موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٠ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

الزهايمر الباطني بين كاتبي سفر سيراخ والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سلسلة قِراءات كتابيّة بين العهدين (سي 27: 30-28: 9؛ مت 18: 21-35)

سلسلة قِراءات كتابيّة بين العهدين (سي 27: 30-28: 9؛ مت 18: 21-35)

 

الأحد الرابع والعشرون من الزّمن العادي (أ)

 

الـمقدّمة

 

عنوان مقالنا الكتابي لهذا الأسبوع غريب، فقد أعطيناه عنوانًا: «الزهايمر الباطني»! فهل هناك زهايمر لا يصيب الذاكرة البشريّة فحسب، بل الذاكرة الروحيّة أيضًا؟ وهل بالفعل ينسى، أم يتناسى، المؤمن على المستوى الروحي أعمال الله في حياته ولمساته الإلهيّة التي شكّل بها هويّة المسيحي منذ معموديته؟

 

يلحّ كاتبا نصَّي العهدين في هذا المقال على معاونتنا في تنشيط ذاكرتنا بالغفران. فتؤكد القراءة الأولى، من العهد القديم، بحسب الحكيم ابن سيراخ (27: 30- 28: 9)، العلاقة بين غفران الله وغفران الآخرين، وتوضح أيضًا طريقة للحفاظ على القدرة على الغفران من خلال التذكّر، أي تنشيط الذاكرة ومواجهة الزهايمر الروحي بصورة عمليّة.

 

أما قراءتنا من العهد الجديد، والتي تتوازى مع الأولى بحسب متّى الإنجيلي (18: 21- 25)، فتنطلق من سؤال طرحه بطرس حول مقياس الغفران بقوله: «كم مرّة؟». وتأتي إجابة يسوع ببيان حول تنشيط الذاكرة، والتعبير عن الاحتياج إلى الغفران غير المحدود، والمتجذّر في الوقت عينه في نوال نعمة الغفران الإلهي، بوصفها حقيقة محوريّة في حياتنا الإنسانيّة والمسيحيّة.

 

وهكذا، يوضع مضمون الذاكرة التي تتذكّر ولا تنسى ولا تتناسى أيضًا في ارتباط جذري بمضمون آخر، هو الغفران، ضمن سياق محدد، ألا وهو العلاقات داخل الجماعة التي تنتمي إلى الربّ، والتي نطلق على أفرادها في يومنا هذا تلاميذ الربّ.

 

نهدف من خلال هذا المقال إلى تنشيط ذاكرتنا، ولا سيّما من خلال تذكّر الغفران الإلهي، لنتمثل به في علاقاتنا بالآخرين، فنستطيع، انطلاقًا من خبرتنا مع الله، أن نشارك الآخر بالغفران في كلّ مرة نتذكّر فيها غفران الربّ لنا.

 

 

1. علاج الزهايمر! (سي 27: 30- 28: 9)

 

الحكيم، كاتب سفر ابن سيراخ، يقدّم من خلال هذا النص مضمونًا جوهريًا لاهوتيًا، وهو تنشيط الذاكرة. فالذاكرة في التقليد اليهودي لها قيمة وأهميّة قصوى، والسبب هو أنّ الوصايا الإلهيّة تعتمد أساسًا على حفظها في الذاكرة البشريّة وتكرارها شفويًا. فلم تكن في العصور القديمة أدوات للكتابة، سواء الورقيّة أو الإلكترونيّة، فكان شعب الله يحفظ في ذاكرته الوصايا الإلهيّة عن ظهر قلب، ويهتم ببثّها إلى الأجيال التالية. وبهذا تمّ حفظ الوصايا، بل تذكّر تدخلات الربّ في تاريخنا البشري من خلال أعماله الفائقة للطبيعة.

 

يكرّر الحكيم (28: 6) لفظ «اذكر!» كدعوة تساعدنا على إدراك أنّ سرّ الغفران لا يمكننا مشاركته مع كلّ آخر إلّا حينما نتذكّر غفران الله الشخصي. هذا اللفظ عزيز على الكتب المقدّسة اليهوديّة، ونقرأه في جميع أسفار الشريعة. «اذكر!» هو بمثابة فعل يرسّخ العلاقة بين بني إسرائيل، الذين يمثّلوننا، وإلهنا السيّد الربّ. وهذا الفعل هو مصدر دائم لحياتنا ورجائنا؛ فهو يتكرّر في كتب الأنبياء، كرجال الله القادرين على إعادة تأكيد الكلمة الأصليّة، سواء في خضمّ أحداث التاريخ المضطربة والمتناقضة، أم في الكتابات الأخرى، فيصبح الفعل الأساسي للحياة، ومؤشرًا ملموسًا يجعل الحياة اليوميّة تتألّق بجمالها.

 

وفي كلّ شكل تتخذه كلمة الله في تجسّدها، تظلّ هذه الدعوة، «اذكر»، حاضرة أمامنا. ففي الكتاب المقدّس، يمثّل التذكّر جوهر علاقة إسرائيل بإلهها (الشريعة)، وأمانتها التاريخيّة لتلك العلاقة (الأنبياء)، وحياة إنسانيّة كاملة (في الكتب الأخرى). وهذه الحياة الإنسانيّة الكاملة تتحدّث حتمًا بلغة المغفرة، مع العلم بأنّ المغفرة بدورها تقوم على فعل «التذكّر»، وهو عكس النسيان، أي الزهايمر.

 

ولكن ما الذي يجب علينا تذكّره، دون أن ننساه، للحفاظ على المغفرة؟ يرى ابن سيراخ أنّه يجب على كلّ منّا أن يتذكّر أولًا: «أذكُرِ العاقِبَةَ وكفَّ عنِ العَداوة واْذكُرِ الفَسادَ والـمَوتَ واْثبُتْ على الوَصايا» (سي 28: 6). يجب أن نتذكّر ما لم يحدث بعد، أي ما سيتمّ في مستقبلنا البشري، وما دُعينا إليه كبشر، وهو نهايتنا الفانية. تُحفظ المغفرة أولًا وقبل كلّ شيء بالتطلّع إلى الأمام، لأنّ حقيقة الحياة الإنسانيّة لا تُحفظ في الماضي، بل في المستقبل، في اكتمالها! وهذا الاكتمال يتجاوز حياة المرء، ويمتدّ إلى أفق تاريخي يضفي معنى على حاضر كلّ إنسان.

 

نحن مدعوون إلى أن نتذكّر، في حاضرنا، الفساد والموت. ولكي نحافظ على المغفرة، يجب علينا، كنساء ورجال، أن نتذكّر نهايتنا. مرّة أخرى، علينا أن نتذكّر ما لم يحدث بعد، وما ينتظرنا مستقبلًا: الفساد والموت، أي الفناء والضعف، إلى جانب عظمة الأفق. يقول في موضع آخر من سفره: «لا تُغَبِّطْ أَحَدًا قَبلَ مَوته فإِنَّ الرَّجُلَ يُعرَفُ عِندَ مَوته» (سي 11: 28). إنّ ابن سيراخ مقتنع بهذه الحقيقة! فالتذكّر هو علاج النسيان، ولا سيّما نسيان تدخلات الربّ في تاريخنا البشري، مما يحرّرنا من الزهايمر الباطني أو الروحي.

 

وأخيرًا، علينا أن نتذكّر الوصايا والعهد، إذ يقول: «اذكُرِ الوَصايا ولا تَحْقِدْ على القَريب واْذكُرْ عَهْدَ العَلِيِّ وأَغْضِ عنِ الإِهانَة» (سي 28: 7). وللحفاظ على قلب غافر، نحن مدعوون إلى تذكّر علاقتنا بالربّ، التي تُعدّ الوصايا والعهد ضمانًا لها.

 

من خلال هذا المقطع، يدعونا ابن سيراخ، من الجهة الأولى، إلى النظر إلى الوراء، والتأمّل في تاريخ اختبرنا فيه بشكل ملموس كوننا ممّن نالوا الغفران وحرية الاختيار، وهو تاريخنا المحفوظ الآن في كتابنا المقدّس. ومن الجهة الثانية، يدعونا إلى الحفاظ على قلب غافر عندما نُبقي هذه النظرة نحو المستقبل والماضي، كنظرة قادرة على كشف سرّ كمال الحياة له.

 

يوجد الغفران هنا تحديدًا في حياة كاملة يمكن حفظها بالذاكرة المتعافية، التي لا تستسلم للزهايمر الباطني ونسيان الوصايا الإلهيّة. وهذا الغفران المرتبط بالتذكّر هو ما نجد فيه علاجًا لمرض الزهايمر في باطننا.

 

 

2. تذكّر الـملكوت (مت 18: 21- 35)

 

يختتم يسوع في هذا المقطع الإنجيلي بحسب متّى (18: 21-35) خطبته الخامسة، وهي الخطبة الكنسيّة. ونجلس اليوم مع التلاميذ مصغين إلى تساؤل بطرس الموجّه إلى يسوع قائلاً: «يا ربّ، كم مَرَّةً يَخْطَأُ إِلَيَّ أَخي وَأَغفِرَ لَه؟ أَسَبعَ مَرَّات؟» (مت 18: 21). وبالنسبة إلى متّى أيضًا، يرتبط مقياس غفران المؤمن بمدى انفتاحه على الجديد، أي المستقبل الآتي في الملكوت، والذي سيعلنه يسوع لبطرس قائلاً: «لا أَقولُ لكَ: سَبعَ مرَّات، بل سَبعينَ مَرَّةً سَبعَ مَرَّات» (مت 18: 22).

 

إذن، تتطلّب الذاكرة التطلّع إلى مستقبلنا الروحي، وهو الملكوت. ويحمل المثل الذي يعلّمنا يسوع من خلاله دعوة إلى تذكّر ما مضى، وكذلك ما ينتظرنا في المستقبل، في الملكوت الأبدي.

 

الملكوت هو بمثابة حارس للمغفرة التي لا تُقاس، والتي يتحدّث عنها يسوع في ردّه على بطرس، وهي مبنيّة على تذكّر الملكوت، الذي يتمثّل جوهره في الغفران منذ هنا والآن، والذي يتميّز بأنه بلا حدود! نحن مدعوون، كتلاميذ ليسوع، إلى ممارسة نعمة المغفرة بلا حدود، لأنّ منطق الملكوت يتجلّى حقيقة في الغفران.

 

ويعتمد الملكوت على مبادرة مجانيّة من المغفرة غير المحدودة من قِبل الربّ. ونعلم نحن، تلاميذ يسوع المعاصرين، أنّ حياتنا في الملكوت تعتمد على تحريرنا من دَين بفضل النعمة الإلهيّة. بحسب المثل الذي قدّمه يسوع قائلاً: «مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ مَلِكٍ أَرادَ أَن يُحاسِبَ خَدَمَه [...] فَلَمَّا شَرَعَ في مُحاسَبتِهم أُتِيَ بِواحِدٍ مِنهُم علَيه عَشَرةُ آلافِ وَزْنَة ولَم يَكُن عندَه ما يُؤَدِّي بِه دَينَه، فَأَمَرَ مَولاهُ أَن يُباعَ هو وامرأَتُه وأَولادهُ وجَميعُ ما يَملِك لِيُؤَدَّى دَينُه [...] فأَشفَقَ مَولى ذلكَ الخادِم وأَطلقَه وأَعفاهُ مِنَ الدَّين» (مت 18: 23-27).

 

المثل الذي يشبّه يسوع من خلاله الملكوت الأبدي، والذي علينا أن نتذكّره كلّ يوم، هو مثل الملك كثير الشفقة والعبد قليل الشفقة! فهذا العبد لن يتمكّن نهائيًا من سداد دينه، سواء قام ببيع أثمن ممتلكاته، أو حتى إذا باع نفسه عبدًا، متخلّيًا عن أعظم خير، ألا وهو الحرية. وكلّ هذه التضحيات ما كانت لتُقارن بعشرة آلاف وزنة، وهو مبلغ هائل.

 

كان يريد ببساطة أن يتنبّه إلى ما يشير إليه هذا المثل من شموليّة الغفران الكامل عن الدَّين الهائل للعبد قليل الشفقة، وهو عمل إلهي بحت. هذا هو جوهر الملكوت؛ فالملكوت يمثّل هذا الحدث: أن تتبادل نعمة تسلّمتها مجانًا، ولا تستحقّها، إلى درجة أنك لم تطلبها، بل أُعطيت لك من الربّ.

 

 

الخلاصة

 

«التذكّر» هو علاج للزهايمر الباطني. فماذا علينا أن نتذكّر: أخطاء الآخرين ونقاط ضعفهم؟ كلا، بل كما أرشدنا الحكيم ابن سيراخ (27: 30-28: 9)، نحن مدعوون إلى تذكّر أعمال الربّ في تاريخنا البشري من الماضي، وإلى تذكّر أبديّتنا في المستقبل، حيث يستمرّ العمل الإلهي من الماضي، ويلمس الحاضر، ويتطلّع إلى الأبديّة، مستقبلنا النهائي.

 

وعلى ضوء هذه الرسالة الحكميّة، تتبّعنا تعليم يسوع بحسب متّى (18: 21-35)، حيث أنار وجودنا كمؤمنين، من خلال المثل الذي يشبّه الملكوت، بالقدرة على الحفاظ على نعمة الإعفاء من الدَّين بالغفران، بوصفه عنصرًا جوهريًا يرافقنا نحو ملء الحياة. وهذا يدعونا إلى تذكّر الملكوت في كلّ مرة نستعيد فيها غفران الربّ المجاني لنا، ومشاركتنا هذه النعمة مع الآخرين، فنتمكّن من علاج الزهايمر الباطني، ولا نتوقّف أمام أخطائهم أو هفواتهم، بل نعفو عنهم.

 

وهنا تمنحنا نعمة تذكّر الغفران الإلهي نعمة الحياة بملئها. فهناك دَين قليل يتوجّب علينا أن نغفره للآخرين، في مقابل الدَّين الهائل الذي أعفانا الربّ منه نهائيًا بسبب شفقته نحونا؛ فهلا نشفق نحن أيضًا على الآخرين؟

 

نحن مدعوون إلى أن ننظر إلى ذواتنا وإلى الآخرين بنظرة غفران، من خلال نعمة التذكّر التي حملناها من الماضي، ونحياها في حاضرنا، ونتطلّع بها إلى الملكوت في المستقبل؛ فتغدو هذه الذاكرة الحيّة علاجًا لكلّ زهايمر أصاب باطننا.