موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٥ فبراير / شباط ٢٠٢٦

"الإنتقال من الظلام إلى النّور" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الأوّل

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 58: 1-8؛ مت  5: 13-17)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 58: 1-8؛ مت 5: 13-17)

 

الأحد الخامس من الزّمن العاديّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

نتناول في مقالنا بهذا الـمقال، الّذي يحوي تعلّيم مُعاصر لوقتنا وبشدة. من العهد القديم سنسمع رسالة الرّبّ بحسب أشعيا (58: 1-8) الّذي يرسل نبيه برسالة للشعب ليحرره من كلّ ما يعوقه للتمتع بالنّور. وبالتوازي نستمر في عطة يسوع الأوّلى بحسب متّى (5: 13-17) حيث يعلمنا يسوع الإنتقال من الظّلام للنّور من خلال إستعارتين شهيرتيّن، في تعلّيمه وهما الـملح والنّور. ثمّ يختتم بجوهريّة وجوده بين فئات بسيطة وفقيرة ومتألـمة وهو ما يحملنا لنصغي اليّوم كمؤمنين وتابعين للرّبّ الّذي حمل إلينا النّور ولكن بعد أنّ نترك مذاق متميّز. مدعوين اليّوم للإنتقال من ظلام حياتنا الزائفة، الّتي قد لا يكون لها أي مذاق، وقد ننفصل عن النّور لأننا لم نتعلم بعد كيف نصير ملح ونور معًا في مجتماعاتنا وأسرنا وجماعاتنا وكنائسنا حيث ننسى أو نتناسى بإنّ رسالتنا هي نعكس صورة الله ليمجده مَن يحيطون بنا!

 

1. لا للعبادات الزائفة (اش 58: 1-8)

 

ها نحن في الجزء الثالث من النبؤة الإشعيائيّة الّتي تنقسم إلى ثلاث أجزاء. حيث أنّ الجزء الأوّل ينتمي إلى أشعيا الأوّل بالإصحاحات 1-39؛ ثم الجزء الثاني من 40-54 وهو ما يُسمى في الدراسات الكتابيّة باِسم كتاب التعزيّة؛ وأخيراً الجزء الثالث 55-66 حيث تأتينا هذه الكلمات على لسان الرّبّ الّذي بدأ حواره مع النّبي مندداً الشّعب قائلاً: «نادِ بِمِلْءِ فَمِكَ ولا تُمسِكْ إِرفَعْ صَوتَكَ كالبوق وأَخبرْ شَعْبي بِمَعصِيَتِه وبَيْت يَعْقوبَ بِخَطاياه» (اش 58: 1). يحمل النّبيّ الصوت الإلهيّ إذ من خلال أفعال الأمر الثلاث بالنص: "ناد؛ إرفع؛ أخبر" نجد أنّ على النّبيّ التحلّى بالقوّة والشجاعة ليعلن حقيقة الشّعب السّامة على مسامعه وهي تتمثل في العصيان والخطيئة. يحفز الرّبّ نبيّه ليتكلم برسالة الرّبّ حتّى يمنع الشّعب من الإستمرار في خياناته. وهنا النّبيّ مدعو وهو يحمل أيضًا رسالته ليّ ولك اليّوم، بكلّ قواه الصّوتيّة "كالبوق" "رافعًا صوته" أي صارخًا بشدة، ... لإعلان عبادتنا الخاطئة. نعم إلهنا ليس هو الّذي يصيبه السمع الثقيل وعلينا بالصراخ أمامه ليستجيب لطلباتنا، حيث يكشف النّبيّ علاقتنا الزائفة بالرّبّ الّذي لازال ينتمي إلينا قائلاً: "شعبي". بالرغم من عصياننا وخطايانا؛ إلّا أنّ الرّبّ لازال يعلن عن إنتمائه لنا كشعبه! وحبًأ فينا تأتي كلمات النّبيّ مُشيراً لنوعية الصّوم والصّلاة وهي عباداتنا للرّبّ إلّا إنها غير حقيقة إذ لا تسمح لنا بالنمو في الرّبّ، مما يجعل حياتنا الروحيّة مُصابة بالعقم والظّلام. ويبدأ مسيرة التحرير من خلال وضع حقيقتنا أمام أعييننا، ثم تصحيح أخطائنا من خلال مشاركتنا لكلّ آخر، الـمَساجيّن، الـجوعى، الّذين بلا مأوى ... في الخيرات الإلهيّة الّتي منحها الرّبّ لنا. وهنا تأتي كلمة الرّب فتصير بمثابة النّور الّتي تحررنا من شباك الظّلام للخروج إلى أشعة النّور،  ومتى أطعناه يفاجئنا بحسب قوله بنهاية هذا النص قائلاً: «حينَئِذٍ يَبزُغُ كالفَجرِ نورُكَ ويَندَبُ جُرحُكَ سَريعاً ويَسيرُ بِرُّكَ أَمامَكَ ومَجدُ الرَّبِّ يَجمعُ شَملَكَ» (أش 58: 8). مدعويّن لننظر لحقيقتنا كما هي والإعتراف بعباداتنا الزائفة الّتي لا تساعدنا على توطيد علاقتنا بالرّبّ وعلينا بأنّ نسمح للنّور الإلهي بأنّ يخترق حياتنا متى قبلنا حقيقتنا وقررنا الخروج للنّور. على هذا الـمنوال نستمر، في التعمق في الخطبة الأوّلى بحسب متّى، بالإصغاء لكلمات يسوع الّذي يرافقنا ليحملنا من ظلامنا إلى النّور الإلهيّ.

 

2. يسوع هو النّور (مت  5: 13- 17)

 

يأتي يسوع، من جديد كالنّور للجمع، الّذي يمثلنا نحن اليّوم أتباعه، حيث وجه إليه التسع تطويبات الّتي بدأ من خلالها تفجير النّور الإلهيّ إليهم كخطوة أوّلى، كما رأينا بالـمقال السابق. وأما في الخطوة الثانيّة الّتي نتبعها بهذا الـمقال، والّتي يستكمل بها متّى الإنجيليّ جزء ثان هام من عظة يسوع وهو ما يتوازى مع كلمات أشعيا إذ يساعد الجمع من جديد، على إستعادة نوره الّذي خلقه الله الآب عليه مركزا بالضوء عليهم بصيغة الجمع الـمتكلم قائلاً:

 

«أَنتُم [أنا وأنت] مِلحُ الأَرض، فإِذا فَسَدَ الـملْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟

 

إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس» (مت 5: 13).

 

حيث ينظر يسوع في وجوهنا ويضعهنا في مركز إهتمامه ويستمر في غربلتنا مرة ثانيّة قائلاً:

 

«أَنتُم [أنا وأنت] نورُ العالـم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل» (مت 5: 14).

 

هاتين الإستعارتيّن الّتي إستخدمهما يسوع في حواره معنا اليّوم سواء "الـمَلح" أم "النّور" هما الشكليّن الّذين ركز عليهم الـمعلّم ليخرجنا من ظلامنا ويجعل من حياتنا، الـمُظلمة والعديمة الطعم، لتصير مستنيرة وذات مذاق خاص ومتميّز.

 

1. 2 الـملح (مت 5: 13)

 

وإذا تسألنا لـماذا الـملح؟ بالرغم من رخص سعره وربما يظهر بأنّه غير هام إلّا أنّ الطعام بدون ملح، وحتى إنّ كان قليلاً، لا يؤكل بسبب إنه لا مذاق له. لذا فالـملح هام، وفي ذات الوقت، إذابة الـملح بالطعام ومع إنّه لا يُرى ولكنه يعطي مذاق وبدونه الطعام لا يُفضل أكله. هكذا يوجه يسوع إلينا رسالة هامة وضروريّة وهي أنّ نكون كالـملح الّذي يعطي مذاق للعالم الّذي نحيا به. كما أنّ يسوع هو الـملح الّذي يعطي حياتنا طعم، بل طعم متميّز، هكذا علينا أنّ نكون مثله. فقد أذاب حياته حبًا بنا وأعطى حياتنا حياة حقيقيّة بل ملء الحياة.

 

ثم يأتي بقوله التفسيريّ مُحذراً إيانا بوضوح، من خلال أداة الشرط قائلاً: «فإِذا فَسَدَ الـملْح، فأيُّ شَيءٍ يُمَلِّحُه؟ إِنَّه لا يَصلُحُ بَعدَ ذلك إِلاَّ لأَنْ يُطرَحَ في خارِجِ الدَّار فَيَدوسَه النَّاس» (5: 13). الفسّاد هو خطر كبير يهدد مجتمعنا اليّوم، ونحن بمثابة الـملح إذا فَسَدنا، أفسدنا حياتنا وحياة مَن حولنا، وما من إختيار سوى أنّ نُلقى ونُداس بالأقدام لأنّه لا نفع منا. الفسّاد لا يأتي منه إلّا أنّ يُداس ويرفض إذ لا يقبله أي شخص. مدعويّ، الإنتقال من حياة لا معنى ولا مذاق لها إلى حياة يناسبها مقدار مناسب من الـملح الّذي هو حضورنا الّذي نكشف به عن علاقتنا وحضور الله فينا.

 

2.2. النّور يقود للـمجد (مت 5: 14)

 

يدويّ، من جديد، صوت يسوع مشيراً إلى أهميّة النّور الّذي خرجنا منه وإليه نعود. الله الآب الخالق يرسل ابنه ليس ليحاكم ويعيش حياة إلهيّة بيننا، بل يأتي كلّ يوم حيث نتواجد ليكشف لنا النّور الّذي خرجنا منه ونستعيد التواصل معه من جديد قائلاً: ««أَنتُم نورُ العالـم. لا تَخْفى مَدينَةٌ قائِمَةٌ عَلى جَبَل. ولا يُوقَدُ سِراجٌ وَيُوضَعُ تَحْتَ الـمكيال، بل عَلى الـمنارَة، فَيُضِيءُ لِجَميعِ الَّذينَ في البَيْت. هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات» (مت 5: 14- 16). ينقلنا يسوع من خلال كلماته التعلّيميّة إلى التحرر من كلّ ما يعوق إستنارتنا فنكون نساء ورجال ذوي أقوال وأفعال في إيماننا ومسيحيتنا. يجديّ، هذا النّور، لصالحنا إذ لا نعاني إنقسام في هويتنا الدينيّة بين ما نؤمن به وما نحياه. هذا ما يجعلنا أدوات تجعل الآخرين يُمجدون الآب. فنصير مستقبلين حقيقييّن للنّور الّذي يحمله يسوع ابنه مباشرة.  فالنّور، يتجسد من خلالي ومن خلالك وهي مسئوليّة ليست بقليلة حيث أنّ توصيل النّور يصير رسالتنا إينما كنا، على مثال يسوع معلمنا.

 

3. يسوع الـمُكمل والـمتممّ (مت 5: 17)

 

يختتم يسوع هذا النص بتأكيد بل هو إعلان جديد لم يكشفه أي من الأنبياء أو مَن كلفهم الرّب بتوصيل رسالته. وهنا يأتي كشف يسوع عن هويته الحقّة قائلاً: «لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل » (مت 5: 17). وُلد يسوع الإنسان بتاريخنا البشريّ، وهو ابن الله، تحت الشّريعة ومتممّا لها. إذ لم ينفى تعاليم الله الّذي أعطاها للشّعب من خلال موسى بالعهد القديم بل حان الوقت ليعطيّ تفسيراً مكتملاً. يسوع هو ابن الله الّذي خرج منه، في تعلّيمه لا ينقض ما قيل قبل تجسده، ولكن من خلال كل البشّارة الـمتاويّة تأتينا صورة يسوع الـمُكمل والـمُتمم للأقوال الـمُدونة بكتب الشّريعة الخمس وأيضًا بكتب الأنبياء. ففي واقع الأمر، ما أُعلن قبل دخول يسوع في تاريخنا البشريّ، لمّ يُفهم بكامله لأنّ دور يسوع التفسيري والتعلّيميّ يحمل لنا هدف الله وخطته لدخول ابنه في تاريخنا البشريّ. وهذا ما يودّ متّى الإنجيلي التأكيد عليه، منذ عظة يسوع الأوّلى، بأنّه هو الـمُكمل والـمُتمم لكلّ الكتب الـمُقدّسة في الديانة اليهودية. وها هو كرجل عبري يحمل لنا التفسير والترجمة الحقّة بحسب فكر الله الآب منذ الخلق، وفي هذا التفسير والتعاليم هنا الجديد الّذي يرافقنا به متّى على لسان يسوع من خلال عظاته الخمس ببشارته حيث يحملنا من سلوكنا الـمليء بالظّلام لينقلنا للنّور بتعليمه.

 

الخلّاصة

 

تناولنا في مقالنا هذا مسرة النبي اشعيا (58: 1-8) بحسب الـمقطع الّذي تعمقنا فيه حيث فاجئنا الرّبّ بأنّ كلّ مرة نطيعه نتحرر من طلامنا بل نصير نوراً بدورنا بحسب تأكيد الرّبّ: «يَبزُغُ كالفَجرِ نورُكَ [...] ومَجدُ الرَّبِّ يَجمعُ شَملَكَ» (أش 58: 8). على هذا الـمثال آتى يسوع من مجده الإله حاملا النّور بحسب متّى (5: 13-17) ودعى كلاً منا بمسئوليّة ضروريّة من خلال قوله: «أَنتُم مِلحُ الأَرض [...] أَنتُم نورُ العالـم». هذه رسالة يسوع ليّ ولك اليّوم حيث أنّ في كلّ مرة نسعى بأنّ نعطي طعم الرّبّ لعالـمنا وأسرنا ومجتمعنا نصير كالنّور الّذي يجعل آخرين يتمكنون من تمجيد الله الآب غير الـمرئي، إلّا إننا نعكس حضوره الحيّ والحقيقي. دُمتم أمناء وعابرين من الظّلام وعدم وجود مذاق بالحياة إلى إعطاء مذاق طيب بل ولا نصير كالـملح الفاسد ونحارب الفسّاد بنورنا الّذي نقبله من خلال النّور الإلهيّ، يسوع.