موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النص الإنجيلي (يوحنا 3: 16-18)
16 فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العَالَم حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة 17فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العَالَم لِيَدينَ العَالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العَالَم 18مَن آمَنَ بِه لا يُدان ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد.
مُقَدِّمَة
أَوْصَتِ الكَنيسَةُ مُنذُ العَصرِ الوَسيطِ بِالاِحتِفالِ بِعِيدِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ في الأَحَدِ الَّذي يَلي عِيدَ العُنصُرَةِ، وَقَد ثُبِّتَ هٰذا العِيدُ في الكَنيسَةِ الغَربيَّةِ رَسميًّا في القَرنِ الثّالثَ عَشَرَ، لأَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ الأَقدَسِ يُعَدُّ مِحوَرَ الإِيمانِ المَسيحيِّ وَقِمَّةَ إِعلانِ اللهِ لِذاتِهِ في تَدبيرِ الخَلاصِ. فَبَعدَ أَنْ أَعلَنَ الآبُ مَحبَّتَهُ في الخَلقِ، وَأَتمَّ الابنُ عَمَلَ الفِداءِ بِالصَّليبِ وَالقِيامَةِ، وَأَرسَلَ الرُّوحَ القُدُسَ لِتَقديسِ الكَنيسَةِ وَالعالَمِ، يَأتي عِيدُ الثَّالوثِ لِيُظهِرَ أَنَّ كُلَّ أَعمالِ الخَلاصِ تَنبَعُ مِن سِرِّ اللهِ الواحِدِ المُثَلَّثِ الأَقانيمِ.
وَيَكشِفُ إِنجيلُ يوحنّا عَن وَجهِ اللهِ الثُّلاثيِّ في حِوارِ يَسوعَ مَعَ نيقوديمُس، عُضوِ السَّنهدرينِ وَأَحَدِ رُؤَساءِ اليَهودِ (يوحنّا 3: 16-18). فَفي هٰذا النَّصِّ يَظهَرُ الآبُ مُحبًّا لِلعالَمِ، وَالابنُ مَرسَلًا لِخَلاصِهِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ واهِبًا الحَياةِ الجَديدَةِ بِالوِلادَةِ مِن فَوق. وَبِذٰلِكَ لا يَبقى الثَّالوثُ مُجرَّدَ عَقيدَةٍ نَظَريَّةٍ، بَلْ يَصيرُ إِعلانًا عَن حَياةِ اللهِ وَمَحبَّتِهِ وَشَرِكَتِهِ مَعَ البَشَرِ.
إِنَّ الإِيمانَ بِالثَّالوثِ الأَقدَسِ لا يَعني الاِعتِقادَ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، كَما يَتَّهِمُ بَعضُهُم المَسيحيِّينَ، بَلْ الإِيمانُ بِإِلٰهٍ واحِدٍ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ: الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. فَالمَسيحيُّونَ لَيسوا مُشرِكينَ وَلا كافِرينَ بِإِيمانِهِم بِالثَّالوثِ، بَلْ يَستَجيبونَ لِوَحيِ يَسوعَ المَسيحِ نَفسِهِ الَّذي قالَ: "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحَدٌ قَطّ؛ الاِبنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضنِ الآبِ هُوَ الَّذي أَخبَرَ عَنهُ" (يو 1: 18). فَيَسوعُ لَم يَأتِ لِيَختَرِعَ صُورَةً جَديدَةً عَنِ اللهِ، بَلْ لِيَكشِفَ لَنا سِرَّ اللهِ الَّذي لا يُدرَكُ بِالعَقلِ البَشَريِّ وَحدَهُ.
وَفي ضَوءِ هٰذا الإِعلانِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ هُوَ سِرُّ اللهِ في ذاتِهِ وَفي عَمَلِهِ الخَلاصيِّ: فالآبُ خَلَقَ الإِنسانَ بِالمَحبَّةِ، وَالابنُ فَداهُ بِذَبيحَةِ الصَّليبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ يُقَدِّسُهُ وَيُدخِلُهُ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. وَمِن هُنا يَقولُ القِدِّيسُ قيصاريوس الآرلي: "إِيمانُ المَسيحيِّينَ يَرتَكِزُ عَلَى الثَّالوثِ الأَقدَسِ" PL 39: 1099)).
إِنَّ الثَّالوثَ الأَقدَسَ لَيْسَ مُجرَّدَ سِرٍّ عَقائِديٍّ نُؤمِنُ بِهِ، بَلْ هُوَ مَصدَرُ الحَياةِ المَسيحيَّةِ كُلِّها. فَالمُؤمِنُ يَعتَمِدُ بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، وَيُصَلّي لِلآبِ بِالابنِ في الرُّوحِ القُدُسِ، وَيَعيشُ دَعوَتَهُ كَدُخولٍ مُتَواصِلٍ في شَرِكَةِ المَحبَّةِ الثُّلاثيَّةِ.
وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ هٰذا النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَطبيقاتِهِ، لِنَكتَشِفَ كَيفَ أَنَّ اللهَ الثَّالوثَ لَم يَبقَ سِرًّا بَعيدًا عَنِ الإِنسانِ، بَلْ دَخَلَ تَاريخَ البَشَرِ لِيُشْرِكَهُم في حَياتِهِ وَمَحبَّتِهِ الأَبَدِيَّةِ.
أَوَّلًا: وَقائِعُ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلُهُ (يوحنّا 3: 16-18)
16 "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَلْ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة"
تُشيرُ عِبارَةُ "فَإِنَّ" في الأَصلِ اليونانيِّ Οὕτως γὰρ (لأَنَّهُ هٰكَذا) فلا تَعني Οὕτως مُجرَّدَ "كَثيرًا"، بَل "بِهٰذِهِ الطَّريقَةِ" أَو "هٰكَذا". إِذًا المَعنى "هٰكَذا أَحبَّ اللهُ العالَمَ: بِأَنَّهُ بَذَلَ ابنَهُ الوَحيد". وَبِهٰذا يَنتَقِلُ التَّركيزُ مِن كَمِّيَّةِ المَحبَّةِ إِلى طَريقَةِ التَّعبيرِ عَنها. يُعَلِّقُ أُوغُسطينوس: "لَم يَقُل كَم أَحَبَّ، بَل كَيفَ أَحَبَّ" (PL 35: 1462).
أَمَّا عِبارَةُ "اللهُ أَحَبَّ العالَم" فَتُشيرُ إِلى إِعلانِ يَسوعَ عَن تاريخِ اللهِ مَعَ البَشَرِ، وَهُوَ تاريخُ مَحبَّةٍ وَخَلاصٍ. فَقَد عَرَّفَ يوحنّا الإِنجيليُّ اللهَ بِقولِهِ: "اللهُ مَحبَّة" (1 يو 4: 16). فَإِلٰهُنا لَيْسَ إِلٰهًا مُنعَزِلًا أَو بَعيدًا، بَلْ إِلٰهٌ يُحِبُّ وَيَبحثُ عَن خَلاصِ خَليقَتِهِ. وَالعالَمُ هُنا لا يَعني الكَونَ المادّيَّ فَحَسب، بَلِ البَشَرِيَّةَ بِأَسرِها، يَهودًا وَأُمَمًا، صالِحينَ وَخُطاةً، لأَنَّ جَميعَ الشُّعوبِ هِيَ مَوضوعُ تَدبيرِ اللهِ الخَلاصيِّ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "العالَمُ الَّذي أَحَبَّهُ اللهُ هُوَ الإِنسانُ السّاقِطُ الَّذي لَم يَترُكْهُ اللهُ لِهَلاكِهِ" PG 73: 228)). والفعل ἠγάπησεν "أَحَبَّ" وَمِنهُ الاِسمἀγάπη أَي المَحبَّةُ الباذِلَةُ المُضحِّيَةُ. وَهِيَ تَختَلِفُ عَن φιλία الصَّداقة وἔρως الحُبُّ العاطفي إِذ تَدُلُّ عَلَى مَحبَّةٍ تُعطي ذاتَها. فَمَحبَّةُ اللهِ لَيسَت عاطِفَةً، بَل فِعلُ خَلاصٍ. وأمَّا كلمة " العالَمَ " κόσμος تَرِدُ أَكثَرَ مِن 78 مَرَّةً في إِنجيلِ يُوحَنَّا. لَها مَعانٍ مُتَعَدِّدَة: الخَليقَة، البَشَرِيَّة، والبَشَرِيَّة السّاقِطَة المُعادِيَة لله. وَالمُفاجَأَةُ اللاهوتيَّةُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ هٰذا العالَمَ السّاقِطَ. وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري: "لَم يُحِبَّ الأَبرارَ فَقَط، بَل العالَمَ كُلَّهُ وَهُوَ بَعدُ خاضِعٌ لِلخَطيئَةِ" (PG 73: 228).
أَمَّا عِبارَةُ "حَتّى إِنَّهُ" فَتُشيرُ إِلى مِقياسِ هٰذِهِ المَحبَّةِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي تَجاوَزَت كُلَّ حُدودٍ. فَمَحبَّةُ اللهِ لَم تَبقَ مُجرَّدَ شُعورٍ أَو إِعلانٍ، بَلْ تَجَسَّدَت عَطاءً وَبَذلًا.
أَمَّا عِبارَةُ "جادَ" ἔδωκεν (من الفعل δίδωμι يَعني: أَعطى، بَذَل، وَهَبَ، سَلَّمَ) فتُشيرُ إِلى الصَّليبِ. فَالآبُ "أَعطى" الابنَ لِلمَوتِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ. وَهُوَ نَفسُ المَعنى الَّذي يَستَعمِلُهُ بُولُس:"أَسلَمَهُ مِن أَجلِنا جَميعًا" (رو 8: 32). فهذا الفعل يُشيرُ إِلى أَصلِ الفِداءِ وَمَنبَعِهِ، أَي مَحبَّةِ اللهِ الَّتي تَجلَّت في بَذلِ الابنِ. فَالخَلاصُ لَم يَنبَعْ مِن اِستِحقاقِ الإِنسانِ، بَلْ مِن مَبادَرَةِ اللهِ المُحبَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لَم يَكُنِ الإِنسانُ قادِرًا أَنْ يَصعَدَ إِلى اللهِ، فَنَزَلَ اللهُ إِلَيهِ بِمَحبَّتِهِ" PL 35: 1491)). فَاللهُ لَم يَكُن رَدُّ فِعلِهِ عَلَى خَطيئَةِ الإِنسانِ اِنتِقامًا أَو إِدانَةً، بَلْ رَحمَةً وَشَفَقَةً وَفِداءً. وَهٰذا العَطاءُ هُوَ يَسوعُ نَفسُهُ، "عَطيَّةُ اللهِ" كَما أَعلَنَ لِلمَرأَةِ السّامِريَّةِ: "لَو كُنتِ تَعرِفينَ عَطاءَ اللهِ" (يو 4: 10). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم: "لَم يُعطِ اللهُ خادِمًا أَو مَلاكًا، بَلِ الابنَ الوَحيدَ، لِيُظهِرَ عَظَمَةَ مَحبَّتِهِ" PG 59: 161)).
أَمَّا عِبارَةُ "ابنِهِ الوَحيد" في الأَصلِ اليونانيِّ μονογενής υἱός (الوَحيد الجِنس، الطبيعة أَو الفَريد)، لا تَعني "الوَحيد عَدَدِيًّا" فَقَط بَل الفَريد، الوَحيد مِن نَوعِهِ. وَلِذٰلِكَ تُؤَكِّدُ البُنُوَّةَ الفَريدَةَ وَالأَزَلِيَّةَ لِلمَسيح. فَتُشيرُ عِبارَةُ "ابنِهِ الوَحيد إِلى العَلاقَةِ الفَريدةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ. فَيَسوعُ لَيْسَ مَخلوقًا وَلا مُجرَّدَ نَبِيٍّ، بَلْ الابنُ الأَزليُّ المُساوي لِلآبِ في الجَوهَرِ. وَإِذا كانَ قَد دُعِيَ في الآيَةِ السّابِقَةِ "ابنَ الإِنسان" (يو 3: 15)، فَهُنا يُدعَى "ابنَ اللهِ"، لِيُظهِرَ وَحدَةَ شَخصِهِ ذِي الطَّبيعَتَينِ: الإِلٰهيَّةِ وَالبَشَرِيَّةِ. وَتُذَكِّرُنا هٰذِهِ العِبارَةُ بِذَبيحَةِ إِبراهيمَ وَإِسحقَ (تك 22)، حَيْثُ كانَ إِسحقُ الاِبنُ الوَحيدُ رَمزًا لِلمَسيحِ. لٰكِنَّ اللهَ الآبَ ذَهَبَ أَبعَدَ مِن إِبراهيمَ، فَلَم يُشفِقْ عَلَى ابنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَمِ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "إِنَّهُ لَم يَضَنَّ بابنِهِ نَفسِهِ، بَلْ أَسلَمَهُ إِلى المَوتِ مِن أَجلِنا جَميعًا"(رو 8: 32).
أَمَّا عِبارَةُ "لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الإِيمانَ بِالمَسيحِ هُوَ الطَّريقُ إِلى الخَلاصِ. فَاللهُ أَتَمَّ عَمَلَ الفِداءِ بِبَذلِ الابنِ، وَالابنُ أَتَمَّهُ بِالصَّليبِ، وَالإِنسانُ يُدعَى أَنْ يَقبَلَ هٰذا الخَلاصَ بِالإِيمانِ. وَالإِيمانُ في يوحنّا لَيْسَ مُجرَّدَ تَصديقٍ عَقليٍّ، بَلْ دُخولٌ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ المَسيحِ.
عِبارة "يَهلِكَ" ἀπόληται (من فعل من ἀπόλλυμι يَعني يَفنى، يَضيع، يَخسَر حَياتَه) تتكرّر ثلاث مرّات في النَّص (يو 3: 16، 17/ 18) وهي لا تُشيرُ الى الفَناءَ الجَسَدِيَّ فحسب، إنما أيضا الى الهَلاكَ الرُّوحيَّ وَالأَبَدِيَّ. وَهُوَ ضِدُّ الحَياة الأَبَدِيَّة.
أمَّا عِبارة "مَن يُؤمِنُ" πᾶς ὁ πιστεύων (اسم فاعل مُضارِع لا يَعني مَن آمَنَ مَرَّةً وَانتهى الأَمر، بَل مَن يَستَمِرُّ في الإِيمان. الإِيمانُ عِندَ يُوحَنَّا حَرَكَةُ حَياةٍ دائِمَة. وَلِهٰذا لَم يَستَعمِل يُوحَنَّا اِسمَ " الإِيمان" πίστις، بَل الفِعلَ "يُؤمِن"، لأَنَّ الإِيمانَ عَلاقَةٌ حَيَّةٌ لا فِكرٌ مُجرَّد.
أَمَّا عِبارَةُ "الحَياةُ الأَبَدِيَّة" ζωή αἰώνιος فَتُشيرُ الى أَهمِّ مُصطَلَحاتِ اللاهوتِ اليوحنّي. الحَياة الأَبَدِيَّةُ لَيسَت زَمَنًا لا نِهايَةَ لَهُ فَقَط، بَل شَرِكَةُ حَياةِ اللهِ نَفسِها. وَلِذٰلِكَ يَقولُ يَسوع: "هٰذِهِ هِيَ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعرِفوكَ" (يو 17: 3). الحَياة الأَبَدِيَّةُ هي أَعظَمِ عَطيَّةٍ يَهبُها اللهُ لِلإِنسانِ. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ لَيْسَت مُجرَّدَ حَياةٍ بَعدَ المَوتِ، بَلْ حَياةُ اللهِ نَفسِها الَّتي يَدخُلُ الإِنسانُ في شَرِكَتِها مُنذُ الآنَ بِالإِيمانِ. إِنَّها حَياةٌ لا مَوتَ فيها، وَلا خَطيئَةَ، وَلا ظَلامَ، بَلْ نُورٌ وَسَلامٌ وَشَرِكَةٌ أَبَدِيَّةٌ مَعَ اللهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إيريناوس أسقف ليون قائلًا: "مَجدُ اللهِ هُوَ الإِنسانُ الحَيّ، وَحَياةُ الإِنسانِ هِيَ رُؤيَةُ اللهِ" PG 7: 1037)). فَبِالمَسيحِ المَصلوبِ وَالقائِمِ يَنالُ الإِنسانُ الحَياةَ الَّتي خُلِقَ مِن أَجلِها. إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تُعَدُّ بِحَقٍّ "إِنجيلًا مُختَصَرًا"، لأَنَّها تُلَخِّصُ تَدبيرَ الخَلاصِ كُلَّهُ: مَحبَّةُ الآبِ، وَبَذلُ الابنِ، وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِنُ.
17 "إِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَم"
تُشيرُ عِبارَةُ "إِنَّ" في الأَصلِ اليونانيِّ γὰρ (لأَنَّهُ) إِلى تَعليلِ ما سَبَقَ وَكَشفِ الغايَةِ الحَقيقيَّةِ لِمَجيءِ المَسيحِ. فَبَعدَ أَنْ أَعلَنَ يَسوعُ أَنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ وَبَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، يُوَضِّحُ الآنَ أَنَّ هٰذِهِ المَحبَّةَ تَتَجَلّى لا في الإِدانَةِ، بَلْ في الخَلاصِ.
أَمَّا عِبارَةُ "اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَم" فَتُشيرُ إِلى رَحمَةِ اللهِ الَّتي ظَهَرَت في إِرسالِ الابنِ لِخَلاصِ البَشَرِيَّةِ، مَعَ أَنَّ العالَمَ كانَ مُستَحِقًّا الدَّينونَةَ بِسَبَبِ خَطيئَتِهِ. فَبِحَسَبِ العَدلِ الإِلٰهيِّ كانَ يَحِقُّ للهِ أَنْ يُدينَ الإِنسانَ، لٰكِنَّ اللهَ الَّذي هُوَ مَحبَّةٌ (1 يو 4: 8) جَعَلَ الرَّحمَةَ أَسبَقَ مِنَ الدَّينونَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم قائلًا: "لَم يَأتِ الاِبنُ أَوَّلًا كَقاضٍ، بَلْ كَطَبيبٍ وَمُخَلِّصٍ؛ فَاللهُ لا يُسارِعُ إِلى العِقابِ، بَلْ يَفتَحُ بابَ التَّوبَةِ" PG 59: 165)). إِنَّ غايَةَ مَجيءِ المَسيحِ الأَوَّلِ هِيَ الخَلاصُ لا الدَّينونَةُ؛ أَمَّا في مَجيئِهِ الثّاني فَسَيَظهَرُ كَدَيّانٍ لِلعالَمِ، كَما أَعلَنَ هُوَ نَفسُهُ: "إِنَّ الآبَ لا يَدينُ أَحَدًا، بَلْ أَولى القَضاءَ كُلَّهُ لِلاِبن" (يو 5: 22). فَالمَسيحُ في مَجيئِهِ الأَوَّلِ يَحمِلُ الرَّحمَةَ، وَفي مَجيئِهِ الثّاني يُظهِرُ الحَقَّ الكامِلَ وَالدَّينونَةَ العادِلَةَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الَّذي يَرفُضُ المَسيحَ وَيُغلِقُ قَلبَهُ أَمامَ المَحبَّةِ الإِلٰهيَّةِ يَحكُمُ عَلَى نَفسِهِ بِالهَلاكِ. فَاللهُ لا يَرغَبُ في مَوتِ الخاطِئِ، بَلْ في تَوبَتِهِ وَحَياتِهِ، كَما يُعلِنُ الكِتابُ المُقَدَّسُ: "لا أُريدُ مَوتَ الشِّرِّيرِ، بَلْ أَنْ يَرجِعَ الشِّرِّيرُ عَن طَريقِهِ فَيَحيا" (حز 33: 11).
أَمَّا عِبارَةُ " يُرسِلِ " ἀπέστειλεν الفعل من ἀποστέλλω وَمِنهُ ἀπόστολος (رَسول) فَتُشيرُ إِلى الإِرساليَّةِ الرَّسميَّةِ مِن عِندِ الآب. يَسوعُ هُوَ "مُرسَلُ الآبِ". وَهٰذا مِن أَهمِّ أَلقابِ المَسيحِ في إِنجيلِ يُوحَنَّا.
أَمَّا عِبارَةُ " لِيَدينَ " κρίνῃ (الفعل κρίνω يَعني: يَحكُم، يَفصِل، يُدين) فتتكرّر ثلاث مرّات في النص (يو 3: 17، 18)، وَتُشيرُ الى المُفاجَأَة أَنَّ الغايَةَ الأُولى لِمَجيءِ المَسيحِ لَيسَت الدَّينونَةَ بَل الخَلاص. الدَّينونَةُ تَنتُجُ مِن رَفضِ النُّور. فَالدَّينونَةُ في اللاهوتِ اليوحنِّيِّ لَيْسَت أَوَّلًا حُكمًا يَفرِضُهُ اللهُ مِن خارِجِ الإِنسانِ، بَلْ هِيَ النَّتيجَةُ الطَّبيعِيَّةُ لِمَوقِفِ الإِنسانِ نَفسِهِ مِنَ المَسيحِ. فَعِندَما يَرفُضُ الإِنسانُ النُّورَ الَّذي جاءَ إِلى العالَمِ، وَيُفَضِّلُ الظَّلامَ عَلَيهِ، يَحكُمُ عَلَى نَفسِهِ بِنَفسِهِ. لِذٰلِكَ لا تَظهَرُ الدَّينونَةُ كَفِعلِ إِدانَةٍ إِلٰهيَّةٍ بَقَدرِ ما تَظهَرُ كَكَشفٍ لِحَقيقَةِ قَلبِ الإِنسانِ وَخِيارِهِ الحُرِّ. فَالنُّورُ لا يُدينُ أَحَدًا، بَلْ يَكشِفُ ما إِذا كانَ الإِنسانُ يُريدُ الحَقَّ أَم يُفَضِّلُ البَقاءَ في الظَّلامِ. وَمِن هُنا يَقولُ يَسوعُ: "وَإِنَّما الدَّينونَةُ هِيَ أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَمِ، فَفَضَّلَ النّاسُ الظَّلامَ عَلَى النُّور" (يو 3: 19).
أَمَّا عِبارَةُ "لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَم" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ هُوَ وَسيطُ الخَلاصِ الوَحيدُ، وَأَنَّ الخَلاصَ يَتِمُّ بِهِ وَفيهِ. فَهُوَ يُحَرِّرُ الإِنسانَ مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ وَالمَوتِ وَسُلطانِ الشَّيطانِ، وَيُدخِلُهُ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. َالخَلاصُ في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ لَيْسَ نَجاةً خارِجيَّةً فَقَط، بَلْ وِلادَةٌ جَديدَةٌ وَانتِقالٌ مِنَ الظَّلامِ إِلى النُّورِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "لَم يُرسَلِ الابنُ لِيُهلكَ، بَلْ لِيُعيدَ الطَّبيعَةَ البَشَرِيَّةَ السّاقِطَةَ إِلى حَياتِها الأُولى" (PG 73: 233). وَيَرتَبِطُ الخَلاصُ هُنا بِالإِيمانِ بِالمَسيحِ؛ فَالمَسيحُ قَدَّمَ الخَلاصَ لِلعالَمِ كُلِّهِ، لٰكِنَّ الإِنسانَ مَدعُوٌّ أَنْ يَقبَلَ هٰذِهِ العَطيَّةَ بِالإِيمانِ. وَمِن هُنا تَصبِحُ رِسالَةُ الخَلاصِ مِحوَرَ كِرازَةِ الرُّسُلِ وَالكَنيسَةِ، كَما ظَهَرَ في سِفرِ أَعمالِ الرُّسُلِ، حَيْثُ أَصبَحَ اِسمُ يَسوعَ مَركَزَ البِشارَةِ وَطَريقَ الحَياةِ. وَبِهٰذا يُقَدِّمُ يَسوعُ تَعليميًّا يَتَجاوَزُ الفِكرَ الدِّينيَّ السّائِدَ في زَمَنِهِ، الَّذي كانَ يَربِطُ بَينَ الخَطيئَةِ وَالعِقابِ المُباشِرِ. فَاللهُ لا يَبحثُ عَن هَلاكِ الإِنسانِ، بَلْ عَن خَلاصِهِ؛ وَالدَّينونَةُ لا تَصدُرُ أَوَّلًا مِن غَضَبِ اللهِ، بَلْ مِن رَفضِ الإِنسانِ لِلنُّورِ وَالمَحبَّةِ وَالخَلاصِ الَّذي يُقَدِّمُهُ اللهُ في المَسيحِ.
أَمَّا عِبارَةُ "لِيُخَلَّصَ" (σωθῇ) فَتَرِدُ مِنَ الفِعلِ اليونانيِّ σῴζω الَّذي يَعني: "يُخَلِّص، يُنقِذ، يَشفِي، يُحَرِّر، وَيَرُدُّ الإِنسانَ إِلى السَّلامَةِ وَالكَمالِ". وَهٰذا الاتِّساعُ في المَعنى يُظْهِرُ أَنَّ الخَلاصَ في اللاهوتِ اليوحنِّيِّ لا يَقتَصِرُ عَلَى مُجرَّدِ غُفرانِ الخَطايا أَو النَّجاةِ مِنَ العِقابِ، بَلْ يَعني اِستِعادَةَ الإِنسانِ لِلحَياةِ الإِلٰهيَّةِ الَّتي فَقَدَها بِالخَطيئَةِ. فَالخَلاصُ هُوَ دُخولٌ في شَرِكَةِ حَياةِ اللهِ نَفسِهِ، وَالاِشتِراكُ في مَحبَّتِهِ وَمَجدِهِ وَبُنُوَّتِهِ. وَمِن هُنا فَإِنَّ الخَلاصَ عِندَ يُوحَنَّا لَيْسَ مَكانًا يَبلُغُهُ الإِنسانُ، بَلْ عَلاقَةٌ حَيَّةٌ يَدخُلُ فيها مَعَ اللهِ. فَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ شَرِكَةُ المَحبَّةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالمُؤمِنينَ. لِذٰلِكَ يُصَلِّي يَسوعُ قائلًا: «كَما أَنَّكَ فيَّ يا أَبَتِ وَأَنا فيكَ، فَلْيَكونوا هُم أَيضًا فينا» (يو 17: 21). فَغايَةُ الخَلاصِ لَيْسَت مُجرَّدَ النَّجاةِ مِنَ الهَلاكِ، بَلِ الاِتِّحادُ بِاللهِ وَالسَّكَنُ في شَرِكَتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَثَناسيوس الرَّسوليُّ عَلَى هٰذَا البُعدِ قائلًا: «إِنَّ ابنَ اللهِ صارَ إِنسانًا لِكَي يَصيرَ الإِنسانُ شَريكًا في الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ» (De Incarnatione, 54؛ PG 25: 192). فَالخَلاصُ هُوَ اِرتِفاعُ الإِنسانِ مِن حَياةِ الخَطيئَةِ وَالمَوتِ إِلى شَرِكَةِ البُنُوَّةِ وَالمَجدِ في الثَّالوثِ الأَقدَسِ. وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ الفِعلَ σωθῇ لا يَعني فَقَط «أَنْ يَنجوَ»، بَلْ أَنْ يُشفَى، وَيُجَدَّدَ، وَيُحَرَّرَ، وَيَدخُلَ في مِلءِ الحَياةِ الَّتي يَهَبُها اللهُ في المَسيحِ.
18 "مَن آمَنَ بِهِ لا يُدانُ، وَمَن لَم يُؤمِنْ بِهِ فَقَد دِينَ مُنذُ الآن، لأَنَّهُ لَم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد"
تُشيرُ عِبارَةُ "آمَنَ بِهِ" في الأَصلِ اليونانيِّ πιστεύων εἰς αὐτόν إِلى أَكثَرَ مِن مُجرَّدِ التَّصديقِ العَقليِّ؛ فَهِيَ تَعني الدُّخولَ في شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ المَسيحِ، وَوَضعَ الثِّقَةِ الكامِلَةِ فيهِ، وَالالتِصاقَ بِشَخصِهِ كَمُخَلِّصٍ وَرَبٍّ. فَالإِيمانُ في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ لَيْسَ عَقيدَةً نَظَريَّةً مُجرَّدَةً، بَلْ حَياةٌ وَاتِّحادٌ وَسَيرٌ في النُّورِ. وَمِن هُنا يَقولُ يَسوعُ: "كُلُّ مَن آمَنَ بي لا يَبقى في الظَّلام"(يو 12: 46). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "الإِيمانُ بِالمَسيحِ لَيْسَ أَنْ تَعترِفَ بِهِ بِاللِّسانِ فَحَسب، بَلْ أَنْ تَلتَصِقَ بِهِ بِالقَلبِ وَالحَياةِ" (PL 35: 1493).
أَمَّا عِبارَةُ "لا يُدان" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ المُؤمِنَ بِالمَسيحِ يَدخُلُ في حالَةِ التَّبريرِ وَالخَلاصِ، وَيَنتَقِلُ مِنَ المَوتِ إِلى الحَياةِ، كَما يُؤَكِّدُ يوحنّا الرَّسولُ: "نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوتِ إِلى الحَياة" (1 يو 3: 14). فَالدَّينونَةُ لا تَبقى عَلَى مَن اتَّحَدَ بِالمَسيحِ، لأَنَّهُ صارَ شَريكًا في حَياتِهِ. وَيُؤَكِّدُ بولُسُ الرَّسولُ هٰذا الحَقَّ قائِلًا: "لا شَيءَ مِنَ الحُكمِ الآنَ عَلَى الَّذينَ هُم في المَسيحِ يَسوع" (رو 8: 1). إِنَّ عَدَمَ الدَّينونَةِ لا يَعني غِيابَ المَسؤوليَّةِ الأَخلاقيَّةِ، بَلْ الدُّخولَ في حَياةِ النِّعمَةِ وَالسَّيرَ بِحَسَبِ الرُّوحِ. فَالمُؤمِنُ مَدعُوٌّ أَنْ يَحفَظَ وَصايا المَسيحِ وَيَسيرَ في الحَقِّ وَالنُّورِ.
أَمَّا عِبارَةُ "وَمَن لَم يُؤمِنْ بِهِ" فَتُشيرُ إِلى مَن يَرفُضُ الاِبنَ أَو يَتَجاهَلُ وَحيَ اللهِ وَخَلاصَهُ. فَعَدَمُ الإِيمانِ هُنا لَيْسَ جَهلًا بَسيطًا، بَلْ رَفضٌ لِلنُّورِ الَّذي أَتى إِلى العالَمِ.
أَمَّا عِبارَةُ "فَقَد دِينَ مُنذُ الآن" فَتُشيرُ إِلى أَنَّ الدَّينونَةَ لَيْسَت حَدَثًا مُستَقبَلِيًّا فَحَسب، بَلْ حَقيقَةً تَبدَأُ مُنذُ الآنَ في حَياةِ الإِنسانِ. فَمَن يَرفُضُ المَسيحَ يَحكُمُ عَلَى نَفسِهِ بِالابتِعادِ عَن مَصدَرِ الحَياةِ وَالنُّورِ. وَمِن هُنا فَالدَّينونَةُ في إِنجيلِ يوحنّا هِيَ نَتيجَةُ مَوقِفِ الإِنسانِ مِنَ المَسيحِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "إِنَّ المَسيحَ لا يُهلِكُ أَحَدًا، لٰكِنَّ الَّذي يَرفُضُ النُّورَ يَفصِلُ نَفسَهُ عَنِ الحَياةِ" PG 73: 236)). إِنَّ الإِنسانَ يَقفُ أَمامَ المَسيحِ المَصلوبِ وَالقائِمِ كَأَمامِ نُورٍ يَكشِفُ الحَقيقَةَ. فَمَن يَقبَلُ النُّورَ يَدخُلُ في الحَياةِ، وَمَن يُفَضِّلُ الظَّلامَ يَبقى في الدَّينونَةِ. وَلهٰذا يَقولُ يوحنّا: "وإِنَّما الدَّينونَةُ هِيَ أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم، فَفَضَّلَ النّاسُ الظَّلامَ عَلَى النُّور، لأَنَّ أَعمالَهُم كانَت سَيِّئَة" (يو 3: 19). عِبارَةُ " فَقَد دِينَ " ἤδη κέκριται(فعل مَبنيٌّ لِلمَجهولِ في صِيغَةِ التَّمام وَيَعني قَد دِينَ وَما زالَت نَتيجَةُ الدَّينونَةِ قائِمَةً) فَتُشيرُ الى ان الدَّينونَة لَيسَت أَمرًا مُستَقبَلِيًّا فَقَط، بَل تَبدَأُ مِن هُنا وَالآنَ بِرَفضِ المَسيحِ.
أَمَّا عِبارَةُ "بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد" فَتُشيرُ إِلى شَخصِ يَسوعَ وَسُلطانِهِ وَقُدرَتِهِ الخَلاصيَّةِ. فَالاسمُ في الفِكرِ الكِتابيِّ لا يَعني مُجرَّدَ لَقَبٍ، بَلْ الحُضورَ وَالهُوِيَّةَ وَالقُوَّةَ. وَاسمُ "يَسوع" يَعني: "الرَّبُّ يُخَلِّص" (مت 1: 21).
أَمَّا عِبارَةُ "بِاسمِ " ὄνομα فَلا تُشيرُ في الفِكرِ العِبرانيِّ الى اللَّفظَ فَقَط بَل الى الشَّخص، السُّلطان، الحُضور والهُوِيَّة. فَعَدَمُ الإِيمانِ بِاِسمِ الابنِ الوَحيدِ يَعني رَفضَ شَخصِهِ وَسُلطانِهِ وَإِعلانِهِ الخَلاصيِّ.
أَمَّا لَقَبُ "ابنِ اللهِ" فَيُظهِرُ العَلاقَةَ الفَريدةَ بَينَ يَسوعَ وَالآبِ، وَيُعلِنُ أُلوهِيَّتَهُ. فَهُوَ الابنُ الوَحيدُ الَّذي يَعيشُ في شَرِكَةٍ أَزَلِيَّةٍ مَعَ الآبِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي: "لَو لَم يَكُنِ الابنُ إِلٰهًا حَقًّا، لَما كانَ قادِرًا أَنْ يَهَبَ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لِلبَشَر" PG 26: 225)). وَبِهٰذِهِ الآيَةِ يَنقَسِمُ العالَمُ إِلى مَوقِفَينِ: مَن يَقبَلُ المَسيحَ وَيَسيرُ في النُّورِ، وَمَن يَرفُضُهُ وَيَبقى في الظَّلامِ. فَالمَسيحُ أَتى أَوَّلًا لِيُخَلِّصَ، لٰكِنَّ ظُهورَهُ يَفرِضُ عَلَى الإِنسانِ خِيارًا حاسِمًا: إِمَّا قَبولُ النُّورِ وَالحَياةِ، وَإِمَّا البَقاءُ في الظَّلامِ وَالدَّينونَةِ. وَمِن هُنا تَظهَرُ جِدِّيَّةُ الحُرِّيَّةِ الإِنسانيَّةِ وَالمَسؤوليَّةِ أَمامَ وَحيِ اللهِ في المَسيحِ.
ثانياً: تطبيقاتُ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يوحنّا 3: 16-18)
بَعدَ دِراسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَحليلِهِ (يوحنّا 3: 16-18)، نَستَنتِجُ أَنَّهُ يَتمَحورُ حَولَ كَشفِ يَسوعَ عَن وَجهِ اللهِ، الثَّالوثِ الأَقدَسِ. ومن ثمة نَتَساءَلُ: ما هُوَ سِرُّ الثَّالوثِ؟ وَكَيفَ كَشَفَ أسفار العهد القديم وكيف كَشَفَ يَسوعُ وَجهَ اللهِ الثُّلاثيَّ الأَقانيمِ في اسفار العهد الجديد؟
1. كَيْفَ كَشَفَ يَسوعُ وَجْهَ اللهِ الثَّالوثِ الأَقْدَس الى نيقوديمُس؟
يَنتَقِلُ يُوحَنَّا الإِنجيليُّ مِن حُبِّ اللهِ لِشَعبِ إِسرائيلَ، الَّذي أُعلِنَ في العَهدِ القَديمِ، خُصوصًا في إِعلانِ اللهِ لِموسى: "الرَّبُّ الرَّبُّ! إِلهٌ رَحيمٌ وَرَؤوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الرَّحمَةِ وَالوَفاء" (خر 34: 6)، إِلى الإِعلانِ الكامِلِ لِحُبِّ اللهِ لِلعالَمِ كُلِّهِ، مِن دونِ تَمييزٍ أَو استِثناءٍ، حَيْثُ أَرسَلَ الآبُ ابنَهُ الوَحيدَ لِخَلاصِ البَشَرِيَّةِ. وَيَتَجلّى هٰذا الإِعلانُ في حِوارِ يَسوعَ مَعَ نيقوديمُس، إِذ يقولُ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَلْ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّة" (يو 3: 16). وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَريُّ إِلى أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ تُظهِرُ "عُمقَ مَحبَّةِ الآبِ الَّذي لَم يَترُكِ الإِنسانَ لِهَلاكِهِ، بَلْ أَرسَلَ الابنَ لِإِعادَةِ الخَليقَةِ إِلى الحَياة" PG 73: 228)).
كَشَفَ يَسوعُ سِرَّ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ مِن خِلالِ حِوارِهِ مَعَ نيقوديمُس (يو 3: 1-21). وَنيقوديمُس، وَاسمُهُ اليونانيُّ Νικόδημος يَعني "المُنتَصِرُ عَلَى الشَّعب"»، كانَ فَرِّيسيًّا، وَعالِمًا في التَّوراةِ وَالتَّقليدِ اليَهوديِّ، وَعُضوًا في السَّنهدرين، أَيِ المَجلِسِ الأَعلى لِلأُمَّةِ اليَهوديَّةِ. وَقَد أَدْرَكَ أَنَّ يَسوعَ "جاءَ مِن لَدُنِ اللهِ" (يو 3: 2)، فَجاءَ إِلَيهِ لَيلًا، رُبَّما خَوفًا مِنَ النّاسِ، أَو رَمزًا لِظُلمَةِ البَحثِ الَّتي كانَ يَعيشُها قَبلَ أَنْ يَلتَقيَ نُورَ الحَقيقَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس عَلَى مَجيءِ نيقوديمُس لَيلًا قائِلًا: "جاءَ وَهُوَ بَعدُ في الظَّلامِ، لٰكِنَّهُ كانَ يَبحثُ عَنِ النُّور" PL 35: 1464)).
حاوَلَ نيقوديمُس أَنْ يَبلُغَ سِرَّ اللهِ بِقُوَّتِهِ العَقليَّةِ وَمَعرِفَتِهِ الشَّرعيَّةِ، لٰكِنَّهُ عَجَزَ عَن إِدراكِهِ، لأَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ لا يُدرَكُ بِالفِكرِ البَشَريِّ وَحدَهُ، بَلْ يُكشَفُ بِنِعمَةِ اللهِ من خلال مَحبَّةُ الآبِ، والإِيمانُ بِالابنِ وبمَعونَةُ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰذا ما يُؤَكِّدُهُ القِدِّيسُ غريغوريوس النِّزينزيُّ قائلًا: "إِنَّ اللهَ لا يُدرَكُ بِالبَحثِ العَقليِّ فَقَط، بَلْ بِالاشْتِراكِ في نُورِهِ" PG 36: 141)).
وَقَد أَدرَكَ نيقوديمُس أَوَّلًا أَنَّ يَسوعَ "مِن لَدُنِ اللهِ"، إِذ قالَ: "رابي، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّمًا" (يو 3: 2). لٰكِنَّهُ كانَ لا يَزالُ يَنظُرُ إِلى يَسوعَ كَمُعَلِّمٍ عَظيمٍ فَحَسب، لا كَالابنِ الأَزَلِيِّ الكاشِفِ لِوَجهِ الآبِ. وَمِن هُنا يَقودُهُ يَسوعُ تَدريجيًّا إِلى الدُّخولِ في سِرِّ الوِلادَةِ الجَديدَةِ "مِنَ الماءِ وَالرُّوح" (يو 3: 5).
إِنَّ المَعموديَّةَ، في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ وَالبُولُسيِّ، هِيَ دُخولٌ في سِرِّ مَوتِ المَسيحِ وَقِيامَتِهِ. فَالمُؤمِنُ يَموتُ مَعَ المَسيحِ لِلخَطيئَةِ وَيَقومُ مَعَهُ لِحَياةٍ جَديدَةٍ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "فَدُفِنَّا مَعَهُ في المَوتِ بِالمَعموديَّةِ، لِنَحيا نَحنُ أَيضًا حَياةً جَديدَةً كَما أُقيمَ المَسيحُ مِن بَينِ الأَمواتِ بِمَجدِ الآبِ" (رو 6: 4). وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الأُورُشليميُّ إِلى أَنَّ المَعموديَّةَ هِيَ "اِشتِراكٌ حَقيقيٌّ في مَوتِ المَسيحِ وَقِيامَتِهِ، وَدُخولٌ في حَياةِ الثَّالوثِ" (؛ PG 33: 1079)).
وَمِن خِلالِ المَعموديَّةِ يَكشِفُ يَسوعُ وَجهَ اللهِ الثَّالوثيَّ: الآبُ المُحِبُّ الَّذي يَبذُلُ ابنَهُ، وَالابنُ الَّذي يَفتَدي البَشَرِيَّةَ بِالصَّليبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يُعطي الحَياةَ الجَديدَةَ وَيُقدِّسُ المُؤمِنينَ. وَهٰكَذا تَصيرُ المَعموديَّةُ دُخولًا في شَرِكَةِ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ. وَيُعَلِّمُ الكِتابُ التَّعليمِيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ أَنَّ "المَسيحيّينَ يُعَمَّدونَ بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ" (مت 28: 19)، وَأَنَّ "إِيمانَ المَسيحيّينَ أَجمَعينَ يَرتَكِزُ عَلَى الثَّالوثِ الأَقْدَسِ. (التعليم المسيحي، بند 232).
إِنَّ سِرَّ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ هُوَ السِّرُّ المَركَزيُّ لِلإِيمانِ وَالحَياةِ المَسيحيَّةِ. فَتاريخُ الخَلاصِ بِأَسرِهِ هُوَ تاريخُ اِعلانِ اللهِ الثَّالوثيِّ لِلإِنسانِ: الآبُ الَّذي يُرسِلُ، وَالابنُ الَّذي يُخلِّصُ، وَالرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يُحيي وَيُقدِّسُ. وَكَما يَقولُ القِدِّيسُ إيريناوس: "حَيْثُ يَكونُ الابنُ هُناكَ يَكونُ الآبُ، وَحَيْثُ يَكونُ الرُّوحُ هُناكَ تَكونُ الحَياةُ" PG 7: 1037)). وَهٰكَذا كَشَفَ يَسوعُ لِنيقوديمُس وَجهَ اللهِ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ مِن خِلالِ إِعلانهِ مَحبَّةَ الآبِ، وَالإِيمانَ بِالابنِ، وَعَمَلَ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُولَدُ بِهِ الإِنسانُ مِن جَديدٍ لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
المَحبَّةُ هِيَ المَصدَرُ الوَحيدُ الَّذي بِاستِطاعَتِهِ أَنْ يَفتَحَ لِلإِنسانِ بابَ الدُّخولِ إِلى حَقيقَةِ اللهِ. فَبِالمَحبَّةِ كَشَفَ يَسوعُ وَجهَ الآبِ وَأَعلَنَ قَلبَهُ الخَلاصيَّ لِلعالَمِ، إِذ قالَ: "إِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَمُ" (يو 3: 17). وَهٰكَذا يَظهَرُ أَنَّ اللهَ لا يَقتَرِبُ مِنَ الإِنسانِ بِمَنطِقِ الإِدانَةِ أَوِ الاِنتِقامِ، بَلْ بِمَنطِقِ الرَّحمَةِ وَالخَلاصِ.
غَيرَ أَنَّ البَحثَ عَن مَصدَرِ هٰذا الخَلاصِ يَقودُنا إِلى عُمقِ الحُبِّ الإِلٰهيِّ الَّذي دَفَعَ الآبَ أَنْ يُعطيَ العالَمَ أَعزَّ ما لَدَيهِ: ابنَهُ الوَحيدَ. فَيَقولُ يَسوعُ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِهِ، بَلْ تَكونُ لَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 16). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَمِ قائِلًا: "لَم يَقُلْ إِنَّهُ أَعطى خادِمًا أَو مَلاكًا، بَلِ الابنَ الوَحيدَ، لِيُظهِرَ عَظَمَةَ المَحبَّةِ الَّتي لا حَدَّ لَها" PG 59: 161)).
إِنَّ الحُبَّ الإِلٰهيَّ هُوَ العُنصُرُ الدِّيناميكيُّ الدّائِمُ الحَرَكَةِ في تَدبيرِ الخَلاصِ، لأَنَّهُ قَبولٌ مُستَمِرٌّ لِلآخَرِ وَبَذلٌ لِلذّاتِ مِن أَجلِهِ. وَاللهُ لَم يَكتَفِ بِأَنْ يَقولَ لِلإِنسانِ إِنَّهُ يُحِبُّهُ، بَلْ بَرهنَ هٰذا الحُبَّ بِالبَذلِ الكامِلِ. فَالحُبُّ، عِندَ اللهِ، يَصِلُ إِلى أَقصى مَداهُ في التَّضحيَةِ بِالحَياةِ مِن أَجلِ الآخَرِ، كَما صَرَّحَ يَسوعُ: "لَيسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعظَمُ مِن أَنْ يَبذِلَ نَفسَهُ في سَبيلِ أَحِبّائِهِ" (يو 15: 13).
وَهٰكَذا حَقَّقَ اللهُ في المَسيحِ الذَّبيحَةَ الَّتي رُمِزَ إِلَيها قَديمًا في تَقدِمَةِ إِبراهيمَ لابنِهِ إِسحقَ (تك 22). فَإِبراهيمُ كانَ مُستَعِدًّا أَنْ يُقَدِّمَ ابنَهُ الوَحيدَ طاعَةً لِلهِ، أَمَّا الآبُ السَّماويُّ فَقَد "لَم يَضَنَّ بابنِهِ نَفسِهِ، بَلْ أَسلَمَهُ إِلى المَوتِ مِن أَجلِنا جَميعًا" (رو 8: 32). وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى هٰذِهِ المُقارَنَةِ قائِلًا: "إِسحقُ حَمَلَ الخَشَبَةَ الَّتي سَيُذْبَحُ عَلَيها، وَالمَسيحُ حَمَلَ صَليبَهُ؛ لٰكِنَّ اللهَ لَم يَمنَعْ ذَبيحَةَ ابنِهِ كَما مَنَعَ ذَبيحَةَ إِسحقَ" PL 38: 287)).
وَبِهٰذا أَظهَرَ اللهُ أَنَّهُ يُحِبُّ العالَمَ بِالحُبِّ نَفسِهِ الَّذي يُحِبُّ بِهِ الابنَ الوَحيدَ. بَلْ إِنَّهُ وَهَبَنا أَنْ نَشتَرِكَ في هٰذِهِ المَحبَّةِ الأَزليَّةِ الَّتي تَجمَعُ الآبَ وَالابنَ، أَيِ الرُّوحَ القُدُسَ. وَيُعبِّرُ البابا القدّيسُ بولُسُ السّادِسُ عَن هٰذِهِ الحَقيقَةِ قائِلًا: "الآبُ يَمنَحُ ذاتَهُ لِلابنِ مِن دونِ تَحفُّظٍ، وَالابنُ يَرُدُّ ذاتَهُ بِالكامِلِ إِلى الآبِ، في اِندِفاعِ امتِنانٍ سَعيدٍ، وَذٰلِكَ في الرُّوحِ القُدُسِ" (Gaudete in Domino, 3).
وَقَدِ اختَبَرَ يُوحَنَّا الحَبيبُ هٰذِهِ المَحبَّةَ، فَاختَصَرَ حَقيقَةَ اللهِ كُلَّها بِقَولِهِ: "اللهُ مَحبَّة"(1 يو 4: 8). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النِّزينزيُّ: "إِذا كانَ اللهُ مَحبَّةً، فَالمَحبَّةُ لا تَكونُ في الوَحدَةِ المُغلَقَةِ، بَلْ في الشَّرِكَةِ وَالعَطاءِ" (PG 36: 76).
وَبِإِعطائِهِ الابنَ، كَشَفَ اللهُ أَنَّهُ لا يُعطي شَيئًا خارِجًا عَنهُ، بَلْ يُعطي نَفسَهُ حُبًّا لِلبَشَرِ. فَالابنُ يَعيشُ مَعَ الآبِ مُنذُ الأَزَلِ في حِوارِ مَحبَّةٍ كامِلَةٍ، لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: "أَنا وَالآبُ واحِدٌ" (يو 10: 30)، وَكَذٰلِكَ: "أَلا تُؤمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وَأَنَّ الآبَ فيَّ؟" (يو 14: 10). وَهٰذا ما دَفَعَ القِدِّيسَ هيلاريوس البُواتييه أَنْ يَقولَ: "لَيسَ الاِبنُ خارِجًا عَنِ الآبِ، بَلْ هُوَ في الآبِ، كَما أَنَّ الآبَ فيهِ، في وَحدَةِ الجَوهَرِ وَالمَحبَّةِ" PL 10: 202)).
وَقَد ساعَدَ عِلمُ النَّفسِ الحَديثُ أَيضًا عَلَى فَهمِ بَعضِ أَبعادِ الحُبِّ، إِذ يُشيرُ إيريك فروم في كِتابِهِ "فَنُّ الحُبِّ" إِلى أَنَّ الحُبَّ الحَقيقيَّ "يُوَحِّدُ دونَ أَنْ يُذيبَ الآخَرَ". وَيُوَضِّحُ الفَيلَسوفُ هيغل أَنَّ "الحُبَّ هُوَ تَمييزٌ بَينَ اثنَينِ يَعيشانِ وَعيًا مُشتَرَكًا". وَهٰذِهِ الحَقيقَةُ تَظهَرُ بِكَمالِها في الثَّالوثِ الأَقْدَسِ، حَيْثُ الأَقانيمُ الثَّلاثَةُ مُتَّحِدَةٌ في الجَوهَرِ وَالمَحبَّةِ، مِن دونِ أَنْ يَذوبَ أَحَدُها في الآخَرِ أَو يَفقِدَ تَمايُزَهُ الشَّخصيَّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الدِّمَشقيُّ قائلًا: "الأَقانيمُ مُتَّحِدَةٌ دونَ اختِلاطٍ، وَمُتَمايِزَةٌ دونَ انفِصالٍ" PG 94: 832)). وَمِن هُنا نَفهَمُ أَنَّ الثَّالوثَ الأَقْدَسَ هُوَ شَرِكَةُ مَحبَّةٍ كامِلَةٍ، فِيهَا يَكونُ كُلُّ أُقنومٍ لِلآخَرِ وَفي الآخَرِ، مِن دونِ أَنْ يَفقِدَ شَخصِيَّتَهُ وَتَمايُزَهُ.
إِنَّ الآبَ الَّذي كَشَفَهُ يَسوعُ لَيسَ إِلٰهًا مُتَسَلِّطًا أَو بَعيدًا، بَلْ أَبٌ يُحِبُّ وَيُعطي نَفسَهُ بِالكامِلِ. وَهٰذا الحُبُّ الثَّالوثيُّ هُوَ أَصلُ الخَلقِ وَالفِداءِ وَالتَّقديسِ، وَهُوَ الدَّعوَةُ الَّتي يَدعو اللهُ الإِنسانَ إِلى الدُّخولِ فيها، لِيَصيرَ شَريكًا في حَياةِ الثَّالوثِ الأَبَدِيَّةِ.
ب) الإِيمانُ بِالابنِ
لا يَعرِفُ الإِنسانُ قِيمَةَ الحُبِّ الإِلٰهيِّ إِلّا مِن خِلالِ الإِيمانِ. فَالإِيمانُ لَيْسَ مُجرَّدَ تَصديقٍ ذِهنيٍّ لِحَقائِقَ عَقَديَّةٍ، بَلْ هُوَ اِنخِراطُ الإِنسانِ بِكُلِّيَّتِهِ ـ قَلبًا وَرُوحًا وَإِرادَةً ـ في مَحبَّةِ اللهِ الخَلاصيَّةِ الَّتي تَجَلَّت في يَسوعَ المَسيحِ. الإِيمانُ هُوَ جَوابُ الإِنسانِ عَلَى وَحيِ اللهِ، وَ"نَعَم" الحُرَّةُ الَّتي يُعطيها لِدَعوَةِ اللهِ في المَسيحِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.
وَقَد وَضَّحَ يَسوعُ هٰذِهِ الدَّعوَةَ الإِلٰهيَّةَ في حِوارِهِ مَعَ نيقوديمُس قائِلًا: "إِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَمَ، بَلْ لِيُخَلَّصَ بِهِ العالَمُ. مَن آمَنَ بِهِ لا يُدانُ، وَمَن لَم يُؤمِنْ بِهِ فَقَد دِينَ مُنذُ الآن، لِأَنَّهُ لَم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيدِ" (يو 3: 17-18). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَندَريُّ قائِلًا: "لَم يَأتِ الابنُ لِيَطلُبَ هَلاكَ البَشَرِ، بَلْ خَلاصَهُم؛ فَالدَّينونَةُ لا تَأتي مِنَ المَسيحِ، بَلْ مِن رَفضِ الإِنسانِ لِلنُّورِ" PG 73: 233)).
إِنَّ يَسوعَ لَم يَأتِ لِيُدينَ، بَلْ لِيُخَلِّصَ، هٰذِهِ هِيَ خُلاصَةُ رِسالَتِهِ وَمِفتاحُ كُلِّ ما عَلَّمَ وَعَمِلَ. فَاللهُ لا يَفرَحُ بِهَلاكِ الإِنسانِ، بَلْ يَدعوهُ إِلى الحَياةِ. غَيرَ أَنَّ الإِنسانَ يَبقى حُرًّا في أَنْ يَقبَلَ النُّورَ أَو يَرفُضَهُ. فَالرَّبُّ لا يَدينُ أَحَدًا تَعَسُّفًا، بَلِ الإِنسانُ هُوَ الَّذي يَقضي عَلَى نَفسِهِ بِرَفضِهِ الإِيمانَ وَإِغلاقِ قَلبِهِ أَمامَ النِّعمَةِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى هٰذِهِ الحَقيقَةِ قائِلًا: "اللهُ لا يُرسِلُ أَحَدًا إِلى الهَلاكِ، بَلِ الإِنسانُ يَهْلِكُ بِابتِعادِهِ عَنِ الحَياةِ الَّتي هِيَ المَسيحُ" PL 35: 1492)).
وَهٰكَذا يَنكَشِفُ النّاسُ عَلَى حَقيقَتِهِم تِبعًا لِمَوقِفِهِم مِنَ المَسيحِ: فَهُم إِمَّا يَقبَلونَ النُّورَ وَيَدخُلونَ في الحَياةِ، أَو يُفَضِّلونَ الظَّلامَ وَيَبتَعِدونَ عَنِ الخَلاصِ. فَالإِنسانُ قادِرٌ أَنْ يُفَضِّلَ الشَّرَّ عَلَى الحَقِّ، وَالظَّلامَ عَلَى النُّورِ، وَأَنْ يَهرُبَ مِنَ المَسيحِ لِئَلّا تُفضَحَ أَعمالُهُ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النِّيسيُّ: "النُّورُ لا يُجبِرُ أَحَدًا عَلَى قَبولِهِ، لٰكِنَّهُ يَكشِفُ ما في القُلوبِ").
وَيَقودُنا النَّصُّ الإِنجيليُّ مِن إِيمانٍ ناقِصٍ إِلى اِكتِشافِ سِرِّ المَسيحِ نُورًا وَخَلاصًا، وَإِلى قَبولِهِ مِن دونِ تَحَفُّظٍ. وَهٰذا الإِعلانُ بِالإِيمانِ لَيسَ عَمَلًا بَشَرِيًّا بَحتًا، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ في الإِنسانِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ لِنيقوديمُس: "فَإِذا كُنتُم لا تُؤمِنونَ عِندَما أُكَلِّمُكُم في أُمورِ الأَرضِ، فَكَيفَ تُؤمِنونَ إِذا كَلَّمتُكُم في أُمورِ السَّماءِ؟" (يو 3: 12). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهبيُّ الفَمِ: "الإِيمانُ هُوَ بابُ الأَسرارِ؛ فَمَن لا يَقبَلُ الأُمورَ البَسيطَةَ، كَيفَ يَقدِرُ أَنْ يَدخُلَ إِلى العَجائِبِ الإِلٰهيَّةِ؟" PG 59: 143)).
وَقَد وَصَلَ نيقوديمُس أَخيرًا إِلى هٰذا الإِيمانِ الحَيِّ، فَانتَقَلَ مِنَ الخَوفِ وَاللَّيلِ إِلى الجُرأَةِ وَالنُّورِ. فَبَعدَ أَنْ جاءَ إِلى يَسوعَ لَيلًا (يو 3: 2)، أَخَذَ يُدافِعُ عَنهُ أَمامَ السَّنهدرينَ (يو 7: 50)، ثُمَّ ظَهَرَ عِندَ الصَّليبِ لِيُشارِكَ في تَكفينِهِ وَدَفنِهِ (يو 19: 39). وَيُشيرُ القِدِّيسُ أَمبروسيوس إِلى هٰذا التَّدَرُّجِ قائِلًا: "«الَّذي جاءَ في اللَّيلِ، خَرَجَ أَخيرًا إِلى النُّورِ، لأَنَّ الإِيمانَ الحَقيقيَّ يُخرِجُ الإِنسانَ مِن خَوفِهِ" PL 15: 1855)).
إِنَّ الثَّالوثَ الأَقْدَسَ هُوَ جَوهَرُ الإِيمانِ المَسيحيِّ وَمِحوَرُ الحَياةِ المَسيحيَّةِ، وَهُوَ مَنبَعُ كُلِّ أَسرارِ الإِيمانِ وَالنُّورُ الَّذي يُنيرُها. وَكَما يُعَلِّمُ الكِتابُ التَّعليميُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ: "الثَّالوثُ هُوَ السِّرُّ المَركَزيُّ لِلإِيمانِ وَالحَياةِ المَسيحيَّةِ، وَهُوَ سِرٌّ لا يَستَطيعُ العَقلُ البَشَريُّ المُجَرَّدُ أَنْ يُدرِكَهُ إِلّا مِن خِلالِ تَجَسُّدِ ابنِ اللهِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 237).
وَمِن هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ مُجرَّدَ جُهدٍ عَقليٍّ لِفَهمِ اللهِ، بَلْ هُوَ دُخولٌ في شَرِكَةِ الحُبِّ الثَّالوثيِّ الَّذي يَكشِفُ اللهُ فيهِ ذاتَهُ لِلإِنسانِ. وَكَما يَقولُ النَّبيُّ أَشَعيا: "كَما تَعلو السَّمواتُ عَنِ الأَرضِ، كَذٰلِكَ طُرُقي تَعلو عَن طُرُقِكُم وَأَفكاري عَن أَفكارِكُم" (أش 55: 9). فَسِرُّ اللهِ لا يُدرَكُ بِالعَقلِ وَحدَهُ، بَلْ يُستَقبَلُ بِالإِيمانِ المُتَّضِعِ وَالقَلبِ المُنفَتِحِ لِلنِّعمَةِ.
ج) مَعونَةُ الرُّوحِ القُدُسِ
إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ وَحدَهُ قادِرٌ أَنْ يَفتَحَ عُيونَ الإِنسانِ عَلَى النُّورِ العُلويِّ، وَأَنْ يُدخِلَهُ إِلى سِرِّ المَسيحِ وَسِرِّ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ. فَسِرُّ المَسيحِ هُوَ سِرُّ اللهِ الحَيِّ، اللهِ الَّذي هُوَ رُوحٌ وَحَياةٌ، وَمَبدَأُ كُلِّ حَياةٍ، كَما جاءَ في سِفرِ التَّكوينِ: "وَنَفَخَ في أَنفِهِ نَسَمَةَ حَياةٍ، فَصارَ الإِنسانُ نَفسًا حَيَّةً" (تك 2: 7).
غَيرَ أَنَّ هُناكَ هُوَّةً كَبيرةً تَفصِلُ بَينَ الخَليقَةِ الضَّعيفَةِ وَبَينَ اللهِ الرُّوحِ، كما يُعلِنُ النَّبيُّ أَشَعيا: "المِصرِيُّونَ بَشَرٌ لا إِلٰه، وَخُيولُهُم جَسَدٌ لا رُوح" (أش 31: 3). وَلِذٰلِكَ يَستَحيلُ عَلَى الإِنسانِ أَنْ يَعبُرَ بِقُوَّتِهِ الذّاتِيَّةِ إِلى عُمقِ اللهِ، ما لَم يَأتِ اللهُ نَفسُهُ بِرُوحِهِ لِيَرفَعَ الإِنسانَ وَيُشرِكَهُ في الحَياةِ السَّماويَّةِ.
مِن هُنا، فَالدُّخولُ في سِرِّ الثَّالوثِ يَفتَرِضُ "وِلادَةً مِن عَلُ"، كَما أَعلَنَ يَسوعُ لِنيقوديمُس: "ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُهُ أَنْ يَرى مَلَكوتَ اللهِ إِلّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ" (يو 3: 3)، وَأَيضًا: "إِذا لَم يُولَدِ الإِنسانُ مِنَ الماءِ وَالرُّوحِ، لا يَقدِرُ أَنْ يَدخُلَ مَلَكوتَ اللهِ" (يو 3: 5). فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَهَبُ الإِنسانَ حَياةً جَديدَةً مِنَ السَّماءِ، لأَنَّ "ما وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ فَهُوَ رُوحٌ" (يو 3: 6). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الأُورُشليميُّ قائِلًا: "كَمَا أَنَّ الماءَ يَغسِلُ الجَسَدَ، هٰكَذا الرُّوحُ يُطَهِّرُ النَّفسَ وَيُعيدُ خَلقَها" PG 33: 1092).). فَالمَعموديَّةُ لَيْسَت طَقسًا خارِجيًّا فَحَسب، بَلْ وِلادَةٌ جَديدَةٌ يَخلُقُ فيها الرُّوحُ القُدُسُ الإِنسانَ مِن جَديدٍ لِيُصبِحَ قادِرًا عَلَى مَعرِفَةِ اللهِ وَالدُّخولِ في شَرِكَتِهِ.
إِنَّ سِرَّ المَسيحِ يَأتي "مِن عَلُ" (يو 3: 13)، وَلا يَبلُغُهُ الإِنسانُ بِمَعرِفَتِهِ العَقليَّةِ وَحدَها، بَلْ بِنِعمَةِ التَّجديدِ الَّتي يَعمَلُها الرُّوحُ القُدُسُ في القَلبِ. وَقَد رَبَطَ يَسوعُ بَينَ تَجديدِ الإِنسانِ وَبَينَ رَفعِ ابنِ الإِنسانِ عَلَى الصَّليبِ، حَيْثُ يَتَجَلّى الحُبُّ الإِلٰهيُّ في أَقصى صُوَرِهِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى ذٰلِكَ قائِلًا: "الرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَجعَلُنا قادِرينَ عَلَى أَنْ نُحِبَّ ما نُؤمِنُ بِهِ" PL 42: 1082)).
وَيَدعونا النَّصُّ الإِنجيليُّ إِلى أَنْ نَتَأَمَّلَ في سِرِّ الثَّالوثِ، لا لِنُحيطَ بِهِ فِكريًّا، بَلْ لِنَدخُلَ فيهِ حَياتيًّا. فَاللهُ أَكبَرُ مِن أَنْ يُختَزَلَ في مَفاهيمِ العَقلِ البَشَريِّ. وَفي هٰذا السِّياقِ يَقولُ العَلّامَةُ أُوغُسطينوس: "إِذا ظَنَنتَ أَنَّكَ فَهِمتَ اللهَ، فَما فَهِمتَهُ لَيسَ اللهَ" PL 38: 663)). فَاللهُ سِرٌّ لا يُدرَكُ بِالكامِلِ، بَلْ يُعاشُ وَيُعبَدُ. وَتُعبِّرُ القِدِّيسَةُ تيريزا الأَفيليَّةُ عَن هٰذِهِ الخِبرَةِ الرُّوحيَّةِ قائِلَةً: "كُلَّما عَجَزتُ عَن فَهمِ هٰذِهِ الأَسرارِ، اِزدادَ إيماني وَاِزدادَت عِبادَتي". فَالإِيمانُ الحَقيقيُّ لا يُلغي العَقلَ، بَلْ يَقودُهُ إِلى التَّواضُعِ أَمامَ عَظَمَةِ اللهِ.
إِنَّ الحَياةَ المَسيحيَّةَ هِيَ شَرِكَةٌ حَيَّةٌ مَعَ الأَقانيمِ الإِلٰهيَّةِ الثَّلاثَةِ: الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. فَمَن يُمَجِّدُ الآبَ يُمَجِّدُهُ بِالابنِ في الرُّوحِ القُدُسِ، وَمَن يَتبَعُ المَسيحَ يَتبَعُ الآبَ، لأَنَّ الآبَ هُوَ الَّذي يَجذِبُهُ، كَما قالَ يَسوعُ: "ما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَنْ يُقبِلَ إِلَيَّ إِلّا إِذا اجتَذَبَهُ الآبُ الَّذي أَرسَلَني" (يو 6: 44). وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يُحَرِّكُ القُلوبَ وَيَقودُها، كَما يُؤَكِّدُ بولُسُ الرَّسولُ: "إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ اللهِ يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا" (رو 8: 14). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير قائِلًا: "بِالرُّوحِ القُدُسِ نَعرِفُ الابنَ، وَبِالابنِ نَصِلُ إِلى الآبِ" PG 32: 149)). فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَفتَحُ أَمامَنا الطَّريقَ لِلدُّخولِ في حَياةِ الثَّالوثِ.
وَمِن هُنا، فَأَنْ أَكونَ مَسيحيًّا يَعني أَنْ أَستَطيعَ أَنْ أَقولَ مَعَ يَسوعَ: "أَبانا"، وَأَنْ أُصبِحَ بِالفِعلِ ابنًا لِلآبِ في وَحدَةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَصَدَقَ صاحِبُ كِتابِ "الاِقتِداءِ بِالمَسيحِ" حِين قالَ: "لا يَنفَعُكَ شَيءٌ فَهمُ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ إِذا خَلَوتَ مِنَ التَّواضُعِ الَّذي يَجعَلُكَ مَرضِيًّا لَدَى الثَّالوثِ".
إِنَّ أَنْ أَكونَ مَسيحيًّا يَعني أَنْ أُؤمِنَ أَنَّ الابنَ تَجَسَّدَ وَصارَ إِنسانًا، وَماتَ عَلَى الصَّليبِ وَقامَ حُبًّا بِالإِنسانِ، وَأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ عَلَى الإِنسانِ لِيَمكُثَ فيهِ وَيَعمَلَ مَعَهُ. وَيَعني أَيضًا أَنْ أُدرِكَ أَنَّ عَظَمَةَ اللهِ لا تَكمُنُ في بُعدِهِ عَنِ العالَمِ، بَلْ في اِتِّحادِهِ بِالعالَمِ وَالإِنسانِ في الابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، لِيَرفَعَ الإِنسانَ إِلى شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ الأَبَدِيَّةِ.
2. ما هُوَ سِرُّ الثَّالوثِ الأَقدَس؟
يَقومُ الإِيمانُ المَسيحيُّ عَلَى سِرِّ الثَّالوثِ الأَقدَسِ، وَهُوَ ما يُعبَّرُ عَنهُ في اللُّغَةِ اللّاتينيَّةِ بِكَلِمَة Trinitas . وَصَحيحٌ أَنَّ لَفظَةَ "الثَّالوث" لَم تَرِدْ كَمُصطَلَحٍ حَرفِيٍّ في الكِتابِ المُقَدَّسِ، إِلَّا أَنَّ حَقيقَتَهُ مُعلَنَةٌ فيهِ بِوُضوحٍ، سَواءٌ بِصَريحِ العِباراتِ أَو بِمَضمونِ الوَحيِ كُلِّهِ. فَالثَّالوثُ يَعني إِلٰهًا واحِدًا في ثَلاثَةِ أَقانيمَ مُتَمايِزَةٍ: الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. الآبُ الَّذي خَلَقَنا، وَالابنُ الَّذي اِفتَدانا وَخَلَّصَنا، وَالرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يُحيينا وَيُقَدِّسُنا.
إِنَّ العَلاقَةَ بَينَ الأَقانيمِ الثَّلاثَةِ هِيَ عَلاقَةُ وَحدَةٍ كامِلَةٍ وَشَرِكَةٍ أَزَلِيَّةٍ. فَالآبُ أَرسَلَ الابنَ إِلى العالَمِ لِخَلاصِهِ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يو 3: 16)، وَتَجَسُّدُ الابنِ تَمَّ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ: "وُجِدَت حُبلى مِنَ الرُّوحِ القُدُس" (مت 1: 18). وَالرُّوحُ القُدُسُ، وَإِن كانَ أُقنومًا مُتميِّزًا، فَهُوَ يُدعَى أَيضًا "رُوحَ الآبِ" (مت 10: 20) وَ"رُوحَ يَسوع" (أع 16: 7)، لِيُظهِرَ وَحدَةَ الثَّالوثِ في الجَوهَرِ وَالعَمَلِ.
وَلَم تَأتِ عَقيدَةُ الثَّالوثِ كَفِكرَةٍ فَلسَفيَّةٍ اِبتَدَعَتها الكَنيسَةُ، بَلْ نَمَت مِن خِبرَةِ الوَحيِ وَالحَياةِ الكَنَسيَّةِ. فَالعَهدُ الجَديدُ يَحتَوي عَلَى صِيَغٍ ثالوثيَّةٍ واضِحَةٍ، مِثلَ وَصيَّةِ المَعموديَّةِ: "عَمِّدوهم بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس" (مت 28: 19)، وَبَرَكَةِ بولُسَ الرَّسولِ: "نِعمَةُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، وَمَحبَّةُ الله، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم جَميعًا" (2 قور 13: 13).
وَقَد سَعَى آباءُ الكَنيسَةِ إِلى التَّعبيرِ عَن هٰذا السِّرِّ بِلُغَةٍ لاهوتيَّةٍ دَقيقَةٍ. فَيُوضِحُ البابا بيوس السادس في بَرائَتِهِ Auctorem Fidei (1794) أَنَّ: "الثَّالوثَ هُوَ إِلٰهٌ واحِدٌ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ مُتميِّزَةٍ، لا إِلٰهٌ واحِدٌ يَظهَرُ في ثَلاثَةِ أَشكالٍ". فَالآبُ غَيرُ مَولودٍ، وَالابنُ مَولودٌ مِنَ الآبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ مُنبَثِقٌ مِنَ الآبِ وَالابنِ. وَيَشرحُ القِدِّيسُ غريغوريوس النزينزي قائِلًا: "لَيسَ الابنُ هُوَ الآبَ، لأَنَّ الآبَ واحِدٌ وَالابنُ واحِدٌ، وَلَيسَ الرُّوحُ القُدُسُ ابنًا، لأَنَّهُ مُنبَثِقٌ مِنَ اللهِ؛ لٰكِنَّ الثَّلاثَةَ هُم إِلٰهٌ واحِدٌ في الجَوهَرِ، مُتميِّزونَ في الخَصائِصِ" PG 36: 141)).
وَكُلُّ أُقنومٍ مِنَ الثَّالوثِ هُوَ اللهُ كامِلًا: فالآبُ هُوَ اللهُ (يو 6: 27؛ رو 1: 7)، وَالابنُ هُوَ اللهُ: "في البَدءِ كانَ الكَلِمَة… وَكانَ الكَلِمَةُ الله" (يو 1: 1)، وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ اللهُ، كَما يَظهَرُ في قَولِ بُطرُسَ لِحَنانيا: "لَم تَكذِبْ عَلَى النّاسِ بَلْ عَلَى الله" (أع 5: 4).
إِنَّ سِرَّ الثَّالوثِ هُوَ سِرُّ ذاتِ اللهِ العَجيبَةِ، وَحَياتِهِ الدّاخليَّةِ، وَكَمالِهِ الأَزليِّ. فَاللهُ واحِدٌ في الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ: "اِسمَعْ يا إِسرائيل: الرَّبُّ إِلٰهُنا رَبٌّ واحِد" (تث 6: 4)، لٰكِنَّهُ ثالوثٌ في الأَقانيمِ. وَكُلُّ أُقنومٍ يَملِكُ مِلءَ الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ بِالكامِلِ، كَما يُعلِّمُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ: "الآبُ هُوَ ذاتُ ما هُوَ الابنُ، وَالابنُ هُوَ ذاتُ ما هُوَ الآبُ، وَالآبُ وَالابنُ هُما ذاتُ ما هُوَ الرُّوحُ القُدُسُ، أَي إِلٰهٌ واحِدٌ بِالطَّبيعَةِ" (التعليم المسيحي 253). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "هٰذا ما نَتمَسَّكُ بِهِ بِحَقٍّ وَبِغَيرَةٍ: أَنَّ الآبَ وَالابنَ وَالرُّوحَ القُدُسَ ثالوثٌ غَيرُ قابِلٍ لِلانفِصالِ، إِلٰهٌ واحِدٌ لا ثَلاثَةُ آلِهَة" PL 42: 824)).
إِنَّ الأَقانيمَ الثَّلاثَةَ مُتميِّزونَ بِعَلاقاتِ المَصدَرِ: "الآبُ يَلِدُ، وَالابنُ مَولودٌ، وَالرُّوحُ القُدُسُ مُنبَثِقٌ" (التعليم المسيحي 254). وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّهُم يَعمَلونَ عَمَلًا واحِدًا، لأَنَّ لَهُم جَوهَرًا واحِدًا وَإِرادَةً واحِدَةً. وَيُشيرُ بولُسُ الرَّسولُ إِلى هٰذِهِ الوَحدَةِ قائِلًا: "لَيسَ عِندَنا إِلَّا إِلٰهٌ واحِدٌ وَهُوَ الآبُ، مِنهُ كُلُّ شَيء… وَرَبٌّ واحِدٌ وَهُوَ يَسوعُ المَسيحُ، بِهِ كُلُّ شَيء" (1 قور 8: 6).
وَقَد أَوحَى اللهُ بِسِرِّ الثَّالوثِ تَدريجيًّا، مُراعِيًا قُدرَةَ الإِنسانِ عَلَى اِستِقبالِ الوَحيِ. فَالعَهدُ القَديمُ أَعلَنَ بِوُضوحٍ وَحدانيَّةَ اللهِ، وَأَشارَ بِصُوَرٍ خَفيَّةٍ إِلى الاِبنِ وَالرُّوحِ. أَمَّا العَهدُ الجَديدُ فَكَشَفَ بِوُضوحٍ شَخصَ الابنِ وَأُلوهِيَّتَهُ، وَأَعلَنَ الرُّوحَ القُدُسَ كَأُقنومٍ إِلٰهيٍّ مُحيي وَمُقَدِّسٍ. وَمِن هُنا، فَالثَّالوثُ الأَقدَسُ لَيْسَ مُجرَّدَ نَظَرِيَّةٍ لاهوتيَّةٍ مُجرَّدَةٍ، بَلْ سِرُّ المَحبَّةِ الإِلٰهيَّةِ الَّذي دَخَلَ التّاريخَ لِيُشرِكَ الإِنسانَ في حَياةِ اللهِ نَفسِهِ.
3. الثَّالوثُ في ضوء الكتِّاب المقدس
أ) الثَّالوثُ في العَهدِ القَديم
لَمَّا كانَ وَحيُ العَهدِ القَديمِ ظِلًّا وَتَمهيدًا لِوَحيِ العَهدِ الجَديدِ، كَما يَقولُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيِّين: "لَمَّا كانَتِ الشَّريعَةُ تَشتَمِلُ عَلَى ظِلِّ الخَيراتِ المُستَقبَلَةِ، لا عَلَى تَجسيدِ الحَقائِقِ نَفسِهِ" (عب 10: 1)، فَلا نَنتَظِرُ في العَهدِ القَديمِ إِعلانًا صَريحًا وَكامِلًا لِسِرِّ الثَّالوثِ الأَقدَسِ، بَلْ إِشاراتٍ وَتَلميحاتٍ تَمهيديَّةً لِما سَيَنكَشِفُ بِالكامِلِ في يَسوعَ المَسيحِ وَالرُّوحِ القُدُسِ.
فَفي بِدايَةِ سِفرِ التَّكوينِ نَجِدُ أَوَّلَ إِشاراتِ الوَحيِ الثُّلاثيِّ، حَيْثُ يَقولُ الكِتابُ المُقَدَّسُ: "في البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرض… وَرُوحُ اللهِ يُرِفُّ عَلَى وَجهِ المِياه. وَقالَ اللهُ: لِيَكُنْ نور" (تك 1: 1-3). وَقَد رَأى آباءُ الكَنيسَةِ في هٰذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَلميحًا إِلى الثَّالوثِ: فَهُناكَ اللهُ الخالِقُ، وَرُوحُ اللهِ، وَكَلِمَةُ اللهِ الَّتي بِها خُلِقَ النُّورُ وَالعالَمُ.
أَمَّا اِسمُ اللهِ في العِبرِيَّةِ אֱלֹהִים (إِلوهيم)، فَهُوَ مِن حَيْثُ الصِّيغَةُ اِسمُ جَمعٍ، لِأَنَّهُ يَنتَهي بِلاحِقَةِ الجَمعِ العِبرِيَّةِ ـים (يم)، لٰكِنَّهُ يَأخُذُ فِعلًا مُفرَدًا. وَقَد اِعتَبَرَ بَعضُ آباءِ الكَنيسَةِ وَالمُفَسِّرينَ أَنَّ هٰذا الأُسلوبَ يُوحي بِغِنَى الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ وَسِرِّ الوَحدَةِ في التَّعدُّدِ، مَعَ الحِفاظِ عَلَى وَحدانيَّةِ اللهِ. غَيرَ أَنَّ الاِستِعمالَ اللُّغويَّ الأَساسِيَّ لِهٰذِهِ الصِّيغَةِ يَدُلُّ أَيضًا عَلَى جَمعِ الجَلالِ وَالعَظَمَةِ وَالمَلَكوتِ.
وَيَظهَرُ هٰذا البُعدُ أَيضًا في قَولِ اللهِ: "لِنَصنَعِ الإِنسانَ عَلَى صورَتِنا كَمِثالِنا" (تك 1: 26). فَصِيغَةُ الجَمعِ هُنا أَثارَت مُنذُ القِدَمِ تَساؤُلاتٍ لاهوتيَّةً، وَرَأى فيها بَعضُ الآباءِ إِشارةً مُبَكِّرَةً إِلى الحَوارِ الدّاخليِّ في اللهِ الثُّلاثيِّ الأَقانيمِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير: "لَم يَقُلِ اللهُ: لِيَكُنِ الإِنسانُ، بَلْ قالَ: لِنَصنَع، لِيُظهِرَ أَنَّ في اللهِ شَرِكَةً وَوَحدَةً" PG 29: 32)).
وَيَظهَرُ أَيضًا في العَهدِ القَديمِ التَّمييزُ بَينَ "يَهوه" وَ"مَلاكِ الرَّبِّ"، حَيْثُ يَظهَرُ المَلاكُ أَحيانًا كَمَن يَتَكَلَّمُ بِاسمِ اللهِ وَيَحمِلُ حُضورَهُ الإِلٰهيَّ، كَما في ظُهورِهِ لِهاجَرَ (تك 16: 7-13). وَقَد رَأى آباءُ الكَنيسَةِ في هٰذِهِ الظُّهوراتِ تَلميحاتٍ إِلى الكَلِمَةِ الإِلٰهيِّ الَّذي سَيَتَجَسَّدُ في مِلءِ الزَّمانِ.
أَمَّا اِسمُ اللهِ المُقَدَّسُ יְהוָה (يهوه)، فَقَد أَعلَنَهُ اللهُ لِموسى في سِفرِ الخُروجِ (خر 3: 14-15). وَكانَ اليَهودُ يَتَجَنَّبونَ لَفظَهُ مِن شِدَّةِ قَداسَتِهِ، لِئَلّا يُستَعمَلَ بِاِستِهانَةٍ أَو في مَمارَساتٍ سِحريَّةٍ. وَيُعلِنُ اللهُ ذاتَهُ لِموسى قائلًا: "الرَّبُّ، الرَّبُّ، إِلٰهٌ رَحيمٌ وَرَؤوفٌ، طَويلُ الأَناةِ، كَثيرُ الرَّحمَةِ وَالوَفاء" (خر 34: 6).
وَتَحمِلُ هٰذِهِ الصِّفاتُ العِبرِيَّةُ عُمقًا لاهوتيًّا كَبيرًا:
فَاللهُ "رَحيم" אֵל רַחוּם، أَي يَحمِلُ حَنَانَ الأَبِ وَالأُمِّ تِجاهَ شَعبِهِ.
وَهُوَ "رَؤوف" חַנּוּן، أَي مَليءٌ بِالنِّعمَةِ وَالغُفرانِ.
وَهُوَ "طَويلُ الأَناة" אֶרֶךְ אַפַּיִם، أَي صَبورٌ يَنتَظِرُ تَوبَةَ الإِنسانِ.
وَهُوَ "كَثيرُ الرَّحمَةِ وَالوَفاء" רַב־חֶסֶד וֶאֱמֶת، أَي غَنِيٌّ بِالمَحبَّةِ وَالأَمانَةِ.
وَمِن خِلالِ هٰذِهِ الصِّفاتِ يَنكَشِفُ وَجهُ اللهِ الَّذي سَيُعلِنُهُ يَسوعُ بِالكامِلِ في العَهدِ الجَديدِ: إِلٰهُ المَحبَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالأَمانَةِ. وَصُورَةُ اللهِ الخالِقِ في العَهدِ القَديمِ تُمَهِّدُ لِكَشفِ الآبِ كَأُقنومٍ أَوَّلَ في الثَّالوثِ الأَقدَسِ.
كَما أَنَّ النُّبوءَاتِ المَسيانيَّةَ تَحمِلُ إِشاراتٍ واضِحَةً إِلى شَخصِ الابنِ. فَيَقولُ أَشَعيا: "لِأَنَّهُ قَد وُلِدَ لَنا وَلَدٌ… وَدُعِيَ اسمُهُ: إِلٰهًا جَبّارًا، أَبَا الأَبَدِ، رَئيسَ السَّلام" (أش 9: 6). وَيَقولُ المَزمورُ الثّاني: "أَنتَ ابنِي، أَنا اليَومَ وَلَدتُكَ" (مز 2: 7). وَرَأَتِ الكَنيسَةُ في هٰذِهِ النُّصوصِ نُبوءَاتٍ عَنِ المَسيحِ ابنِ اللهِ.
لٰكِنَّ العَهدَ القَديمَ بَقِيَ في إِطارِ التَّلميحِ وَالتَّمهيدِ، لأَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ لا يُدرَكُ بِالعَقلِ البَشَريِّ وَحدَهُ، بَلْ يَحتاجُ إِلى وَحيٍ إِلٰهيٍّ كامِلٍ. وَلهٰذا يُعلِّمُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ: "الثَّالوثُ هُوَ سِرُّ إِيمانٍ بِالمَعنى الحَقيقيِّ، أَحَدُ الأَسرارِ الخَفِيَّةِ في اللهِ، وَلا يُمكِنُ مَعرِفَتُهُ إِلَّا إِذا كُشِفَ عَنهُ مِن عَلُوّ" (التعليم المسيحي 237). وَهٰكَذا، فَإِنَّ العَهدَ القَديمَ يَحمِلُ "آثارًا" لِسِرِّ الثَّالوثِ، لٰكِنَّ الاِكتمالَ جاءَ في يَسوعَ المَسيحِ، الَّذي كَشَفَ وَجهَ الآبِ وَأَرسَلَ الرُّوحَ القُدُسَ، فَأَصبَحَ اللهُ مَعروفًا لَنا كَآبٍ وَابنٍ وَرُوحٍ قُدُسٍ.
ب) الثَّالوثُ في العَهدِ الجَديد
يَنتَقِلُ وَحيُ اللهِ في العَهدِ الجَديدِ مِن مَرحَلَةِ التَّلميحِ إِلى مَرحَلَةِ الإِعلانِ الواضِحِ لِسِرِّ الثَّالوثِ الأَقدَسِ. فَما كانَ مَخفِيًّا بِالرُّموزِ وَالإِشاراتِ في العَهدِ القَديمِ، أَعلَنَهُ يَسوعُ المَسيحُ بِشَكلٍ كامِلٍ في شَخصِهِ وَفي عَمَلِ الخَلاصِ.
يَظهَرُ سِرُّ الثَّالوثِ أَوَّلًا في عَمَلِ الخَلقِ نَفسِهِ. فَكَمَا يَقولُ الكِتابُ المُقَدَّسُ: "في البَدءِ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرض" (تك 1: 1)، يُعلِنُ يوحنّا الإِنجيليُّ أَنَّ هٰذا الخَلقَ تَمَّ بِالكَلِمَةِ الأَزليِّ: "في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كانَ لَدَى اللهِ، وَالكَلِمَةُ هُوَ الله… بِهِ كانَ كُلُّ شَيء، وَبِدونِهِ ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان" (يو 1: 1-3). وَيُضيفُ بولُسُ الرَّسولُ: "فَفيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيءٍ… كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ بِهِ وَلَهُ" (كو 1: 16-17). وَأَمَّا الرُّوحُ القُدُسُ فَهُوَ "واهِبُ الحَياة"، كَما تُعَلِّمُ الكَنيسَةُ. وَمِن هُنا فَإِنَّ الخَلقَ هُوَ عَمَلُ الثَّالوثِ الأَقدَسِ المُشتَرَكِ: الآبُ يَخلُقُ بِالاِبنِ في الرُّوحِ القُدُسِ.
وَيَظهَرُ الثَّالوثُ بِوُضوحٍ أَيضًا في بُشارَةِ المَلاكِ لِلعَذراءِ مَريمَ: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَيَنزِلُ عَلَيكِ، وَقُدرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذٰلِكَ يَكونُ المَولودُ قُدّوسًا وَابنَ اللهِ يُدعَى" (لو 1: 35). فَهُنا يَظهَرُ الآبُ ("العَلِيّ")، وَالاِبنُ ("ابنُ الله")، وَالرُّوحُ القُدُسُ في عَمَلِ التَّجَسُّدِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي: "الرُّوحُ يُهَيِّئُ الجَسَدَ، وَالاِبنُ يَتَجَسَّدُ، وَالآبُ يُرسِلُ، لِكَي يَتِمَّ خَلاصُ الإِنسانِ" PG 26: 585)).
كَما يَظهَرُ الثَّالوثُ بِصورةٍ جَلِيَّةٍ في مَعموديَّةِ يَسوعَ في نَهرِ الأُردُنِّ: "فَإِذا السَّماواتُ قَدِ اِنفَتَحَت، فَرَأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كَأَنَّهُ حَمامَةٌ وَيَنزِلُ عَلَيهِ. وَإِذا صَوتٌ مِنَ السَّماواتِ يَقولُ: هٰذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضِيت" (مت 3: 16-17). فَالآبُ يَتَكَلَّمُ مِنَ السَّماءِ، وَالاِبنُ يَقِفُ في المِياهِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ يَنزِلُ عَلَيهِ كَحَمامَةٍ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيصصي أَنَّ "الثَّالوثَ أُعلِنَ عِندَ الأُردُنِّ، لِكَي يَدخُلَ الإِنسانُ بِالمَعموديَّةِ في شَرِكَةِ الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ" (PG 46: 581)).
وَيَظهَرُ الثَّالوثُ أَيضًا في صَلاةِ "الأَبانا" الَّتي عَلَّمَها يَسوعُ لِتَلاميذِهِ: "أَبانا الَّذي في السَّماوات" (مت 6: 9). فَبِالرُّوحِ القُدُسِ يَستَطيعُ المُؤمِنُ أَنْ يَدعوَ اللهَ "أَبًا"، وَيَدخُلَ في بُنُوَّةِ الاِبنِ. وَيُعَلِّقُ البابا بندكتس السادس عشر: "إِنَّ الصَّلاةَ المَسيحيَّةَ تُدخِلُنا في عَلاقَةِ الاِبنِ بِالآبِ في وَحدَةِ الرُّوحِ القُدُسِ" (Der Gott Jesu Christi).
وَفي خِطابِ الوَداعِ يُعلِنُ يَسوعُ بِوُضوحٍ العَلاقَةَ بَينَ الأَقانيمِ الثَّلاثَةِ: "أَنا سَأَسأَلُ الآبَ، فَيَهَبُ لَكُم مُؤَيِّدًا آخَرَ لِيَكونَ مَعَكُم لِلأَبَد" (يو 14: 16). فَالآبُ يُرسِلُ الرُّوحَ بِطَلَبِ الاِبنِ، لِيَبقى في الكَنيسَةِ وَيَقودَها إِلى الحَقِّ كُلِّهِ.
أَمَّا أَوضَحُ إِعلانٍ ثُلاثيٍّ فَيَرِدُ في وَصيَّةِ يَسوعَ الرَّسوليَّةِ: "اِذهَبوا وَتَلمِذوا جَميعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدوهم بِاسمِ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُس" (مت 28: 19). وَتَحمِلُ هٰذِهِ الآيَةُ أَهمِّيَّةً لاهوتيَّةً كُبرى، لأَنَّ يَسوعَ قالَ: "بِاسمِ" في المُفرَدِ (τὸ ὄνομα) وَلَم يَقُلْ "بِأَسماء"، مِمَّا يُشيرُ إِلى وَحدَةِ الجَوهرِ الإِلٰهيِّ في الأَقانيمِ الثَّلاثَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ هيلاري أسقف بواتييه: "الاِسمُ واحِدٌ لأَنَّ الطَّبيعَةَ واحِدَةٌ، وَالأَقانيمُ ثَلاثَةٌ بِغَيرِ اِنقِسامٍ" PL 10: 51)).
وَمِن هُنا أَصبَحَتِ الكَنيسَةُ تَعيشُ وَتُصَلّي بِالاِسمِ الثُّلاثيِّ: "بِاسمِ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الإِلٰهِ الواحِدِ، آمين". فَكُلُّ الصَّلواتِ اللِّيتورجيَّةِ تَتَوَجَّهُ إِلى الآبِ، بِالاِبنِ، في الرُّوحِ القُدُسِ. وَكَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ في البَركَةِ الثُّلاثيَّةِ: "لِتَكُنْ نِعمَةُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيح، وَمَحبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ القُدُسِ مَعَكُم جَميعًا" (2 قور 13: 13).
إِنَّ بابَ الدُّخولِ في حَياةِ الثَّالوثِ هُوَ يَسوعُ المَسيحُ. فَبِمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ فَتَحَ لِلإِنسانِ سَبيلَ الدُّخولِ إِلى "قُدسِ أَقداسِ" الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ. وَفي سِرِّ المَعموديَّةِ يَدخُلُ المُؤمِنُ في شَرِكَةِ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. لِذٰلِكَ تُعَمِّدُ الكَنيسَةُ "بِاسمِ" الثَّالوثِ، لأَنَّهُ لا يُوجَدُ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، بَلْ إِلٰهٌ واحِدٌ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ.
وَيُؤَكِّدُ صاحِبُ الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيِّين أَنَّ اللهَ دَخَلَ في حِوارٍ خَلاصيٍّ مَعَ البَشَرِيَّةِ مِن خِلالِ الاِبنِ: "إِنَّ اللهَ… كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيّامِ هٰذِهِ بِابنٍ… هُوَ شُعاعُ مَجدِهِ وَصُورَةُ جَوهَرِهِ" (عب 1: 1-3). وَهٰكَذا يُصبِحُ الثَّالوثُ حِوارَ المَحبَّةِ الأَزليِّ الَّذي دَخَلَ الإِنسانُ فيهِ بِالمَسيحِ.
وَقَد اِنطَلَقَ إِيمانُ الكَنيسَةِ الأُولى بِالثَّالوثِ مِن خِبرَةِ الرُّسُلِ الَّذينَ عاشوا مَعَ الاِبنِ، وَشَهِدوا لِقِيامَتِهِ، وَاِمتَلَأوا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ يَومَ العُنصُرَةِ. وَنَقَلوا هٰذِهِ الخِبرَةَ إِلى المُؤمِنينَ مِن خِلالِ الأَسرارِ المُقَدَّسَةِ، وَخُصوصًا المَعموديَّةِ وَالإِفخارستيا، حَيْثُ تَتَوَجَّهُ الكَنيسَةُ دَومًا إِلى الآبِ، بِالاِبنِ، في الرُّوحِ القُدُسِ، لِتَعيشَ سِرَّ اللهِ الثُّلاثيِّ، سِرَّ المَحبَّةِ وَالوَحدَةِ وَالحَياةِ.
3. الثَّالوثُ في تَعليمِ آباءِ الكَنيسَة
يُعَدُّ قانونُ الرُّسُل مِن أَقدَمِ الصِّيَغِ التَّعليميَّةِ الرَّسميَّةِ لِإِيمانِ الكَنيسَةِ بِالثَّالوثِ الأَقدَسِ. وَقَدِ اعتَمَدَتهُ الكَنيسَةُ مُنذُ القُرونِ الأُولى كَأَساسٍ لِتَعليمِ المَوعوظينَ، وَلِاعْتِرافِ الإِيمانِ في سِرِّ المَعموديَّةِ، وَفْقًا لِوَصيَّةِ الرَّبِّ: "عَمِّدوهم بِاسمِ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُس"(مت 28: 19).
وَقَد كانَ سِرُّ الثَّالوثِ الأَقدَسِ مَوضوعَ مَجامِعَ مَسكونيَّةٍ كُبرى، دافَعَت عَن صِحَّةِ الإِيمانِ القَويمِ، لا لِأَنَّهُ نَظَريَّةٌ لاهوتيَّةٌ، بَل لِأَنَّهُ سِرُّ اللهِ الحَيِّ وَقاعِدَةُ الإِيمانِ المَسيحيِّ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس إِلى حُدودِ العَقلِ أَمامَ هٰذا السِّرِّ قائِلًا: "إِذا فَهِمتَهُ فَلَيسَ هُوَ الله" PL 38: 360)). أَمَّا القِدِّيسُ توما الأَكوينيُّ فَيُؤَكِّدُ أَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ لا يُدرَكُ بِالعَقلِ وَحدَهُ، بَل يُقبَلُ بِالإِيمانِ المُستنيرِ بِالوَحي.
وَأَوضَحَ مَجمَعُ نيقية سنة 325 أُلوهيَّةَ الابنِ وَوَحدَةَ جَوهَرِهِ مَعَ الآبِ، مُعلِنًا أَنَّ الابنَ "إِلٰهٌ مِن إِلٰه، نورٌ مِن نور، إِلٰهٌ حَقٌّ مِن إِلٰهٍ حَقّ، مَولودٌ غَيرُ مَخلوق، مُساوٍ لِلآبِ في الجَوهَر". وَدافَعَ القِدِّيسُ أَثناسيوس الإِسكندريُّ عَن هٰذا الإِيمانِ ضِدَّ الآريوسيَّةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ خَلاصَ الإِنسانِ لا يَتحَقَّقُ إِلَّا إِذا كانَ الابنُ إِلٰهًا حَقًّا، لأَنَّ المَخلوقَ لا يَستَطيعُ أَنْ يُؤَلِّهَ المَخلوقَ. وَيَقولُ أَثناسيوس: "صارَ ابنُ اللهِ إِنسانًا لِكَي نَصيرَ نَحنُ أَبناءَ اللهِ" (PG 25: 192).
وَأَمَّا مَجمَعُ القُسطنطينيَّةِ الأَوَّل سنة 381، فَقَد أَكَّدَ أُلوهيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ وَعَمَلَهُ المُحيي، مُعلِنًا أَنَّهُ "الرَّبُّ المُحيي، المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ، الَّذي مَعَ الآبِ وَالاِبنِ يُسجَدُ لَهُ وَيُمَجَّد". وَمِن هٰذَينِ المَجمَعَينِ تَسَلَّمَتِ الكَنيسَةُ قانونَ الإِيمانِ النِّيقِيَّ–القُسطنطينيَّ الَّذي تَتلوهُ في القُدّاسِ الإِلٰهيِّ.
وَلَم تَخْلُ تَعاليمُ الآباءِ مِن شَرحٍ عَميقٍ لِسِرِّ الثَّالوثِ. فالقِدِّيسُ غريغوريوس النَّزينزي، في خُطَبِهِ اللاهوتيَّة، يَشرَحُ الثَّالوثَ انطلاقًا مِن قَولِ المَزمور: "بِنورِكَ نُعايِنُ النُّور" (مز 36: 9)، قائِلًا: "مِنَ النُّورِ الَّذي هُوَ الآبُ نُدرِكُ النُّورَ الَّذي هُوَ الاِبنُ، بِنورِ الرُّوحِ القُدُس" PG 36: 149)). فَالثَّالوثُ عِندَهُ لَيسَ اِنقِسامًا في اللهِ، بَل وَحدَةُ نُورٍ وَمَجدٍ وَجَوهَر.
وَيَنطَلِقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس مِن تَعليمِ يوحنّا الرَّسولِ: "اللهُ مَحبَّة" (1 يو 4: 16)، فَيَرى في المَحبَّةِ أَثَرًا يُقرِّبُنا مِن فَهمِ الثَّالوثِ: "المَحبَّةُ تَقتَضي مُحِبًّا، وَمَحبوبًا، وَالمَحبَّةَ نَفسَها" (PL 42: 960). فَالآبُ هُوَ المُحِبُّ، وَالاِبنُ هُوَ المَحبوبُ، وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ رِباطُ المَحبَّةِ الحَيِّ بَينَ الآبِ وَالاِبنِ. وَهٰذا التَّشبيهُ، وَإِن بَقِيَ بَشَريًّا وَناقِصًا، يُساعِدُنا عَلَى الاِقترابِ مِن سِرِّ اللهِ كَشَرِكَةِ مَحبَّةٍ أَزليَّة.
وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنّا الدِّمشقيُّ وَحدَةَ الجَوهَرِ وَتَمايُزَ الأَقانيمِ قائِلًا: "الأَقانيمُ مُتَّحِدَةٌ دُونَ اختِلاطٍ، وَمُتَمايِزَةٌ دُونَ اِنقِسام" PG 94: 828)). فَالآبُ هُوَ مَبدَأُ الاِبنِ وَالرُّوحِ، وَالاِبنُ مَولودٌ مِنَ الآبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ مُنبَثِقٌ مِنَ الآبِ؛ وَمَعَ ذٰلِكَ فَالثَّلاثَةُ إِلٰهٌ واحِدٌ في الجَوهَرِ وَالمَجدِ وَالأُلوهيَّةِ.
وَيَستَخدِمُ يوحنّا الدِّمشقيُّ تَشبيهَ الشَّمسِ وَشُعاعِها وَنورِها لِتَقريبِ المَعنى: فَالشَّمسُ لا تُدرَكُ بِلا شُعاعٍ وَلا نور، كَما أَنَّ الآبَ لا يُعرَفُ إِلَّا بِالاِبنِ وَالرُّوحِ. وَكَما أَنَّ الشُّعاعَ وَالنُّورَ مِن جَوهَرِ الشَّمسِ، كَذٰلِكَ الاِبنُ وَالرُّوحُ مِن جَوهَرِ الآبِ، مِن غَيرِ اِنفِصالٍ أَو اِنقِسام.
وَيُعلِّقُ القِدِّيسُ أَنطونيوس البادوانيُّ عَلَى قَولِ سِفرِ التَّكوينِ: "لِنَصنَعِ الإِنسانَ عَلَى صورَتِنا كَمِثالِنا" (تك 1: 26)، قائِلًا: "الثَّالوثُ كُلُّهُ جَعَلَ الإِنسانَ عَلَى صورَتِهِ: فَبالذّاكِرَةِ يُشبِهُ الآبَ، وَبِالفَهمِ يُشبِهُ الاِبنَ، وَبِالحُبِّ يُشبِهُ الرُّوحَ القُدُس" (Sermones Dominicales et Festivi).
وَيَقولُ الطُّوباويُّ يوحنّا هنري نيومان:"إِنَّ اللهَ واحِدٌ إِلى الأَبَد، وَهُوَ أَيضًا ثَلاثَةٌ أَزَلِيًّا؛ يَفرَحُ مُنذُ الأَزَلِ في اِبنِهِ وَفي رُوحِهِ القُدُس، وَهُما فيه" (Meditations and Devotions).
وَقَد عَبَّرَ الكُتّابُ المَسيحيّونَ العَرَبُ، مِثلُ يوحنّا الدِّمشقيِّ وَثاودوروس أَبي قُرَّة وَإِبراهيم الطَّبرانيِّ وَيَحيى بن عَدي، عَن سِرِّ الثَّالوثِ بِلُغَةٍ بَسيطَةٍ وَعَميقَةٍ: "اللهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ"، أَو "اللهُ وَعَقلُهُ وَمَبدَأُ حَياتِهِ". فَاللهُ واحِدٌ، لا بِوَحدَةٍ جامِدَةٍ، بَل بِوَحدَةِ حَياةٍ وَكَلِمَةٍ وَرُوحٍ. وهٰذا ما يُعلِنُهُ الكِتابُ مُنذُ البَدءِ: اللهُ يَخلُقُ بِكَلِمَتِهِ، وَرُوحُهُ يُحيي وَيُقَدِّس.
وَهٰكَذا، يَتَّضِحُ أَنَّ تَعليمَ الآباءِ عَنِ الثَّالوثِ لَم يَكُن تَرفًا فِكريًّا، بَل دِفاعًا عَن إِيمانِ الكَنيسَةِ بِاللهِ الحَيِّ، الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الإِلٰهِ الواحِدِ، مَنبَعِ الخَلقِ وَالفِداءِ وَالتَّقديسِ.
4. الثَّالوثُ في تَعليمِ الكَنيسَة
حَدَّدَ المَجمَعُ المَسكونيُّ الأَوَّلُ عَقيدَةَ الثَّالوثِ الأَقدَسِ بِاِستِعمالِ ثَلاثِ لَفظاتٍ لاهوتيَّةٍ أَساسِيَّةٍ: الجَوهَر، وَالأُقنوم، وَالعَلاقَة، لِلتَّعبيرِ عَن سِرِّ اللهِ الواحِدِ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ. اللهُ واحِدٌ في الجوهر (οὐσία)، ثالوثٌ في الأقانيم (ὑποστάσεις)، مُتَمايِزٌ بِالعَلاقاتِ (σχέσεις)، وَمُتَّحِدٌ في الجَوهرِ وَالمَجدِ وَالإِرادَةِ.
اللَّفظَةُ الأُولى οὐσία هِيَ "الجَوهَر" أَو "الطَّبيعَة"، (تَعني، الكينونة، الجَوهر، الطبيعة) تَدُلُّ عَلَى ما هُوَ اللهُ في ذاتِهِ. فَاللهُ واحِدٌ في الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ، أَي إِنَّ الآبَ وَالاِبنَ وَالرُّوحَ القُدُسَ يَشتَرِكونَ بِالكامِلِ في الجَوهَرِ الإِلٰهيِّ الواحِدِ. وَمِن هُنا فَالمَسيحيّونَ لا يُؤمِنونَ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ. وَكُلُّ أُقنومٍ يَملِكُ مِلءَ الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ بِالكامِلِ، لا جُزءًا مِنها. وَيُؤَكِّدُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّةِ: "الأَقانيمُ الإِلٰهيَّةُ لا تَتَقاسَمُ الأُلوهيَّةَ الوَاحِدَةَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنها هُوَ اللهُ كامِلًا" (التعليم المسيحي 253). فَعِندما نَقولُ إنَّ الآبَ وَالابنَ وَالرُّوحَ القُدُسَ واحِدٌ في الجَوهر، نَقول: μία οὐσία "جوهرٌ واحد" وَمِن هُنا جاءَ تَعبيرُ مَجمَعِ نيقية: ὁμοούσιος τῷ Πατρί "مُساوٍ للآبِ في الجَوهر" وَهِيَ الكَلِمَةُ المِحوريَّةُ في مُواجَهَةِ الآريوسيَّة.
أَمَّا اللَّفظَةُ الثّانِيَةُ ὑποστάσεις فَهِيَ "الأُقنوم" أَو "الشَّخص". وَكَلِمَةُ "أُقنوم" أَصلُها سُريانيٌّ، وَتَعني "الشَّخصَ القائِمَ بِذاتِهِ". الأُقنوم أو الشَّخص اليونانيَّة ὑπόστασις (َمَعناها الحَرفي "القِيامُ التَّحتي" أو "الوُجودُ القائِمُ بِذاتِهِ" وَأَصبَحَت في اللاهوتِ تَعني الشَّخص الإلهي المُتَمايِز. لِذٰلِكَ يَقولُ الآباء: τρεῖς ὑποστάσεις "ثَلاثُ أَقانيم"أي: الآب ὁ Πατήρ والابن ὁ Υἱός والروح القدس τὸ Ἅγιον Πνεῦμα. وَقَدِ استَعمَلَتِ الكَنيسَةُ هٰذِهِ الكَلِمَةَ لِتَتَجَنَّبَ أَيَّ تَصَوُّرٍ بَشَريٍّ مَحدودٍ لِلهِ. فَنَقولُ: الآبُ أُقنومٌ، وَالاِبنُ أُقنومٌ، وَالرُّوحُ القُدُسُ أُقنومٌ. وَالأَقانيمُ الثَّلاثَةُ مُتميِّزونَ تَمايُزًا حَقيقيًّا لا ظاهِريًّا، لا مِن حَيثُ الجَوهَرِ، بَلْ مِن حَيثُ العَلاقاتِ الأَزليَّةِ: فالآبُ هُوَ الَّذي يَلِدُ، وَالاِبنُ هُوَ المَولودُ مِنَ الآبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ المُنبَثِقُ. وَمِن هُنا تَقولُ الكَنيسَةُ: الوَحدانيَّةُ الإِلٰهيَّةُ هِيَ ثالوثٌ.
أَمَّا اللَّفظَةُ الثّالِثَةُ σχέσς فَهِيَ "العَلاقَة"، وَهِيَ لَفظَةٌ جَوهريَّةٌ في اللّاهوتِ الثُّلاثيِّ، لأَنَّ تَمايُزَ الأَقانيمِ قائِمٌ عَلَى العَلاقاتِ المُتَبادَلَةِ بَينَهُم. فَالآبُ مُرتَبِطٌ بِالاِبنِ، وَالاِبنُ بِالآبِ، وَالرُّوحُ القُدُسُ بِالآبِ وَالاِبنِ. وَكُلُّ أُقنومٍ يَهبُ ذاتَهُ لِلآخَرِ في شَرِكَةِ مَحبَّةٍ كامِلَةٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ ريشاردوس: "لا تَكتَمِلُ المَحبَّةُ إِلَّا في شَرِكَةِ أَقانيمَ، حَيْثُ يَكونُ العَطاءُ وَالتَّبادُلُ كامِلَين" PL 196: 945)).
وَاستَخدَمَها آباءُ الكَبّادوكيِّين، خُصوصًا غريغوريوس النيازنزي وباسيل، لِشرحِ أَنَّ التَّمايُزَ بَينَ الأقانيمِ لا يَقومُ على اِختِلافِ الجَوهرِ بَل على العَلاقاتِ الأَزليَّة: الآبُ (الوالِد، (γέννησις) والابنُ المَولود (γέννητος) والرُّوحُ المُنبَثِق (ἐκπόρευσις). فَالآبُ لَيسَ الآبنَ، وَالابنُ لَيسَ الرُّوحَ، لا لاختِلافِ الطَّبيعَةِ بَل لاختِلافِ العَلاقاتِ الأَزليَّة.
وَقَد خَلَصَ اللاهوتُ الآبائيُّ إِلى الصِّيغَةِ الشَّهيرَة μία οὐσία, τρεῖς ὑποστάσεις "جوهرٌ واحدٌ، وثَلاثُ أَقانيم" أَو كَما قالَ القدِّيس باسيليوس ἡ μὲν οὐσία κοινόν, ἡ δὲ ὑπόστασις ἴδιον "الجَوهرُ يَدُلُّ على الوَحدَةِ المُشتَرَكَة، وَالأُقنومُ يَدُلُّ على الخُصوصيَّةِ الشَّخصيَّة."
وَفي داخِلِ الكَنيسَةِ يَعيشُ المُؤمِنونَ وَحيَ اللهِ كَثالوثِ مَحبَّةٍ. فَنَحنُ نُعبِّرُ عَن إِيمانِنا بِالثَّالوثِ في إِشارَةِ الصَّليبِ، وَفي كُلِّ صَلاةٍ لِيتورجيَّةٍ. فَالقُدّاسُ الإِلٰهيُّ كُلُّهُ فِعلٌ ثُلاثيٌّ، يَبدَأُ بِاسمِ الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، وَيَنتَهي بِتَمجيدِ الثَّالوثِ. وَكُلُّ طَلَباتِ الكَنيسَةِ تَتَوَجَّهُ إِلى الآبِ، بِالاِبنِ، في الرُّوحِ القُدُسِ.
وَلِذٰلِكَ تَبدَأُ الكَنيسَةُ كُلَّ عَمَلٍ وَقَولٍ وَمُبادَرَةٍ بِاسمِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ، وَتُنهِيها لِمَجدِهِ، قائِلَةً: "المَجدُ لِلآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُس، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ وَإِلى دَهرِ الدّاهِرين، آمين".
وَيُدرِكُ المُؤمِنُ في خِبرَةِ الحَياةِ المَسيحيَّةِ أَنَّ الثَّالوثَ لَيْسَ عَقيدَةً نَظَريَّةً جامِدَةً، بَلْ سِرُّ حَياةٍ وَشَرِكَةٍ وَمَحبَّةٍ يَدخُلُ فيهِ الإِنسانُ بِالنِّعمَةِ. وَالرُّوحُ القُدُسُ يَقودُ المُؤمِنَ لِلغَوصِ في عُمقِ هٰذا السِّرِّ الَّذي لا يَنفَدُ. وَلِأَنَّ سِرَّ اللهِ يَفوقُ إِدراكَ العَقلِ البَشَريِّ، اِستَخدَمَ الآباءُ وَالمُعَلِّمونَ صُوَرًا وَتَشابيهَ مِنَ الطَّبيعَةِ لِتَقريبِ المَعنى، مَعَ التَّأكيدِ أَنَّها تَبقى ناقِصَةً أَمامَ عَظَمَةِ اللهِ. فَمِن هٰذِهِ التَّشابيهِ:
العَينُ وَاليَنبوعُ وَالنَّهرُ: فَالماءُ واحِدٌ، لٰكِنَّهُ يَظهَرُ بِصُوَرٍ مُختَلِفَةٍ.
الشَّمسُ وَشُعاعُها وَنورُها: فَالشَّمسُ لا تُدرَكُ بِدونِ شُعاعٍ وَلا نورٍ، وَالشُّعاعُ وَالنُّورُ مِن جَوهَرِ الشَّمسِ نَفسِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أفرام السرياني: "إِلٰهٌ واحِدٌ وَرَبٌّ واحِدٌ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ وَوَحدَةِ الطَّبيعَةِ. اِختَرِ الشَّمسَ رَمزًا لِلآبِ، وَالنُّورَ لِلاِبنِ، وَالحَرارَةَ لِلرُّوحِ القُدُسِ. فَبِالرَّغمِ مِن أَنَّهُ كائِنٌ واحِدٌ، نَرى فيهِ الثَّالوثَ CSCO 154)).
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالكَنيسَةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ التَّشابيهِ تَبقى قاصِرَةً عَن اِحتِواءِ سِرِّ اللهِ. فَالثَّالوثُ الأَقدَسُ هُوَ سِرُّ الوَحدَةِ الكامِلَةِ في المَحبَّةِ، وَالتَّمايُزِ الكامِلِ بِلا اِنقِسامٍ. هُناكَ مُساواةٌ كامِلَةٌ بَينَ الأَقانيمِ الثَّلاثَةِ، وَاشتِراكٌ كامِلٌ في الطَّبيعَةِ الإِلٰهيَّةِ الواحِدَةِ. وَبِكَلمةٍ، فَالثَّالوثُ الأَقدَسُ هُوَ سِرُّ اللهِ الحَيِّ: الآبُ الَّذي يَخلُقُ، وَالاِبنُ الَّذي يُخَلِّصُ، وَالرُّوحُ القُدُسُ الَّذي يُقَدِّسُ، إِلٰهٌ واحِدٌ لَهُ المَجدُ وَالإِكرامُ إِلى أَبَدِ الدُّهورِ. آمين.
5. اعتراضاتٌ على عَقيدَةِ الثَّالوثِ الأَقدَس
ظَهَرَت مُنذُ القُرونِ الأُولى لِلكنيسَةِ حَرَكاتٌ وَبِدَعٌ رَفَضَت عَقيدَةَ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ أَو أَساءَت فَهمَها، وَحاوَلَت تَفسيرَ العَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ بِطُرُقٍ تُخالِفُ إِيمانَ الكنيسَةِ الرَّسوليِّ. وَفيما يَلي أَبرَزُ هٰذِهِ الحَرَكاتِ:
1) الآريوسيَّة (Arianism)
ظَهَرَت حَوالَي سَنَة 315م عَلَى يَدِ الكاهِنِ آريوس مِنَ الإِسكندريَّةِ. كانَ آريوس يُعَلِّمُ أَنَّ الابنَ كائِنٌ إِلٰهيٌّ سامٍ لكنه لَيسَ أَزَلِيًّا كَالآبِ، بل َنَّهُ مَخلوقٌ مِنَ العَدَمِ بِإِرادَةِ الآبِ، أَي أَنَّهُ أَقلُّ مِنَ الآبِ في الجَوهرِ وَالمَجدِ. وَكانَ يَقولُ: "كانَ وَقتٌ لَم يَكُنِ الابنُ فيهِ مَوجودًا". رَفَضَتِ الكنيسَةُ هٰذِهِ البِدعَةَ في مَجمَعِ نيقيةَ الأَوَّلِ سَنَة 325م، وَأَعلَنَت أَنَّ الابنَ "مَولودٌ غَيرُ مَخلوقٍ، مُساوٍ لِلآبِ في الجَوهرِ" (ὁμοούσιος). وَقَد رَدَّ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي عَلَى هٰذِهِ البِدعَةِ بِقُوَّةٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ "إِذا كانَ الاِبنُ مَخلوقًا، فَهُوَ لا يَستَطيعُ أَنْ يُخَلِّصَ المَخلوقَ، "إِن كانَ الابنُ لَيسَ إِلٰهًا حَقًّا، فَلا يَستَطيعُ أَنْ يُخَلِّصَ الإِنسانَ" PG 26: 13)).
2) المَقدونيَّة (Macedonianism)
ظَهَرَت في القَرنِ الرّابِعِ عَلَى يَدِ مَقدونيوس، بَطريركِ القُسطنطينيَّةِ. آمَنَ أَتباعُها بِأُلوهِيَّةِ الآبِ وَالابنِ، لٰكِنَّهُم أَنكروا أُلوهِيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ، Pneumatomachians وَاعتَبَروهُ مَخلوقًا أَو قُوَّةً إِلٰهيَّةً لا أُقنومًا إِلٰهيًّا. أَدَانَ مَجمَعُ القُسطنطينيَّةِ الأَوَّلُ سَنَة 381م هٰذِهِ البِدعَةَ، وَأَعلَنَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ "الرَّبُّ المُحيي، المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ، الَّذي مَعَ الآبِ وَالابنِ يُسجَدُ لَهُ وَيُمَجَّدُ".
3) السابيليَّة (Sabellianism)
ظَهَرَت في القَرنِ الثّالِثِ عَلَى يَدِ سابيليوس. لَم تُنكِرِ السابيليَّةُ وَحدانِيَّةَ اللهِ، لٰكِنَّها أَنكَرَت تَمايُزَ الأَقانيمِ. َاعتَبَرَت أَنَّ الآبَ وَالابنَ وَالرُّوحَ القُدُسَ لَيسوا أَقانيمَ حَقيقيَّةً، بَلْ "أَدوارًا" أَو "«تَجَلِّياتٍ" مُختَلِفَةً لِلإِلٰهِ الواحِدِ. رَفَضَتِ الكنيسَةُ هٰذا التَّعليمَ لأَنَّهُ يُلغِي العَلاقَةَ الحَقيقيَّةَ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ الَّتي أَعلَنَها الإِنجيلُ.
4) التَّوحيديُّون (Unitarianism)
ظَهَرَتِ الحَرَكَةُ التَّوحيديَّةُ في أُوروبّا خِلالَ القَرنِ السّادِسَ عَشَرَ، خُصوصًا في بولندا وَترانسلفانيا، مُتَأَثِّرَةً بِأَفكارِ ميخائيل سرفيتوس وَفاوستوس سوسينوس. تَرفُضُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ عَقيدَةَ الثَّالوثِ وَتُؤمِنُ بِإِلٰهٍ واحِدٍ بِمَعنى فَرديٍّ مُطلَقٍ. وَتَعتَبِرُ يَسوعَ مُعلِّمًا أَو نَبِيًّا عَظيمًا، لا الابنَ الأَزَلِيَّ المُساوي لِلآبِ.
5) حركة الكويكرز Quakers
بدأت حركة الكويكرز Quakers أو " جمعية الأصدقاء الدينية في إنكلترا على يد مؤسسها جورج فوكس George Fox حوالي سنة 1646-1652 غَيرِها مِن الحَرَكاتِ الَّتي رَفَضَتِ البُعدَ الثُّلاثيَّ لِلإِيمانِ المَسيحيِّ، وَاِكتَفَت بِالإِيمانِ بِاللهِ كَوَحدانيَّةٍ مُطلَقَةٍ دُونَ تَمايُزِ الأَقانيمِ.
6) المورمون
المورمون او كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة تَأَسَّسَت عَلَى يَدِ جوزيف سميث سَنَة 1830م في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ. تُؤمِنُ بِوُجودِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، لٰكِنَّها لا تُؤمِنُ بِوَحدَةِ الجَوهرِ بَينَهُم، بَلْ تَعتَبِرُهُم ثَلاثَةَ كائِناتٍ إِلٰهيَّةٍ مُنفَصِلَةٍ.
7) شُهودُ يَهوه (Jehovah’s Witnesses)
تَأَسَّسَت هٰذِهِ الجَماعَةُ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَمريكيَّةِ عَلَى يَدِ تشارلز رَسِل في أَواخِرِ القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ، وَتَنَظَّمَت بِشَكلِها الحاضِرِ حَوالَي سَنَة 1931م. تَرفُضُ عَقيدَةَ الثَّالوثِ وَتُعَلِّمُ أَنَّ يَسوعَ لَيسَ اللهَ، بَلْ أَسمى مَخلوقٍ خَلَقَهُ اللهُ، وَأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَيسَ أُقنومًا، بَلْ "قُوَّةٌ فاعِلَةٌ"مِن عِندِ اللهِ.
8) بعضُ الحَرَكاتِ المُعاصِرَة
ظَهَرَت في العَصرِ الحَديثِ جَماعَاتٌ أُخرى تَرفُضُ الثَّالوثَ، مِثلَ: جَماعَةِ "وَحدانيَّةِ الخَمسينيّين" (Oneness Pentecostals)، الَّذينَ يَعتَقِدونَ أَنَّ اللهَ شَخصٌ واحِدٌ يَظهَرُ بِأَشكالٍ مُختَلِفَةٍ. وبَعضِ الجَماعَاتِ العَقلانيَّةِ وَاللّيبِراليَّةِ الَّتي تَعتَبِرُ الثَّالوثَ تَعبيرًا رَمزيًّا لا حَقيقَةً إِلٰهيَّةً.
وَهُناكَ أَيضًا اِعتراضاتٌ خارِجَ الإِطارِ المَسيحيِّ، خُصوصًا مِن بَعضِ المُفَكِّرينَ اليَهودِ وَالمُسلِمينَ، تَعتَبِرُ أَنَّ عَقيدَةَ الثَّالوثِ تُناقِضُ وَحدانيَّةَ اللهِ. غَيرَ أَنَّ الكَنيسَةَ تُؤَكِّدُ بِوُضوحٍ أَنَّ الإِيمانَ بِالثَّالوثِ لا يَعني الإِيمانَ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي: "لا نَقولُ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ مَعروفٍ في الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ" PG 94: 800)). وَمِن هُنا، فَعَقيدَةُ الثَّالوثِ لَيْسَت تَعدُّدًا في الأُلوهيَّةِ، بَلْ إِعلانُ اللهِ عَن ذاتِهِ كَشَرِكَةِ مَحبَّةٍ أَزليَّةٍ. فَاللهُ واحِدٌ في جَوهَرِهِ، ثُلاثيٌّ في أَقانيمِهِ، وَهٰذا السِّرُّ يَفوقُ العَقلَ البَشَريَّ، لٰكِنَّهُ لا يُناقِضُهُ، لأَنَّهُ سِرُّ اللهِ الحَيِّ الَّذي أَعلَنَهُ يَسوعُ المَسيحُ لِخَلاصِ العالَمِ.
مَوقِفُ الكنيسَةِ
وَتَستَنِدُ الطَّوائِفُ اللاثالوثيَّةُ إِلى بَعضِ النُّصوصِ الكِتابيَّةِ لِنَفيِ أُلوهيَّةِ المَسيحِ، مِثلَ: صَلاةِ يَسوعَ إِلى الآبِ؛ وَقَولِهِ إِنَّهُ لا يَعلَمُ ساعَةَ المَجيءِ الثّاني (مر 13: 32)؛ وَقَولِ بولُسَ الرَّسولِ: "وَمَتى أُخضِعَ لَهُ كُلُّ شَيء، فَعِندَئِذٍ يَخضَعُ الاِبنُ نَفسُهُ أَيضًا لِلَّذي أَخضَعَ لَهُ كُلَّ شَيء" (1 قور 15: 28). لٰكِنَّ التَّفسيرَ الكاثوليكيَّ وَالآبائيَّ يَرَى أَنَّ هٰذِهِ النُّصوصَ لا تَنفي أُلوهيَّةَ الاِبنِ، بَلْ تُظهِرُ تَواضُعَهُ التَّجَسُّديَّ وَدَورَهُ الخَلاصيَّ كَاِبنِ الإِنسانِ. فَيَسوعُ، بِحَسَبِ طَبيعَتِهِ البَشَريَّةِ، أَطاعَ الآبَ وَخَضَعَ لَهُ مِن أَجلِ إِتمامِ الفِداءِ، دُونَ أَنْ يَعني ذٰلِكَ نُقصانًا في أُلوهيَّتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "الاِبنُ خَضَعَ بِالجَسَدِ لا بِالجَوهَرِ، لأَنَّهُ مُساوٍ لِلآبِ في الأُلوهيَّةِ" PG 75: 585)). وَكَذٰلِكَ فَإِنَّ خُضوعَ الرُّوحِ القُدُسِ في إِرساليَّتِهِ لا يَعني أَنَّهُ أَدنى مِنَ الآبِ وَالاِبنِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى نِظامِ العَلاقاتِ وَالإِرساليّاتِ داخِلَ الثَّالوثِ الأَقدَسِ. فَالكَنيسَةُ تُمَيِّزُ بَينَ المُساواةِ في الجَوهَرِ وَالتَّمايُزِ في الأَدوارِ الخَلاصيَّةِ.
أَكَّدَتِ الكنيسَةُ مُنذُ العَصرِ الرَّسوليِّ أَنَّ الثَّالوثَ الأَقْدَسَ هُوَ سِرُّ الإِيمانِ المَركَزيُّ، وَأَنَّ اللهَ واحِدٌ في الجَوهرِ، مُثَلَّثٌ في الأَقانيمِ: الآبُ وَالابنُ وَالرُّوحُ القُدُسُ. وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِذا رَأَيتَ المَحبَّةَ، فَقَد رَأَيتَ الثَّالوثَ" PL 42: 949)). وَيُعلِّمُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيزينزي: "لا أَستَطيعُ أَنْ أُفَكِّرَ في الواحِدِ إِلّا وَيُشرِقُ عَلَيَّ الثَّالوثُ، وَلا أَستَطيعُ أَنْ أُمَيِّزَ الثَّالوثَ إِلّا وَأَعودُ إِلى الواحِدِ" (PG 36: 417). لِذٰلِكَ تَبقى عَقيدَةُ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ أَساسَ الإِيمانِ المَسيحيِّ، وَمِفتاحَ فَهمِ مَحبَّةِ اللهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصيِّ في التّاريخِ.
الخُلاصَة
تَرتَكِزُ بُنيَةُ نَصِّ إِنجيلِ يُوحَنَّا (3: 16-18) عَلَى سِتَّةِ أَلفاظٍ مِفتاحِيَّةٍ تُشَكِّلُ مِحوَرَ الرِّسالَةِ الخَلاصِيَّةِ كُلِّها، وَهِيَ: أَحَبّ، الابنُ الوَحيدُ، بَذَلَ/أَعطى، الإِيمانُ، الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَالدَّينونَةُ. فَيَبدَأُ النَّصُّ بِمَحبَّةِ الآبِ: "هٰكَذا أَحَبَّ اللهُ العالَمَ"، فَالمُبادَرَةُ تَنبَعُ مِن قَلبِ اللهِ لا مِن اِستِحقاقِ الإِنسانِ. وَالفِعلُ "أحبَّ" يُشيرُ إِلى المَحبَّةِ الباذِلَةِ الَّتي تَطلُبُ خَيرَ الآخَرِ وَخَلاصَهُ. ثُمَّ يَنتَقِلُ النَّصُّ إِلى عَطيَّةِ الآبِ العُظمى: "بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ" وَكَلِمَة" الوَحيدَ" لا تَعني "الوَحيد" فَحَسب، بَل "الفَريد" وَ"المُنفَرِدَ في جِنسِهِ"، أَي الابنَ الأَزَلِيَّ الَّذي يَشترِكُ مَعَ الآبِ في الجَوهَرِ الإِلٰهيِّ. أَمَّا الفِعلُ "أَعطى، بَذَلَ" فَيُشيرُ إِلى البَذلِ الكامِلِ الَّذي يَبلُغُ ذِروَتَهُ عَلَى الصَّليبِ.
وَيَأْتي بَعدَ ذٰلِكَ جَوابُ الإِنسانِ عَلَى هٰذِهِ المَحبَّةِ، وَهُوَ الإِيمانُ. وَالإِيمانُ عِندَ يُوحَنَّا لا يَعني التَّصديقَ العَقليَّ فَقَط، بَلِ الاِتِّكالَ عَلَى المَسيحِ وَالدُّخولَ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَهُ. لِذٰلِكَ يَتَكَرَّرُ الفِعلُ بِكَثرَةٍ في الإِنجيلِ الرّابِعِ حَتّى أَصبَحَ مِن أَبرَزِ سِماتِ لاهوتِهِ. وَثَمَرَةُ الإِيمانِ هِيَ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، وَهِيَ مِن أَحَبِّ التَّعابيرِ إِلى يُوحَنَّا. فَهِيَ لا تُشيرُ فَقَط إِلى الحَياةِ بَعدَ المَوتِ، بَل إِلى الاِشتِراكِ مُنذُ الآنَ في حَياةِ اللهِ نَفسِهِ. لِذٰلِكَ يَقولُ يَسوعُ: "مَن يُؤمِنُ بِالابنِ فَلَهُ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 36).
أَمَّا وَجهُ المُقابَلَةِ في النَّصِّ فَهُوَ الدَّينونَةُ. وَالمُفاجَأَةُ اللاهوتيَّةُ عِندَ يُوحَنَّا أَنَّ الدَّينونَةَ لا تَأتِي مِن رَغبَةِ اللهِ في الإِدانَةِ، لأَنَّ "اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَهُ إِلى العالَمِ لِيَدينَ العالَم" (يو 3: 17)، بَل إِنَّ الدَّينونَةَ تَحدُثُ عِندَما يَرفُضُ الإِنسانُ النُّورَ وَيُصِرُّ عَلَى البَقاءِ في الظَّلامِ. وَكَما يُوَضِّحُ القِدِّيسُ أوغسطينوس: "لَم يَأتِ الطَّبيبُ لِيُدينَ المَريضَ بَل لِيَشفِيَهُ؛ وَمَن يَرفُضُ الدَّواءَ يَدينُ نَفسَهُ بِنَفسِهِ" (In Ioannem, Tract. 12).
وَبِهٰذِهِ السِّلسِلَةِ اللاهوتيَّةِ المُتَرابِطَةِ يُلَخِّصُ يُوحَنَّا الإِنجيلَ كُلَّهُ: مَحبَّةُ الآب، وَبَذلُ الابنِ الوَحيدِ، وَدَعوَةُ الإِيمانِ، وَعَطيَّةُ الحَياةِ الأَبَدِيَّة، أَو رَفضُ المَسيحِ وَالدَّينونَةُ. فَاللهُ لا يَعمَلُ بِطَريقَةٍ نَظَرِيَّةٍ أَو مُجَرَّدَةٍ، بَل يَدخُلُ إِلى تاريخِ الإِنسانِ وَيُبادِرُهُ بِالمَحبَّةِ وَالخَلاصِ. لِهٰذا سَمَّى كَثيرٌ مِن آباءِ الكنيسَةِ هٰذِهِ الآيَةَ: "الإِنجيلُ في آيَةٍ واحِدَة".
لذلك يُعَدُّ هذا النَصُّ مِن أَغنَى النُّصوصِ اللاهوتيَّةِ في العَهدِ الجَديد، حَيثُ يَكشِفُ مَحبَّةَ الآبِ، وَإِرساليَّةَ الابنِ، وَدَعوَةَ الإِيمانِ، وَحَقيقَةَ الخَلاصِ وَالدَّينونَةِ. وَتُساهِمُ في إِبرازِ عُمقِ الوَحيِ الإِلٰهيِّ عن الثالوث. وتُشَكِّلُ عَقيدَةُ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ جَوهَرَ الحَياةِ المَسيحيَّةِ وَقَلبَ الإِيمانِ الكَنَسيِّ، لأَنَّها وَحيٌ إِلٰهيٌّ أَعلَنَ اللهُ فيهِ ذاتَهُ لِلبَشَرِ بِصُورَةٍ نِهائِيَّةٍ وَخَلاصِيَّةٍ في شَخصِ يَسوعَ المَسيحِ. فَالمَسيحيَّةُ لا تُؤمِنُ بِفِكرَةٍ مُجرَّدَةٍ عَنِ اللهِ، بَلْ بِاللهِ الحَيِّ الَّذي كَشَفَ نَفسَهُ كَآبٍ وَابنٍ وَرُوحٍ قُدُسٍ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيزينزي قائِلًا: "إِنَّنا لا نَستَطيعُ أَنْ نُفَكِّرَ في الآبِ دُونَ أَنْ يُشرِقَ عَلَينا الابنُ وَالرُّوحُ القُدُسُ" PG 36: 417)).
وَيَستَنِدُ إِيمانُنا بِالثَّالوثِ إِلى خِبرَةِ الرُّسُلِ الَّذينَ عاشوا مَعَ يَسوعَ، وَشاهَدوا أَعمالَهُ، وَسَمِعوا كَلامَهُ، ثُمَّ تَراءى لَهُم حَيًّا بَعدَ قِيامَتِهِ مِن بَينِ الأَمواتِ، وَأَرسَلَ إِلَيهِمُ الرُّوحَ القُدُسَ مِن لَدُنِ الآبِ. وَقَبلَ صُعودِهِ تَرَكَ لَهُم وَصِيَّتَهُ العُظمى الَّتي تُلَخِّصُ سِرَّ الإِيمانِ المَسيحيِّ وَرِسالَةَ الكَنيسَةِ قائِلًا: "فَاذهَبوا وَتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وَعَمِّدوهم بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس، وَعَلِّموهُم أَنْ يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم بِهِ" (متّى 28: 19-20). وَيُشيرُ القِدِّيسُ باسيليوس الكبير إِلى وَحدَةِ الثَّالوثِ في هٰذِهِ الصِّيغَةِ قائلًا: "لَم يَقُلِ الرَّبُّ بِالأَسماءِ، بَلْ بِالاسمِ، لِيُظهِرَ وَحدَةَ الجَوهَرِ الإِلٰهيِّ" PG 32: 112)).
تُؤمِنُ الدِّيانَتانِ اليَهودِيَّةُ وَالإِسلامُ بِوَحدانِيَّةِ اللهِ وَتُقِرّانِ بِإِلٰهٍ واحِدٍ، أَمَّا المَسيحيَّةُ فَتُؤمِنُ بِالثَّالوثِ الأَقْدَسِ: إِلٰهٍ واحِدٍ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ مُتَمايِزَةٍ غَيرِ مُنفَصِلَةٍ. وَهٰذا لا يَعني الإِيمانَ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ مَثلَّثِ الأَقانيمِ. وَيُعَلِّمُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "الآبُ وَالابنُ وَالرُّوحُ القُدُسُ لَيسوا ثَلاثَةَ آلِهَةٍ، بَلْ إِلٰهٌ واحِدٌ" PL 42: 823)).
إِنَّنا مَدعُوّونَ لا أَنْ نَعرِفَ عَنِ الثَّالوثِ فَحَسب، بَلْ أَنْ نَعيشَ حَياتَنا في نُورِهِ. فَالإِيمانُ بِالثَّالوثِ لَيسَ مُجرَّدَ عَقيدَةٍ ذِهنيَّةٍ، بَلْ خِبرَةُ شَرِكَةٍ وَمَحبَّةٍ وَحَياةٍ. وَمِن هُنا قالَ البابا القِدِّيسُ يوحنّا بولس الثّاني: "نَحنُ المَسيحيّينَ نَعرِفُ الكَثيرَ، لٰكِنَّنا نَعيشُ القَليلَ". فَنَحنُ بِحاجَةٍ دائِمَةٍ إِلى أَنْ نَسمَحَ لِلهِ أَنْ يَقودَ حَياتَنا وَيُشَكِّلَها بِنِعمَتِهِ.
وَفي هٰذا السِّياقِ يَقولُ القِدِّيسُ أغناطيوس دي لويولا: "قَليلونَ جِدًّا يُدرِكونَ ما سَيَصنَعُهُ اللهُ بِهِم إِذا وَضَعوا أَنفُسَهُم كُلِّيًّا بَينَ يَدَيهِ". فَاللهُ لَيسَ كائِنًا نَتَكَلَّمُ عَنهُ فَحَسب، بَلْ كائِنًا نُحِبُّهُ وَنُصغي إِلَيهِ وَنَدخُلُ في شَرِكَةٍ مَعَهُ. نُدرِكُهُ بِالحُبِّ، وَنَبلُغُهُ بِالإِيمانِ، وَنَكتَشِفُهُ بِالصَّلاةِ.
لِذٰلِكَ فَلنُجَدِّدْ إِيمانَنا بِاللهِ الواحِدِ المُثَلَّثِ الأَقانيمِ: بِالآبِ الَّذي خَلَقَنا وَأَحَبَّنا وَيَعتَني بِنا؛ وَبِالابنِ يَسوعَ المَسيحِ الَّذي اِفتَدانا وَخَلَّصَنا بِمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ؛ وَبِالرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يُتَمِّمُ فينا ثِمارَ الفِداءِ وَالخَلاصِ، وَيُحيينا وَيُقَدِّسُنا وَيَقودُنا إِلى مِلءِ الحَياةِ في اللهِ. يَختِمُ القِدِّيسُ إيريناوس تَأَمُّلَهُ في عَمَلِ الثَّالوثِ قائِلًا: "حَيْثُ تَكونُ الكَنيسَةُ هُناكَ رُوحُ اللهِ، وَحَيْثُ يَكونُ رُوحُ اللهِ هُناكَ الكَنيسَةُ وَكُلُّ نِعمَةٍ" PG 7: 966)). فَلنَثبُتْ في هٰذِهِ النِّعمَةِ، وَلنَحْيَ كُلَّ يَومٍ في اِسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الإِلٰهِ الواحِدِ، لَهُ المَجدُ إِلى الأَبَدِ. آمين.
دُعاء
أَيُّها الآبُ القُدُّوسُ، إِنَّكَ أَنتَ وَابنُكَ الوَحيدُ وَالرُّوحُ القُدُسُ إِلٰهٌ واحِدٌ، وَرَبٌّ واحِدٌ، لا بِوَحدَةِ الأُقنومِ بَلْ بِثالوثِ الجَوهرِ الواحِدِ. إِنَّنا نَسجُدُ لَكَ، أَيُّها الثَّالوثُ القُدُّوسُ، نَسجُدُ لِلثَّالوثِ في الأَقانيمِ، وَلِلوَحدَةِ في الجَوهرِ، وَلِلتَّساوي في الجَلالِ وَالمَجدِ.
إِنَّكَ الإِلٰهُ الَّذي دَعَوتَنا مُنذُ مَعمودِيَّتِنا إِلى الاتِّحادِ بِكَ، وَما زِلتَ تُظهِرُ ذاتَكَ لَنا وَتَسيرُ في وَسَطِنا. لِهٰذا، وَلِأَجلِ كُلِّ شَيءٍ، نُسَبِّحُكَ وَنُبارِكُكَ وَنُمَجِّدُكَ، أَنتَ وَيسوعُ ابنُكَ الوَحيدُ الحَبيبُ، وَالرُّوحُ القُدُسُ، مُرَنِّمينَ مَعَ أَشَعْيا النَّبِيِّ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ القُوّات، الأَرضُ كُلُّها مَملوءَةٌ مِن مَجدِهِ" (أشعيا 6: 3).
وَمُسَبِّحينَ مَعَ القِدِّيسينَ في السَّماءِ: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلٰهُ القَديرُ، الَّذي كانَ وَالكائِنُ وَالَّذي سَيَأتي" (رؤيا 4: 8). المَجدُ لِلآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الآنَ وَكُلَّ أَوانٍ وَإِلى دَهرِ الدُّهورِ. آمين.
قِصَّةٌ عَنِ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ (مِن وَحيِ يوحنّا 3: 1-21)
كانَ هُناكَ شابٌّ يُدعَى سَليم، يَدرُسُ اللّاهوتَ وَيُحِبُّ القِراءَةَ عَنِ اللهِ. كانَ يَحفَظُ الكَثيرَ مِنَ الآياتِ وَيَعرِفُ تَعاليمَ الكَنيسَةِ، لٰكِنَّهُ كانَ يَشعُرُ في داخِلِهِ بِفَراغٍ كَبيرٍ. وَكانَ يَسأَلُ نَفسَهُ دائِمًا: "مَن هُوَ اللهُ حَقًّا؟ وَكَيْفَ يَكونُ اللهُ واحِدًا وَثالوثًا في آنٍ واحِدٍ؟"
وَفي إِحدى الأَمسياتِ، دَخَلَ الكَنيسَةَ قَبلَ إِغلاقِها. كانَت هادِئَةً وَخافِتَةَ النُّور. جَلَسَ وَحدَهُ أَمامَ المَذبَحِ، وَفَتَحَ الإِنجيلَ عَلى حِوارِ يَسوعَ مَعَ نيقوديمُس.
بَدَأَ يَقرَأ: "فَإِنَّ اللهَ أَحَبَّ العالَمَ حَتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ…" تَوَقَّفَ عِندَ هٰذِهِ العِبارَةِ. وَشَعَرَ أَنَّها لَيسَت مُجرَّدَ كَلِماتٍ، بَلْ بابٌ يَنفَتِحُ أَمامَهُ. فَكَانَ أَوَّلُ ما اِكتَشَفَهُ أَنَّ اللهَ هُوَ الآبُ الَّذي يُحِبُّ. لَم يَكُنِ اللهُ إِلٰهًا بَعيدًا أَو مُخيفًا، بَلْ آبًا يَبحثُ عَن خَلاصِ أَبنائِهِ. وَأَدرَكَ أَنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللهُ مَعَ البَشَرِ كانَ بِدافِعِ الحُبِّ.
ثُمَّ تابَعَ القِراءَةَ: "جادَ بِابنِهِ الوَحيدِ…" فَرَفَعَ سَليمٌ عَينَيهِ نَحوَ الصَّليبِ المُعَلَّقِ في الكَنيسَةِ، وَفَهِمَ أَنَّ الابنَ هُوَ وَجهُ مَحبَّةِ الآبِ. فَيَسوعُ لَم يَأتِ لِيُدينَ العالَمَ، بَلْ لِيَخلُصَهُ. وَفَهِمَ أَنَّ اللهَ لَم يَبقَ بَعيدًا عَن وَجَعِ الإِنسانِ، بَلْ دَخَلَ إِلَيهِ وَحَمَلَ أَلَمَهُ وَخَطِيئَتَهُ.
وَعِندَما وَصَلَ إِلى كَلامِ يَسوعَ: «"إِن لَم يَولَدِ الإِنسانُ مِنَ الماءِ وَالرُّوحِ، لا يَقدِرُ أَنْ يَدخُلَ مَلَكوتَ اللهِ"، أَحَسَّ سَليمٌ كَأَنَّ نَسيمًا هادِئًا يَمُرُّ في قَلبِهِ. وَتَذَكَّرَ مَعمودِيَّتَهُ. وَفَهِمَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَيسَ فِكرَةً غامِضَةً، بَلْ هُوَ رُوحُ اللهِ الَّذي يُجَدِّدُ الإِنسانَ وَيَهَبُهُ حَياةً جَديدَةً.
وَفَجأَةً، شَعَرَ أَنَّ سِرَّ الثَّالوثِ لَيسَ مُعادَلَةً صَعبَةً لِيَحلَّها العَقلُ، بَلْ حَياةُ مَحبَّةٍ يَدخُلُها الإِنسانُ. فالآبُ يُحِبُّ…
وَالابنُ يُخَلِّصُ، وَالرُّوحُ القُدُسُ يُجَدِّدُ وَيُقَدِّسُ…
وَبَينَما كانَ غارِقًا في صَلاتِهِ، دَخَلَ الكاهِنُ لِيُطفِئَ الشُّموعَ، فَرَآهُ جالِسًا بِسَلامٍ عَجيبٍ، فَقالَ لَهُ: "يَبدو أَنَّكَ وَجَدتَ شَيئًا كَبيرًا هٰذِهِ اللَّيلَةَ". فَاِبتَسَمَ سَليمٌ وَقالَ: "لَم أَعُد أُحاوِلُ أَنْ أَفهَمَ اللهَ بِعَقلي فَقَط… بَلْ بَدَأتُ أَعيشُ في مَحبَّتِهِ".
وَخَرَجَ مِنَ الكَنيسَةِ، وَفي قَلبِهِ يَقينٌ جَديدٌ أَنَّ الثَّالوثَ الأَقْدَسَ لَيسَ سِرًّا بَعيدًا عَن حَياتِنا، بَلْ هُوَ اللهُ الحَيُّ الَّذي يَدعونا كُلَّ يَومٍ لِلدُّخولِ في شَرِكَةِ مَحبَّتِهِ.