موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٢ مارس / آذار ٢٠٢٦

اختيار hakaton وtuflos بين كاتبي سفر صموئيل الأوّل والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (1صم 16: 1-13؛ يو 9: 1-41)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (1صم 16: 1-13؛ يو 9: 1-41)

 

الأحد الرابع من الزّمن الأربعينيّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

بدأنا في هذا الزّمن الأربعينيّ مسيرة صغيرة بداخل السلسلة الكتابيّة في قرأتنا فيما بين العهدّين، لنقترب من "سرّ الرّبّ الخلاصيّ". في كلّ مقال يتجلّى هذا السرّ العظيم، سرّ الحبّ الإلهيّ، بحسب قولنا بقانون الإيمان: "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا". نهدف أنّ نكثف صلاتنا وإتحادنا بالرّبّ منطلقيّن من جوهر إيماننا وهو "سرّ حبّ الرّبّ" لنا الّذي يصل إلى ذُروته في إتمام يسوع هذا السرّ الخلاصي أي سرّه الفصحيّ. نهدف في هذا الزّمن الأربعينيّ، إلى تبعيّة الرّبّ الّذي يحمل خطايانا ويحررنا منها ويمنحنا حياة وخلاصًا لنختبر قوة القيامة قائلين: "الـمَسيح قام... بالحقيقة قام".

 

سنرتكز بمقالنا هذا على الإختيار الإلهيّ الّذي وجهه الرّبّ بمجانيّة للصغير hakaton - وهو الـمُهمش من كلّ الأوساط، دون أنّ يُنظر لـمظهره الخارجيّ، بحسب كاتب سفر صموئيل الأوّل (16: 1-13). وبالتوازي لهذا النص نجد يسوع الابن يحذو على خطوات الله الآب، بحسب الإنجيل اليوحنّاويّ (9: 1-41)، حيث يتقدم بخطوات ثابتة نحو مهمش عثره وهو الأعمى - tuflos دون أنّ يطلب الشفاء ويلمسه بمجانيّة كاملة. ولكن ما سيتم في كلا الرجليّن سيصير عمل الله العجيب والـمفاجئ، لإثنين يعتبران مُهمشين. يصل عمل الله لإنُاس غير متوقعيّن نهائيًا وفي النصيّن بدون إسم. لذا سنتعمق في إعلان الرّبّ القدير الّذي يسبق حدث قيامته بأحداث قويّة يعلن بها مجده الخلّاصي سواء لبني إسرائيل من خلال إختياره الـمجاني لداود أم لإستعادة البصر للأعمي، فكليهما مُهمشين من قِبل الـمجتمع كسلطة سياسيّة ومن قِبل الشريعة كسلطة دينيّة، إلّا أن عمل الله يتجاوز كليهما.

 

1.  hakaton يصير ملكًا؟ (1صم 16: 1- 13)

 

في وقت أزمة بني إسرائيل وبعد أنّ إختار شيوخ الشعب ملكًا بشريًا ليملك علي الشعب (راج 1صم 8)، بجهل وبدون وعي لم يفهموا الـمُلك الإلهي للرّبّ عليهم. ومن هنا تأتي الفترة الّتي يتم فيها مُلك شاول على بني إسرائيل. وبسبب إستهتاره وتركيزه على ذاته دون مشورة الرّبّ، قاد الشعب في إتجاه لا يتناسب مع الـمخطط الإلهيّ. وهنا يأتي التدخل الإلهي الدقيق إذ يختار الرّبّ ملكًا ليملك على شعبه ويعاونه ليكون فيما هو للرّبّ وبحسب مخططه. يُفتتح النص بتنويّه كاتب السفر بطاعة صموئيل وبتركيزه على أصل النبي الـمسقبليّ مُعلنًا: «ففَعَلَ صَموئيلُ كما أَمَرَه الرَّبّ، وأَتى بَيتَ لَحْم» (1صم 16: 4). ويفاجئ الرّبّ باختياره في النص الّذي سنتعمق فيه صموئيل النبيّ وأيضًا أهل بيت الصّبيّ الصّغير. إذا وجهنا سؤالاً كمؤمنيّن لـماذا يختار الرّبّ الصّبيّ الصّغير فهناك كثيرون من إخوته الذكور والكبار وذوي بُنية جسديّة تليق بالـمُلك! الصغار في هذا العصر لم يكن للصغار أي قيمة، فهم بمثابة قاصرين وغير قادرين على الفهم والوعي وتحمل الـمسؤليّة. ولم تظهر بعد قواعد التربية الحديثة كما بعصرنا الآن. يفاجئنا الكاتب في سرده مُشيراً بــ: «أَجازَ يَسَّى سَبعَةَ بَنيه أَمامَ صَموئيل، فقالَ صَموئيلُ لِيَسَّى: "لم يَختَرِ الرَّبُّ مِن هؤُلاء". ثُمَّ قالَ صَموئيلُ لِيَسَّى: "أَهولاءِ جَميعُ الفِتْيان؟" فقالَ لَه: "قد بَقِيَ الصَّغير، وهو يَرْعى الغَنَم"» (1صم 16: 10- 11). يرتكز هذا الإختيار على رؤية صموئيل لأبناء يسّى، وبناء على سؤاله نجد أنّ هذا الصّبيّ في نظر أبيه يسّى فقط: "الصّغير" من العبري hakaton وهو من الفئات الّتي لا تُحصى بالـمجتمع العبريّ الأطفال، النساء، الفقراء، الـمرضى، الخطأة، ... . بناء على هذا التصنيف الّذي لا يتسم بالـمساواة أو الأخوة بل ينمو فقط على الرجال، الأصحاء، الـمتدينيّن، الناضجين بالِسّنّ، ... فهولاء الصغار لا مكان لهم سواء بالأسرة أو بالـمجتمع أو بالوسط الدينيّ. تأتي الـمفاجأة بقول الرّبّ: «لأَنَّ الرَّبَّ لا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنْسان، فإنَّ الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب» (1صم 16: 7). تنقلب الـموازين وهذا الصّغير يُختار من الله وسيصير ملكًا مستقبليًا لـمدة أربعين عامًا بل سيقوم بأعمال عظيمة. هذا الصّغير كشف قدرة عمل الله فيه إذ من نسله جاء يسوع من بيت لحم وهو ليس براعيّ غنم بل بشر، فقلب الـموازين رأسًأ على عقب ليُتمم مخطط الله الآب ويكشفه لنا نحن البشر، كما سنرى بالسرد اليوحنّاويّ.

 

2. العمل الإلهيّ (يو 9: 1- 8)

 

نستمر في تركيز الرّبّ على إختياره للـمُهمشيّن، بعد أن أشار الإنجيلي بالإصحاح السابق بإعلان يسوع عن ذاته مشيراً بأنّه نور العالم في جدال طويل مع الفريسيّين (راج يو 8: 1ت). يثبت لنا هذا العمل الإلهي الّذي يقلب موازيننا البشريّة في لقاءه برجل ناضج السّنّ ولكن ينتمي لفئة الـمُهمشّين بسبب عماه الجسديّ. يأتي تدخل يسوع  ليقلب رأسًا على عقب إعتقاداتنا وموازيينا إذ مَن ليس لهم قيمة يصيرون مركز إهتمامه وحبّه بل إختياره ليعمل فيهم بشكل يفوق طبيعتنا ومنطقنا البشريّ. فيفتتح الإنجيليّ هذا النص مُشيراً باجابة يسوع على تساؤل تلاميذه: «رابِّي، مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟» (يو 9: 1). نعم، كان الفكر السائد أنّ أي مرض يصيب الإنسان ما هو إلّا نتيجة خطيئة الشخص ذاته أم خطيئة والديّه. يزيل يسوع هذا الإعتقاد الخاطئ بقوله الصريح: «لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله» (يو 9: 3). إذن يصير من الآن وصاعداً هذا الـمُهمش محور لعمل الله فيه ويصير مُختاراً من الابن ليستعيد مكانته في الـمجتمع والشريعة والأسرة. فيأتي يسوع بقُرب هذا الرجل الأعمى والـمُهمل، بسبب عماه منذ مولده، من أسرته ومن مجتمعه، وهو جالس على حافة الطّريق ليستعطيّ طالبًا الأساسي ليعيش به من فضلات الآخرين. وفي هذا الوقت، دون أنّ يطلب مالاً أو طعامًا، يأتي يسوع ويختاره بعمله الخلّاصيّ وبمبادرة مجانيّة ليمنحه نور البصر والبصيرة معًا إذ يرويّ الإنجيليّ أفعال يسوع: «تَفَلَ في الأَرض، فجَبَلَ مِن تُفالِه طيناً، وطَلى بِه عَينَي الأَعْمى، ثُمَّ قالَ له: "اِذهَبْ فَاغتَسِلْ في بِركَةِ سِلوامَ"، أَي الرَّسول". فذَهَبَ فاغتَسَلَ فَعادَ بَصيراً» (يو 9: 6- 8). هذا الخلق الجديد الّذي يتم بارادة الابن وبقدرة عمله الإلهيّ، جعلنا نستعيد خلق الله للإنسان الأوّل بسفر التكويّن (راج 1: 1- 4أ). وهنا يتجلى ليس العمل الإلهي فقط بل أيضًا الحبّ الّذي يرافقنا نحن الـمُهمشيّن من السلطات الدينيّة أو الأسريّة أو الوطنيّة. فنحن حاضرين أمام الرّبّ بل في مركز حبّه وإهتمامه. مدعويّن للإهتمام بهذا القرب والعمل الإلهي فينا وبالأخص في النقطة الضعيفة الّتي نرى ذاواتنا مُهمشين من قِبل الآخرين ولكنها هي ذاتها محور اللقاء وعمل الرّبّ فينا.

 

3. الأعمى - tuflos (يو 9: 9- 41)

 

يستكمل يوحنّا سرده في هذا اللقاء بين يسوع والّذي كان أعمى - tuflos بالإشارة إلى تعجب وتساؤلات الـمُحيطيّن به من الجيران والآخرين حتى من والديّه (راج يو 9: 8-9). وإذ يقول الرجل، الّذي كان أعمى سابقًا والآن رجل ذو بصر وبصيرة ويعترف بحقيقته: «أَنا هو [...] إِنَّ الرَّجُلَ الَّذي يُقالُ لَه يسوع جَبَلَ طيناً فطَلى بِه عَينَيَّ وقالَ لي: "اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل". فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ [...] فعَجيبٌ أَن لا تَعلَموا مِن أَينَ هو وقَد فتَحَ عَينَيَّ. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ لِلخاطِئين، بل يَستَجيبُ لِمَنِ اتَّقاهُ وعَمِلَ بِمَشيئتِه. ولَم يُسمَعْ يَوماً أَنَّ أَحداً مِنَ النَّاسِ فتَحَ عَينَي مَن وُلِدَ أَعْمى. فلَو لم يَكُن هذا الرَّجُلُ مِنَ الله، لَما استَطاعَ أَن يَصنَعَ شَيئاً» (يو 9: 9-11، 30-33). الطاعة أمام عمل الله تزيل عمى عيوننا وقلوبنا وتحررنا من تهميش الآخرين حتى وإنّ كانوا رجال أو نساء الديّن. فهناك مَن ليس لهم صوت بمجتمعنا وبكنائسنا ويسعون لجهل الـمحيطيّن بهم كمخدوميّن فيصيرون جهلاء لأنّه فقط بيديّهم أنّ يفتحوا مجالاً ما ولا يفعلوا. وهنا الله القدير لا يصمت وهو يحرر كلّ مُهمش/ة ليمنحه كرامته ويعيد إليه ما أراده الله منذ خلقه هو النّور للبصّر والبصّيرة معًا بحسب قول وعمل يسوع: «يَجِبُ علَينا، مادامَ النَّهار، أَن نَعمَلَ أَعمالَ الَّذي أَرسَلَني. فاللَّيلُ آتٍ، وفيه لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يَعمَل. مادُمتُ في العالـم. فأَنا نورُ العالـم» (يو 9: 4- 5).

 

بناء على هذا العمل الإلهيّ، تتحول حالة الأعمى بل تتغير نهائيًا فهو الآن يبصر ويعبر عن ذاته ويواجه مَن همشوه ويسعى ليصير أفضل داخل الإطار الأسري والـمجتمعيّ لدرجة إنّه طُرد بحسب سيّاق الإنجيليّ: «فسَمِعَ يسوع أَنَّهم طَردوه [الّذي كان أعمى]. فلَقِيَه وقالَ له: "أَتُؤمِنُ أَنتَ بِابنِ الإِنسان؟" أَجاب: "ومَن هو. يا ربّ، فأُومِنَ به؟" قالَ له يسوع: "قد رَأَيتَه، هو الَّذي يكَلِّمُكَ". فقال: "آمنتُ، يا ربّ" وسجَدَ له» (يو 9: 35- 38).

 

وهنا تأتي كلمة يسوع الختاميّة راغبًا في تحريرنا من كلّ أنواع العمى الّذي يمكننا نترك مساحة ليعمل الله فيه لئلا تصير خطيئتنا ثانيّة: «لو كُنتُم عُمْياناً لَما كانَ علَيكُم خَطيئة. ولكِنَّكُم تَقولونَ الآن: إنَّنا نُبصِر فخَطيئَتُكُم ثابِتَة» (يو 9: 41). مدعويّن بأنّ نكون نساء ورجال مؤمنيّن حقيقة بالرّبّ الّذي يقترب منا ويحمل لنا النّور الإلهيّ ويحررنا من العمى الباطني وبالأخص أنّ نتخذ القرار لا نصير ممًن يُهمشون الآخرين من الـمجتمع سواء البشريّ أو الكنسيّ والعلائقيّ. فلنعن عن إيماننا بالرّبّ مثل الّذي كان أعمى والآن حينما فتح عينيه رأى يسوع واليوم هم يعلمنا منى أصابنا العمى الباطني أو الخارجي لا ملجأ لنا سوى أن نترك الرّبّ يعمل في ضعفنا وهشاشتنا فنصير بالرغم من العمى مختارين من الرّبّ ليعمل فينا.

 

الخلّاصة

 

في قرأتنا بهذا الـمقال توقفنا على عمل الله الخلّاصي لإثنين، كليهما في كلا النصيّن بدون إسم. فالأول بحسب سفر صموئيل الأول (16: 1-13) أطلق عليه أبيه يسّى لقب "الصّغير – hakaton" من الجذر العبري، والثاني أطلق عليه والديّه ومجتمعه الدينيّ والسياسيّ لفظ الأعمى – tuflos" من الجذر اليّونانيّ. كليهما ينتميان للفئة الـمُهمشة بزمنهما الـمختلفين. لكن يأتي عمل الرّبّ ويختار الصّغير فيصير الـملك الـمستقبليّ لإسرائيل ويتم مسحه وسط أسرته وهنا تأتي الـمفاجأة.  وبالتوازي يأتي قُرب يسوع من الـمُهمش الثاني بحسب الإنجيليّ يوحنّا حيث يعيد إليه كرامته وطبيعته بحسب الـمخطط الإلهيّ منذ الخلق. أنّ إختيار الرّبّ لكليهما في هذين النصييّن، قلّب الـموازين وغيّر الإعتقادات البشريّة الخاطئة. وهنا تأتي قناعتنا بأنّ إلهنا في هذا الزّمن الأربعيني خاصة يفتقدنا بالرغم من أصغريتنا والعمى الّذي قد يصيب حياتنا وقلوبنا ليكشف عن نوره وحبه ويرافقنا نحو النّور ويزيل كلّ تهميش سقطنا فيه بسبب ضعفنا أم وضعنا فيه آخرين. مدعوين أنّ نترك ذاواتنا لعمل الرّبّ فأعماله تذهلنا وتُدهشنا فهو لا يزال ينتظرنا ليعمل فينا ولأجلنا.