موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الرابع من زمن القيامة (أ)
الـمُقدّمة
رغبة الخراف إلى الإنتماء لراعي! نحن كالغنم الّتي تضلّ طريقها أحيانًا. ربما كان الفضول، أو ربما الملل، لكننا جميعًا نبتعد عن القطيع أحيانًا. مسيرتنا البشريّة ما هي إلّا مسيرة بحثنا عن مراعٍ أخرى نعتقد إنّها الأفضل. ولكن، كالغنم، نبحث دائمًا عن حظيرة نعود إليها، نبحث عن راعٍ يداوي جراحنا ويهدئ مخاوفنا. ليس الأمر مجرد رغبة، ولا مجرد طموح؛ إنّ رغبتنا في البحث عن مَن يرعانا حاجة مُلّحة تتطلب الإشباع، وعن كتفيّن يحملانا وقت الإنحراف أو التعب. نعم، لقد وُلدنا بضُعف بشريّ، ولن تزدهر حياتنا دون الإنتماء للراعي الـمُستعد ليحملنا على كتفيّه. هذا هو مضمون نصي مقالنا، حيث بالعهد القديم نتعمق في كلمات الراعي داود الّذي في سفر الـمزامير (مز 22 "23") يحمل لنا صورة حياتيّة ليس عن عمله كراعي بل عـن إسم وهويّة وصفات راعي حياته. بالتوازي مع هذا الـمزمور سنناقش لاحقًا كلمات يسوع بحسب يوحنّا (10: 1- 10)، ونحن نعيش هذا الزّمن الفصحيّ، إذ يُفاجئنا، وهو ابن النجار، بأنّ حياته ما هي إلّا بمثابة كتفيّن الراعي الحقيقي تأتي لنجدتنا وتضمن حياة ذات ملء وفيض. نهدف من خلال هذا الـمقال الّذي أعطيناه عنوانًا "كتفيّ الراعي" بأنّ يجد كلّا منا إجابة عن هذا التساؤل: أين أنا من كتفيّ الراعي الّذي يبحث عنيّ؟
1. معيّة الراعي (مز 22 "23")
يمنحنا كاتب سفر الـمزامير كلماته الشهيرة والمحفوظة في الذاكرة والقلب منذ الصغر مُعلنًا هوية الرّبّ من خلال الحياة الّتي كان يعيشها. داود قد تمّ إختياره من الرّبّ وهو كان بالخارج يرعى خراف أبيه يسىّ (راج 1صم 16). وها هنا يعطينا من خبرته الحياتيّة صورة جديدة عن الرّبّ ويجد حياته مع الخراف وخبرته الشخصيّة هي الّتي تعطي معنى جديداً لحميميّة علاقتنا بالرّبّ. فيعلن علاقته بالرّبّ بصفة شخصيّة قائلاً: «الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوِزني في مَراعٍ نَضيرةٍ يُريحُني. مِياهَ الرَّاحةِ يورِدُ في ويُنعِشُ نَفْسي» (مز 22: 1). من خلال هذه الأفعال وإنتمائه للرّبّ كراعيّ له يعتني به ويقوده لـما فيه النمو والخير لجسده ولنفسه معًا. يوجه رسالة ليّ ولك اليّوم لننطلق وراء الرّبّ الّذي فيه حمايتنا ورعايتنا، فهو راعيتنا. ويستمر الـُمرنم بوصف علاقته بالرّبّ، في وقت خروجه من باب الحظيرة، أي الإنحراف وإختيار طريق آخر لا يتبع فيه الراعي، فيقول: «إِنِّي ولَو سِرتُ في وادي الظّلمات لا أَخافُ سُوءًا لأَنَّكَ مَعي. عَصاكَ وعُكَّازُكَ يُسَكِّنانِ رَوعي» (مو22: 4). من كلمات الكاتب "لأنّك معي" تتضح معيّة الراعي الـمستمرة. هذه الثقة بأنّ الرّبّ راعيّه لن يتركه، في الخلاء، بالرغم من سوء إختياره، لأنه يثق بأنّه سيستمر بدافع حبّه له في البحث سائراً من جبل لتل لوادي باحثًا عنه وأثناء سيره قارعًا ودافعًا بقوة عصاه على الأرض حتى يسمع الخروف، مُناديًا عليه باسمه، بأعلى صوته، عن بُعد حتى يطمئنه داعيًا إياه بالذهاب في إتجاه راعيّه عائداً له. مدعويّن للبحث عن إجابة: كم من الـمرات يبحث الرّبّ عني وعنك أثناء إنحرافنا وإختيارنا لطّرق أخرى بدلاً من طريقه؟ هنا يدعونا الكاتب بالإطمئنان لأن أكتاف الرّبّ راعيّنا لن ترتاح ولن تهدأ حتى تجدنا وتحملنا بعد مسيرة بحثه عني وعنك. وحينما يجد الراعيّ الّذي له قلب آب نحو خرافه يصفه الـمُرنم بأنّه: «تُعِدُّ مائِدةً أَمامي تُجاهَ مُضايِقيَّ وبِالزَّيتِ تُطَيِّبُ رأسي فتَفيضُ كأسي الخَيرُ والرَّحمَةُ يلازِماني جَميعَ أَيَّامِ حَياتي وسُكْنايَ في بَيتِ الرَّبِّ طَوالَ أَيَّامي» (مز 22: 5- 6). هذه هي أفعال يد إلهنّا الرّاعي الّذي يأتي لنجدتنا ويعيدنا إلى حبّه قبل أنّ يعيدنا إلى حظيرتنا وهي بيتنا الّذي نبقى فيها معه وتحت رعايته. من كلمات داود الراعي الّذي وجد رعاية وحبّ في علاقته بالرّبّ الراعي سنستمر في النقاش في تعليم يسوع الّذي يكشف لنا عن إستعداده ليحملنا على أكتافه بل يحذرنا من مخاطر البُعد عنه باِختياراتنا الشخصيّة.
2. مَن هو الراعي؟ (يو 10: 1- 3أ)
يفتتح يسوع تعليمه بهذا النص الشهير، من خلال تعليمه بحسب اللّاهوت اليوحنّاوي، قائلاً: «الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن لا يَدخُلُ حَظيرَةَ الخِرافِ مِنَ الباب بل يَتَسَلَّقُ إِلَيها مِن مَكانٍ آخَر فهُو لِصٌّ سارِق» (يو 10: 1). يوجه يسوع حديثه إلى الحاضرين، فريسيّين وتلاميذ وإلينا اليّوم، حيث يبدأ بـ مَن؟ ويليه النفي "لا يدخل" أي أنّ حريّة الإختيار مُتاحة. وهنا يمكننا أنّ نضع اِسم يسوع الّذي نتبعه، فهو، في واقع الأمر، الّذي نعلن إيماننا به وإنتمائنا له مَن هو؟
ثم يكرر يسوع ليؤكد ما أعلنه بالنفي سابقًا من خلال التعريف مُعلنًا: «ومَن يدخُلُ مِنَ الباب فهُو راعي الخِراف. 3لَه يَفتَحُ البَوَّاب» (يو 10: 2-3أ). ها هو يسوع الّذي يأتي إلى عالـمنا داخلاً إلى بشريّتنا الأرضيّة مُتجسداً وباحثًا عن كلّاً منا ليُعيده للحظيرة. لكن هناك العدو الّذي يتسلق أسوار بشريتنا كاللص ولا يدخل من الباب. وهنا يتضح الفرق بين الراعي الّذي ينتمي للحظيرة واللص الّذي يتسلق ليسرق ما لا يحق له!
3. تميّيز صوت الـراعي (يو 10: 3ب-5)
يدعونا الإنجيلي، في الآيات الّتي سنناقشها الآن بإيجاد أجابة هل أنا مِن: «الخِرافُ [الّتي] إلى صوتِه تُصغي. يَدعو خِرافَه كُلَّ واحدٍ مِنها بِاسمِه ويُخرِجُها فإِذا أَخرَجَ خِرافَه جَميعاً سارَ قُدَّامَها وهي تَتبَعُه لأَنَّها تَعرِفُ صَوتَه» (يو 10: 4- 5). بإصغائنا كخراف إلى صوت الراعي الـمألوف والإنتباه لعدم الإصغاء لأصوات عدة بداخلنا أو بخارجنا، مما يدعونا للتميّيز لصوت الراعي الحقيقي. السبيل الوحيد لعدم إنحرافنا كخراف هو الإصغاء إلى صوت الراعي، فكما هو الحال في أي علاقة، لا نتعلم تميّيز صوت الآخر إلا مع مرور الوقت. الصوت في الكتاب الـمقدس هو علامة حضور للآخر، فهو يجعل الآخر حاضرًا حتى وإن لم يكن حاضرًا جسديًا. هكذا هي كلمة الله هي بمثابة الصّوت الّذي يجعلنا نصل للرّبّ. كلمة الرّبّ هي صوته كراعينا الّذي يجمعنا كقطيع له فكلما إزددنا ألفةً بصوت راعينا، كلما سهُل علينا تميّيز صوته، حتى وإنّ ضللنا عنه. وهذا يجعلنا نتنبه عندما تداخل أصوات كثيرة في حياتنا كأصوات اللصوص وهي الّتي لا يهمها مصلحتنا، بل مصالحهم الشخصية فقط.
بعكس صوت الغرباء وهو الصوت الّذي ينوّه عنه لاحقًا الإنجيلي على لسان يسوع قائلاً: «أَمَّا الغَريب فَلَن تَتبَعَه بل تَهرُبُ مِنه لأَنَّها لا تَعرِفُ صَوتَ الغُرَباء» (يو 10: 5). صورة الغرباء الـمُحاطيّن بنا دائمًا، ولكن لولا وجود راعٍ يرعانا وينادينا بأسمائنا لصرنا فريسة لكلّ مَن يمر بحياتنا.
4. كتفيّ الراعي (يو 10: 5-10)
يستمر يسوع في تعليمه مُعلنًا بأهيمّة بابًا لنجاتنا. ندرك أنّنا قد نضل الطّريق إلى حظيرتنا الّتي هي حياتنا. لكن يقدم لنا يسوع ذاته اليّوم حيث يوجد دائمًا معنا وهو بمثابة باب لندخل ونخرج منه وإليه. نواجه باستمرار مواقف علينا بالإختيار سواء بالبقاء أو بالرحيل. ربما لا يكون من واضح ماذا نختار، لهذا السبب، في تعلّيم يسوع، يصبح الراعي نفسه هو الباب مؤكداً: «أَنا بابُ الخِراف» (يو 10: 7). يرمز الباب للحرية فنحن لسنا أسرى الله نهائيًا. قد نُفضّل إلهًا يحفظنا آمنين داخل برجٍ بلا أبواب ولا نوافذ. لكن راعينا يسوع هو راعي حظيرة غنم بابها مفتوحٌ دائمًا. مما يحُملنا مسؤولية اختيار بقائنا أو خروجنا من الحطيرة بحريتنا. ولكن حتى لو ضللنا، يمكننا أنّ نكون على يقينٍ من أنّ الراعي في مسيرة بحث ليجدنا.
وهناك تشبيه هام يقدمه يسوع واصفًا به ذاته، من خلال صورة الراعي، يقول يسوع إنه وحده مَن يُشبع حاجتنا إلى الرعايّة والإهتمام قائلاً: «أَنا الباب فمَن دَخَلَ مِنِّي يَخلُص يَدخُلُ ويَخرُجُ ويَجِدُ مَرْعًى [...] أَنا فقَد أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم» (يو 10: 9- 10). نعم إنّ جوهر حياة يسوع بالتحديد هو سعيّه ليحملنا كخروف تنتمي إله على كتفيه، ليس من قبيل المصادفة أنّ أوّلى الصور الّتي رُسمت للمسيح بعد قيامته، تلك الموجودة في سراديب الـموتى، عندما بدأ المسيحيون الأوائل بالبحث عن صور تمثل الإله الذي آمنوا به، صّوروه على الفور، كراعٍ جميل يحمل دائمًا خروفًا على كتفيه: «يَرْعى قَطيعَه كالرَّاعي يَجمَعُ الحُمْلانَ بِذِراعِه ويَحمِلُها في حِضنِه ويَسوقُ الـمُرضِعاتِ رُوَيداً» (إش 40: 11). يتبيّن الخطر في عدم ثقة الخراف في تلقي الرعاية: ليس من السهل أنّ نُدرك بأننا في إحتياج إلى الرعايّة. إذ قد تدفعنا حريتنا إلى تأكيد استقلاليتنا واكتفائنا الذاتي. ولأننا نرفض الإعتراف بحاجتنا إلى مَن يرعانا، فإننا نرفض فكرة الإله الراعي. حتّى اليهود أنفسهم انزعجوا من هذه الصورة التي طرحها يسوع، وأمام تقديم يسوع بهذه الصورة لله الّذي يعبدوه، فقرروا الإبتعاد عنه (راج يو 10: 31). ومن الغريب تفضيلنا لإله يطلب منا التضحية وبذل الجهد لنكون جديريّن به، بدلًا من إله يبحث عنا عندما نضل. قد نُفضل إلهًا يختبرنا كما فو إننا في منافسة لا تنتهي، بدلًا من الإنتماء والإيمان بإله يعتني بجراحنا. نميل أكثر إلى اختبار مدى صلاحنا وكفائتنا بدلًا من أنّ نرى الكتفيّن الّذين يحملانا وينتظرانا ليرافعانا من الخطر اليّوميّ!
الخّلّاصة
إنطلقنا في مُستهل مقالنا هذا بالنقاش في كلمات داود الراعي، من خلال الـمزمور (22 "23") الّذي وضح كيف أنّ خبرته مع الخراف كشفت عن خبرته مع الرّبّ الّذي هو راعي لحياته ويهيأ له الأفضل دائمًا. ففي وقت الظلام وإنحرافه كخروف يخرج الراعي بأكتافه الحرّة باحثًا عنه. وبالتوازي مع هذا الـمزمور وجدنا نبرة يسوع، متخذا من حياة بني إسرائيل بعصره، وهي رعيّة الأغنام، مثلاً حيًا ليعلن أنّ الرّبّ هو راعينا يأتي بأكتافه كلّ يوم ليحملنا من الأخطار الّتي ننزلق فيها بإختيارتنا الخاطئة. تأتينا كلمات يسوع بحسب يوحنّا (10: 1-10) ليكشف عن جوهر حياة يسوع الإله والإنسان وهو الباب والراعي معًا. يسوع هو الّذي إتخذ جسداً بشريًا ومن خلال أكتافه ظهرت رعايته ومرافقته لكلًا منا ليس فقط ليكشف لنا عن الله الآب ويصالحنا به، بل ليحملنا على أكتافه إلى الآب. ومسؤوليتنا هي التميّيز لصوت الراعي لنتبعه بحريّة داعيًا إيانّا ليرفعنا على كتفيه يومًا بعد يوم. دُمتم محموليّن على كتفي الرّبّ راعينا.