من جديد ليحررنا من هذه الخيانات ويعيدنا للطّريق الّذي يحملنا للآب بأمانة الابن الّذي يكون الأفق الجديد لتسود علينا أمانة الله بالرغم من خياناتنا ونكرنا اليوميّ. دُمتم في نمو نحو أمانّة الرّبّ والتخلص من الخيانات البشريّة.