موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثالث من الزّمن العاديّ (أ)
الـمُقدّمة
السيّرُ الإلهيّ، هو العنوان الّذي أعطيناه لـمقالنا الحالي والسبب هو الفكر اللّاهوتي الّذي يجمع بين نصي العهدّين. فمن خلال قراءتنا الأوّلى لنص أشعيا النّبيّ (8: 23- 9: 3) سنناقش الفرق بين الخطوات البشريّة الّتي تسير في الظّلام والخطوات الإلهيّة الّتي تفاجئنا بوقع خطوات وبسيّر إلهيّ، يفوقان الطبيعة وبشكل يتناقض تمامًا مع السيّرُ البشريّ، وهذا ما سنتعرف عليه لاحقًا. وهذا السير لن يتوقف فقط على خطوات وإعلان إله العهد القديم بلّ سيصل إلى ذروته ليس بالنبؤات بل في حضور يسوع ابن الله الّذي يكشف عنه متّى (4: 12- 23)، بالعهد الجديد، ببراعته إذ يرتكز في بشارته على أربع أفعال تتكرر ويكونوا نقطة الإنطلاق للّاهوته الّذي يضيء بالكثير ليعلن عن وجه يسوع الّذي يسير ويتحرك ويعيش بين ومع معاصريه. ولازال معنا نحن أيضًا الّذين ننتمي له، مدعوين بأنّ نشعر بخطواته وبشارته ولـمساته وتعليمه الّذين يحملان الجديد والكثير لحياتنا وعلاقاتنا وإيماننا اليّوم وكلّ يوم، وهذا ما نهدف إلهيّ من خلال هذا الـمقال.
1. السير في الليل ( اش 8: 23- 9: 3)
يمنحنا النّبيّ أشعيا من خلال كلماته في هذا الـمقطع فعل جوهري، مستكملاً النص السابق، مما يُفسر واقع الشّعب وهو السير أو العبور مستخدمًا الكثير من الصفات الّتي تدل على شدة الظّلام قائلاً: «ويَعبُرُ [الشّعب] في الأَرض مَظْلوماً جائعاً وفي جوعِه يَستَشيطُ غَضَباً ويَلعَنُ مَلِكَه وإِلهَه ويَلتَفِتُ إِلى فَوق ويَنظُرُ إِلى الأَرض فإِذا الشِّدَّةُ والظُّلمَة ولَيلُ الضِّيق ودَيجورُ الِاحِلال. فلَيسَ لَيلٌ لِلَّتي كانَت في الضِّيق» (اش 8: 21- 23). عانى الشّعب في مسيرته، حيث يعيش الشّعب أزمة إذ لا يشعر بوجود الله. فيشببه النّبيّ بالشّعب الّذي يعيش في الليل الـمُظلم حيث يعاني الغياب الإلهيّ. فهذا الشّعب هو بمثابة مَن يضع أقدامه على الأرض ليلاً دون أنّ يرى أو يشعر بشئ، ويكمن السبب في علاقته الـمفقودة بالرّبّ وهي تجعله يختبر معنى الوحشّة والوحدة واللامعنى لسيره وبالأحرى بالظّلام فلا نهار يظهر له أثناء السير.
ولكن يفاجئنا النّبيّ، بأنّه في أثناء هذا السيّر الليليّ والحالك الظّلام، تأتي النعمة وإذ يتدخل الرّبّ بسيره الإلهيّ، وبخطوات تزيل هذا الظّلام من خلال مجده قائلاً: «الشَّعبُ السَّائِرُ في الظُّلمَةِ أَبصَرَ نوراً عَظيماً والـمُقيمونَ في بُقعَةِ الظَّلام أَشرَقَ علَيهم النُّور. كَثَّرتَ لَه الأُمَّة وَفَّرتَ لَها الفَرَح يَفرَحون أَمامَكَ كالفَرَحِ في الحِصاد كاِبتِهاجِ الّذينَ يَتَقاسَمونَ الغَنيمة» (اش 9: 1-2). يتغير حال الشّعب نهائيًا، وتتناقض الأفعال بالنص النّبويّ ويحمل لنا نور وفرح وبهجة وكلّ هذه الأفعال تعود للتدخل العجائبي للفاعل الإلهيّ وهو الرّبّ الـمُحرركما في يَومِ مِديَن (يوم إنتصار جدعون راج قض 7: 16-23).
وهنا يدهشنا النّبيّ حيث يعلن عن مولد إبنًا وخصائصه التاليّة: «لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا اِبنٌ فصارَتِ الرِّئاسةُ على كَتِفِه ودُعِيَ اِسمُه عَجيباً مُشيراً إِلهاً جَبَّاراً، أَبا الأَبَد، رَئيسَ السَّلام لِنُمُوِّ الرِّئاسة ولسَلام لا اِنقِضاءَ لَه على عَرًشِ داوُدَ ومَملَكَتِه لِيُقِرَّها ويُوَطِّدَها بِالحَقِّ والبِرّ مِنَ الآنَ وللأَبَد غَيرَةُ رَبِّ القُوَّات تَصنعُ هذا» (اش 9: 5-6). الغيرة الإلهيّة هي الّتي تجعل إله العهد القديم يعلن عن مجده ليس فقط بنبؤات بل في خطوات مسيرة ابنه الّذي سنراه يسير بجوارنا ونسمعه ونتعلم على يديه ونتركه ليشفينا من خلال النص الـمتّاويّ الّذي سنناقشه تابعًا.
2. ابنًا معنا ولأجلنا (مت 4: 12- 16)
كاشف الإنجيليّ بأنّ يسوع بدأ ينتقل من الناصرة للسكنى في كفرناحوم. ثمّ يقدم لنا يسوع الناضج، مؤكداً كلمات النّبي التّي ناقشناها بأعلى قائلاً: «... لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: "أَرضُ زَبولون وأَرضُ نَفْتالي طَريقُ البَحرِ، عِبرُ الأُردُنّ، جَليلُ الأُمَم. الشَّعبُ الـمقيمُ في الظُّلْمَة أَبصَرَ نُوراً عَظيماً والـمقيمونَ في بُقْعَةِ الـموتِ وظِلالِه أَشرَقَ عليهمِ النُّور"» (مت 4: 15- 16). هذا النّور يتجلى ليس من الـمخلوقات الشمس أو القمر بل من حبّ الله الغيور الّذي أرسل ابنه كـ "نوراً عظيمًا" لحياتنا وإشراقًا يزيل كلّ ظلمة لنسلك في النّور بفضل خطوات يسوع ابن الله وأخينا البكر الّذي صالحنا بالله. تستنير حياتنا ويُزال ظلامنا بدون إي إستحقاق منا، قد نلناه بنعمة أبويّة ومجانيّة حيث يعطينا الله الآب ابنه إنسانًا يتجسد بيننا ووسطنا ونسمع وقع خطواته ترافقنا وفي شواعنا وعلى طرقنا الّتي تجعلنا نستعيد السيّر من جديد وكلّ هذا بسبب إشراق النّور الإلهيّ الّذي يجعلنا نتمكن من السير في حضوره وورائه ومعه.
3. أجندة يسوع (مت 4: 23)
يساعدنا الإنجيلي في هذا النص بالتعّرف على برنامج يسوع وأجندته اليوميّة والـمواعيد واللقاءات الـمختلفة الّتي أتمها ويتمها حتى يومنا هذا مع كلاً منا. يعطينا متّى إجابة أيضًا على تساؤلاً كثيراً ما دار بذهنيّ وهو: ماذا كان يفعل يسوع عادةً؟ سؤالٌاً ربما كثيرين منا لا يطرحنه البتّة. وهذا ما إستوقفنيّ بهذا النص إذ لخّص الإنجيليّ نشاط يسوع اليوميّ في أربعة أفعال أساسيّة كمُلخص ليومه بحسب منهجية الإنجيليّ. يُدهشنا متّى في إستخدامه لوصف يوم يسوع بهذا الـموجز الّذي يتكون من أربعة أفعال: «كانَ [يسوع] يَسيرُ في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلـمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ الـملَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة» (مت 4: 23، راج مت 9: 25). إذن سير يسوع، وتعليمه، وتبشيره، وأخيراً لمساته الشفائية يُمثلان الأفعال الّتي تُلخص حضور يسوع الإله والإنسان منذ خروجه للحياة العلنيّة بين مُعاصريّه والّتي لازالت تتم بحياتنا اليّوم. من خلال هذه الأفعال الأربعة، نستطيع فهم محتوى أجندة يسوع الجوهريّة الّتي كان يتممها يوميًّا مما يجعل الإنجيليّ يعطي معنى لرسالته بحسب لّاهوته ومنهجيته في سرد وسيّاق بشارته الـمتاويّة. ومن وجهة نظرنا اللّاهوتيّة نجد أنّ الفعل الأوّل "يسير"، الّذي يستخدمه الإنجيليّ هو بمثابة مفتاح للأفعال الثلاث التاليّين وهذا ما سنفسره الآن من خلال تركيزنا بهذا الـمقال على الأفعال الجوهريّة الأربع بالنص الّتي تساعدنا في فهم برنامج يسوع ولّاهوت متّى.
أولًا: سير يسوع على الأقدام
يستخدم متّى وصف أجندة يسوع الإنسان ليتدرج بنا بقربه وبحضوره ليسمو بنا لإكتشاف حضور يسوع الإله قائلاً: «كانَ يَسيرُ [يسوع] في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلـمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ الـملَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة» (مت 4: 23). كما نوهنا سير يسوع الإنسان، تكشف عن خطوات أقدامه الّتي تقترب مني ومنك اليّوم. مدعوين بالّا ننسى هذا الابن الـمُعطى لنا بحسب كلمات أشعيا نوراً فهو الّذي يشير الآن بخطوات واثقة ويحملنا للعودة للطّريق الصحيح وما علينا إلّا أن نتبعه من الآن وصاعداً. بهذا الفعل الأوّل والّذي يكشف خطوات السير الحركيّ ليسوع الإنسان، بأقدامه، على أرض الجليل، فقد كان يسوع مُعلّمًا جوالًا ودائم الترحال. عادة في الأناجيل، نجد يسوع دائمًا في حالة تنقل دائم، يتحاور ويلتقي بالناس حاملاً رسالته للجميع، ويلتقي بمعاصريه بمختلف أجناسهم وأعمارهم بالرغم من إختلاف الفئات الّتي ينتمون إليها. تقدم لنا الأناجيل صورةً ديناميكية لشخص يسوع أثناء حياته الأرضية. يشبه يسوع، في هذه الرّوح الديناميكيّة، إله العهدُ القديم كثيراً. بالقديم قد رغب الله في أنّ يعيش تحت الخيمة، من خلال لوحي الشريعة الّلذان يحملان كلماته العشر بالصحراء، أثناء خروج الشعب من مصر، كأهل البدو، وهدفه هو السُكنى مع شعبه في خلاء الصحراء (راج خر 20)، علامة حيّة لحضوره بينهم.
تُشير حركة يسوع الدائمة إلى الديناميكيّة النابعة من التنقل الجغرافيّ بأنّه ليس إنساناً جامداً مُستسلماً لـمواقف حياته اليوميّة، بل أظهر في مسيرة حياته الأرضيّة بأنّه إنسان يسير ويسمح لذاته بلقاء آخرين ويُسأل ويعيش التحدى مع مَن يُصادفه في مسيرته. لقد بدأ يسوع رسالته التعليميّة من خلال وضع أقدامه بجوار أقدامنا ويُحدد متّى الإنجيليّ في بشارته بإنّه مارسّ نشاطه التعليميّ في الـمجامع سيراً على الأقدام، ليس كإنسان عبريّ عادي يتردد على الـمجمع للعبادة فقط بل للتعليم والتبشير أيضًا. إيمكننا إستيعاب هذا العمل أنّ الإله يضع أقدامه بجوار أقدامنا ليسير معنا؟ أما يدهشنا هذا؟ فالـموازيين تغيرت فبدلاً من أن نبحث نحن البشر لنضع أقدامنا وراء أقدام وطرق إلهنا، هو الّذي يأتي حيث نحن هنا والآن ليرافقنا في خطواتنا الثقيلة وطرقنا الـمتعرجة، يا للعجب!
سير يسوع على الأقدام وصولاً لجبل التطويبات هو ذاته الفعل الّذي سيستهل به الإنجيلي ليسرد لنا وجه يسوع الـمعلّم في أوّل موعظة له على الجبل في الإصحاح اللاحق مباشرة (راج مت 5: 1- 2). يُشير هذا النوع من نشاط يسوع الحركيّ كنقطة إنطلاق تقود إلى تقديم تعليم تفسيري الكتب الـمُقدّسة بالعهد الأوّل بمنطق مكتمل وتام، مُؤكداً بأنّه لم يأتِ لينقض ما كُتب بها بل ليُؤكدها ويكملها معًا (راج مت 5: 17). لذلك ستكون أوّل موعظة ليسوع على الجبل (راج مت 5- 7) بكاملها، تفسيراً جديداً للشّعب لكتب الشريعة وكتب والأنبياء.
ثانيًا: التعليم بالـمجامع اليهوديّة
«كانَ يَسيرُ [يسوع] في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلـمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ الـملَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة» (مت 4: 23). يتعلق نشاط يسوع الثاني، وهو التعليم بالـمجامع، أي بعلاقته بكلمة الله. فتعليمه يتمثل في كشف وجه الله ووجه كلّ إنسان بشريّ من خلال قراءة الكتاب المقدس وتفسيراته الواضحة. لم يكن يسوع يُلقي كلماته الخاصة، بل كان مُفسِّرًا ومترجمًا لكلمة الآب الّتي أُعلنت بالعهد القديم. لكي يفعل ذلك، كان يسوع قبل كل شيء إنسانًا مُنصتًا وصاغيًا. يسوع، قبل أنّ يُقدِّم تفسيرًا للكتب الـمقدسة، كان يخصص وقتًا للإصغاء ليُنصت إلى كلمة الله وهذا الإصغاء كشف عن وجهه مُقدمًا تفسيراً جديداً ومتكاملاً. يدعونا هذا الفعل بأهميّة الأصغاء للكلمة الإلهيّة، فلا تعلّيم بدون إصغاء للكلمة أولاً. ونحن مدعويّن ليس لقرأة النص الكتابي بقدر ما نتمكن من التواصل بالإصغاء للرّبّ الّذي يحاور قلبنا من خلال كلمته الـمقدّسة وندخل في مدرسته ليصير معلّمنا اليّوم.
ثالثًا: الإعلان بالـملكوت
«كانَ يَسيرُ [يسوع] في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلـمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ الـملَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة» (مت 4: 23). بشَّر يسوع بإنجيل الـملكوت، هذا هو الخبر السّار الّذي جاء الابن بذاته ليكشفه بكلماته وبحياته بيننا معًا. لم يكتفِ يسوع بقرأته للكتب الـمُقدّسة وتفسيرها، بل من خلال هذا الإصغاء بالتحديد، يعلن لنا اليّوم بأنّ ملكوت الله قد اقترب من خلال قربه البشريّ. يسوع هو إنسان الـملكوت الّذي آتى حاملاً البشرى الـمُفرحة ليّ ولك ولكلّ معاصريه وللأجيال اللاحقة. كان ينتقل من قرية إلى أخرى، شارحًا الكتب الـمقدّسة، مُعلنًا أنّ سيادة الله فيه قد اقتربت، وهذه هي البشارة، هذا هو الإنجيل، لحياتنا الّذين كان يلتقي بهم واليّوم يأتي ليلتقي بنا على طريق حياتنا. هذا جانب أساسيّ من خدمة يسوع. وفي النهاية، يُلخِّص متّى رسالته بقوله: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات" (متى 4: 17). عندما التقى يسوع بمعاصريه، شعروا بإنّه يُبشّرهم ببشارة جديدة أي خبر مُفرح لحياتهم. تلقي بشرى الـملكوت بنور جديد وإيجابي على معنى وجودنا وحياتنا.
رابعًا: لـمسة الشفاء
«كانَ يَسيرُ [يسوع] في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلـمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ الـملَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة» (مت 4: 23). الفعل الأخير الّذي يشير إليه الإنجيليّ، وهو عمل خارق للعادة. يشفى يسوع كل أنواع الأمراض والأسقام. مما يؤكد بهذه الشفاءات الإعجازيّة بأنّ البشارة الّتي حملها لم تكن عن قرب ملكوت الله مجرد كلام نظري، بل تجسّدت في حياة معاصريّه وهم أنُاس أثقلتهم الأمراض، واستعبدتهم الشّرّور، وأثقلتهم تقلبات الحياة. لذلك براعة الإنجيلي إثبات هذا الإنجيل العملي إذ يروي لنا بعد موعظة يسوع الأوّلى على الجبل مباشرةً ، في الفصلين الثامن والتاسع من إنجيله، يسرد متّى عشر حالات شفاء وتحرير أجراها يسوع. نعم لقد غيّر حضور يسوع حياة الّذين إلتقى بهم تغييرًا ملموسًا، بل وقادهم إلى حياة أفضل، وحررهم من أمراضهم. يمكننا القول أيضًا بأن مرور يسوع في حياة معاصريّه بمثابة مسيرة تحرير.
4. السيّرُ الإلهيّ (اش 8: 23- 9: 3؛ مت 4: 12- 23)
هذه الخطوات الإلهيّة الّتي تتبعناها بهذا الـمقال من خلال كلمات النّبي أشعيا (8: 23- 9: 3) الّذي أشار بمسيرة الشّعب الّتي قدمها بشكل الطريق الـمظلم لأنّها خاليّة من الله بسبب إنحراف الشّعب. إلّا أنّ التدخل الإلهيّ غيّر وقلّب الـموازين نهائيًا بسبب الابن الإلهي الّذي أعلن عنه أشعيا كمصدر للنّور الآتي لعالـمنا. وبالفعل هذا ما تحققنا منه من خلال النص الـمتّاويّ (4: 12- 23) الّذي إرتكز على أربعة أفعال، كما حللنا بأعلاه، تتمثل في السير، والتعليم، والتبشير، واللمسات الشفائية. ورأينا في هذه الأفعال الأربعة فعلًا جوهريًا يفتتح هذه الأفعال وهو «كانَ يَسيرُ [يسوع] في الجَليلِ كُلِّه» ولازال يسوع يسير معنا وبيننا وبجوارنا على كلّ طريق نسلكه اليّوم وكلّ يوم. سير يسوع الـمتوالي جعل الـملكوت يتجلى في أوجه مختلفة كالبشارة الّتي لازال يحملها يسوع وتتحقق في حياة ديناميكية تتفاعل معنا كمؤمنين به، وفي تفسير الكتب المقدسة لكشف كلمة الله الّتي يريد أنّ يوجهها لكلاً منا؛ وفي إعلان أبوة إلهنا وهو بُشرى سّارة لحياتنا البشريّة؛ وفي تحريرنا من كلّ مرض وشّرّ وضعف. تدعون أفعال يسوع اليّوم ككنيسة وكتلاميذ له أنّ تصبح هذه الأفعال الأربعة برنامج لحياتنا نحن أيضًا. لأنّنا مدعويّن للسير في دروب العالم بأقدام يسوع، والإصغاء إلى كلمته في الكتب الـمقدسة وتفسيراته، وتجليّه بأنه هو وجه يكشف عن الله كبُشرى مفرحة داعيًا إيانا اليّوم قائلاً: «تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات» (مت 4: 17).
الخلّاصة
أنا وأنت والخطوات الإلهيّة الّتي ترافقنا وتعلن قُرب الله منا. أعلن أشعيا (8: 23- 9: 3) أنّ خطأ الشّعب جعلهم يسيرون في الظّلام، ولكن غيرة الله عليه وقربهم منه جعل نوره يفوق ظلامهم. على هذا الـمنوال أهدانا متّى (4: 12- 23) أربعة أفعال تتخلل أجندة يسوع اليوميّة وهي لا تختلف عن تدخل الله بحسب أشعيا، وهي سيره مع شعبه. إلّا أنّ متّى أرشدنا بأنّ خطوات يسوع السائر نحو كلّ إنسان من معاصريّه حتّى وصل لنا اليّوم. "يسوع سائراً" ليُتمم الأفعلال الثلاث "يعلمنا" و "يعلن لنا الـملكوت" و "يشفينا من أمراضنا وخطايانا"، بعد إنّ إقترب منا سيراً على الأقدام. هذا ما يدعونا إليه كلا الكاتبيّن وهي اليقطة للرّبّ الّذي يسير بجانبنا ومعنا. دُمتم حاضرين للرّبّ الّذي بسيره الإلهيّ يوميًا.