موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٦ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

"التَشّبُع بِالكَلِمَة الإلهيّة" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 49: 3- 6؛ يو 1: 29- 34)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (اش 49: 3- 6؛ يو 1: 29- 34)

 

الأحد الثاني من الزّمن العاديّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

كثيراً ما تأتينا الدعوة للحوار في لقائاتي الكتابيّة للإجابة عن تساؤل كيف أتعمّق في كلمة الله؟ وأهيمّة الإرتباط بها بشكل شخصيّ وأسريّ وجماعيّ وكنسيّ أيضًا؟ لهذا خصصنا هذا الـمقال للإجابة على هذه التساؤلات الّتي أجد أنّ كلاً العهديّن أبدعا في أنّ يسلما كلّاً منا نقاط بسيطة من خلال شخصيتيّن نجحا في التشبع بالكلمة الإلهيّة في رسالتها بالرغم من آلامهما إلّا إنّهما يحملان رسالة قويّة لحياتنا وقلوبنا من خلال علاقتهما بالكلمة. الأوّل هو عبد الرّبّ في نشيده الثاني الّذي يكشف من خلال حواره الخاص مع الرّبّ بسمات خاصة من خلال النص الإشعيائي (49: 3-6) بالعهد القديم. والشخصيّة الثانيّة الّتي تسير عكس تيار عصرها وهي شخصية الـمعمدان بحسب الإنجيل اليوحنّاويّ (1: 29- 34). هاتين الشخصيّتين من خلال مرونتهما وإنسياقها بإيمان وراء الكلمة الإلهيّة الّتي وُجهت لهم في عصرين مختلفيّن إلّا إنهما يحملان نقاط قويّة للتقرب والتعمق من الكلمة الإلهيّة لتساعدنا أنّ نتشبع بها. فتصير مصدر لغذائنا الروحيّ والقلبيّ ولإيماننا الّذي ينمو بفضل كلمة الرّبّ، وهذا ما نهدف إليه من خلال مقالنا هذا وهو أنّ نتعلم فن التعمق في الكلمة الإلهيّة حتّى تشبعنا.

 

 

1. حوار إلهي بشري (اش 49: 3-6)

 

غريبة شخصيّة العبد، هو عبد الرّبّ، الّذي يشير إليه النّبيّ أشعيا من خلال الأناشيد الأربعة (راج اش 42؛ 49؛ 50؛ 52- 53) ليكشف لنا عن حساسيته وقربه من الرّبّ وبالأحرى رفاهيّة أُذنيه الّتي تتميز بالفهم من خلال ما يسمعه من الكلمة الإلهيّة من خلال الحوار الّذي نتعمق فيه بهذا النشيد الثاني. يسمع العبد، بهذا النشيد، فقط الصوت الإلهي دون أنّ يراه، وله من الحريّة أنّ يحاوره ويعرف حقيقة ذاته على ضوء حقيقة الرّبّ الّتي يكشفها له. من خلال الحوار الّذي دار بينه وبين الرّبّ بحسب النّبيّ في آيات قليلة 49: 3- 6 والّتي سأعرضها كحوار كما هو حيث نسمع كلمات كلّاً منهما:

 

الرّبّ: "أَنتَ عَبْدي يا إِسْرائيل فإِنِّي بِكَ أَتمَجَّد".

 

العبد: "إِنِّي باطِلاً تَعِبتُ وسُدًى وعَبَثاً أَتلَفتُ قُوَّتي". إِلَّا أَنَّ حَقِّي عِندَ الرَّبّ وأَجْري عِندَ إِلهي. والآنَ قالَ الرَّبُّ الَّذي جَبَلَني مِنَ البَطنِ عَبداً لَه لِأَرُدَّ يَعْقوبَ إِلَيه فيَجتَمِعَ إِلَيه إِسْرائيل فأكونَ مُمَجَّداً في عَينَيِ الرَّبّ ويَكونَ إِلهي عِزَّتي. قالَ:

 

الرّبّ: "قَليلٌ أَن تَكونَ لي عَبداً لتُقيمَ أَسْباطَ يَعْقوب وتَرُدَّ الـمَحْفوظينَ مِن إِسْرائيل".

 

من خلال هذا الحوار نتبيّن قدرة الكلمة الإلهيّة الّتي تتوجه بالـماضي، لتقوي شخص يحمل رسالة قويّة ليتمجد بعد مسيرة غير قليلة من الألم ليُقيم أسباط يعقوب ويردّ الشّعب للرّبّ. من خلال أصغاء وتمييّز وطاعة هذا العبد، وهي السّمات الّتي يعلمنا إياها وسنراها بعمق في شخصيّة الـمعمدان، بخلاف العبد، فهو يرى يسوع ويرى علامات إلهيّة ويتشبع بالكلمة الّتي ستتوجه إليه فيعلن الكثير مما يراه بسبب تشبعه بالكلمة الإلهيّة.

 

 

2. صوت الشّاهد (يو 1: 29- 34)

 

يفتتح الإنجيلي بعد عرضه مقدمة بشارته (راج 1: 1-18) اللقاء الأوّل بين يسوع والـمعمدان بسرده: «وهذه شَهادَةُ يوحنّا» (يو 1: 19). ثمّ يروي من خلال الحوار الّذي دار بين الـمعمدان وبعض سائليه عن هويته في كلماته الّتي تحمل إعترافًا بالنكرة قائلاً: «لَستُ المسيح [...] لَستُ إِيَّاه [...] لا!» (يو 1: 20- 21) مؤكداً أيضًا بأنّه ليس إيليّا وليس بنّبيّ. الـمعمدان هو إنسان يعرف حقيقة ذاته. وبالإلحاح عليه يعلن حقيقة ذاته من خلال رسالته: «أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة» (يو 1: 23). لا يقع في الفخ ويضع ذاته في مكانة ليست بمكانته بل بتواضع وبساطة يعلن ما كتب عن الـمُهييء (راج ملا 3: 1). لـماذا يصرخ هذا الصوت (الـمعمدان) بالبرّيّة؟

 

نعم الـمعمدان بدأ رسالته من البرّيّة، حيث خرج من ذات الـمكان الّذي دخل شعب الله منه بدأً في نوال حريّته ونهايّة لعبوديّته. حيث إنتهي الشّعب لنوال طريق حريّته بدأ الـمعمدان رسالته مما يؤكد عمل الله الخلّاصي من الـماضي لحاضره بتهئية أُناس للتوبة من خلال معموديته بالـماء. هذا التواصل في رسالته يجدد عمل الله بالـماضي وهذا ما سنتعرف عليها بشكل تفصيليّ من خلال سمات الـمعمدان اللّاهوتيّة كما يرويها الإنجيليّ والّتي نلخصها في ثلاث نقاط وهي: الإصغاء، والتميّيز، والشّهادة.

 

ففي مقالنا هذا، يقف يوحنّا المعمدان أمامي وأمامك كمثالًا يُحتذى به في اِستقباله للمسيح في حياتنا وإعلان هويته الحقيقة لـمَن حولنا. وكأنّ المسيرة الّتي خضناها خلال احتفالاتنا بعيد ميلاد الرّبّ قد بلغت تمّامها إذ أنّ سرّ التجسد الّذي إحتفلنا به، لكي يتجلّى أكثر، يجب أنّ نُدركه في حقيقته اليّوم في حياتنا اليوميّة، إذ أنّ يسوع الناضج أتيًا نحو كلّاً منا. يُقدم لنا الإنجيليّ مسيرة الـمعمدان في ثلاث نقاط لّاهوتيّة جوهريّة وهما الإصغاء والتميّيز والشّهادة. هذه النقاط الثلاثة هي بمثابة ثلاث مراحل يسلمها الإنجيليّ ليّ ولك اليّوم حتّى نتمكن نحن أيضًا من أنّ نكون شهوداً للمسيح بين مُعاصرينا في العمل والـبيت والـمجتمع والكنيسة أيضًا.

 

1.2. أولًا: الإصغاء (1: 32- 33)

 

 يرويّ الإنجيليّ عن إصغاء الـمعمدان في سيّاقه قائلاً: «شَهِدَ يوحنّا قال: رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه. وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ، هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس» (يو 1: 32- 33). لقد عاش الـمعمدان بالبرّيّة، وتميّز بقدرته على الإصغاء إلى ذلك الصوت الّذي يُخاطب القلب وليس فقط الأُذُن. هذه هي المرحلة الأوّلى من مسيرة يوحنّا، كما كانت مسيرة كلّ نبيّ قبله، الّذي لا بدّ له، قبل أنّ يُبشّر بمستقبلٍ مُشرقٍ ومُفعمٍ بالأمل، أنّ يكون مُتشبّعًا بالكلمة (راج اش 49: 3 .6). وقد تكون هذه المرحلة أيضًا الخطوة الأوّلى في مسيرتنا لدعوتنا نساءً ورجالًا مؤمنيّن قادريّن على إعلان التجديد والرجاء من خلال تدربنا على فن الإصغاء والإنطلاق للّذهاب للبرّيّة بشكل مستمر لنسمع توجيهات الرّبّ لحياتنا.

 

2.2. ثانيًا: التمييّز (يو 1: 31- 33)

 

المرحلة الثانية من مسيرة الـمعندان بحسب وجهة نظر الإنجيليّ هي التميّيز. فقد قدم الإنجيلي شخصيّة الـمعمدان بأنّه الصوت الّذي يتوجب عليه أنّ يصغي ليتكلم وليعلن من يسمعه. لذا فهو مدعو بعد الإصغاء إلى التميّيز. حيث أنّ الكلمة الّتي سمعها الـمعمدان وأطاعها تتيح له أنّ يري غير الـمرئي للعين البشريّة وهنا عليه أنّ يتبع معيار لرؤية جديدة وهي رؤية الروح القدس العامل أمامه. رأى الـمعمدان الرّوح القدس ينزل على يسوع لأنّه نجح في أنّ يصغي ويستقبل الكلمة الّتي توجهت له في حياته وأطاعها. وبهذا تُصبح طاعته للكلمة شرطًا لنعمة تميّيزه للتعرف على الشخص الإلهيّ بين أشخاص كثيرون أمامه يطلبون الـمعموديّة. فمن خلال طاعتنا للكلمة الإلهيّة، الّتي لازال الرّبّ يوجهها ليّ ولك، بشكل يوميّ، تستطيع أعيننا أنّ ترى الرّوح القدس عاملًا فينا وحولنا، وأنّ تُدرك قلوبنا متى يأتي الله ليُلاقينا على دُروب حياتنا. نعم لم يكن الـمعمدان يعرف حقيقة يسوع الإلهيّة! وهذا ما نتبينه من قول الإنجيليّ يقول: «وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل» (يو 1: 31. 33). فالكلمة الإلهيّة الّتي تشبع بها هي الّتي أصغى إليها وأطاعها هي ذاتها الّتي قادته إلى التعرّف عليه.

 

هذه الخبرة هي الّتي مكّنت الـمعمدان من إضفاء معنى على طاعته للكلمة حيث عرف حقيقة ذاته أيضًا بقوله: «ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل» (يو 1: 31). الآن فقط، حين رأى الرّوح القدس ينزل على يسوع الأقنوم الإلهيّ الـمرئي أمامه، لقد فهم الـمعمدان تمامًا معنى رسالته، ومعنى تشبعه بالكلمة الّـي أصغى إليها وطاعته لها هي الّتي ساعدته ليترك بصمته ليّ ولك اليّوم. لا تقتصر نعمة التميّيز على ما يفعله الله من حولنا فحسب، بل يشمل أيضًا ما فعله ويفعله وسيفعله فينا. إنّها خبرة حياتيّة، تلك الّتي إختبرها الـمعمدان بفضل تشبعه بالكلمة، وهذا قاده التعرف على ذاته وعلى رسالته.

 

 

ثالثًا: الشهادة (يو 1: 34)

 

يقول الـمعمدان الصريح بحسب النص اليوحنّاويّ: «وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله» (يو 1: 34). فقط نال الـمعمدان بعد الإصغاء والتمييز في أنّ يصبح شاهد عيّان (راج 1يو 1:1). يدعونا الـمعمدان في هذه الـنقطة اللّاهوتيّة الهامة، بألّا نأخذ  أمور حياتنا كأمرٍ مُسلَّم به. لا نخترع كيف نكون شهودًا، بل نسعى لنكون ولنُصبح شهودًا حقيقيّن من خلال التعمق في الكلمة الّتي تكشف لنا أنّ مَن يكتشف حقيقة الله لا يتمكن من الصمت عنها بل عليه أنّ يعطي شهادة. ففي نهاية مسيرتنا من الإصغاء والتميّيز لنعمة كلمة الله بحياتنا ما علينا إلّا بأنّ نشهد عن هذا الّذي نراه، ونكتشفه ويعلن لنا عن ذاته فيصير التشبع بالكلمة معيار يوجهنا لنحيا للرّبّ شهوداً له في عالـمنا اليّوم

 

 

الخلّاصة

 

مسيرتنا البشريّة في التشبع من كلمة الرّبّ  هي بمثابة الهبة الّتي منحنا إياها سواء عبدُ الرّبّ (اش 49: 3-6) ويوحنّا المعمدان. من خلال مسيرة حياتهما الإيمانيّة، الـمؤلفة من الإصغاء والتميّيز والشهادة، يعلنا لنا بأنّ الرّبّ لازال قريبًا منا بل كما يصف الإنجيليّ لقاء يسوع بالـمعمدان لأوّل مرة قائلاً: «وفي الغَد رأَى [الـمعمدان] يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال: "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم"» (يو 1: 29). هذا هو جوهر تشبعنا بالكلمة الإهيّة إنّ مَن منا يشعر بهذا القرب الإلهي بشكل يوميّ، من خلال الكلمة، يشعر بخطوات يسوع الآتي نحوه، ونحونا، ليكشف عن ذاته مُعلنًا الجديد عن هويته. هذا يدعونا للجديّة في السعي بتكريس وقت يوميّ خاص للتشبع من كلمة الله الّذي يقترب منيّ ومنك حتى نتمكن مع الـمعمدان بأنّ نقول هذا هو حمل الله. أي أنّ نشهد بحقيقته الّتي نراها بحياتنا ونشعر بها بقلوبنا فنمجده وبالأحرى نتمجد معه كيقين عبد الرّبّ في حواره (راج اش 49: 3-6) الّذي تعمنا فيه بأعلاه. دُمتم في مسرة من التشبع بكلمة الله من خلال حُسن الإصغاء والقدرة على التمييّز فيكون لنا نعمة بأنّ ننال قوة الشّهادة عن عمل الله في حياتنا ولأجلنا.