موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
النَّص الإنجيلي (متى 18: 15-20)
15 إذا خَطِئَ أَخوكَ، فَاذهَبْ إِليهِ وَانفَرِدْ بِه ووَبِّخْهُ. فإِذا سَمِعَ لَكَ، فقَد رَبِحتَ أَخاك. 16 وإِن لم يَسمَعْ لَكَ فخُذْ معَكَ رجُلاً أَو رَجُلَين، لِكَي يُحكَمَ في كُلِّ قضِيَّةٍ بِناءً على كَلامِ شاهِدَينِ أَو ثَلاثة. 17 فإِن لم يَسمَعْ لَهما، فأَخبِرِ الكَنيسةَ بِأَمرِه. وإِن لم يَسمَعْ لِلكَنيسةِ أَيضاً، فَلْيَكُنْ عندَكَ كالوثَنِيِّ والجابي. 18 ((الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما رَبطتُم في الأَرضِ رُبِطَ في السَّماء، وما حَلَلتُم في الأَرضِ حُلَّ في السَّماء)). 19 ((وأَقولُ لكم: إِذا اتَّفَقَ اثنانِ مِنكم في الأَرضِ على طَلَبِ أَيِّ حاجةٍ كانت، حَصلا علَيها مِن أَبي الَّذي في السَّمَوات. 20 فَحَيثُما اجتَمَعَ اثنانِ أَو ثلاثةٌ بِاسمِي، كُنتُ هُناكَ بَينَهم)).
المُقَدِّمَة
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ الأَحَدِ (مَتَّى 18: 15–20) الضَّوْءَ عَلَى مَوْضُوعِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ، وَذٰلِكَ فِي سِيَاقِ الخِطَابِ الرَّابِعِ مِنْ خِطَابَاتِ يَسُوعَ الكُبْرَى فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ عَادَةً بِـ"خِطَابِ الجَمَاعَةِ" أَوْ "الخِطَابِ الكَنَسِيِّ"» (مَتَّى 18). وَيَكْشِفُ هٰذَا الخِطَابُ عَنْ أُسُسِ الحَيَاةِ فِي جَمَاعَةِ تَلَامِيذِ المَسِيحِ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا: التَّوَاضُعُ، وَالعِنَايَةُ بِالصِّغَارِ، وَالبَحْثُ عَنِ الضَّالِّ، وَإِصْلَاحُ الأَخِ المُخْطِئِ، وَالغُفْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الحُدُودَ.
وَيَنْطَلِقُ يَسُوعُ فِي تَعْلِيمِهِ مِنْ حَقِيقَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الخَطِيئَةَ لَا تَبْقَى شَأْنًا فَرْدِيًّا مَحْضًا، بَلْ تَمَسُّ أَيْضًا شَرِكَةَ الجَمَاعَةِ وَوَحْدَتَهَا. لِذٰلِكَ يَقُولُ: "إِذا خَطِئَ أَخوكَ، فَاذهَبْ إِلَيهِ وَعاتِبْهُ بَينَكَ وَبَينَهُ وَحدَكُما" (مَتَّى 18: 15). وَلٰكِنَّ هٰذَا التَّوْبِيخَ الإِنْجِيلِيَّ لَيْسَ إِدَانَةً وَلَا تَشْهِيرًا، بَلْ هُوَ مُوَاجَهَةٌ صَادِقَةٌ يَحْكُمُهَا الحُبُّ، وَتَهْدِفُ إِلَى اسْتِعَادَةِ الأَخِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ الشَّرِكَةِ مَعَهُ. وَهٰذَا مَا تُؤَكِّدُهُ عِبَارَةُ يَسُوعَ: "فَإِنْ سَمِعَ لَكَ، فَقَدْ رَبِحْتَ أَخاكَ" (مَتَّى 18: 15). فَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ κερδαίνω ، أَيْ "يَرْبَحُ" أَوْ "يَكْسَبُ"، يَكْشِفُ أَنَّ الغَايَةَ مِنَ النُّصْحِ لَيْسَتِ الانْتِصَارَ عَلَى المُخْطِئِ، بَلْ رِبْحَ الأَخِ نَفْسِهِ. فَالمَطْلُوبُ لَيْسَ إِثْبَاتَ أَنَّ الآخَرَ مُخْطِئٌ وَأَنَّنَا عَلَى صَوَابٍ، بَلِ اسْتِعَادَةُ الأَخِ إِلَى الشَّرِكَةِ وَالمَحَبَّةِ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُشَدِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَقُلْ: "عَاقِبْ أَخَاكَ" بَلْ "رَبِحْتَ أَخَاكَ"، لِيُظْهِرَ أَنَّ هَدَفَ التَّصْحِيحِ هُوَ خَلَاصُ الأَخِ لَا إِذْلَالُهُ، المقصود ليس العقاب بل إصلاح الأخ، وعلى معالجة الأمر أولًا على انفراد حتى لا تُشهَّر خطيئته. وَأَنَّ المُصَالَحَةَ نَفْسَهَا مَكْسَبٌ لِلطَّرَفَيْنِ وَلِلْجَمَاعَةِ كُلِّهَاPG 58)).
وَيَضَعُ يَسُوعُ لِهٰذَا الإِصْلَاحِ مَسَارًا تَدْرِيجِيًّا يَحْفَظُ كَرَامَةَ المُخْطِئِ وَيَسْعَى إِلَى اسْتِعَادَتِهِ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الإِحْرَاجِ: تَبْدَأُ المُعَالَجَةُ بَينَكَ وَبَينَهُ وَحدَكُمَا، ثُمَّ بِحُضُورِ شَاهِدٍ أَوْ شَاهِدَيْنِ، وَأَخِيرًا أَمَامَ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ. وَيَرِدُ هُنَا المُصْطَلَحُ اليُونَانِيُّ ἐκκλησία، أَيْ "الجَمَاعَة" أَوْ "الكَنِيسَة" (مَتَّى 18: 17)، وَهُوَ مِنَ المَوَاضِعِ النَّادِرَةِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُ فِيهَا إِنْجِيلُ مَتَّى هٰذَا اللَّفْظَ، مِمَّا يُضْفِي عَلَى النَّصِّ بُعْدًا كَنَسِيًّا وَاضِحًا.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّصُّ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الإِصْلَاحِ إِلَى سُلْطَانِ الرَّبْطِ وَالحَلِّ: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ فِي الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ فِي الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (مَتَّى 18: 18). وَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ الفِعْلَانِ έω ، "يَرْبِطُ"، وَλύω ، "يَحُلُّ". وَتَحْمِلُ هٰذِهِ اللُّغَةُ خَلْفِيَّةً يَهُودِيَّةً تَتَّصِلُ بِالسُّلْطَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَاتِّخَاذِ القَرَارِ فِي شُؤُونِ الجَمَاعَةِ، غَيْرَ أَنَّهَا تَأْخُذُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى بُعْدًا كَنَسِيًّا، إِذْ تُوضَعُ فِي خِدْمَ المُصَالَحَةِ وَحِفْظِ قَدَاسَةِ الجَمَاعَةِ وَوَحْدَتِهَا.
وَيَبْلُغُ النَّصُّ ذُرْوَتَهُ فِي وَعْدِ المَسِيحِ: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي، كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ" (مَتَّى 18: 20). وَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ συνάγω يَعْنِي "يَجْمَعُ" أَوْ "يَجْتَمِعُ"، أَمَّا العِبَارَةُ εἰς τὸ ἐμὸν ὄνομα فَتَعْنِي حَرْفِيًّا "إِلَى اسْمِي" أَوْ "بِاسْمِي"، أَيْ فِي ارْتِبَاطٍ بِشَخْصِ المَسِيحِ وَسُلْطَانِهِ وَحُضُورِهِ. فَالجَمَاعَةُ المَسِيحِيَّةُ لَا تَسْتَمِدُّ وَحْدَتَهَا مِنْ مُجَرَّدِ التَّوَافُقِ البَشَرِيِّ، بَلْ مِنْ حُضُورِ المَسِيحِ الحَيِّ فِي وَسَطِهَا.
وَهٰكَذَا لَا يُقَدِّمُ يَسُوعُ فِي هٰذَا النَّصِّ مُجَرَّدَ قَوَاعِدَ لِحَلِّ النِّزَاعَاتِ، بَلْ يَرْسُمُ رُوحَانِيَّةً كَنَسِيَّةً لِلْمُصَالَحَةِ، قِوَامُهَا المَحَبَّةُ وَالحَقُّ وَالتَّدَرُّجُ وَاحْتِرَامُ كَرَامَةِ الآخَرِ. فَالأَخُ المُخْطِئُ لَيْسَ خَصْمًا يَجِبُ الانْتِصَارُ عَلَيْهِ، بَلْ أَخٌ يَجِبُ السَّعْيُ إِلَى رِبْحِهِ. وَالجَمَاعَةُ لَيْسَتْ مَحْكَمَةً لِلإِدَانَةِ، بَلْ مَكَانًا لِلتَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ وَاسْتِعَادَةِ الشَّرِكَةِ.
وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالكَنَسِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ فِي حَيَاتِنَا المَسِيحِيَّةِ؛ لِنَكْتَشِفَ أَنَّ النُّصْحَ الأَخَوِيَّ، حِينَ يَصْدُرُ عَنِ المَحَبَّةِ وَيَهْدِفُ إِلَى المُصَالَحَةِ، لَيْسَ تَدَخُّلًا فِي حَيَاةِ الآخَرِ، بَلْ تَعْبِيرٌ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ الَّتِي تَنْبَعُ مِنْ كَوْنِنَا إِخْوَةً اجْتَمَعْنَا بِاسْمِ المَسِيحِ، وَهُوَ حَاضِرٌ فِي وَسَطِنَا.
أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 18: 15–20)
15 "إِذَا خَطِئَ أَخُوكَ، فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وَانْفَرِدْ بِهِ وَوَبِّخْهُ. فَإِذَا سَمِعَ لَكَ، فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ".
تَرِدُ عِبَارَةُ "خَطِئَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ بصيغة ἁμαρτήσῃ، مِنَ الفِعْلِ ἁμαρτάνω، وَمَعْنَاهُ: "يُخْطِئُ"، أَوْ "يُذْنِبُ"، وَفِي خَلْفِيَّتِهِ الدِّلَالِيَّةِ "يُخْفِقُ فِي إِصَابَةِ الهَدَفِ". وَفِي السِّيَاقِ الإِنْجِيلِيِّ لَا يَقْتَصِرُ المَعْنَى عَلَى إِسَاءَةٍ شَخْصِيَّةٍ أَوْ ضَرَرٍ فَرْدِيٍّ، بَلْ يَشْمَلُ الخَطِيئَةَ الَّتِي تَجْرَحُ حَيَاةَ الأَخِ وَتُهَدِّدُ شَرِكَتَهُ مَعَ الجَمَاعَةِ. وَتَحْتَوِي بَعْضُ الشَّوَاهِدِ المَخْطُوطِيَّةِ عَلَى الإِضَافَةِ εἰς σέ، أَيْ: "إِلَيْكَ" أَوْ "ضِدَّكَ"، فَيُقْرَأُ النَّصُّ: "إِذَا خَطِئَ أَخُوكَ إِلَيْكَ". وَهِيَ قِرَاءَةٌ تَجْعَلُ السِّيَاقَ أَكْثَرَ ارْتِبَاطًا بِإِسَاءَةٍ شَخْصِيَّةٍ. وَيَرِدُ مَعْنًى مُشَابِهٌ فِي لُوقَا: "إِذَا خَطِئَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ" (لُوقَا 17: 3). وَلِهٰذَا التَّعْلِيمِ جُذُورٌ وَاضِحَةٌ فِي شَرِيعَةِ العَهْدِ القَدِيمِ: "لَا تُبْغِضْ أَخَاكَ فِي قَلْبِكَ، بَلْ عَاتِبْ قَرِيبَكَ عِتَابًا، فَلَا تَحْمِلَ خَطِيئَةً بِسَبَبِهِ" (الأَحْبَار 19: 17). فَالبَدِيلُ عَنِ الحِقْدِ الدَّاخِلِيِّ لَيْسَ الصَّمْتَ وَاللَّامُبَالَاةَ، بَلِ المُوَاجَهَةَ الصَّادِقَةَ الَّتِي تَنْبَعُ مِنَ المَحَبَّةِ.
أَمَّا لَفْظُ "أَخُوكَ"، فَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ ὁ ἀδελφός σου وَيَتَّسِعُ مَعْنَى ἀδελφός فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ اتِّسَاعًا مَلْحُوظًا. فَهُوَ يَدُلُّ أَوَّلًا عَلَى الأَخِ بِالقَرَابَةِ الجَسَدِيَّةِ (تَكْوِين 27: 6؛ 28: 2)، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلقَرِيبِ مِنَ العَائِلَةِ (تَكْوِين 14: 16)، أَوْ لِابْنِ الشَّعْبِ الوَاحِدِ (نَحَمْيَا 5: 7)، أَوْ لِأَبْنَاءِ الشُّعُوبِ ذَاتِ الصِّلَةِ (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 23: 7)، كَمَا يُسْتَعْمَلُ أَحْيَانًا فِي لُغَةِ المَوَدَّةِ وَالصَّدَاقَةِ (2 صَمُوئِيل 1: 26). وَفِي هذا السِيَاقِ 8، يَكْتَسِبُ هٰذَا اللَّفْظُ بُعْدًا كَنَسِيًّا وَجَمَاعِيًّا أَعْمَقَ؛ فَـ"الأَخُ" هُوَ عُضْوُ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِي تَرْبِطُنَا بِهِ شَرِكَةُ الإِيمَانِ. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ تَعْبِيرًا عَنِ المَحَبَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ، لَا عَنِ الإِدَانَةِ أَوِ التَّشْهِيرِ. أَمَّا فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، فَقَدْ أَصْبَحَ لَقَبُ "الإِخْوَة" مِنَ الأَلْقَابِ المُميِّزَةِ لأَعْضَاءِ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ (أَعْمَالُ الرُّسُل 1: 15؛ 9: 17). وَقَدْ أَسَّسَ يَسُوعُ نَفْسُهُ هٰذِهِ الأُخُوَّةَ الجَدِيدَةَ بِقَوْلِهِ: "أَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ" (مَتَّى 23: 8). وَبِالتَّالِي، فَـ"الأَخُ" فِي مَتَّى 18: 15 هُوَ، فِي المَقَامِ الأَوَّلِ، العُضْوُ فِي جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ الَّذِي تَقُومُ مَعَهُ عَلاقَةُ شَرِكَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ مُتَبَادَلَةٍ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ تَصْحِيحَ الأَخِ لَيْسَ تَدَخُّلًا فِي شُؤُونِهِ الخَاصَّةِ، بَلْ تَعْبِيرٌ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا أَعْضَاءُ جَسَدِ المَسِيحِ بَعْضُهُمْ تُجَاهَ بَعْضٍ.
تَكْشِفُ عِبَارَةُ "فَاذْهَبْ إِلَيْهِ"، وَفِي اليُونَانِيَّةِ ὕπαγε، عَنْ مُبَادَرَةٍ إِيجَابِيَّةٍ: فَلَا يَنْتَظِرُ الإِنْسَانُ أَنْ يَأْتِيَ المُخْطِئُ إِلَيْهِ مُعْتَذِرًا، بَلْ يَذْهَبُ هُوَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ غَايَتَهُ لَيْسَ حِفْظَ كَرَامَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ خَلَاصَ أَخِيهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ المُبَادَرَةِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ لَا يَأْمُرُ المُسِيءَ أَوَّلًا بِالذَّهَابِ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، بَلْ يَدْعُو المُتَضَرِّرَ إِلَى أَنْ يَبْدَأَ هُوَ بِالمُصَالَحَةِ؛ لِأَنَّ المُخْطِئَ قَدْ يَمْنَعُهُ الخَجَلُ مِنَ المُبَادَرَةِ. وَبِهٰذَا يُخَفِّفُ المَسِيحُ عَنْهُ ثِقْلَ الرُّجُوعِ، وَيَفْتَحُ أَمَامَهُ بَابَ المُصَالَحَةِ (PG 58, 585–586). وَتَعْكِسُ هٰذِهِ المُبَادَرَةُ مَنْطِقَ الإِنْجِيلِ نَفْسَهُ: فَاللهُ لَا يَنْتَظِرُ الإِنْسَانَ الضَّالَّ فَقَطْ، بَلْ يَبْحَثُ عَنْهُ؛ وَهُوَ المَعْنَى الَّذِي يَسْبِقُ نَصَّ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ مُبَاشَرَةً فِي مَثَلِ الخَرُوفِ الضَّالِّ (مَتَّى 18: 12–14).
تُتَرْجَمُ العِبَارَةُ "بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا" في اليُونَانِيَّةُ μεταξὺ σοῦ καὶ αὐτοῦ μόνου حَرْفِيًّا: "بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا".وَتَكْشِفُ هٰذِهِ العِبَارَةُ عَنْ حِكْمَةٍ رَعَوِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: فَقَبْلَ إِشْرَاكِ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ فِي المَسْأَلَةِ، يَنْبَغِي مُقَابَلَةُ الأَخِ عَلَى انْفِرَادٍ، حِفْظًا لِكَرَامَتِهِ وَسُمْعَتِهِ، وَإِعْطَاءً لَهُ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِلرُّجُوعِ. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَنْ هٰذَا المَبْدَإِ بِوُضُوحٍ، إِذْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الخَطِيئَةِ الخَفِيَّةِ وَالخَطِيئَةِ العَلَنِيَّةِ، وَيَدْعُو إِلَى مُعَالَجَةِ الخَطَإِ الخَفِيِّ سِرًّا، حَتَّى لَا يَتَحَوَّلَ التَّوْبِيخُ إِلَى تَشْهِيرٍ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ كَشْفَ خَطِيئَةِ الأَخِ أَمَامَ مَنْ لَا يَعْرِفُونَهَا قَدْ يُفْسِدُ سُمْعَتَهُ بَدَلَ أَنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ (PL 38, 508–509). إِنَّ الانْفِرَادَ بِالأَخِ يُهَيِّئُ جَوًّا مِنَ الحُرِّيَّةِ وَالثِّقَةِ يُسَاعِدُهُ عَلَى سَمَاعِ الحَقِّ وَالاعْتِرَافِ بِالخَطَإِ، فِي حِينِ أَنَّ التَّوْبِيخَ العَلَنِيَّ غَيْرَ الضَّرُورِيِّ قَدْ يُوَلِّدُ فِيهِ الخَجَلَ وَالدِّفَاعَ عَنِ الذَّاتِ وَالعِنَادَ.
تَرِدُ عِبَارَةُ "وَوَبِّخْهُ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἔλεγξον αὐτόν، مِنَ الفِعْلِ ἐλέγχω الَّذِي يَحْمِلُ مَعَانِيَ "يَكْشِفُ الخَطَأَ"، وَ"يُبَيِّنُهُ"، وَ"يُقْنِعُ الشَّخْصَ بِخَطَئِهِ"، وَ"يُوَبِّخُ بِقَصْدِ الإِصْلَاحِ". وَمِنْ ثَمَّ، فَالتَّوْبِيخُ الإِنْجِيلِيُّ لَا يَعْنِي الإِهَانَةَ أَوِ الانْتِقَامَ أَوْ تَفْرِيغَ الغَضَبِ، بَلْ وَضْعَ الحَقِيقَةِ أَمَامَ الأَخِ بِمَحَبَّةٍ وَوَدَاعَةٍ وَحِكْمَةٍ. وَهٰذَا مَا يُذَكِّرُنَا بِقَوْلِ الرَّبِّ لِحِزْقِيَالَ النَّبِيِّ: "فَقَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ، فَتَسْمَعُ الكَلِمَةَ مِنْ فَمِي وَتُنْذِرُهُمْ عَنِّي" (حِزْقِيَال 33: 7). فَالرَّقِيبُ، فِي المَنْظُورِ الكِتَابِيِّ، لَا يَقُومُ بِدَوْرِ المُرَاقِبِ أَوِ المُدِينِ، بَلْ يَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ السَّهَرِ عَلَى خَيْرِ الجَمَاعَةِ وَتَنْبِيهِهَا إِلَى مَا يُهَدِّدُ أَمَانَتَهَا لِلَّهِ. وَمِنْ هٰذَا المَنْطَلَقِ، يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِالأَخِ الأَكْبَرِ الَّذِي يَحْمِلُ بِأَمَانَةٍ رِسَالَةَ الرَّبِّ إِلَى إِخْوَتِهِ، لَا بِرُوحِ الإِدَانَةِ، بَلْ بِرُوحِ المَحَبَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالحِرْصِ عَلَى خَلَاصِهِمْ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ أيضا بُولُسُ الرَّسُول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنْ وَقَعَ أَحَدٌ فِي فَخِّ الخَطِيئَةِ، فَأَصْلِحُوهُ أَنْتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِرُوحِ الوَدَاعَةِ" (غَلَاطِيَة 6: 1). فَالإِصْلَاحُ المَسِيحِيُّ يَجْمَعُ دَائِمًا بَيْنَ الحَقِّ وَالوَدَاعَةِ. وَيَكْتَسِبُ الفِعْلُ ἐλέγχω بُعْدًا لَاهُوتِيًّا أَعْمَقَ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ يُنْسَبُ إِلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ: "وَمَتَى جَاءَ، أَفْحَمَ (ἐλέγξει) العَالَمَ فِي شَأْنِ الخَطِيئَةِ وَالبِرِّ وَالدَّيْنُونَةِ" (يُوحَنَّا 16: 8). وَبِذٰلِكَ لَا يَكُونُ النُّصْحُ الأَخَوِيُّ المَسِيحِيُّ إِدَانَةً لِلخَاطِئِ، بَلْ مُشَارَكَةً، فِي حُدُودِ المَحَبَّةِ وَالحَقِّ، فِي عَمَلِ الرُّوحِ الَّذِي يَكْشِفُ الخَطِيئَةَ لِيَقُودَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَقَدْ رَبَطَ القِدِّيسُ أوغسطينوس بَيْنَ النُّصْحِ وَالمَحَبَّةِ، مُحَذِّرًا مِنْ صَمْتٍ يَتَسَتَّرُ خَلْفَ مَظْهَرِ التَّسَامُحِ وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ تَخَلٍّ عَنِ الأَخِ. فَالمَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَفْرَحُ بِخَطَإِ الآخَرِ، وَلَا تُشَهِّرُ بِهِ، وَلٰكِنَّهَا أَيْضًا لَا تَقِفُ غَيْرَ مُبَالِيَةٍ أَمَامَ مَا يُؤْذِيهِ رُوحِيًّا. وَقَدْ رَبَطَ القِدِّيسُ أوغسطينوس بَيْنَ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ وَالمَحَبَّةِ، إِذْ إِنَّ تَنْبِيهَ الأَخِ إِلَى خَطَئِهِ لَيْسَ عَمَلَ إِدَانَةٍ، بَلْ وَاجِبُ مَحَبَّةٍ يَهْدِفُ إِلَى رِبْحِهِ وَخَلَاصِهِ (PL 38, 508–509).
أمَّا عِبَارة "فَإِذَا سَمِعَ لَكَ" ἐάν σου ἀκούσῃ فلَا يَقْصِدُ الفِعْلُ ἀκούω مُجَرَّدَ السَّمَاعِ الحِسِّيِّ، بَلْ يَحْمِلُ هُنَا مَعْنَى الإِصْغَاءِ وَالقَبُولِ وَالاسْتِجَابَةِ. فَالأَخُ الَّذِي "يَسْمَعُ" هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ النُّصْحَ وَيُدْرِكُ خَطَأَهُ وَيَفْتَحُ نَفْسَهُ لِلتَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ. وَهُنَا تَظْهَرُ أَيْضًا حُدُودُ مَسْؤُولِيَّةِ مَنْ يُقَدِّمُ النُّصْحَ: فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى المُبَادَرَةِ وَقَوْلِ الحَقِّ بِالمَحَبَّةِ، لٰكِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِكْرَاهَ الآخَرِ عَلَى قَبُولِهِ. فَالتَّوْبَةُ تَبْقَى اسْتِجَابَةً حُرَّةً.
تَأْتِي غَايَةُ المَسَارِ كُلِّهِ فِي عِبَارَةِ: "فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ".ἐκέρδησας τὸν ἀδελφόν σου وَالفِعْلُ اليُونَانِيُّ ἐκέρδησας مِنْ κερδαίνω، وَمَعْنَاهُ "يَرْبَحُ"، أَوْ "يَكْسَبُ". وَيَسْتَعْمِلُ العَهْدُ الجَدِيدُ هٰذَا الفِعْلَ أَيْضًا فِي سِيَاقِ رِبْحِ الأَشْخَاصِ لِلإِيمَانِ (راجع 1 قُورِنْثُس 9: 19–22؛ 1 بُطْرُس 3: 1). أَمَّا هُنَا فَالمَقْصُودُ أَوَّلًا اسْتِعَادَةُ الأَخِ الَّذِي تُهَدِّدُ الخَطِيئَةُ شَرِكَتَهُ مَعَ الجَمَاعَةِ. وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَقُولُ: "رَبِحْتَ القَضِيَّةَ"، أَوْ "أَثْبَتَّ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ"، بَلْ: "رَبِحْتَ أَخَاكَ". فَالأَخُ، لَا الانْتِصَارُ فِي الجِدَالِ، هُوَ المَكْسَبُ الحَقِيقِيُّ. وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الانْتِبَاهَ إِلَى هٰذِهِ العِبَارَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ يَصِفُ مُصَالَحَةَ الأَخِ بِأَنَّهَا "رِبْح"، لأَنَّ الخَاسِرَ بِالخَطِيئَةِ لَيْسَ المُسَاءَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ، بَلِ المُخْطِئُ نَفْسُهُ؛ وَإِذَا رَجَعَ إِلَى الشَّرِكَةِ، فَقَدْ رَبِحَ كِلَاهُمَا (PG 58, 585–586). وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ خَاتِمَةِ رِسَالَةِ يَعْقُوبَ: "فَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ طَرِيقِ ضَلَالِهِ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِنَ المَوْتِ وَسَتَرَ كَثِيرًا مِنَ الخَطَايَا" (يَعْقُوب 5: 20).
تَكْشِفُ الآيَةُ 15 أَنَّ النُّصْحَ الأَخَوِيَّ فِي المَنْظُورِ المَسِيحِيِّ هُوَ خِدْمَةُ مَحَبَّةٍ وَمُصَالَحَةٍ، وَلَيْسَ وَسِيلَةً لِلسَّيْطَرَةِ أَوِ الإِدَانَةِ. وَهُوَ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُسُسٍ: المُبَادَرَةُ: "اذْهَبْ"؛ حِفْظُ كَرَامَةِ الأَخِ: "بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا"؛ قَوْلُ الحَقِّ بِالمَحَبَّةِ: "وَبِّخْهُ؛ وَاسْتِعَادَةُ الشَّرِكَةِ: "رَبِحْتَ أَخَاكَ". وَبِهٰذَا يَتَّضِحُ أَنَّ غَايَةَ النُّصْحِ لَيْسَتْ أَنْ نَرْبَحَ عَلَى الأَخِ، بَلْ أَنْ نَرْبَحَ الأَخَ. وَهٰذَا الفَرْقُ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ التَّوْبِيخِ الَّذِي يُمْلِيهِ الكِبْرِيَاءُ وَالنُّصْحِ الَّذِي تُحَرِّكُهُ المَحَبَّةُ. وَمِنْ هُنَا تَغْدُو المُصَالَحَةُ مَسْؤُولِيَّةً كَنَسِيَّةً، لأَنَّ اللهَ يَدْعُو أَبْنَاءَ بَيْتِهِ إِلَى السَّلَامِ وَالوِفَاقِ وَالوَحْدَةِ، وَإِلَى أَنْ يَحْمِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَسِيرَةِ التَّوْبَةِ وَالخَلَاصِ. وتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ الخُطْوَةَ الأُولَى وَالأَسَاسِيَّةَ فِي مَسَارِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ الَّذِي يَرْسُمُهُ يَسُوعُ لِجَمَاعَةِ تَلَامِيذِهِ. فَالهَدَفُ لَيْسَ إِدَانَةَ المُخْطِئِ أَوْ مُعَاقَبَتَهُ، بَلْ رِبْحَهُ وَإِعَادَتَهُ إِلَى الشَّرِكَةِ الأَخَوِيَّةِ.
16 "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَكَ، فَخُذْ مَعَكَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ، لِكَيْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى كَلَامِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ"
تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المَرْحَلَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ مَسَارِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ. فَبَعْدَ أَنْ دَعَا يَسُوعُ إِلَى مُوَاجَهَةِ الأَخِ المُخْطِئِ عَلَى انْفِرَادٍ، يَنْتَقِلُ، فِي حَالِ عَدَمِ اسْتِجَابَتِهِ، إِلَى خُطْوَةٍ أُخْرَى أَكْثَرَ جِدِّيَّةً، وَلٰكِنَّهَا تَبْقَى مُوَجَّهَةً إِلَى الغَايَةِ نَفْسِهَا: رِبْحِ الأَخِ وَإِعَادَةِ الشَّرِكَةِ، لَا إِدَانَتِهِ أَوِ التَّشْهِيرِ بِهِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَكَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: ἐὰν δὲ μὴ ἀκούσῃ أَيْ: "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ". وَالفِعْلُ ἀκούω لَا يَدُلُّ هُنَا عَلَى السَّمَاعِ الحِسِّيِّ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى الإِصْغَاءِ وَالقَبُولِ وَالاسْتِجَابَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَـ"عَدَمُ السَّمَاعِ" يَعْنِي رَفْضَ النُّصْحِ وَعَدَمَ الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ المُصَالَحَةِ. وَيَلْفِتُ تَكْرَارُ فِعْلِ "السَّمَاعِ" فِي الآيَاتِ 15–17 النَّظَرَ إِلَى أَنَّ المَشْكِلَةَ الأَسَاسِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وُجُودِ خَطَإٍ، بَلْ رَفْضَ الإِصْغَاءِ إِلَى دَعْوَةِ الرُّجُوعِ. فَالمَسَارُ الَّذِي يَرْسُمُهُ المَسِيحُ يَتْرُكُ لِلْمُخْطِئِ فُرَصًا مُتَتَالِيَةً لِلرُّجُوعِ، مَعَ احْتِرَامِ حُرِّيَّتِهِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ.
أمَّا عِبَارة "فَخُذْ مَعَكَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ" يَقُولُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ παράλαβε μετὰ σοῦ ἔτι ἕνα ἢ δύο أَيْ: "خُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ". وَالفِعْلُ παραλαμβάνω يَعْنِي "يَأْخُذُ مَعَهُ" أَوْ "يَصْطَحِبُ". وَهٰذِهِ هِيَ الوَسِيلَةُ الثَّانِيَةُ لِإِصْلَاحِ الأَخِ. فَإِذَا لَمْ تُثْمِرِ المُقَابَلَةُ الفَرْدِيَّةُ، لَا يَأْمُرُ يَسُوعُ بِإِدَانَةِ المُخْطِئِ، وَلَا بِإِعْلَانِ خَطِيئَتِهِ أَمَامَ الجَمَاعَةِ مُبَاشَرَةً، بَلْ بِإِشْرَاكِ شَخْصٍ أَوْ شَخْصَيْنِ آخَرَيْنِ فِي مُحَاوَلَةِ المُصَالَحَةِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هٰؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ "شُهُودُ اتِّهَامٍ" فَقَطْ، إِذْ قَدْ لَا يَكُونُونَ قَدْ شَهِدُوا الخَطِيئَةَ الأَصْلِيَّةَ نَفْسَهَا. إِنَّمَا يَكُونُ حُضُورُهُمْ ضَمَانًا لِجِدِّيَّةِ المَسَارِ وَمَوْضُوعِيَّتِهِ، وَمُسَاعَدَةً عَلَى تَمْيِيزِ الحَقِيقَةِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ الحِوَارِ. كَمَا يُمْكِنُهُمْ، إِنْ فَشِلَتِ المُحَاوَلَةُ، أَنْ يَشْهَدُوا عَلَى أَنَّ جُهْدًا حَقِيقِيًّا قَدْ بُذِلَ لِلمُصَالَحَةِ قَبْلَ عَرْضِ الأَمْرِ عَلَى الجَمَاعَةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا التَّدَرُّجِ مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ لَا يَتَصَرَّفُ هُنَا بِهَدَفِ إِنْزَالِ العُقُوبَةِ، بَلْ بِقَصْدِ الإِصْلَاحِ. فَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي إِقْنَاعِ الأَخِ، يُسْتَعَانُ بِآخَرِينَ، حَتَّى تَتَضَاعَفَ فُرَصُ الرُّجُوعِ وَالمُصَالَحَةِ (PG 58, 585–586). وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّعْلِيمُ عَنْ حِكْمَةٍ رَعَوِيَّةٍ دَقِيقَةٍ: فَالشَّاهِدُ المَسِيحِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ طَرَفٍ يُضَافُ إِلَى صَفِّ المُشْتَكِي، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَسِيطًا لِلْحَقِّ وَالمُصَالَحَةِ. وَقَدْ يُسَاعِدُ حُضُورُ طَرَفٍ ثَالِثٍ مُحَايِدٍ عَلَى إِظْهَارِ أَبْعَادٍ مِنَ المَسْأَلَةِ لَمْ يَرَهَا أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ.
أمَّا عِبَارة "لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ" يَرِدُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ حَرْفِيًّا: ἵνα ἐπὶ στόματος δύο μαρτύρων ἢ τριῶν σταθῇ πᾶν ῥῆμα، أَيْ: "لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ". وَيَحْمِلُ المُصْطَلَحُ μάρτυς مَعْنَى "الشَّاهِد"، أَمَّا πᾶν ῥῆμα فَتَعْنِي "كُلَّ كَلِمَةٍ" أَوْ "كُلَّ أَمْرٍ"، وَالفِعْلُ σταθῇ)، مِنْ ἵστημι ، يَحْمِلُ هُنَا مَعْنَى "يَثْبُتُ" أَوْ "يَتَقَرَّرُ". وَلِذٰلِكَ فَالتَّرْجَمَةُ الأَقْرَبُ إِلَى حَرْفِيَّةِ النَّصِّ هِيَ: "لِكَيْ يَثْبُتَ كُلُّ أَمْرٍ بِقَوْلِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ". وَهٰذِهِ العِبَارَةُ اقْتِبَاسٌ شِبْهُ حَرْفِيٍّ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى: «لَا يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى أَحَدٍ فِي أَيِّ إِثْمٍ وَأَيَّةِ خَطِيئَةٍ يَرْتَكِبُهَا، وَلٰكِنْ بِقَوْلِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ تَقُومُ القَضِيَّةُ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 19: 15؛ تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 17: 6). وَكَانَ الهَدَفُ مِنْ هٰذَا المَبْدَإِ فِي الشَّرِيعَةِ حِمَايَةَ الإِنْسَانِ مِنَ الاتِّهَامِ الفَرْدِيِّ وَالمُتَسَرِّعِ، فَلَا تُثْبَتُ تُهْمَةٌ خَطِيرَةٌ بِشَهَادَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَيَسْتَعِيدُ يَسُوعُ هٰذَا المَبْدَأَ فِي إِطَارِ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ، لَا لِتَحْوِيلِهَا إِلَى مَحْكَمَةٍ، بَلْ لِضَمَانِ العَدَالَةِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ وَالتَّثَبُّتِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إِلَى مَرْحَلَةٍ أَكْثَرَ عَلَنِيَّةً. وَيَكْشِفُ هٰذَا الاقْتِبَاسُ أَيْضًا عَنْ أَنَّ النُّصْحَ الأَخَوِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى الانْطِبَاعَاتِ وَالشَّائِعَاتِ وَالأَحْكَامِ المُسْبَقَةِ. فَلَا يَحِقُّ لِلإِنْسَانِ أَنْ يُدِينَ أَخَاهُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ، بَلْ يَنْبَغِي التَّحَقُّقُ مِنَ الحَقِيقَةِ وَسَمَاعُ الأَطْرَافِ وَتَجَنُّبُ التَّسَرُّعِ فِي الحُكْمِ. لَا يُلْغِي يَسُوعُ المَبْدَأَ العَادِلَ الَّذِي وَضَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ المُوسَوِيَّةُ، بَلْ يُدْخِلُهُ فِي مَنْطِقِ مَلَكُوتِ اللهِ. فَفِي تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاع يَرِدُ الشَّاهِدَانِ أَسَاسًا لِإِثْبَاتِ القَضِيَّةِ قَضَائِيًّا، أَمَّا فِي مَتَّى 18 فَيَدْخُلُ هٰذَا المَبْدَأُ فِي مَسَارٍ تَرْبَوِيٍّ وَكَنَسِيٍّ يَهْدِفُ إِلَى اسْتِعَادَةِ الأَخِ. وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ التَّدَرُّجِ الَّذِي يَضَعُهُ المَسِيحُ: أَوَّلًا، الحِوَارُ الشَّخْصِيُّ؛ ثُمَّ، الِاسْتِعَانَةُ بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ؛ وَبَعْدَ ذٰلِكَ فَقَطْ، إِنِ اسْتَمَرَّ الرَّفْضُ، يُعْرَضُ الأَمْرُ عَلَى الكَنِيسَةِ (مَتَّى 18: 17). وَهٰكَذَا يَحْرِصُ يَسُوعُ عَلَى أَلَّا يُكْشَفَ خَطَأُ الإِنْسَانِ أَمَامَ دَائِرَةٍ أَوْسَعَ إِلَّا عِنْدَمَا تَفْشَلُ الوَسَائِلُ الأَكْثَرُ خُصُوصِيَّةً. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ المَبْدَإِ الَّذِي شَدَّدَ عَلَيْهِ القِدِّيسُ أوغسطينوس فِي شَرْحِهِ لِهٰذَا النَّصِّ: إِنَّ الخَطَأَ الَّذِي لَمْ يَصِرْ عَلَنِيًّا يَنْبَغِي أَنْ يُعَالَجَ، قَدْرَ الإِمْكَانِ، فِي إِطَارٍ يَحْفَظُ سُمْعَةَ الأَخِ؛ لأَنَّ الغَايَةَ هِيَ إِصْلَاحُ الإِنْسَانِ، لَا إِفْسَادُ سُمْعَتِهِ (؛ PL 38, 508–509).
تُبَيِّنُ الآيَةُ 16 أَنَّ النُّصْحَ الأَخَوِيَّ لَيْسَ حُكْمًا فَرْدِيًّا يَفْرِضُهُ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ، بَلْ مَسَارُ تَمْيِيزٍ وَمُصَالَحَةٍ يَتَّسِمُ بِالتَّدَرُّجِ وَالحِكْمَةِ وَالمَوْضُوعِيَّةِ. فَحُضُورُ "وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ" يَحْمِي المُخْطِئَ مِنَ الاتِّهَامِ المُتَسَرِّعِ، وَيَحْمِي أَيْضًا مَنْ يُقَدِّمُ النُّصْحَ مِنَ الذَّاتِيَّةِ، وَيَمْنَحُ الجَمِيعَ فُرْصَةً جَدِيدَةً لِسَمَاعِ الحَقِّ وَاسْتِعَادَةِ السَّلَامِ. فَالغَايَةُ لَيْسَتْ جَمْعَ الشُّهُودِ ضِدَّ الأَخِ، بَلْ جَمْعَ الإِخْوَةِ حَوْلَ الأَخِ لِرَبْحِهِ. وَبِهٰذَا يَنْقُلُ المَسِيحُ مَبْدَأَ الشَّهَادَةِ مِنْ مُجَرَّدِ الإِطَارِ القَضَائِيِّ إِلَى أُفُقٍ أَوْسَعَ، هُوَ خِدْمَةُ الحَقِّ وَالمُصَالَحَةِ وَوَحْدَةِ الجَمَاعَةِ.
17 "َإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا، فَأَخْبِرِ الكَنِيسَةَ بِأَمْرِهِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لِلكَنِيسَةِ أَيْضًا، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالوَثَنِيِّ وَالجَابِي"
تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المَرْحَلَةَ الثَّالِثَةَ فِي مَسَارِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ. فَبَعْدَ المُوَاجَهَةِ الشَّخْصِيَّةِ (مَتَّى 18: 15)، ثُمَّ الِاسْتِعَانَةِ بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ (مَتَّى 18: 16)، يَصِلُ الأَمْرُ، عِنْدَ اسْتِمْرَارِ الرَّفْضِ، إِلَى الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ. وَيَبْقَى الهَدَفُ فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ أَيْضًا لَيْسَ الإِدَانَةَ أَوِ التَّشْهِيرَ، بَلْ إِصْلَاحَ الأَخِ وَدَعْوَتَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَاسْتِعَادَةِ الشَّرِكَةِ.
تَرِدُ العِبَارَةُ " فَأَخْبِرِ الكَنِيسَةَ" فِي اليُونَانِيَّةِ εἰπὲ τῇ ἐκκλησίᾳ، أَيْ حَرْفِيًّا: "قُلْ لِلكَنِيسَةِ" أَوْ "أَخْبِرِ الجَمَاعَةَ". وَالفِعْلُ λέγω يَدُلُّ عَلَى القَوْلِ أَوِ الإِبْلَاغِ، أَمَّا ἐκκλησία فَتَعْنِي "الجَمَاعَةَ المُجْتَمِعَة" أَوْ "الكَنِيسَة". وَلَا يَعْنِي إِخْبَارُ الكَنِيسَةِ تَحْوِيلَ الجَمَاعَةِ إِلَى مَحْكَمَةٍ يُشْهَرُ فِيهَا بِالمُخْطِئِ، بَلْ إِدْخَالَ القَضِيَّةِ فِي إِطَارِ المَسْؤُولِيَّةِ الكَنَسِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ فَشِلَتِ الوَسَائِلُ الأَكْثَرُ خُصُوصِيَّةً. فَالجَمَاعَةُ مَدْعُوَّةٌ إِلَى أَنْ تُوَاصِلَ السَّعْيَ إِلَى رِبْحِ الأَخِ، وَإِلَى أَنْ تُحَافِظَ فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ عَلَى قَدَاسَتِهَا وَوَحْدَتِهَا وَنِظَامِهَا. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا المَعْنَى بِمَا سَيَرِدُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ عَنْ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" (مَتَّى 18: 18)، وَهُوَ تَعْبِيرٌ سَبَقَ أَنْ وَرَدَ فِي وَعْدِ المَسِيحِ لِبُطْرُسَ (مَتَّى 16: 19). إِلَّا أَنَّ لَفْظَ ἐκκλησία فِي الآيَةِ 17 يَدُلُّ أَوَّلًا عَلَى الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً حَقِيقِيَّةً فِي التَّمْيِيزِ وَالتَّأْدِيبِ وَالمُصَالَحَةِ. وَلَفْظُ ἐκκλησία مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، لِتَرْجَمَةِ اللَّفْظِ العِبْرِيِّ קָהָל (qāhāl)، أَيْ "جَمَاعَةُ إِسْرَائِيلَ المُجْتَمِعَة". وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى يَرِدُ لَفْظُ "الكَنِيسَة" فِي مَوْضِعَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ: مَتَّى 16: 18 وَ18: 17، مِمَّا يُضْفِي عَلَى هٰذَا النَّصِّ طَابَعًا كَنَسِيًّا وَاضِحًا. يَفْهَمُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا النَّصَّ فِي إِطَارِ ضَرُورَةِ المُحَافَظَةِ عَلَى التَّأْدِيبِ الكَنَسِيِّ. فَهُوَ يَرْفُضُ مَوْقِفَيْنِ مُتَطَرِّفَيْنِ: أَنْ يُهْجَرَ وَحْدَةُ الكَنِيسَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ الخُطَاةِ فِيهَا، أَوْ أَنْ يُهْمَلَ تَصْحِيحُهُمْ وَتَأْدِيبُهُمْ بِاسْمِ التَّسَامُحِ. فَالمَطْلُوبُ هُوَ أَنْ يُحْتَمَلَ الضُّعَفَاءُ مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى نِظَامِ الكَنِيسَةِ وَوَاجِبِ الإِصْلَاحِ. وَيَقُولُ أوغسطينوس، فِي خُلَاصَةِ مَوْقِفِهِ، إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَمَلَ الأَشْرَارُ فِي الكَنِيسَةِ دُونَ إِهْمَالِ التَّأْدِيبِ الكَنَسِيِّ: " (sic tolerandos in Ecclesia malos, ut non negligatur ecclesiastica disciplina) (PL 40). ومن هنا، فالإخبار للكنيسة لا يعني الرغبة في الانتقام، بل اللجوء إلى الجماعة لتقوم بمسؤوليتها في التمييز والمعالجة والتأديب والخلاص.
تَرِدُ هٰذِهِ العِبَارَةُ "َإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لِلكَنِيسَةِ أَيْضًا" فِي اليُونَانِيَّةِ ἐὰν δὲ καὶ τῆς ἐκκλησίας παρακούσῃ وَيُسْتَعْمَلُ هُنَا فِعْلٌ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ "عَدَمِ السَّمَاعِ"، وَهُوَ παρακούω، الَّذِي يَحْمِلُ مَعْنَى "يَرْفُضُ الإِصْغَاءَ"، أَوْ "يَتَجَاهَلُ مَا يُقَالُ لَهُ". وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ النَّصُّ عَنْ تَصَلُّبٍ مُتَزَايِدٍ: فَالمُخْطِئُ لَمْ يَرْفُضْ نَصِيحَةَ أَخٍ وَاحِدٍ فَحَسْبُ، وَلَا شَهَادَةَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَقَطْ، بَلْ وَصَلَ إِلَى رَفْضِ نِدَاءِ الجَمَاعَةِ نَفْسِهَا. وَيَصِفُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ الحَالَةَ بِأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى دَرَجَةٍ يَظْهَرُ فِيهَا أَنَّ المَرَضَ الرُّوحِيَّ قَدْ أَصْبَحَ شَدِيدًا، بَعْدَ أَنْ اسْتُنْفِدَتْ مُحَاوَلَاتُ الإِصْلَاحِ التَّدْرِيجِيَّةُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَبْقَى غَرَضُ هٰذَا المَسَارِ، فِي شَرْحِهِ، هُوَ الإِصْلَاحُ لَا مُجَرَّدَ العُقُوبَةِ (PG 58, 585–586).
تَرِدُ العِبَارَةُ "فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالوَثَنِيِّ وَالجَابِي" فِي اليُونَانِيَّةِ: ἔστω σοι ὥσπερ ὁ ἐθνικὸς καὶ ὁ τελώνης، أَيْ: "فَلْيَكُنْ لَكَ كَالأُمَمِيِّ وَالعَشَّارِ". وَلَا تَعْنِي هٰذِهِ العِبَارَةُ أَنَّ المَسِيحَ يَأْمُرُ بِاحْتِقَارِ المُخْطِئِ أَوْ بُغْضِهِ، بَلْ إِنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ بَعْدَ رَفْضِهِ المُتَكَرِّرَ لِجَمِيعِ دَعَوَاتِ الإِصْلَاحِ. فَهُوَ يَضَعُ نَفْسَهُ، بِمَوْقِفِهِ، خَارِجَ الشَّرِكَةِ الَّتِي رَفَضَ أَنْ يَسْمَعَ لَهَا. وَيُشْبِهُ هٰذَا المَبْدَأُ مَا يُعَلِّمُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِذَا كَانَ أَحَدٌ لَا يُطِيعُ كَلَامَنَا فِي هٰذِهِ الرِّسَالَةِ، فَنَبِّهُوا إِلَيْهِ وَلَا تُخَالِطُوهُ لِيَخْجَلَ، وَلَا تَعُدُّوهُ عَدُوًّا، بَلِ انْصَحُوهُ نُصْحَكُمْ لأَخٍ" (2 تَسَالُونِيقِي 3: 14–15). فَالِابْتِعَادُ عَنْهُ لَيْسَ تَحَوُّلًا مِنَ المَحَبَّةِ إِلَى العَدَاوَةِ، بَلْ هُوَ تَأْدِيبٌ يَبْقَى غَايَتُهُ الرُّجُوعَ وَالتَّوْبَةَ. وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي هٰذِهِ الآيَةِ أَصْلٌ كِتَابِيٌّ لِمَبْدَإِ التَّأْدِيبِ وَالحِرْمَ الكَنَسِيِّ، شَرِيطَةَ أَلَّا يُفْهَمَ الحِرْمُ عَلَى أَنَّهُ إِدَانَةٌ نِهَائِيَّةٌ لِلشَّخْصِ، بَلْ إِجْرَاءٌ كَنَسِيٌّ تَأْدِيبِيٌّ يَهْدِفُ إِلَى حِمَايَةِ الجَمَاعَةِ وَإِيقَاظِ ضَمِيرِ المُخْطِئِ وَفَتْحِ بَابِ الرُّجُوعِ أَمَامَهُ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ بِقَوْلِهِ: "نَقُولُ الحَقَّ بِالمَحَبَّةِ" (أَفَسُس 4: 15). فَالإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَفْصِلُ الحَقَّ عَنِ المَحَبَّةِ؛ إِذْ لَا تَكْتَمِلُ المَحَبَّةُ بِإِخْفَاءِ الحَقِّ.
عبارة "الوَثَنِيُّ / الأُمَمِيُّ" هو مُصْطَلَحُ يُونَانِيُّ ἐθνικός مُشْتَقٌّ مِنْ ἔθνος أَيْ "شَعْب" أَوْ "أُمَّة"، وَفِي السِّيَاقِ اليَهُودِيِّ يَدُلُّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنَ الأُمَمِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ اليَهُود. وَلِذٰلِكَ فَالتَّرْجَمَةُ الأَدَقُّ لُغَوِيًّا فِي مَتَّى 18: 17 هِيَ "الأُمَمِيّ"، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ التَّرْجَمَاتِ العَرَبِيَّةِ تَسْتَعْمِلُ "الوَثَنِيّ". فَالنَّصُّ اليُونَانِيُّ لَا يَجْعَلُ "عِبَادَةَ الوَثَنِ" هِيَ المَعْنَى الأَصْلِيَّ لِلَّفْظِ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ التَّصْنِيفَ اليَهُودِيَّ التَّقْلِيدِيَّ لِمَنْ هُمْ خَارِجُ شَعْبِ العَهْدِ. وَأَمَّا اللَّفْظُ اللَّاتِينِيُّ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ لاحِقًا مَعْنَى "الوَثَنِيِّ"، وَهُوَ paganus، فَلَهُ تَارِيخٌ دِلَالِيٌّ مُخْتَلِفٌ، وَلَا يَنْبَغِي إِسْقَاطُ تَطَوُّرِهِ اللَّاحِقِ مُبَاشَرَةً عَلَى المَعْنَى اليُونَانِيِّ لِـ ἐθνικός فِي إِنْجِيلِ مَتَّى.
أَمَّا عِبَارَةُ "الجَابِي / العَشَّار" (ὁ τελώνης) فَيَعْنِي "العَشَّار" أَوْ جَابِيَ الضَّرَائِبِ وَالرُّسُومِ. وَلَا يَتَعَلَّقُ المُصْطَلَحُ بِـ"العُشْر" الدِّينِيِّ، بَلْ بِنِظَامِ جَمْعِ الضَّرَائِبِ وَالجِبَايَاتِ وَالرُّسُومِ فِي العَالَمِ اليُونَانِيِّ الرُّومَانِيِّ. وَكَانَ العَشَّارُونَ مَوْضِعَ ازْدِرَاءٍ فِي أَوْسَاطٍ يَهُودِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، لِارْتِبَاطِهِمْ بِنِظَامِ الجِبَايَةِ الرُّومَانِيِّ، وَلِمَا رَافَقَ بَعْضَ صُوَرِهِ مِنِ اسْتِغْلَالٍ وَمُبَالَغَةٍ فِي الجِبَايَةِ. وَلِذٰلِكَ يَرِدُونَ فِي بَعْضِ نُصُوصِ الإِنْجِيلِ مَعَ "الخُطَاة" (مَتَّى 9: 10–11)، وَيُذْكَرُونَ هُنَا مَعَ الأُمَمِيِّينَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَحْتَوِي إِنْجِيلُ مَتَّى نَفْسُهُ عَلَى مُفَارَقَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: فَالإِنْجِيلِيُّ مَتَّى نَفْسُهُ كَانَ عَشَّارًا قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَهُ يَسُوعُ (مَتَّى 9: 9)، وَكَانَ يَسُوعُ يَأْكُلُ مَعَ العَشَّارِينَ وَالخُطَاةِ (مَتَّى 9: 10–13). وَهٰذَا يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ: "كَالأُمَمِيِّ وَالعَشَّار" لَا يُغْلِقُ بَابَ الخَلَاصِ أَمَامَ المُخْطِئِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَصْبَحَ بِحَاجَةٍ إِلَى دَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ إِلَى التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ. يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كِبْرِيَانُوسُ القَرْطَاجِيُّ أَهَمِّيَّةَ وَحْدَةِ الجَسَدِ الكَنَسِيِّ، وَيَسْأَلُ فِي سِيَاقِ شَرْحِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ: كَيْفَ يَتَّفِقُ الإِنْسَانُ مَعَ الآخَرِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّفِقًا مَعَ جَسَدِ الكَنِيسَةِ وَمَعَ الأُخُوَّةِ الجَامِعَةِ؟ وَيَرْبِطُ ذٰلِكَ بقول المَسِيحِ عَنْ اجتماع الاثنين أو الثلاثة باسمه، مشددًا على أن حضور المسيح يرتبط بوحدة المؤمنين وسلامهم. ويمكن توثيق الفكرة هكذا إذ يشدِّد القديس كبريانوس القرطاجي، وهو يشدد كذلك على أن الكنيسة واحدة، وأن الانفصال عن وحدتها يشبه الغصن المقطوع عن الشجرة أو المجرى المنفصل عن ينبوعه. (PL 4.).
تَكْشِفُ الآيَةُ 17 أَنَّ رَفْضَ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ، ثُمَّ رَفْضَ شَهَادَةِ الآخَرِينَ، ثُمَّ رَفْضَ صَوْتِ الكَنِيسَةِ، يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ. وَلٰكِنَّ هٰذَا الانْقِطَاعَ لَيْسَ حُكْمًا بِهَلَاكِ الشَّخْصِ، وَلَا يُبَرِّرُ بُغْضَهُ أَوِ ازْدِرَاءَهُ، بَلْ هُوَ إِعْلَانٌ وَاقِعِيٌّ أَنَّهُ رَفَضَ، بِإِرَادَتِهِ، نِدَاءَ الشَّرِكَةِ. وَهٰكَذَا تَجْمَعُ الكَنِيسَةُ بَيْنَ المَحَبَّةِ وَالتَّأْدِيبِ، وَالرَّحْمَةِ وَالحَقِّ، وَالسَّعْيِ إِلَى الخَاطِئِ وَحِفْظِ قَدَاسَةِ الجَمَاعَةِ. فَحَتَّى مَنْ أَصْبَحَ "كَالأُمَمِيِّ وَالعَشَّارِ" لَا يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ مَحَبَّةِ اللهِ، بَلْ يَصِيرُ، عَلَى مِثَالِ مَا فَعَلَ يَسُوعُ مَعَ العَشَّارِينَ وَالخُطَاةِ، مَوْضُوعًا لِدَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ إِلَى التَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ.
18 "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاءِ".
تُشِيرُ هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى سُلْطَانٍ كَنَسِيٍّ حَقِيقِيٍّ يَمْنَحُهُ المَسِيحُ لِجَمَاعَةِ رُسُلِهِ فِي سِيَاقِ تَدْبِيرِ حَيَاةِ الجَمَاعَةِ وَالتَّأْدِيبِ وَالمُصَالَحَةِ. فَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ يَسُوعُ عَنْ إِصْلَاحِ الأَخِ المُخْطِئِ، وَعَنِ اللُّجُوءِ إِلَى الجَمَاعَةِ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ العِنَادِ (مَتَّى 18: 15–17)، يُبَيِّنُ أَنَّ لِلكَنِيسَةِ سُلْطَانًا حَقِيقِيًّا فِي اتِّخَاذِ القَرَارَ الكَنَسِيِّ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الحَالَاتِ.
تَبْدَأُ الآيَةُ بِالصِّيغَةِ المَسِيحِيَّةِ المُمَيَّزَةِ "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ" : ἀμὴν λέγω ὑμῖν أَيْ: وَهِيَ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى سُلْطَانِ يَسُوعَ الخَاصِّ فِي التَّعْلِيمِ، وَعَلَى أَهَمِّيَّةِ مَا سَيُعْلِنُهُ. وَيَجْدُرُ الِانْتِبَاهُ إِلَى ضَمِيرِ الجَمْعِ ὑμῖν ، أَيْ "لَكُمْ". فَفِي مَتَّى 16: 19 وُجِّهَ الوَعْدُ إِلَى بُطْرُسَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ: "مَا رَبَطْتَهُ... وَمَا حَلَلْتَهُ"، أَمَّا هُنَا فَيَرِدُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ: "مَا رَبَطْتُمْ... وَمَا حَلَلْتُمْ". وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ الَّذِي أُعْطِيَ لِبُطْرُسَ بِصُورَةٍ مُميَّزَةٍ يُمَارَسُ أَيْضًا فِي إِطَارِ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ وَحَيَاةِ الكَنِيسَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مَا رَبَطْتُمْ" (ὅσα ἐὰν δήσητε) يَرِدُ الفِعْلُ δήσητε مِنْ δέω، وَمَعْنَاهُ الحَرْفِيُّ: "يَرْبِطُ"، ثُمَّ اتَّسَعَ اسْتِعْمَالُهُ لِيَشْمَلَ مَعَانِيَ المَنْعِ وَالإِلْزَامِ وَإِصْدَارِ قَرَارٍ مُلْزِمٍ. وَفِي السِّيَاقِ اليَهُودِيِّ الرَّبَّانِيِّ، اسْتُعْمِلَ مَفْهُومُ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" فِي مَعْنَى تَحْدِيدِ مَا هُوَ مُلْزِمٌ وَمَا هُوَ مَسْمُوحٌ، وَفِي الفَصْلِ فِي قَضَايَا الجَمَاعَةِ. أَمَّا فِي مَتَّى 18 فَيَأْتِي هٰذَا السُّلْطَانُ مُرْتَبِطًا مُبَاشَرَةً بِمَسَأَلَةِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ وَالتَّأْدِيبِ الكَنَسِيِّ. وَمِنْ هُنَا فَـ"الرَّبْط" يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ الإِعْلَانَ عَنْ حَالَةِ انْقِطَاعِ الشَّرِكَةِ، أَوْ فَرْضَ تَأْدِيبٍ كَنَسِيٍّ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ العِنَادِ، لَا بِقَصْدِ الِانْتِقَامِ، بَلْ لِحِفْظِ قَدَاسَةِ الجَمَاعَةِ وَمُسَاعَدَةِ المُخْطِئِ عَلَى إِدْرَاكِ خُطُورَةِ مَوْقِفِهِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَمَا حَلَلْتُمْ" (ὅσα ἐὰν λύσητε). أَمَّا λύσητε فَمِنَ الفِعْلِ λύω وَمَعْنَاهُ: "يَحُلُّ"، "يُطْلِقُ"، "يُفَكُّ"، "يُحَرِّرُ". وَفِي السِّيَاقِ الكَنَسِيِّ يُقَابِلُ "الرَّبْطَ"، فَيَدُلُّ عَلَى رَفْعِ التَّأْدِيبِ وَإِعَادَةِ الشَّرِكَةِ وَالإِطْلَاقِ مِنَ القَيْدِ عِنْدَ وُجُودِ التَّوْبَةِ. وَلِهٰذَا فَإِنَّ ذِكْرَ الرَّبْطِ أَوَّلًا ثُمَّ الحَلِّ لَا يَجْعَلُ التَّأْدِيبَ نِهَايَةَ المَسَارِ، بَلْ يَفْتَحُ بَابَ الرَّجَاءِ. فَالمَرْبُوطُ بِسَبَبِ عِنَادِهِ يَبْقَى مَدْعُوًّا إِلَى التَّوْبَةِ، وَمَتَى رَجَعَ، يَكُونُ الحَلُّ وَاسْتِعَادَةُ الشَّرِكَةِ مُمْكِنَيْنِ. يَرْتَبِطُ هٰذَا النَّصُّ ارْتِبَاطًا وَاضِحًا بِقَوْلِ المَسِيحِ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: "وَسَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَمَا رَبَطْتَهُ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا حَلَلْتَهُ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 19). فَفِي مَتَّى 16 يُخَاطِبُ المَسِيحُ بُطْرُسَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ وَيَقْرِنُ الرَّبْطَ وَالحَلَّ بِـ"مَفَاتِيحِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، أَمَّا فِي مَتَّى 18 فَيُخَاطِبُ التَّلَامِيذَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فِي سِيَاقِ حَيَاةِ الجَمَاعَةِ وَتَأْدِيبِهَا. وَلَا يَعْنِي هٰذَا إِلْغَاءَ الدَّوْرِ المُميَّزِ لِبُطْرُسَ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ بُعْدَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ فِي البِنْيَةِ الرَّسُولِيَّةِ: خِدْمَةُ بُطْرُسَ الخَاصَّةُ فِي الوَحْدَةِ وَالقِيَادَةِ، وَمَسْؤُولِيَّةُ الجَمَاعَةِ الرَّسُولِيَّةِ فِي تَدْبِيرِ حَيَاةِ الكَنِيسَةِ.
هل يقتصر " الرَّبْط وَالحَلّ " على غفران الخطايا؟
لَا يَنْبَغِي حَصْرُ عِبَارَةِ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" فِي مَتَّى 18: 18 بِسُلْطَانِ غُفْرَانِ الخَطَايَا فَقَطْ؛ فَالسِّيَاقُ المُبَاشَرُ هُوَ أَوْسَعُ، إِذْ يَتَنَاوَلُ التَّأْدِيبَ الكَنَسِيَّ وَقَرَارَ الجَمَاعَةِ بِشَأْنِ الشَّرِكَةِ وَالقَبُولِ وَالإِقْصَاءِ التَّأْدِيبِيِّ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَدْخُلُ غُفْرَانُ الخَطَايَا فِي هٰذَا السُّلْطَانِ بِمَعْنَاهُ الأَوْسَعِ، وَهُوَ مَا يَتَّضِحُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ يَقُولُ المَسِيحُ القَائِمُ لِرُسُلِهِ: "مَنْ غَفَرْتُمْ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ تُغْفَرُ لَهُمْ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ عَلَيْهِمُ الغُفْرَانَ يُمْسَكُ عَلَيْهِمْ" (يُوحَنَّا 20: 23). وَبِذٰلِكَ يَتَكَامَلُ النَّصَّانِ: فَمَتَّى يُبْرِزُ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ فِي الرَّبْطِ وَالحَلِّ، وَيُوحَنَّا يُبْرِزُ بُعْدَهُ الصَّرِيحَ فِي غُفْرَانِ الخَطَايَا وَإِمْسَاكِهَا.
تَكْشِفُ المُقَابَلَةُ بَيْنَ "فِي الأَرْضِ... فِي السَّمَاءِ" عَنْ أَنَّ القَرَارَ الكَنَسِيَّ، إِذَا صَدَرَ بِأَمَانَةٍ لِمَشِيئَةِ المَسِيحِ وَفِي إِطَارِ السُّلْطَانِ الَّذِي مَنَحَهُ لِكَنِيسَتِهِ، لَيْسَ عَمَلًا بَشَرِيًّا مَعْزُولًا عَنِ اللهِ، بَلْ يَحْمِلُ تَأْيِيدًا سَمَاوِيًّا. وَالصِّيغَةُ اليُونَانِيَّةُ لَافِتَةٌ، إِذْ تَقُولُ حَرْفِيًّا: ἔσται δεδεμένα ἐν οὐρανῷ وَἔσται λελυμένα ἐν οὐρανῷ، أَيْ: "سَيَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ" وَ"سَيَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ". وَهٰذَا يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ لَا يَسْتَمِدُّ شَرْعِيَّتَهُ مِنَ الجَمَاعَةِ ذَاتِهَا، بَلْ مِنَ المَسِيحِ الَّذِي يُسْنِدُ رِسَالَتَهَا. وَلِذٰلِكَ فَلَا تَعْنِي عِبَارَةُ "فِي السَّمَاءِ" أَنَّ اللهَ يُصَادِقُ آليًّا عَلَى كُلِّ قَرَارٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ إِنَّ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ يَكُونُ أَصِيلًا بِقَدْرِ مَا يُمَارَسُ فِي الحَقِّ وَالأَمَانَةِ لِلمَسِيحِ وَبِقَصْدِ الخَلَاصِ. يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ المَسِيحَ، بَعْدَ أَنْ رَسَمَ مَرَاحِلَ إِصْلَاحِ المُخْطِئِ، أَضْفَى عَلَى قَرَارِ الجَمَاعَةِ سُلْطَانًا حَقِيقِيًّا، وَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُقَرَّرُ فِي الأَرْضِ فِي إِطَارِ هٰذَا السُّلْطَانِ لَهُ صَدًى فِي السَّمَاءِ (PG 58, 586–587). وَيَرْبِطُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ البُوَاتْيِيُّ بَيْنَ هٰذَا السُّلْطَانِ وَحَيَاةِ الجَمَاعَةِ الَّتِي تَعْمَلُ بِاسْمِ المَسِيحِ، فَلَا يَنْفَصِلُ الرَّبْطُ وَالحَلُّ عَنْ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ وَحُضُورِ المَسِيحِ فِي وَسَطِهَا (PL 9).
لَا تَكْمُنُ رِسَالَةُ الكَنِيسَةِ فِي مُرَاقَبَةِ أَخْطَاءِ أَعْضَائِهَا أَوْ إِحْصَائِهَا، بَلْ فِي قِيَادَتِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالخَلَاصِ وَاسْتِعَادَةِ الشَّرِكَةِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ سُلْطَانَ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" لَيْسَ سُلْطَانًا لِلتَّسَلُّطِ أَوِ التَّشَفِّي، بَلْ خِدْمَةٌ رَعَوِيَّةٌ وَخَلَاصِيَّةٌ تُعْطَى لِبُنْيَانِ جَسَدِ المَسِيحِ. فَالكَنِيسَةُ تَرْبِطُ لِكَيْ تُوقِظَ الضَّمِيرَ، وَتَحُلُّ لِكَيْ تَفْتَحَ بَابَ الرُّجُوعِ؛ تَحْفَظُ الجَمَاعَةَ مِنَ الشَّرِّ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَكُفُّ عَنْ طَلَبِ خَلَاصِ الخَاطِئِ. وَهٰكَذَا يَبْقَى الحَلُّ وَالمُصَالَحَةُ هُمَا الأُفُقَ النِّهَائِيَّ لِكُلِّ تَأْدِيبٍ كَنَسِيٍّ.
19 " وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ فِي الأَرْضِ عَلَى طَلَبِ أَيِّ حَاجَةٍ كَانَتْ، حَصَلَا عَلَيْهَا مِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".
تَنْتَقِلُ هٰذِهِ الآيَةُ مِنْ سُلْطَانِ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" (مَتَّى 18: 18) إِلَى الأَسَاسِ الرُّوحِيِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ حَيَاةُ الجَمَاعَةِ وَقَرَارَاتُهَا، أَلَا وَهُوَ الوَحْدَةُ وَالصَّلَاةُ. فَالسُّلْطَانُ الكَنَسِيُّ لَا يُمَارَسُ بِاسْتِقْلَالٍ عَنِ اللهِ، بَلْ فِي جَوٍّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّمْيِيزِ وَالاتِّفَاقِ الأَخَوِيِّ.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا" الى افتتاح يَسُوعُ كَلَامَهُ بِعِبَارَةِ πάλιν ἀμὴν λέγω ὑμῖν ، أَيْ: "وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا الحَقَّ". وَتَرْبِطُ كَلِمَةُ πάλιν، أَيْ "أَيْضًا" أَوْ "مَرَّةً أُخْرَى"، هٰذِهِ الآيَةَ بِمَا سَبَقَهَا، وَلَا سِيَّمَا بِمَوْضُوعِ الرَّبْطِ وَالحَلِّ وَمَسْؤُولِيَّةِ الجَمَاعَةِ. فَلَا يَبْدَأُ يَسُوعُ مَوْضُوعًا مُنْفَصِلًا تَمَامًا عَمَّا سَبَقَ، بَلْ يُظْهِرُ أَنَّ التَّمْيِيزَ وَالنُّصْحَ الأَخَوِيَّ وَالقَرَارَ الكَنَسِيَّ يَنْبَغِي أَنْ تَحْمِلَهَا صَلَاةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَاتِّفَاقٌ أَخَوِيٌّ.
تَرِدُ عِبَارَةُ "اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ" فِي اليُونَانِيَّةِ: ἐὰν δύο συμφωνήσωσιν ἐξ ὑμῶν وَالفِعْلُ συμφωνέω يَعْنِي "يَتَّفِقُ"، "يَتَوَافَقُ"، أَوْ "يَكُونُ فِي انْسِجَامٍ مَعَ الآخَرِ". وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ σύν أَيْ "مَعًا"، وَφωνή ، أَيْ "صَوْت"، وَمِنْ هٰذَا الجِذْرِ جَاءَتْ لَفْظَةُ symphony، أَيْ "تَنَاغُمُ الأَصْوَاتِ". وَهٰذَا الِاشْتِقَاقُ يُضِيءُ مَعْنَى النَّصِّ: فَالمَطْلُوبُ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَنْ يَنْطِقَ شَخْصَانِ بِالطَّلَبِ نَفْسِهِ، بَلْ أَنْ يَكُونَا فِي وَحْدَةِ القَلْبِ وَالإِيمَانِ وَالإِرَادَةِ أَمَامَ اللهِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ البُعْدُ الكَنَسِيُّ لِلصَّلَاةِ. فَالجَمَاعَةُ الَّتِي اخْتَبَرَتِ الخِلَافَ وَالخَطِيئَةَ وَالنُّصْحَ وَالمُصَالَحَةَ تُدْعَى إِلَى أَنْ تَسْتَعِيدَ تَنَاغُمَهَا فِي حَضْرَةِ اللهِ.
إِنَّ ذِكْرَ "اثْنَيْنِ" لَيْسَ عَرَضِيًّا، خَاصَّةً بَعْدَ ذِكْرِ "شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ" فِي الآيَةِ 16. فَحَتَّى أَصْغَرُ جَمَاعَةٍ مُمْكِنَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، إِذَا اتَّحَدَتْ فِي الإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ، لَا تَكُونُ ضَعِيفَةً أَمَامَ اللهِ. وَبِذٰلِكَ لَا تَتَوَقَّفُ فَاعِلِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى كَثْرَةِ العَدَدِ، بَلْ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّرِكَةِ وَوَحْدَةِ القُلُوبِ. وَيَنْقُلُ القِدِّيسُ تُومَا الأَكْوِينِيُّ، مُسْتَشْهِدًا بِالقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوس، فِكْرَةَ أَنَّ جَمَاعَةَ الأَشْخَاصِ، وَإِنْ كَانُوا ضُعَفَاءَ فُرَادَى، تَصِيرُ قَوِيَّةً عِنْدَمَا تَجْتَمِعُ فِي وَحْدَةٍ، وَأَنَّ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ تَكْتَسِبُ قُوَّةً خَاصَّةً مِنْ هٰذَا الاتِّفَاقِ. ويستشهد في هذا السياق مباشرةً بمتّى 18: 19. وَيُمْكِنُ، لِذٰلِكَ، أَنْ يُفْهَمَ مَعْنَى الفِكْرَةِ الآبَائِيَّةِ هٰكَذَا: إِذَا كَانَ وَعْدُ المَسِيحِ قَائِمًا حَيْثُ يَتَّفِقُ اثْنَانِ، فَكَمْ بِالأَحْرَى تَكُونُ قُوَّةُ صَلَاةِ الكَنِيسَةِ حِينَ تَجْتَمِعُ الجَمَاعَةُ فِي وَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالقَلْبِ؟
تَتَكَرَّرُ عِبَارَةُ "فِي الأَرْضِ" بَعْدَ وُرُودِهَا فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: "مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ..." (مَتَّى 18: 18). وَهٰذَا التَّكْرَارُ يَرْبِطُ بَيْنَ عَمَلِ الجَمَاعَةِ عَلَى الأَرْضِ وَاسْتِجَابَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ. فَالجَمَاعَةُ لَا تَتَّخِذُ قَرَارَاتِهَا بِقُوَّتِهَا الذَّاتِيَّةِ، بَلْ تَطْلُبُ مِنَ الآبِ السَّمَاوِيِّ النُّورَ وَالحِكْمَةَ وَالعَوْنَ. وَبِهٰذَا تَتَكَامَلُ الآيَتَانِ 18 وَ19:
مَا يُعْمَلُ عَلَى الأَرْضِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا عَلَى السَّمَاءِ، وَمَا تُقَرِّرُهُ الكَنِيسَةُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَمَرَ صَلَاةٍ وَتَمْيِيزٍ أَمَامَ اللهِ.
"عَلَى طَلَبِ أَيِّ حَاجَةٍ كَانَتْ" يَقُولُ الأَصْلُ اليُونَانِيُّ: περὶ παντὸς πράγματος οὗ ἐὰν αἰτήσωνται، أَيْ: "فِي أَيِّ أَمْرٍ يَطْلُبَانِهِ". وَالمُصْطَلَحُ πρᾶγμα يَعْنِي "أَمْرًا"، "شَأْنًا"، أَوْ "قَضِيَّةً"، أَمَّا الفِعْلُ αἰτέω فَيَعْنِي "يَطْلُبُ" أَوْ "يَسْأَلُ". وَفِي ضَوْءِ السِّيَاقِ السَّابِقِ، يُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ هٰذَا الطَّلَبُ خَاصَّةً الحِكْمَةَ فِي الإِصْلَاحِ الأَخَوِيِّ، وَالتَّمْيِيزَ فِي القَرَارِ، وَالمُصَالَحَةَ، وَخَيْرَ الجَمَاعَةِ. وقد رأى بعض المفسرين أن اتصال الآية 19 بما قبلها يجعل الصلاة هنا مرتبطة على نحو خاص بقرارات الجماعة المتعلقة بخير الكنيسة، مع بقاء المبدأ صالحًا للصلاة المشتركة بصورة أوسع. وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يَنْبَغِي فَهْمُ عِبَارَةِ "أَيِّ حَاجَةٍ كَانَتْ" عَلَى أَنَّهَا وَعْدٌ مُطْلَقٌ بِتَحْقِيقِ كُلِّ رَغْبَةٍ بَشَرِيَّةٍ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهَا شَخْصَانِ. فَالصَّلَاةُ المَسِيحِيَّةُ تَبْقَى مَشْرُوطَةً بِالثَّبَاتِ فِي المَسِيحِ وَبِالتَّوَافُقِ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ. وَهٰذَا مَا يُوَضِّحُهُ يَسُوعُ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا: "إِذَا ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُمْ، فَاسْأَلُوا مَا شِئْتُمْ يَكُنْ لَكُمْ" (يُوحَنَّا 15: 7). فَالوَعْدُ بِالاسْتِجَابَةِ يَفْتَرِضُ الثَّبَاتَ فِي المَسِيحِ وَثَبَاتَ كَلَامِهِ فِي المُؤْمِنِينَ.
"حَصَلَا عَلَيْهَا مِنْ أَبِي" تَرِدُ العِبَارَةُ اليُونَانِيَّةُ γενήσεται αὐτοῖς παρὰ τοῦ πατρός μου، أَيْ: "تَكُونُ لَهُمَا مِنْ عِنْدِ أَبِي". وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَقُولُ فَقَطْ: "يُعْطَيَانِ مَا يَطْلُبَانِ"، بَلْ يَرْبِطُ الاسْتِجَابَةَ بِـ"أَبِي". فَمَصْدَرُ العَطِيَّةِ هُوَ الآبُ، وَالصَّلَاةُ الكَنَسِيَّةُ تُدْخِلُ الجَمَاعَةَ فِي عَلَاقَةِ يَسُوعَ البَنَوِيَّةِ بِأَبِيهِ. وَبِذٰلِكَ فَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لِفَرْضِ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ عَلَى اللهِ، بَلْ هِيَ دُخُولٌ فِي مَشِيئَةِ الآبِ وَمَشْرُوعِهِ الخَلَاصِيِّ.
تُعِيدُ عِبَارَةُ "أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" إِلَى الأَذْهَانِ اللُّغَةَ المَتَّاوِيَّةَ المُمَيَّزَةَ فِي الصَّلَاةِ: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 6: 9). وَهُنَا يَظْهَرُ التَّقَابُلُ بَيْنَ "الأَرْضِ" وَ"السَّمَاوَات" : مُؤْمِنُونَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الأَرْضِ، وَآبٌ يَسْمَعُهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ. وَهٰكَذَا تُصْبِحُ الصَّلَاةُ الجَمَاعِيَّةُ جِسْرًا بَيْنَ حَيَاةِ الكَنِيسَةِ عَلَى الأَرْضِ وَإِرَادَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ.
لَا تَقْتَصِرُ الآيَةُ 19 عَلَى تَقْدِيمِ وَعْدٍ عَامٍّ بِفَاعِلِيَّةِ الصَّلَاةِ الجَمَاعِيَّةِ، بَلْ تَأْتِي فِي قَلْبِ خِطَابِ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ. فَبَعْدَ الحَدِيثِ عَنِ النُّصْحِ وَالتَّأْدِيبِ وَالرَّبْطِ وَالحَلِّ، يُعِيدُ يَسُوعُ الجَمَاعَةَ إِلَى مَصْدَرِ كُلِّ قَرَارٍ صَحِيحٍ: الصَّلَاةِ وَالوَحْدَةِ وَطَلَبِ مَشِيئَةِ الآبِ. وَلِذٰلِكَ فَالـ συμφωνία، أَيْ "الاتِّفَاقُ وَالتَّنَاغُمُ"، لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّفَاقٍ إِدَارِيٍّ أَوْ بَشَرِيٍّ، بَلْ هُوَ وَحْدَةُ قُلُوبٍ تَطْلُبُ مَعًا مَا يُرِيدُهُ اللهُ لِخَيْرِ الكَنِيسَةِ وَخَلَاصِ أَعْضَائِهَا. وَهٰكَذَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ مِنْ دُونِ صَلَاةٍ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مُجَرَّدِ إِدَارَةٍ، وَالصَّلَاةَ مِنْ دُونِ وَحْدَةٍ تَفْقِدُ بُعْدَهَا الكَنَسِيَّ؛ أَمَّا حَيْثُ يَتَّفِقُ الإِخْوَةُ فِي المَسِيحِ وَيَطْلُبُونَ مَشِيئَةَ الآبِ، فَهُنَاكَ تَصِيرُ صَلَاتُهُمْ تَعْبِيرًا حَقِيقِيًّا عَنْ حَيَاةِ الكَنِيسَةِ وَشَرِكَتِهَا مَعَ اللهِ.
20 "فَحَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي، كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ".
تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ خَاتِمَةَ الفِقْرَةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ النُّصْحَ الأَخَوِيَّ وَالمُصَالَحَةَ وَالتَّأْدِيبَ الكَنَسِيَّ وَالصَّلَاةَ الجَمَاعِيَّةَ (مَتَّى 18: 15–20). فَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ يَسُوعُ عَنِ الشَّاهِدَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ، وَعَنِ الرَّبْطِ وَالحَلِّ، وَعَنِ اتِّفَاقِ اثْنَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، يَكْشِفُ هُنَا عَنْ الأَسَاسِ الأَعْمَقِ لِحَيَاةِ الجَمَاعَةِ، وَهُوَ حُضُورُهُ هُوَ نَفْسُهُ فِي وَسَطِهَا.
"فَحَيْثُمَا" يَبْدَأُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ بِالعِبَارَةِ: οὗ γάρ، أَيْ: "لأَنَّهُ حَيْثُ" أَوْ "فَحَيْثُ". وَتَرْبِطُ أَدَاةُ γάρ هٰذِهِ الآيَةَ بِمَا سَبَقَهَا، فَتُقَدِّمُ السَّبَبَ العَمِيقَ لِفَاعِلِيَّةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ وَاتِّفَاقِهَا: المَسِيحُ حَاضِرٌ فِي وَسَطِهَا. وَلِذٰلِكَ فَالكَلَامُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَحْمِلُ طَابَعًا عَامًّا: فَحَيْثُمَا اجْتَمَعَ المُؤْمِنُونَ اجْتِمَاعًا حَقِيقِيًّا بِاسْمِ المَسِيحِ، يَكُونُ هُوَ حَاضِرًا فِي وَسَطِهِمْ.
"اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ" يَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ δύο ἢ τρεῖς συνηγμένοι، أَيْ: "اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مُجْتَمِعُونَ". وَاللَّفْظُ συνηγμένοι هُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ تَامٌّ مِنَ الفِعْلِ συνάγω، أَيْ "يَجْمَعُ" أو "يَجْتَمِعُ". وَالمَعْنَى لَا يَنْصَبُّ عَلَى العَدَدِ بِحَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ عَلَى حَقِيقَةِ الِاجْتِمَاعِ وَوَحْدَةِ الجَمَاعَةِ. وَيَحْمِلُ ذِكْرُ "اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ" أَيْضًا صَدًى وَاضِحًا لِمَا سَبَقَ فِي الآيَةِ 16: " شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ تَقُومُ القَضِيَّةُ". وَبِذٰلِكَ تَرْتَبِطُ الآيَةُ 20 بِنَائِيًّا وَلاهُوتِيًّا بِمَسَارِ النُّصْحِ وَالتَّمْيِيزِ الكَنَسِيِّ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوْلٍ عَامٍّ عَنِ الصَّلَاةِ.
"بِاسْمِي" تَرِدُ العِبَارَةُ اليُونَانِيَّةُ εἰς τὸ ἐμὸν ὄνομα: وَهِيَ أَقْوَى دَلَالَةً مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِ "اسْمِي" عَلَى سَبِيلِ الصِّيغَةِ اللَّفْظِيَّةِ. فَحَرْفُ الجَرِّ εἰς يُفِيدُ التَّوَجُّهَ "إِلَى" أَوْ "نَحْوَ"، وَمِنْ ثَمَّ فَالِاجْتِمَاعُ "إِلَى اسْمِ يَسُوعَ" يَعْنِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مَرْكَزَ الجَمَاعَةِ وَمَرْجِعِيَّتَهَا وَصَاحِبَ السُّلْطَانِ فِيهَا. وَلِذٰلِكَ فَلَا يَكْفِي أَنْ يَجْتَمِعَ أُنَاسٌ وَيَذْكُرُوا اسْمَ يَسُوعَ لِكَيْ يَتَحَقَّقَ الوَعْدُ، بَلِ الِاجْتِمَاعُ "بِاسْمِهِ" يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُنْسَجِمًا مَعَ شَخْصِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَرِسَالَتِهِ. وَيَشْمَلُ هٰذَا طَبِيعِيًّا الصَّلَاةَ وَالتَّسْبِيحَ وَتَأَمُّلَ الكَلِمَةِ، وَلٰكِنَّهُ فِي سِيَاقِ مَتَّى 18 يَشْمَلُ أَيْضًا التَّمْيِيزَ، وَالنُّصْحَ، وَالمُصَالَحَةَ، وَالقَرَارَ الكَنَسِيَّ. وَيَرَى القِدِّيسُ هِيلارِيُوسُ أُسْقُفُ بُواتْيِيه أَنَّ وَعْدَ المَسِيحِ بِالحُضُورِ وَسَطَ المُجْتَمِعِينَ بِاسْمِهِ يَكْشِفُ عَنْ قُوَّةِ الإِيمَانِ المُشْتَرَكِ وَوَحْدَةِ الصَّلَاةِ، إِذْ لَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الجَمَاعَةِ فِي كَثْرَةِ عَدَدِهَا، بَلْ فِي اجْتِمَاعِهَا حَوْلَ المَسِيحِ وَفِيهِ (PL 9, 1017–1026).
"كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ" يَقُولُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ ἐκεῖ εἰμι ἐν μέσῳ αὐτῶν أَيْ: "هُنَاكَ أَنَا فِي وَسَطِهِمْ". وَعِبَارَةُ ἐν μέσῳ αὐτῶν تَعْنِي حَرْفِيًّا "فِي وَسَطِهِمْ"، وَتُبَيِّنُ أَنَّ حُضُورَ المَسِيحِ لَيْسَ حُضُورًا خَارِجِيًّا أَوْ بَعِيدًا، بَلْ حُضُورٌ فِي قَلْبِ الجَمَاعَةِ المُجْتَمِعَةِ بِاسْمِهِ. وَهٰذِهِ عِبَارَةٌ مَسِيحِيَّةٌ قَوِيَّةٌ جِدًّا، لأَنَّ يَسُوعَ يَنْسِبُ إِلَى نَفْسِهِ نَوْعًا مِنَ الحُضُورِ الَّذِي كَانَ يُنْسَبُ فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ إِلَى اللهِ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ. وَمِنْ هُنَا تَحْمِلُ الآيَةُ بُعْدًا كِرِيسْتُولُوجِيًّا عَمِيقًا: الجَمَاعَةُ الكَنَسِيَّةُ تَتَشَكَّلُ حَوْلَ شَخْصِ المَسِيحِ الحَاضِرِ فِي وَسَطِهَا. يُوجَدُ فِي التَّقْلِيدِ الرَّبَّانِيِّ اليَهُودِيِّ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وَرَدَ فِي مِشْنَاه أَفُوت، يَرْبِطُ دِرَاسَةَ التَّوْرَاةِ بِحُضُورِ שְׁכִינָה، أَيْ حُضُورِ اللهِ، بَيْنَ المُجْتَمِعِينَ. وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ قَوْلِ يَسُوعَ: فَهُوَ لَا يَقُولُ فَقَطْ إِنَّ اللهَ يَكُونُ حَاضِرًا، بَلْ يَقُولُ: "أَنَا فِي وَسَطِهِمْ". وَبِذٰلِكَ يَجْعَلُ شَخْصَهُ مَرْكَزَ الجَمَاعَةِ وَمَوْضِعَ الحُضُورِ الإِلَهِيِّ فِيهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَجِبُ اسْتِعْمَالُ هٰذِهِ المُقَارَنَةِ بِحَذَرٍ تَارِيخِيٍّ، فَلَا يَنْبَغِي افْتِرَاضُ أَنَّ يَسُوعَ يَقْتَبِسُ عِبَارَةً رَبَّانِيَّةً لَاحِقَةً اقْتِبَاسًا حَرْفِيًّا؛ بَلِ الأَفْضَلُ القَوْلُ إِنَّ هُنَاكَ خَلْفِيَّةً يَهُودِيَّةً مُشْتَرَكَةً تَرْبِطُ الِاجْتِمَاعَ الدِّينِيَّ بِحُضُورِ اللهِ. يَتَنَاغَمُ هٰذَا الوَعْدُ مَعَ خَاتِمَةِ إِنْجِيلِ مَتَّى، حَيْثُ يَقُولُ المَسِيحُ القَائِمُ لِتَلَامِيذِهِ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طَوَالَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ" (مَتَّى 28: 20). وَيُشَكِّلُ هٰذَانِ النَّصَّانِ إِطَارًا لاهُوتِيًّا مُهِمًّا لِإِنْجِيلِ مَتَّى: فَفِي البِدَايَةِ يُقَدَّمُ يَسُوعُ بِاسْمِ عِمَّانُوئِيل، "اللهُ مَعَنَا" (مَتَّى 1: 23)، وَفِي وَسَطِ الإِنْجِيلِ يَعِدُ أَنْ يَكُونَ "فِي وَسَطِ" المُجْتَمِعِينَ بِاسْمِهِ، وَفِي نِهَايَتِهِ يَعِدُ: "أَنَا مَعَكُمْ طَوَالَ الأَيَّامِ". وَبِذٰلِكَ يَصِيرُ حُضُورُ المَسِيحِ مِنَ الخُطوطِ اللاهُوتِيَّةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ إِنْجِيلَ مَتَّى كُلَّهُ. يَرْبِطُ مَتَّى بَيْنَ حُضُورِ المَسِيحِ وَسُلْطَانِ الجَمَاعَةِ. فَقَبْلَ هٰذِهِ الآيَةِ مُبَاشَرَةً قَالَ يَسُوعُ: "مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاءِ" (مَتَّى 18: 18)، ثُمَّ تَحَدَّثَ عَنِ اتِّفَاقِ اثْنَيْنِ فِي الصَّلَاةِ (مَتَّى 18: 19). وَتَأْتِي الآيَةُ 20 لِتَكْشِفَ السِّرَّ الَّذِي يَقِفُ وَرَاءَ هٰذَا السُّلْطَانِ وَهٰذِهِ الصَّلَاةِ: المَسِيحُ نَفْسُهُ حَاضِرٌ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ الكَنَسِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ سُلْطَانٍ بَشَرِيٍّ أَوْ إِدَارِيٍّ، بَلْ يَكْتَسِبُ مَعْنَاهُ مِنْ أَمَانَةِ الجَمَاعَةِ لِلمَسِيحِ الحَاضِرِ فِيهَا. رَأَى آبَاءُ الكَنِيسَةِ فِي هٰذِهِ الآيَةِ أَسَاسًا لِوَحْدَةِ الجَمَاعَةِ وَحُضُورِ المَسِيحِ فِيهَا. وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ البُوَاتْيِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لِمَتَّى عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ المُؤْمِنِينَ لَا يَكْتَسِبُ قُوَّتَهُ مِنَ العَدَدِ، بَلْ مِنَ وَحْدَتِهِمْ فِي الإِيمَانِ وَحُضُورِ المَسِيحِ فِي وَسَطِهِمْ.
فَفِي عَلاقَتِنَا بِاللهِ، وَفِي الصَّلَاةِ، وَفِي إِيمَانِنَا بِأَنَّ الرَّبَّ حَاضِرٌ حَقًّا فِي وَسَطِنَا، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَبْنِيَ جَمَاعَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ تَلَامِيذِ يَسُوعَ، وَأَنْ نَنْفَتِحَ عَلَى عَالَمٍ تَسُودُهُ الأُخُوَّةُ الإِنْجِيلِيَّةُ الحَيَّةُ وَالصَّادِقَةُ. فَحُضُورُ المَسِيحِ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ لَيْسَ حَقِيقَةً إِيمَانِيَّةً نَعْتَرِفُ بِهَا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا دَعْوَةٌ إِلَى أَنْ يَتَجَسَّدَ هٰذَا الحُضُورُ فِي عَلاقَاتِنَا، مِنْ خِلَالِ المَحَبَّةِ وَالمُصَالَحَةِ وَالغُفْرَانِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الأَخَوِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ. فَأَنْ نَحْفَظَ الأَخَ، وَنَصُونَ العَلَاقَةَ الأَخَوِيَّةَ، إِنَّمَا يَعْنِي أَنْ نَحْفَظَ حُضُورَ المَسِيحِ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ، لأَنَّ المَحَبَّةَ وَالمُصَالَحَةَ وَالوَحْدَةَ هِيَ المَجَالُ الَّذِي يَتَجَلَّى فِيهِ حُضُورُهُ بَيْنَ تَلَامِيذِهِ.
تَبْلُغُ تَعَالِيمُ يَسُوعَ عَنِ النُّصْحِ الأَخَوِيِّ ذُرْوَتَهَا فِي هٰذِهِ الآيَةِ. فَالغَايَةُ لَيْسَتْ وَضْعَ نِظَامٍ قَضَائِيٍّ لِمُعَاقَبَةِ المُخْطِئِ، بَلْ بِنَاءُ جَمَاعَةٍ تَحْيَا فِي الحَقِّ وَالمَحَبَّةِ وَالمُصَالَحَةِ وَحُضُورِ المَسِيحِ. فَحَيْثُمَا يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِاسْمِ يَسُوعَ، لَا يَكُونُ المَسِيحُ مُجَرَّدَ مَوْضُوعٍ لِحَدِيثِهِمْ، بَلْ هُوَ الحَاضِرُ فِي وَسَطِهِمْ، وَمَصْدَرُ وَحْدَتِهِمْ، وَمِقْيَاسُ قَرَارِهِمْ، وَضَامِنُ مَسِيرَتِهِمْ نَحْوَ المُصَالَحَةِ وَالخَلَاصِ. وَبِهٰذَا يَتَكَامَلُ مَسَارُ مَتَّى 18: 15–20: النُّصْحُ يَبْدَأُ بَيْنَ أَخٍ وَأَخِيهِ، وَيَتَّسِعُ إِلَى شُهُودٍ، ثُمَّ إِلَى الكَنِيسَةِ، وَيُسْنَدُ بِالصَّلَاةِ، وَيَبْلُغُ أَسَاسَهُ الأَخِيرَ فِي حُضُورِ المَسِيحِ نَفْسِهِ فِي وَسَطِ الجَمَاعَةِ.
ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 18: 15–20)
بَعْدَ دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهَا (مَتَّى 18: 15–20)، يَتَّضِحُ أَنَّ هٰذَا المَقْطَعَ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ وَالمُصَالَحَةِ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ، وَيُبَيِّنُ ارْتِبَاطَهُمَا بِوَحْدَةِ الجَمَاعَةِ وَصَلَاتِهَا وَحُضُورِ المَسِيحِ فِي وَسَطِهَا. فَالمَسِيحِيَّةُ لَا تَقُومُ عَلَى عِبَادَةٍ فَرْدِيَّةٍ مُنْعَزِلَةٍ، بَلْ عَلَى حَيَاةِ شَرِكَةٍ تَجْعَلُ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَسْؤُولًا، بِقَدْرٍ مَا، عَنْ أَخِيهِ. وَمِنْ هُنَا يَغْدُو الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ تَعْبِيرًا عَمَلِيًّا عَنِ المَحَبَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المُتَبَادَلَةِ، لَا أَدَاةً لِلإِدَانَةِ أَوِ التَّشْهِيرِ.
1. الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ (مَتَّى 18: 15–20)
فِي الخِطَابِ الرَّابِعِ مِنْ خِطَابَاتِ يَسُوعَ الكُبْرَى فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، وَهُوَ الخِطَابُ المُتَعَلِّقُ بِحَيَاةِ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ (مَتَّى 18)، يُحَذِّرُ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ مِنِ احْتِقَارِ "الصِّغَارِ"، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالأَخِ الضَّالِّ وَالسَّعْيِ إِلَى اسْتِعَادَتِهِ (مَتَّى 18: 10–14). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَأْتِي تَعْلِيمُهُ عَنِ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ (مَتَّى 18: 15–20) بَوَصْفِهِ إِحْدَى القَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ لِحَيَاةِ الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ.
فَالكَنِيسَةُ لَيْسَتْ جَمَاعَةً مِنَ الأَبْرَارِ الكَامِلِينَ فَقَطْ، بَلْ هِيَ جَمَاعَةُ مُؤْمِنِينَ يَحْمِلُونَ ضَعْفَهُمْ البَشَرِيَّ وَيَحْتَاجُونَ دَائِمًا إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّجَدُّدِ. وَلِذٰلِكَ لَا يَكُونُ وُجُودُ الخَطِيئَةِ فِي الجَمَاعَةِ سَبَبًا لِلْيَأْسِ أَوِ الإِقْصَاءِ السَّرِيعِ، بَلْ دَعْوَةً إِلَى مُمارَسَةِ المَحَبَّةِ فِي صُورَتِهَا المَسْؤُولَةِ: النُّصْحِ وَالتَّصْحِيحِ وَالمُصَالَحَةِ.
وَالغَايَةُ مِنَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ لَيْسَتْ إِثْبَاتَ خَطَإِ الآخَرِ أَوِ الانْتِصَارَ عَلَيْهِ، بَلْ "رِبْحَ الأَخِ" (مَتَّى 18: 15)، أَيْ مُسَاعَدَتَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الحَقِّ وَاسْتِعَادَةِ الشَّرِكَةِ مَعَ إِخْوَتِهِ. فَالمَقْصُودُ لَيْسَ أَنْ نَرْبَحَ عَلَى الأَخِ، بَلْ أَنْ نَرْبَحَ الأَخَ نَفْسَهُ. وَبِذٰلِكَ يَتَّجِهُ الإِصْلَاحُ فِي نِهَايَتِهِ إِلَى إِعَادَةِ المُخْطِئِ إِلَى الجَمَاعَةِ الَّتِي تَجْتَمِعُ بِاسْمِ المَسِيحِ، حَيْثُ يَسْتَعِيدُ مَكَانَهُ فِي الشَّرِكَةِ وَالصَّلَاةِ، وَحَيْثُ يَكُونُ المَسِيحُ حَاضِرًا فِي وَسَطِ المُجْتَمِعِينَ بِاسْمِهِ (مَتَّى 18: 20).
وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ الإِرْشَادَ الأَخَوِيَّ وَالصَّلَاةَ الجَمَاعِيَّةَ مُتَرَابِطَانِ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِجَمَاعَةٍ مُنْقَسِمَةٍ وَمُمْتَلِئَةٍ بِالخِصَامِ أَنْ تَعِيشَ شَرِكَةً رُوحِيَّةً حَقِيقِيَّةً مِنْ دُونِ أَنْ تَسْعَى إِلَى المُصَالَحَةِ. وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ المُشْتَرَكَةَ تَمْنَحُ المُؤْمِنِينَ النُّورَ وَالتَّوَاضُعَ وَالقُوَّةَ لِمُمَارَسَةِ النُّصْحِ بِرُوحِ المَحَبَّةِ. وَبِحَسَبِ تَعْلِيمِ يَسُوعَ فِي مَتَّى 18: 15–17، يَسِيرُ الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ فِي ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مُتَدَرِّجَةٍ، تُظْهِرُ حِكْمَةَ المَسِيحِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المُخْطِئِ، وَحِرْصَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ عَلَى كَرَامَةِ الشَّخْصِ وَخَيْرِ الجَمَاعَةِ:
المَرْحَلَةُ الأُولَى: الإِرْشَادُ الفَرْدِيُّ (مَتَّى 18: 15)
"إِذَا خَطِئَ أَخُوكَ، فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وَانْفَرِدْ بِهِ وَوَبِّخْهُ. فَإِذَا سَمِعَ لَكَ، فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ" (مَتَّى 18: 15). يَطْلُبُ يَسُوعُ، فِي هٰذِهِ الآيَةِ، مِنَ المُؤْمِنِ أَنْ يَتَكَلَّمَ شَخْصِيًّا مَعَ الأَخِ المُخْطِئِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ خَطَأَهُ، وَذٰلِكَ لِمُسَاعَدَتِهِ عَلَى إِدْرَاكِ أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَمُرَاجَعَتِهَا. فَبِتَصَرُّفِهِ الخَاطِئِ، لَا يُسِيءُ الإِنْسَانُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَمَسُّ أَيْضًا حَيَاةَ الجَمَاعَةِ الَّتِي تَتَأَثَّرُ بِشَهَادَتِهِ السَّيِّئَةِ. وَيُبَرِّرُ يَسُوعُ هٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ انْطِلَاقًا مِنْ كَوْنِنَا "إِخْوَةً"؛ فَنَحْنُ، إِذًا، أَمَامَ مَسْأَلَةٍ تَمَسُّ وَحْدَةَ الكَنِيسَةِ وَهُوِيَّتَهَا وَشَرِكَتَهَا.
وَانْطِلَاقًا مِنْ ذٰلِكَ، لَا يَطْلُبُ يَسُوعُ تَشْرِيحَ المُذْنِبِ، بَلْ إِصْلَاحَهُ؛ وَلَا يَطْلُبُ الفَصْلَ الفَوْرِيَّ لِلْخَاطِئِ، بَلْ يُوصِي بِأَلَّا نَتَحَوَّلَ، بِسَبَبِ الإِسَاءَةِ، إِلَى البُغْضِ وَالِانْتِقَامِ، فَنَذْكُرَ أَخْطَاءَهُ فِي غِيَابِهِ، أَوْ نُشَهِّرَ بِهِ أَمَامَ الآخَرِينَ، أَوْ نَنْشُرَ عَنْهُ الإِشَاعَاتِ. فَهٰذَا لَا يُعَدُّ إِصْلَاحًا، بَلْ نَمِيمَةً وَاغْتِيَابًا وَكَرَاهِيَةً، وَهِيَ أُمُورٌ لَا تَلِيقُ بِتَلَامِيذِ المَسِيحِ.
وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى ضَرُورَةِ تَنْقِيَةِ القَلْبِ مِنَ الكَرَاهِيَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي إِصْلَاحِ الآخَرِ؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى خَطَأَ أَخِيهِ بِوُضُوحٍ مَا دَامَتْ "الخَشَبَةُ" تُعْمِي عَيْنَهُ. وَهٰذَا مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ يَسُوعَ: "كَيْفَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي، دَعْنِي أُخْرِجُ القَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ، وَأَنْتَ لَا تَرَى الخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ؟ أَيُّهَا المُرَائِي، أَخْرِجِ الخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ أَوَّلًا، وَعِنْدَئِذٍ تُبْصِرُ فَتُخْرِجُ القَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ" (لُوقَا 6: 42).
وَمِنْ هُنَا، فَمِنَ المُهِمِّ، قَبْلَ أَنْ نُقَدِّمَ النُّصْحَ وَالإِصْلَاحَ لِلآخَرِينَ، أَنْ يَفْحَصَ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ، وَأَنْ يَرَى نَوَاقِصَهَا وَاخْتِلَالَاتِهَا، وَأَنْ يَبْدَأَ بِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ. فَمَنْ كَانَ مُنْقَسِمًا عَلَى ذَاتِهِ، وَيَحْمِلُ قَلْبًا "مُزْدَوَجًا"، يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ الوَحْدَةَ حَوْلَهُ؛ أَمَّا مَنْ كَانَ قَلْبُهُ مُوَحَّدًا فِي اللهِ، فَيَغْدُو أَقْدَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَدَاةَ وَحْدَةٍ وَمُصَالَحَةٍ.
إِنَّ النُّورَ الَّذِي فِيكَ لَا يَسْمَحُ لَكَ بِإِهْمَالِ نُورِ أَخِيكَ. أَمَّا إِنْ حَمَلْتَ فِي دَاخِلِكَ كَرَاهِيَةً، ثُمَّ أَرَدْتَ إِصْلَاحَهُ، فَكَيْفَ تُصْلِحُ نُورَهُ وَأَنْتَ نَفْسُكَ فَاقِدٌ لِلنُّورِ؟ إِذْ يَقُولُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ: "كُلُّ مَنْ أَبْغَضَ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلٌ" (1 يُوحَنَّا 3: 15)، وَيَقُولُ أَيْضًا: "مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ لَمْ يَزَلْ فِي الظَّلَامِ إِلَى الآنَ" (1 يُوحَنَّا 2: 9). فَالبُغْضُ ظُلْمَةٌ، وَمَنْ يَكْرَهُ الآخَرِينَ إِنَّمَا يُؤْذِي نَفْسَهُ أَوَّلًا، وَيُفْسِدُ دَاخِلَهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْذِيَ سِوَاهُ.
لَقَدْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُدْخِلَ تَلَامِيذَهُ إِلَى حَيَاةِ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ بَعِيدًا عَنْ رُوحِ الِانْتِقَامِ؛ لأَنَّ الِانْتِقَامَ يَحْرِمُ القَلْبَ مِنْ نِعْمَةِ المَحَبَّةِ، وَالكَرَاهِيَةَ تَحْجُبُ الإِنْسَانَ عَنْ رُؤْيَةِ مَلَكُوتِ اللهِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَهَرَّبَ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِنَا تِجَاهَ إِخْوَتِنَا، وَأَنْ نُجِيبَ اللهَ بِجَوَابِ قَايِينَ حِينَ سَأَلَهُ: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" فَقَالَ: "أَحَارِسٌ لأَخِي أَنَا؟" (التَّكْوِين 4: 9). وَكَأَنَّ قَايِينَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَصَّلَ مِنْ كُلِّ مَسْؤُولِيَّةٍ تِجَاهَ أَخِيهِ.
أَمَّا المَنْطِقُ الإِنْجِيلِيُّ فَيُقَدِّمُ الأَخَ لَا عَلَى أَنَّهُ عِبْءٌ أَوْ خَطَرٌ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى المَحَبَّةِ وَإِلَى اكْتِشَافِ الذَّاتِ فِي الشَّرِكَةِ. وَإِذَا كَانَ الفَيْلَسُوفُ جَان بُول سَارْتْر قَدْ قَالَ فِي مَسْرَحِيَّتِهِ الأَبْوَابُ المُغْلَقَةُ: "الجَحِيمُ هُوَ الآخَرُونَ"، فَالإِنْجِيلُ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَرَى فِي الآخَرِ أَخًا وَمَسْؤُولِيَّةً وَطَرِيقًا إِلَى الشَّرِكَةِ. فَقَدْ جَعَلَنِي اللهُ، بِمَعْنًى رُوحِيٍّ، مَسْؤُولًا عَنْ أَخِي، لِكَيْ أُحِبَّهُ وَأُسَاعِدَهُ عَلَى الإِصْلَاحِ؛ وَحِينَ نَجْتَمِعُ بِاسْمِ المَسِيحِ يَكُونُ هُوَ فِي وَسَطِنَا، فَتَغْدُو الأَرْضُ مَكَانًا لِحُضُورِ السَّمَاءِ. وَمِنْ هٰذَا المُنْطَلَقِ، يَطْلُبُ يَسُوعُ مِنَ الأَخِ الَّذِي لَاحَظَ خَطِيئَةَ أَخِيهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُوَاجِهَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ وَعَلَى انْفِرَادٍ، وَأَنْ يُعَاتِبَهُ بِرُوحِ المَحَبَّةِ؛ فَـ"العِتَابُ صَابُونُ القَلْبِ"، وَمُعَاتَبَةُ الأَخِ خَيْرٌ مِنْ فَقْدِهِ.
وَمِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَتَوَصَّلَ الأَخُ المُخْطِئُ إِلَى مَعْرِفَةِ خَطَئِهِ، وَإِلَى إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الشَّرِّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي سُلُوكِهِ، لأَنَّ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ خُطْوَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فِي طَرِيقِ التَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ وَاسْتِعَادَةِ الوَحْدَةِ مَعَ الجَمَاعَةِ. وَقَدْ يَبْقَى الشَّرُّ مُسْتَتِرًا عَنْ وَعْيِ الإِنْسَانِ، فَيَسْتَعْمِلُ الرُّوحُ القُدُسُ الأَخَ المُؤْمِنَ لِيُوقِظَ الضَّمِيرَ وَيَكْشِفَ الحَقِيقَةَ بِالمَحَبَّةِ. وَلِذٰلِكَ يَتِمُّ النُّصْحُ فِي البِدَايَةِ بِسِرِّيَّةٍ وَتَكْتُّمٍ، حِفَاظًا عَلَى كَرَامَةِ الأَخِ وَسُمْعَتِهِ، وَإِعْطَاءً لَهُ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِاسْتِعَادَةِ العَلَاقَةِ مَعَ الجَمَاعَةِ.
وَالسِّرِّيَّةُ هُنَا مُهِمَّةٌ لِتَهْيِئَةِ القَلْبِ لِلرُّجُوعِ، أَمَّا التَّشْهِيرُ فَقَدْ يَزِيدُ المُخْطِئَ عِنَادًا. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى تَعْلِيمِ المَسِيحِ، مُبَيِّنًا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: اذْهَبْ وَاتَّهِمْهُ أَوْ شَهِّرْ بِهِ، بَلْ: "وَبِّخْهُ"، أَيْ ضَعْ خَطَأَهُ أَمَامَهُ وَذَكِّرْهُ بِمَا صَنَعَ، لِكَيْ يَرْجِعَ عَنْهُ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ تَكْتَسِبُ المُصَالَحَةُ مَعْنًى عَمِيقًا؛ فَهِيَ لَا تُفْرَضُ قَسْرًا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى قَلْبٍ حُرٍّ يَفْتَحُ ذَاتَهُ لِلْحَقِّ وَالغُفْرَانِ. وَكَلِمَةُ "أَخُوكَ" تُشِيرُ إِلَى قُرْبِ العَلَاقَةِ وَإِلَى الشَّرِكَةِ الَّتِي تَرْبِطُ المُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.
أَمَّا الفِعْلُ "وَبِّخْهُ" فَلَا يَعْنِي أَنْ يُذِلَّهُ أَوْ أَنْ يَسْعَى إِلَى إِثْبَاتِ تَفَوُّقِهِ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَنْتَظِرَ مِنْهُ اعْتِذَارًا يُرْضِي كِبْرِيَاءَهُ؛ بَلْ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِثِقَةٍ فِي إِمْكَانِيَّةِ تَوْبَتِهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الخَطَأَ لِيُعْطِيَهُ فُرْصَةً لِمُرَاجَعَةِ نَفْسِهِ، وَلِكَيْ يَقُودَهُ إِلَى التَّوْبَةِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيُنْقِذَهُ مِنَ الضَّلَالِ، وَيَرْبَحَهُ عُضْوًا فِي جَسَدِ المَسِيحِ. وَفِي هٰذَا الصَّدَدِ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "وَهٰذَا كُلُّهُ مِنَ اللهِ الَّذِي صَالَحَنَا بِالمَسِيحِ وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ المُصَالَحَةِ، ذٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ كَانَ فِي المَسِيحِ مُصَالِحًا العَالَمَ مَعَ نَفْسِهِ، غَيْرَ مُحَاسِبٍ لَهُمْ عَلَى زَلَّاتِهِمْ، وَمُسْتَوْدِعًا إِيَّانَا كَلِمَةَ المُصَالَحَةِ" (2 قُورِنْثُس 5: 18–19).
أَمَّا كَلِمَةُ "رَبِحْتَ" فَلَا يُرَادُ بِهَا الرِّبْحُ المَادِّيُّ أَوِ الِانْتِصَارُ فِي الجِدَالِ، وَلَا مُجَرَّدُ المُحَافَظَةِ عَلَى الأَخِ فِي عِدَادِ الأَصْدِقَاءِ، بَلْ اسْتِعَادَتُهُ وَالمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ فِي شَرِكَةِ الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ، الَّتِي أَوْشَكَتِ الخَطِيئَةُ أَنْ تُبْعِدَهُ عَنْهَا. فَكُلُّ أَخٍ فِي الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ ذُو قِيمَةٍ لَا تُقَدَّرُ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَرُّعُ فِي فَقْدِهِ أَوْ إِقْصَائِهِ. وَعَوْدَتُهُ إِلَى الجَمَاعَةِ تَجْعَلُهُ يَشْتَرِكُ مِنْ جَدِيدٍ فِي وَعْدِ المَسِيحِ: "فَحَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي، كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ" (مَتَّى 18: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى قَوْلِ المَسِيحِ "فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ"، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ لَمْ يَقُلْ إِنَّكَ نِلْتَ انْتِقَامًا أَوْ أَثْبَتَّ صِحَّةَ مَوْقِفِكَ، بَلْ قَالَ إِنَّكَ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَفِي هٰذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ العَدَاوَةَ تُحْدِثُ خَسَارَةً مُشْتَرَكَةً: فَالأَوَّلُ يَفْقِدُ أَخَاهُ، وَالثَّانِي يُعَرِّضُ خَلَاصَهُ لِلْخَطَرِ. وَمِنْ هُنَا تَصِيرُ مُصَالَحَةُ الأَخِ وَاسْتِعَادَتُهُ رِبْحًا لِلجَمَاعَةِ كُلِّهَا.
وَالمَسِيحِيُّونَ، بِحُكْمِ انْتِمَائِهِمْ إِلَى الرَّبِّ وَإِلَى جَسَدِهِ، يَحْمِلُونَ مَسْؤُولِيَّةً مُتَبَادَلَةً بَعْضُهُمْ تِجَاهَ بَعْضٍ، حِفَاظًا عَلَى وَحْدَةِ الجَمَاعَةِ وَخَيْرِ أَعْضَائِهَا. وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ مُرَاقَبَةَ النَّاسِ وَالتَّفْتِيشَ عَنْ أَخْطَائِهِمْ، بَلِ السَّهَرَ بِالمَحَبَّةِ عَلَى خَيْرِ الأَخِ وَخَلَاصِهِ. وَكَمَا أَقَامَ اللهُ حِزْقِيَالَ النَّبِيَّ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ، كَذٰلِكَ يَحْمِلُ المُؤْمِنُ مَسْؤُولِيَّةَ تَنْبِيهِ أَخِيهِ حِينَ يَرَاهُ سَائِرًا فِي طَرِيقٍ يَقُودُهُ إِلَى الهَلَاكِ. يَقُولُ الرَّبُّ لِحِزْقِيَالَ: "فَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: يَا شِرِّيرُ، إِنَّكَ تَمُوتُ مَوْتًا، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ أَنْتَ مُنْذِرًا الشِّرِّيرَ بِطَرِيقِهِ، فَذٰلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ فِي إِثْمِهِ، لٰكِنِّي مِنْ يَدِكَ أَطْلُبُ دَمَهُ. أَمَّا إِذَا أَنْذَرْتَ الشِّرِّيرَ بِطَرِيقِهِ لِيَرْجِعَ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ طَرِيقِهِ، فَهُوَ يَمُوتُ فِي إِثْمِهِ، لٰكِنَّكَ تَكُونُ قَدْ خَلَّصْتَ نَفْسَكَ" (حِزْقِيَال 33: 8–9).
وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ المَعْنَى نَفْسَهُ، إِذْ يَقُولُ: "يَا إِخْوَتِي، إِنْ ضَلَّ بَعْضُكُمْ عَنِ الحَقِّ وَرَدَّهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ طَرِيقِ ضَلَالِهِ خَلَّصَ نَفْسًا مِنَ المَوْتِ وَسَتَرَ كَثِيرًا مِنَ الخَطَايَا" (يَعْقُوب 5: 19–20). أَمَّا مَنْ يَتَّخِذُ مَوْقِفًا عَدَائِيًّا مِنْ أَخِيهِ الَّذِي يُعَانِي ضَعْفًا أَوْ صُعُوبَةً، وَيَسْتَغِلُّ ضَعْفَهُ أَوْ يَنْصِبُ لَهُ فَخًّا، فَإِنَّهُ يَبْتَعِدُ عَنْ شَرِيعَةِ المَسِيحِ، وَيَسْلُكُ فِي مَنْطِقٍ مُنَاقِضٍ لِلمَحَبَّةِ. وَيُذَكِّرُنَا الكِتَابُ المُقَدَّسُ بِأَنَّ: "المَحَبَّةَ تَعْذِرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ" (1 قُورِنْثُس 13: 7).
وَيُعَبِّرُ الرَّاهِبُ إِسْحَقُ النَّجْمِيُّ عَنْ هٰذِهِ الرُّوحَانِيَّةِ انْطِلَاقًا مِنْ سِرِّ المَسِيحِ الَّذِي حَمَلَ آلامَنَا وَأَوْجَاعَنَا. فَفِي آلامِهِ "حَمَلَ هُوَ آلامَنَا" وَ"احْتَمَلَ أَوْجَاعَنَا" (رَاجِعْ إِشَعْيَاء 53: 4)، وَبِذٰلِكَ تَصِيرُ المَحَبَّةُ اسْتِعْدَادًا لِحَمْلِ ضَعْفِ الآخَرِ بِصَبْرٍ وَرَحْمَةٍ. وَيُلَخِّصُ إِسْحَقُ النَّجْمِيُّ هٰذَا المَعْنَى فِي قَوْلِهِ: "أَحَبَّ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ، وَحَمَلَ الَّذِينَ أَحَبَّهُمْ"(العِظَةُ 31).
وَهٰكَذَا تَتَّضِحُ حَقِيقَةُ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ: إِنَّهُ لَيْسَ مُرَاقَبَةً لِزَلَّاتِ الآخَرِينَ، وَلَا فُرْصَةً لِلإِدَانَةِ أَوِ الِانْتِقَامِ، بَلْ خِدْمَةُ مَحَبَّةٍ وَمُصَالَحَةٍ تَهْدِفُ إِلَى رِبْحِ الأَخِ وَاسْتِعَادَتِهِ. فَالغَايَةُ لَيْسَتْ أَنْ نَرْبَحَ عَلَى أَخِينَا، بَلْ أَنْ نَرْبَحَ أَخَانَا، لِيَبْقَى فِي شَرِكَةِ جَسَدِ المَسِيحِ، وَتَبْقَى الجَمَاعَةُ مُوَحَّدَةً فِي المَحَبَّةِ وَالحَقِّ.
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: الإِرْشَادُ بِحُضُورِ شُهُودٍ (مَتَّى 18: 16)
"وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَكَ، فَخُذْ مَعَكَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ، لِكَيْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بِنَاءً عَلَى كَلَامِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ" (مَتَّى 18: 16). إِنْ لَمْ يَرْتَدِعِ الأَخُ المُخْطِئُ، وَلَمْ يَسْمَعْ لِلنُّصْحِ الفَرْدِيِّ، يَطْلُبُ يَسُوعُ الِانْتِقَالَ إِلَى مَرْحَلَةٍ ثَانِيَةٍ مِنَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ، فَيَقُولُ: "فَخُذْ مَعَكَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ". وَيُفَضَّلُ أَنْ يَكُونَ هٰؤُلَاءِ مِمَّنْ يَتَّصِفُونَ بِالسُّمْعَةِ الحَسَنَةِ، وَالحِكْمَةِ، وَالنُّضْجِ، وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَالمُسَاعَدَةِ فِي حَلِّ الخِلَافَاتِ.
وَالْغَايَةُ مِنْ حُضُورِهِمْ لَيْسَتِ الضَّغْطَ عَلَى المُخْطِئِ، أَوْ تَكْوِينَ جَبْهَةٍ ضِدَّهُ، أَوْ إِدَانَتَهُ مُسْبَقًا، بَلْ إِعْطَاءُ الإِرْشَادِ بُعْدًا أَكْثَرَ مَوْضُوعِيَّةً وَحِكْمَةً. فَقَدْ يَرَى الشَّاهِدَانِ مَا لَا يَرَاهُ طَرَفَا الخِلَافِ، وَقَدْ يُسَاعِدُ حُضُورُهُمَا عَلَى تَهْدِئَةِ النُّفُوسِ، وَإِظْهَارِ الحَقِيقَةِ، وَفَتْحِ بَابِ المُصَالَحَةِ مِنْ جَدِيدٍ.
وَيَسْتَنِدُ هٰذَا التَّعْلِيمُ إِلَى مَبْدَإٍ كِتَابِيٍّ وَقَضَائِيٍّ قَدِيمٍ وَرَدَ فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ: "لَا يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى أَحَدٍ فِي أَيِّ إِثْمٍ وَأَيَّةِ خَطِيئَةٍ يَرْتَكِبُهَا، وَلٰكِنْ بِقَوْلِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ تَقُومُ القَضِيَّةُ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 19: 15). فَيَسُوعُ يَسْتَعِيدُ هٰذَا المَبْدَأَ العَادِلَ، وَيَضَعُهُ فِي خِدْمَةِ حَيَاةِ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ.
وَلٰكِنَّ "الشُّهُودَ" فِي هٰذَا السِّيَاقِ لَا يَأْتُونَ فَقَطْ لِيَشْهَدُوا ضِدَّ المُخْطِئِ، بَلْ لِيُسَاعِدُوا عَلَى تَمْيِيزِ الحَقِيقَةِ وَإِقْنَاعِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى طَرِيقِ المُصَالَحَةِ. وَإِذَا تَعَذَّرَ الإِصْلَاحُ، يَصِيرُ حُضُورُهُمْ أَيْضًا شَهَادَةً عَلَى أَنَّ كُلَّ الجُهُودِ المُمْكِنَةِ قَدْ بُذِلَتْ قَبْلَ الِانْتِقَالِ إِلَى المَرْحَلَةِ التَّالِيَةِ.
وَهٰذِهِ الخُطْوَةُ تُعَلِّمُنَا أَلَّا نَسْتَسْلِمَ أَمَامَ فَشَلِ المُحَاوَلَةِ الأُولَى. فَإِذَا لَمْ يَنْجَحِ الإِرْشَادُ الفَرْدِيُّ، لَا يَجُوزُ أَنْ نَنْتَقِلَ مُبَاشَرَةً إِلَى الإِدَانَةِ أَوِ الإِقْصَاءِ أَوِ التَّشْهِيرِ، بَلْ يَطْلُبُ الإِنْجِيلُ مِنَّا مُوَاصَلَةَ السَّعْيِ إِلَى رِبْحِ الأَخِ بِوَسَائِلَ أَكْثَرَ حِكْمَةً وَمَوْضُوعِيَّةً.
فَالنُّصْحُ الأَخَوِيُّ لَيْسَ عَمَلًا يَنْتَهِي عِنْدَ أَوَّلِ رَفْضٍ، بَلْ هُوَ مَسَارٌ مِنَ الصَّبْرِ وَالمَحَبَّةِ وَالمُثَابَرَةِ. وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ نَحْتَرِسَ مِنَ الحُكْمِ عَلَى الآخَرِ اعْتِبَاطًا أَوْ ظُلْمًا، وَأَنْ نَبْذُلَ كُلَّ جُهْدٍ مُمْكِنٍ لِمُسَاعَدَتِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى شَرِكَةِ الجَمَاعَةِ.
وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ مَا سَبَقَ أَنْ عَلَّمَهُ يَسُوعُ فِي العِظَةِ عَلَى الجَبَلِ عَنْ أَوْلَوِيَّةِ المُصَالَحَةِ عَلَى تَقْدِيمِ القُرْبَانِ: "فَإِذَا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُرْبَانَكَ إِلَى المَذْبَحِ، وَذَكَرْتَ هُنَاكَ أَنَّ لأَخِيكَ عَلَيْكَ شَيْئًا، فَدَعْ قُرْبَانَكَ هُنَاكَ عِنْدَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا فَصَالِحْ أَخَاكَ، ثُمَّ عُدْ فَقَرِّبْ قُرْبَانَكَ" (مَتَّى 5: 23–24).
فَالمُصَالَحَةُ لَيْسَتْ أَمْرًا ثَانَوِيًّا فِي الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ صِحَّةِ العِبَادَةِ ذَاتِهَا. فَلَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْصِلَ عَلَاقَتَهُ بِاللهِ عَنْ عَلَاقَتِهِ بِإِخْوَتِهِ؛ فَالمَذْبَحُ وَالمُصَالَحَةُ، وَالصَّلَاةُ وَالأُخُوَّةُ، وَالعِبَادَةُ وَالمَحَبَّةُ، كُلُّهَا أَبْعَادٌ مُتَرَابِطَةٌ فِي الحَيَاةِ الإِنْجِيلِيَّةِ.
وَتَبْدُو هٰذِهِ التَّعَالِيمُ أَيْضًا مُوَجَّهَةً إِلَى كَبْحِ حَمَاسَةِ مَنْ يُرِيدُونَ التَّسَرُّعَ فِي إِقْصَاءِ الخَاطِئِ أَوْ فَصْلِهِ عَنِ الجَمَاعَةِ. فَيَسُوعُ لَا يَسْمَحُ بِالتَّسَرُّعِ فِي إِصْدَارِ الحُكْمِ، بَلْ يَضَعُ أَمَامَ الجَمَاعَةِ سُلَّمًا تَدْرِيجِيًّا مِنَ المُحَاوَلَاتِ، يَبْدَأُ بِاللِّقَاءِ الفَرْدِيِّ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى حُضُورِ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الأَمْرُ إِلَى الكَنِيسَةِ. وَهٰذَا التَّدَرُّجُ يَكْشِفُ أَنَّ الهَدَفَ لَيْسَ التَّخَلُّصَ مِنَ الخَاطِئِ، بَلْ تَخْلِيصَهُ مِنَ الخَطِيئَةِ. فَحَتَّى إِذَا أَصَرَّ عَلَى خَطَئِهِ، تَبْقَى الجَمَاعَةُ مَدْعُوَّةً إِلَى التَّعَامُلِ مَعَهُ بِالحَقِّ وَالمَحَبَّةِ، وَإِلَى عَدَمِ تَرْكِهِ فَرِيسَةً لِلشَّرِّ وَالفَسَادِ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَتَّضِحُ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ وَمَثَلِ الخَرُوفِ الضَّالِّ الَّذِي يَسْبِقُهُ مُبَاشَرَةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 18: 12–14). فَكَمَا أَنَّ الرَّاعِيَ لَا يَرْضَى بِفَقْدِ خَرُوفٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَمْضِي فِي طَلَبِهِ، كَذٰلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْكَنِيسَةِ أَنْ تَسْتَسْلِمَ بِسُهُولَةٍ لِفَقْدِ أَحَدِ أَبْنَائِهَا، بَلْ أَنْ تَبْذُلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهَا لِاسْتِعَادَتِهِ.
فَالإِرْشَادُ بِحُضُورِ شُهُودٍ لَيْسَ تَصْعِيدًا فِي العُقُوبَةِ، بَلْ تَوْسِيعٌ لِدَائِرَةِ المَحَبَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ. فَبَعْدَ أَنْ حَاوَلَ أَخٌ وَاحِدٌ اسْتِعَادَةَ المُخْطِئِ، يَنْضَمُّ آخَرُونَ إِلَى مَسِيرَةِ المُصَالَحَةِ، لِكَيْ لَا يَبْقَى الأَخُ وَحْدَهُ فِي خَطَئِهِ، وَلِكَيْ تُسْتَنْفَدَ كُلُّ الطُّرُقِ المُمْكِنَةِ لِرَبْحِهِ وَإِعَادَتِهِ إِلَى الشَّرِكَةِ. وَهٰكَذَا تَكُونُ القَاعِدَةُ الرُّوحِيَّةُ لِهٰذِهِ المَرْحَلَةِ: إِذَا فَشِلَتِ المُحَاوَلَةُ الأُولَى، فَلَا نَتَخَلَّ عَنِ الأَخِ؛ بَلْ نَبْحَثُ عَنْ حِكْمَةٍ أَكْبَرَ، وَمُسَاعَدَةٍ أَوْسَعَ، وَطَرِيقٍ جَدِيدٍ لِكَيْ نَرْبَحَهُ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: الإِرْشَادُ مَعَ الكَنِيسَةِ (مَتَّى 18: 17)
"فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا، فَأَخْبِرِ الكَنِيسَةَ بِأَمْرِهِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ لِلكَنِيسَةِ أَيْضًا، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالوَثَنِيِّ وَالجَابِي" (مَتَّى 18: 17). تُمَثِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ المَرْحَلَةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ. فَبَعْدَ فَشَلِ المُحَاوَلَةِ الفَرْدِيَّةِ، ثُمَّ مُحَاوَلَةِ الإِرْشَادِ بِحُضُورِ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، يَطْلُبُ يَسُوعُ عَرْضَ الأَمْرِ عَلَى الكَنِيسَةِ. وَهٰذَا التَّدَرُّجُ يُظْهِرُ أَنَّ الغَايَةَ لَيْسَتْ إِدَانَةَ المُخْطِئِ أَوْ التَّعَجُّلَ فِي إِقْصَائِهِ، بَلْ اسْتِنْفَادَ كُلِّ الوَسَائِلِ المُمْكِنَةِ لِإِعَادَتِهِ إِلَى الشَّرِكَةِ.
فَإِذَا رَفَضَ الأَخُ الإِرْشَادَ بِحُضُورِ الشُّهُودِ، يَأْتِي دَوْرُ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ، الَّتِي تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةَ السَّهَرِ عَلَى وَحْدَتِهَا وَقَدَاسَتِهَا، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى خَلَاصِ أَعْضَائِهَا. فَلَا تَتَدَخَّلُ الكَنِيسَةُ بِرُوحِ القَضَاءِ وَالِانْتِقَامِ، بَلْ بِرُوحِ الأُمِّ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَسْتَعِيدَ ابْنَهَا، وَتَصْفَحَ عَنْهُ، وَتُشَجِّعَهُ، "مَخَافَةَ أَنْ يَغْرَقَ فِي بَحْرٍ مِنَ الغَمِّ" (2 قُورِنْثُس 2: 7).
وَتَقُومُ الكَنِيسَةُ بِهٰذِهِ المَسْؤُولِيَّةِ بِنَاءً عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِي أَوْكَلَهُ إِلَيْهَا المَسِيحُ، إِذْ قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاءِ" (مَتَّى 18: 18). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِرْشَادَ الكَنَسِيَّ يَهْدِفُ إِلَى إِحْقَاقِ الحَقِّ، وَإِنْصَافِ المَظْلُومِ، وَإِصْلَاحِ المُخْطِئِ، وَالمُصَالَحَةِ وَإِعَادَةِ الشَّرِكَةِ.
وَفِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ يُرْجَى مِنَ الطَّرَفِ المُخْطِئِ أَنْ يَسْمَعَ لِصَوْتِ الكَنِيسَةِ، وَأَنْ يَقْبَلَ بِالإِرْشَادِ وَالمُصَالَحَةِ. فَالطَّاعَةُ هُنَا لَا تُفْهَمُ كَخُضُوعٍ أَعْمَى لِقَرَارٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ كَاسْتِجَابَةٍ لِحِكْمَةِ الجَمَاعَةِ الَّتِي تُصَلِّي وَتُمَيِّزُ وَتَسْعَى إِلَى تَطْبِيقِ إِنْجِيلِ المَسِيحِ.
أَمَّا إِذَا أَصَرَّ المُخْطِئُ عَلَى رَفْضِ إِرْشَادِ الكَنِيسَةِ، فَإِنَّهُ يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةَ قَرَارِهِ، وَيَضَعُ نَفْسَهُ، بِرَفْضِهِ المُتَصَلِّبِ، خَارِجَ الشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ. وَعِنْدَئِذٍ يَقُولُ يَسُوعُ: "فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالوَثَنِيِّ وَالجَابِي". وَهٰذِهِ العِبَارَةُ قَوِيَّةٌ، وَيَنْبَغِي فَهْمُهَا فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ وَالكَنَسِيِّ. فَـ"الوَثَنِيُّ" أَوِ "الأُمَمِيُّ" كَانَ يُعَدُّ، فِي البِيئَةِ اليَهُودِيَّةِ، خَارِجَ جَمَاعَةِ العَهْدِ، كَمَا كَانَ العَشَّارُونَ مَحَلَّ رَيْبَةٍ وَازْدِرَاءٍ بِسَبَبِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِمْ بِنِظَامِ الجِبَايَةِ وَمَا ارْتَبَطَ بِهِ مِنْ ظُلْمٍ وَاسْتِغْلَالٍ.
وَلٰكِنَّ قَوْلَ يَسُوعَ لَا يَعْنِي إِبَاحَةَ كَرَاهِيَةِ المُخْطِئِ أَوِ ازْدِرَائِهِ. فَالمَسِيحُ نَفْسُهُ أَظْهَرَ رَحْمَةً خَاصَّةً لِلْعَشَّارِينَ وَالخُطَاةِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَعْنَى الأَقْرَبُ هُوَ أَنَّ المُخْطِئَ المُصِرَّ عَلَى رَفْضِ الجَمَاعَةِ يُعَامَلُ عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ شَرِكَتِهَا الكَامِلَةِ، وَبِحَاجَةٍ مِنْ جَدِيدٍ إِلَى الدَّعْوَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالمُصَالَحَةِ.
وَنَجِدُ أَمْثِلَةً عَلَى التَّأْدِيبِ الكَنَسِيِّ فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ، إِذْ يَقُولُ: "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَلَّا تُخَالِطُوا مَنْ يُدْعَى أَخًا وَهُوَ زَانٍ أَوْ جَشِعٌ أَوْ عَابِدُ أَوْثَانٍ أَوْ شَتَّامٌ أَوْ سِكِّيرٌ أَوْ سَرَّاقٌ. بَلْ لَا تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هٰذَا الرَّجُلِ" (1 قُورِنْثُس 5: 11). وَلَا يَصِلُ الأَمْرُ إِلَى هٰذِهِ المَرْحَلَةِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِنْفَادِ الطُّرُقِ السَّابِقَةِ لِاسْتِعَادَةِ الأَخِ. وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي هٰذَا النَّصِّ أَصْلًا كِتَابِيًّا لِمَبْدَإِ التَّأْدِيبِ الكَنَسِيِّ الَّذِي تَطَوَّرَ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ وَنُظُمِهَا، وَمِنْهُ مَا عُرِفَ لَاحِقًا بِالحِرْمَانِ الكَنَسِيِّ. وَغَايَةُ هٰذَا التَّأْدِيبِ لَيْسَتِ الِانْتِقَامَ، بَلْ حِمَايَةُ الجَمَاعَةِ وَدَعْوَةُ المُخْطِئِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ.
وَلَا يَصِحُّ القَوْلُ إِنَّ الكَنِيسَةَ "لَا تَعُودُ لَهَا سُلْطَةٌ عَلَيْهِ" بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنَ الشَّرِكَةِ؛ فَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ شَرِكَتَهُ الكَنَسِيَّةَ تَتَعَرَّضُ لِلِانْقِطَاعِ أَوِ التَّعْلِيقِ تَأْدِيبِيًّا، بَيْنَمَا تَبْقَى الكَنِيسَةُ مَدْعُوَّةً إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَالسَّعْيِ إِلَى رُجُوعِهِ، وَفَتْحِ بَابِ المُصَالَحَةِ لَهُ مَتَى تَابَ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَأْتِي تَعْلِيمُ يَسُوعَ عَنِ الرَّبْطِ وَالحَلِّ: "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاءِ" (مَتَّى 18: 18). فَالسُّلْطَانُ الَّذِي أُعْطِيَ لِبُطْرُسَ بِصُورَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ فِي سِيَاقِ "المَفَاتِيحِ" (مَتَّى 16: 19)، يَظْهَرُ هُنَا أَيْضًا فِي بُعْدِهِ الجَمَاعِيِّ وَالرَّسُولِيِّ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ.
وَالرَّبْطُ وَالحَلُّ فِي سِيَاقِ مَتَّى 18 لَا يَنْحَصِرَانِ فِي غُفْرَانِ الخَطَايَا فَقَطْ، بَلْ يَشْمَلَانِ أَيْضًا سُلْطَانَ التَّمْيِيزِ وَالتَّأْدِيبِ وَإِعَادَةِ الشَّرِكَةِ. وَتَكْمُنُ خُطُورَةُ هٰذَا السُّلْطَانِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ حَقًّا لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى الضَّمَائِرِ، بَلْ خِدْمَةٌ رُوحِيَّةٌ وَرَعَوِيَّةٌ يَجِبُ أَنْ تُمارَسَ فِي الحَقِّ وَالمَحَبَّةِ وَالصَّلَاةِ وَطَلَبِ مَشِيئَةِ اللهِ.
وَمِنْ هُنَا تَقَعُ مَسْؤُولِيَّةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى المُؤْمِنِينَ فِي أَنْ يَسْعَوْا إِلَى حَلِّ خِلَافَاتِهِمْ بِرُوحِ الإِنْجِيلِ، وَعَلَى الكَنِيسَةِ أَنْ تَسْتَنِيرَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّمْيِيزِ عِنْدَ مُعَالَجَةِ النِّزَاعَاتِ. فَالقَرَارُ الكَنَسِيُّ لَا يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِهِ قَرَارًا إِدَارِيًّا، بَلْ مِنْ أَمَانَتِهِ لِلمَسِيحِ وَإِنْجِيلِهِ وَغَايَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. فَالكَنِيسَةُ، فِي جَوْهَرِ رِسَالَتِهَا، مَكَانٌ مُتَمَيِّزٌ لِلرَّحْمَةِ وَالمُصَالَحَةِ. وَهِيَ لَا "تُلْزِمُ اللهَ" بِالرَّحْمَةِ، بَلْ تَسْتَمِدُّ رَحْمَتَهَا مِنْ رَحْمَتِهِ، وَتَكُونُ أَدَاةً لِغُفْرَانِهِ وَمُصَالَحَتِهِ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَوْكَلَهَا إِلَيْهَا فِي المَسِيحِ.
وَلٰكِنَّ التَّارِيخَ الكَنَسِيَّ وَالحَيَاةَ الرَّعَوِيَّةَ يُظْهِرَانِ خَطَرَ حَمَاسَةٍ مبالغ فيها تَرَى الحَلَّ فِي الإِقْصَاءِ وَالقَمْعِ السَّرِيعِ. فَقَدْ يُسَارِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى المُطَالَبَةِ بِـ"بَتْرِ العُضْوِ" الَّذِي يُعَثِّرُ الجَمَاعَةَ، أَوْ بِمُعَامَلَةِ المُخْطِئِ مُبَاشَرَةً كَـ"العَشَّارِ وَالوَثَنِيِّ"، مِنْ دُونِ اسْتِنْفَادِ مَرَاحِلِ النُّصْحِ وَالصَّبْرِ وَالمُصَالَحَةِ الَّتِي حَدَّدَهَا المَسِيحُ.
وَيُحَذِّرُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ مِنْ حُلْمِ تَكْوِينِ كَنِيسَةٍ مِنَ "الأَنْقِيَاءِ" وَحْدَهُمْ، لأَنَّ مِثْلَ هٰذَا التَّوَجُّهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى ضَرْبِ الوَحْدَةِ بِحُجَّةِ الِانْفِصَالِ عَنِ الخُطَاةِ. وَيُذَكِّرُ بِأَنَّ الأَخْيَارَ وَالأَشْرَارَ يَبْقَوْنَ مُخْتَلِطِينَ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ حَتَّى نِهَايَةِ العَالَمِ، وَأَنَّ التَّعَايُشَ مَعَ الخَاطِئِ لَا يَعْنِيَ المُشَارَكَةَ فِي خَطِيئَتِهِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، لَا يَدْعُو أُوغُسْطِينُوسُ إِلَى إِهْمَالِ التَّأْدِيبِ، بَلْ إِلَى التَّوَازُنِ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَى نِظَامِ الكَنِيسَةِ (الإِيمَانُ وَالأَعْمَالُ).
وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ رِسَالَةَ الكَنِيسَةِ هِيَ أَنْ تَبْذُلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهَا لِإِعَادَةِ الخَاطِئِ إِلَى اللهِ وَإِلَى الشَّرِكَةِ. وَهُنَا يَعُودُ إِلَى الأَذْهَانِ مَثَلُ الخَرُوفِ الضَّالِّ الَّذِي يَسْبِقُ هٰذَا التَّعْلِيمَ مُبَاشَرَةً (مَتَّى 18: 12–14). فَالرَّاعِي الصَّالِحُ لَا يَتَخَلَّى عَنِ الخَرُوفِ المَفْقُودِ، بَلْ يَمْضِي فِي طَلَبِهِ حَتَّى يَجِدَهُ. وَالكَنِيسَةُ، بِدَوْرِهَا، مَدْعُوَّةٌ إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي عَمَلِ اللهِ هٰذَا، فَتَطْلُبُ الضَّالَّ وَتَفْتَحُ أَمَامَهُ طَرِيقَ الرُّجُوعِ.
وَعِنْدَمَا تَسْتَنْفِدُ الكَنِيسَةُ وَسَائِلَهَا البَشَرِيَّةَ وَالرَّعَوِيَّةَ فِي مُحَاوَلَةِ إِصْلَاحِ الأَخِ، فَإِنَّهَا لَا تَكْرَهُهُ وَلَا تَيْأَسُ مِنْهُ، بَلْ تَكِلُهُ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَتَبْقَى تَطْلُبُ لَهُ التَّوْبَةَ وَالخَلَاصَ. فَاللهُ، الَّذِي دَعَا الكَنِيسَةَ إِلَى الحَقِّ، هُوَ نَفْسُهُ "غَنِيٌّ بِالرَّحْمَةِ"، وَغَايَةُ كُلِّ تَأْدِيبٍ كَنَسِيٍّ أَنْ يَخْدُمَ خَلَاصَ الإِنْسَانِ. وَلِذٰلِكَ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "المَحَبَّةُ لَا تُنْزِلُ بِالقَرِيبِ شَرًّا، فَالمَحَبَّةُ إِذًا كَمَالُ الشَّرِيعَةِ" (رُومَة 13: 10).
وَيُعَبِّرُ اللاهُوتِيُّ كَارْل رَاهْنَر عَنْ هٰذِهِ الرُّوحَانِيَّةِ بِمَعْنًى عَمِيقٍ، إِذْ يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يَضَعَ أَمَامَ اللهِ ذٰلِكَ القَرِيبَ الَّذِي يَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَاهَمَ مَعَهُ، وَأَنْ يَقُولَ فِي قَلْبِهِ: إِنَّ هٰذَا الإِنْسَانَ هُوَ أَيْضًا خَلِيقَتُكَ يَا رَبُّ، وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ تَحْتَمِلُهُ بِصَبْرِكَ وَرَحْمَتِكَ، فَعَلِّمْنِي أَنَا أَيْضًا أَنْ أَحْمِلَهُ وَأَحْتَمِلَهُ، كَمَا تَحْمِلُنِي أَنَا وَتَحْتَمِلُ ضَعْفِي.
وَهٰكَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَرْحَلَةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الإِرْشَادِ لَا تُشَكِّلُ انْتِقَالًا مِنَ المَحَبَّةِ إِلَى القَسْوَةِ، بَلْ انْتِقَالًا مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ إِلَى المَسْؤُولِيَّةِ الكَنَسِيَّةِ. فَالكَنِيسَةُ تُصْلِحُ لأَنَّهَا تُحِبُّ، وَتُؤَدِّبُ لأَنَّهَا تَرْجُو التَّوْبَةَ، وَتَرْبِطُ لِكَيْ تُوقِظَ الضَّمِيرَ، وَتَحُلُّ لِكَيْ تَفْتَحَ بَابَ الرُّجُوعِ. فَالغَايَةُ النِّهَائِيَّةُ لَيْسَتْ فَقْدَ الأَخِ، بَلْ رِبْحَهُ؛ وَلَا إِقْصَاءَهُ، بَلْ خَلَاصَهُ؛ وَلَا الِانْتِصَارَ عَلَيْهِ، بَلْ إِعَادَتَهُ إِلَى شَرِكَةِ المَحَبَّةِ وَالحَقِّ فِي جَسَدِ المَسِيحِ.
2. أَهَمِّيَّةُ الإِرْشَادِ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ (مَتَّى 18: 19–20)
يَهْدِفُ الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ، فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، إِلَى إِعَادَةِ الأَخِ المُخْطِئِ إِلَى شَرِكَةِ الجَمَاعَةِ، لِيَعُودَ إِلَى الاتِّفَاقِ مَعَ إِخْوَتِهِ، وَإِلَى الصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَإِلَى الِاجْتِمَاعِ بِاسْمِ المَسِيحِ وَفِي حُضُورِهِ. فَالكَنِيسَةُ، فِي جَوْهَرِهَا، جَمَاعَةُ إِخْوَةٍ يَجْمَعُهُمُ الإِيمَانُ وَالمَحَبَّةُ، وَيَكُونُ المَسِيحُ حَاضِرًا فِي وَسَطِهِمْ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يَقُولُ يَسُوعُ: "إِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ فِي الأَرْضِ عَلَى طَلَبِ أَيِّ حَاجَةٍ كَانَتْ، حَصَلَا عَلَيْهَا مِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 18: 19).
وَيَكْشِفُ هٰذَا القَوْلُ عَنِ الِارْتِبَاطِ الوَثِيقِ بَيْنَ الوَحْدَةِ وَالصَّلَاةِ. فَالصَّلَاةُ الجَمَاعِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اجْتِمَاعِ أَشْخَاصٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، بَلْ هِيَ اتِّفَاقٌ فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَطَلَبِ مَشِيئَةِ اللهِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الإِرْشَادَ الأَخَوِيَّ وَالمُصَالَحَةَ يُهَيِّئَانِ الجَمَاعَةَ لِصَلَاةٍ صَادِقَةٍ، لأَنَّ مَنْ يَجْتَمِعُونَ أَمَامَ اللهِ مَدْعُوُّونَ أَوَّلًا إِلَى أَنْ يَكُونُوا مُتَصَالِحِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ.
وَيُضِيفُ يَسُوعُ: "فَحَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِاسْمِي، كُنْتُ هُنَاكَ بَيْنَهُمْ" (مَتَّى 18: 20). وَهُنَا يَبْلُغُ النَّصُّ ذِرْوَتَهُ؛ فَأَسَاسُ قُوَّةِ الجَمَاعَةِ لَيْسَ كَثْرَةَ عَدَدِهَا، بَلْ حُضُورُ المَسِيحِ فِي وَسَطِهَا. فَحَيْثُ يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِاسْمِهِ، أَيْ فِي الإِيمَانِ بِهِ وَالأَمَانَةِ لِكَلِمَتِهِ وَالمَحَبَّةِ المُتَبَادَلَةِ، يَكُونُ هُوَ حَاضِرًا فِي وَسَطِهِمْ.
وَيَرْبِطُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ بَيْنَ المَحَبَّةِ وَحُضُورِ اللهِ فِي الجَمَاعَةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ حَيْثُ تَكُونُ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ يَكُونُ اللهُ حَاضِرًا، وَأَنَّ الِاجْتِمَاعَ بِاسْمِ المَسِيحِ يَفْتَرِضُ وَحْدَةَ القَلْبِ وَالمَحَبَّةِ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، لَا تُفْهَمُ الصَّلَاةُ الجَمَاعِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا مُجَرَّدُ تَجَمُّعٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ عَلَى أَنَّهَا شَرِكَةٌ رُوحِيَّةٌ يَصِيرُ فِيهَا المُؤْمِنُونَ "قَلْبًا وَاحِدًا وَنَفْسًا وَاحِدَةً" (الرُّسُلِ 4: 32).
وَقَدْ شَدَّدَ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي عَلَى هٰذَا البُعْدِ الجَمَاعِيِّ فِي حَيَاةِ الكَنِيسَةِ، وَخُصُوصًا فِي اللِّيتُورْجِيَا؛ فَالصَّلَاةُ الكَنَسِيَّةُ لَيْسَتْ عَمَلًا فَرْدِيًّا مُنْعَزِلًا، بَلْ عَمَلُ جَسَدِ المَسِيحِ كُلِّهِ، حَيْثُ يَشْتَرِكُ المُؤْمِنُونَ شَرِكَةً وَاعِيَةً وَفَعَّالَةً فِي عِبَادَةِ اللهِ.
أَمَّا قَوْلُ الرَّبِّ: "طَلَبِ أَيِّ حَاجَةٍ كَانَتْ"، فَلَا يَعْنِي أَنَّ اللهَ يَعِدُ بِتَحْقِيقِ كُلِّ رَغْبَةٍ بَشَرِيَّةٍ مُجَرَّدَ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْهَا اثْنَانِ. فَالصَّلَاةُ المَسِيحِيَّةُ لَا تُخْضِعُ اللهَ لِرَغَبَاتِنَا، بَلْ تُخْضِعُ رَغَبَاتِنَا لِمَشِيئَتِهِ. وَالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ يَعْرِفُ أَنَّ ثَمَّةَ أُمُورًا قَدْ يَطْلُبُهَا الإِنْسَانُ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَكُونُ مُوَافِقَةً لِخَيْرِهِ أَوْ لِخَلَاصِهِ. وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ وَعْدَ يَسُوعَ يُفْهَمُ فِي ضَوْءِ الصَّلَاةِ الَّتِي عَلَّمَهَا لِتَلَامِيذِهِ: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" (مَتَّى 6: 10)، وَفِي ضَوْءِ وَصِيَّتِهِ: "اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ" (مَتَّى 6: 33). فَالصَّلَاةُ الحَقِيقِيَّةُ تَطْلُبُ مَا يُوَافِقُ مَشِيئَةَ الآبِ وَخَيْرَ الإِنْسَانِ وَخَلَاصَهُ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المُؤْمِنِينَ لَا يَفْرِضُونَ عَلَى اللهِ إِرَادَتَهُمْ، وَلَا يَتَذَمَّرُونَ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ طَلَبُهُمْ بِالصُّورَةِ الَّتِي تَوَقَّعُوهَا، بَلْ يَثِقُونَ بِأَنَّ الآبَ السَّمَاوِيَّ يَعْرِفُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ اسْتِجَابَتَهُ لِلصَّلَاةِ تَنْبَعُ مِنْ حِكْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، لَا مِنْ مَقَايِيسِنَا البَشَرِيَّةِ المُحْدُودَةِ. وَهٰذَا الوَعْدُ مُوَجَّهٌ خُصُوصًا إِلَى جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي يَكُونُ المَسِيحُ فِي وَسَطِهَا. فَهُوَ يَكْشِفُ أَنَّ الصَّلَاةَ الكَنَسِيَّةَ تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنْ حُضُورِ المَسِيحِ، وَأَنَّ الاتِّفَاقَ بَيْنَ الإِخْوَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّفَاقٍ نَفْسِيٍّ أَوْ إِدَارِيٍّ، بَلْ وَحْدَةٌ تَتَكَوَّنُ حَوْلَ شَخْصِ يَسُوعَ وَمَشِيئَتِهِ.
وَيَكْشِفُ لَنَا يَسُوعُ، بِذٰلِكَ، بُعْدًا أَسَاسِيًّا مِنْ هُوِيَّةِ الكَنِيسَةِ: إِنَّهَا جَمَاعَةٌ يَحْضُرُ المَسِيحُ فِي وَسَطِهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ لَاهُوتِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ "الكَنِيسَةَ هِيَ المَسِيحُ"، بَلْ إِنَّ الكَنِيسَةَ هِيَ جَسَدُ المَسِيحِ وَجَمَاعَتُهُ الَّتِي يَحْيَا وَيَعْمَلُ فِي وَسَطِهَا بِرُوحِهِ القُدُسِ. فَالمَسِيحُ هُوَ رَأْسُ الجَسَدِ، وَالمُؤْمِنُونَ أَعْضَاؤُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُهُمْ وَيُوَحِّدُهُمْ فِي شَرِكَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مَنْ يَرْفُضُ بِإِصْرَارٍ الشَّرِكَةَ الكَنَسِيَّةَ وَيَرْفُضُ كُلَّ دَعْوَةٍ إِلَى المُصَالَحَةِ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلانْفِصَالِ عَنْ هٰذِهِ الشَّرِكَةِ. غَيْرَ أَنَّ الكَنِيسَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَنْ مَحَبَّتِهِ وَالصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهِ وَدَعْوَتِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ.
إِنَّ كُلَّ انْقِسَامٍ فِي جَمَاعَاتِنَا المَسِيحِيَّةِ يُشَوِّهُ وَجْهَ الكَنِيسَةِ وَيُضْعِفُ شَهَادَتَهَا، لأَنَّ المَسِيحَ لَيْسَ مُنْقَسِمًا عَلَى ذَاتِهِ. وَقَدْ طَرَحَ بُولُسُ الرَّسُولُ السُّؤَالَ الحَاسِمَ: "أَتُرَى المَسِيحُ قَدِ انْقَسَمَ؟" (1 قُورِنْثُس 1: 13). فَالجَمَاعَةُ المُنْقَسِمَةُ تَجْعَلُ وَجْهَ المَسِيحِ أَقَلَّ وُضُوحًا أَمَامَ العَالَمِ، أَمَّا الوَحْدَةُ فَتَجْعَلُ حُضُورَهُ مَلْمُوسًا فِي حَيَاةِ أَبْنَائِهَا.
وَلِكَيْ نَعِيشَ حُضُورَ الرَّبِّ فِي وَسَطِنَا، فَلَا يَكْفِي أَنْ نَكُونَ مُجْتَمِعِينَ جَسَدِيًّا فِي المَكَانِ نَفْسِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ مُتَّحِدِينَ فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّعْيِ إِلَى مَشِيئَتِهِ. فَالِاجْتِمَاعُ "بِاسْمِهِ" يَعْنِي أَنْ يَكُونَ هُوَ مَرْكَزَ الجَمَاعَةِ وَمِقْيَاسَ قَرَارَاتِهَا وَمَصْدَرَ وَحْدَتِهَا.
وَعِنْدَمَا نَعِيشُ وَصِيَّةَ المَحَبَّةِ المُتَبَادَلَةِ، يَصِيرُ حُضُورُ المَسِيحِ فِي وَسَطِنَا نُورًا نُوَاجِهُ بِهِ مَشَاكِلَنَا الشَّخْصِيَّةَ وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَقُوَّةً نَمْضِي بِهَا قُدُمًا فِي اخْتِيَارَاتِنَا الشُّجَاعَةِ، وَنِعْمَةً تُمَكِّنُنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ خَمِيرَةَ وَحْدَةٍ وَمُصَالَحَةٍ فِي العَالَمِ.
وَهٰكَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِرْشَادَ الأَخَوِيَّ لَا يَنْتَهِي عِنْدَ تَصْحِيحِ خَطَإٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَهْدِفُ إِلَى مَا هُوَ أَعْمَقُ: إِعَادَةِ بِنَاءِ الشَّرِكَةِ، وَاسْتِعَادَةِ الصَّلَاةِ المُشْتَرَكَةِ، وَتَهْيِئَةِ الجَمَاعَةِ لِحُضُورِ المَسِيحِ فِي وَسَطِهَا. فَحَيْثُ تَكُونُ المُصَالَحَةُ، تَكُونُ الوَحْدَةُ؛ وَحَيْثُ تَكُونُ الوَحْدَةُ، تَكُونُ الصَّلَاةُ؛ وَحَيْثُ يَجْتَمِعُ الإِخْوَةُ بِاسْمِ المَسِيحِ، يَكُونُ هُوَ حَاضِرًا فِي وَسَطِهِمْ.
الخُلَاصَةُ (مَتَّى 18: 15–20)
يَدْعُو المَسِيحُ تَلَامِيذَهُ إِلَى إِصْلَاحِ المُخْطِئِينَ وَرَدِّهِمْ إِلَى شَرِكَةِ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ، لَا بِرُوحِ الإِدَانَةِ وَالإِقْصَاءِ، بَلْ بِرُوحِ المَحَبَّةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ (مَتَّى 18: 15–20). وَيَبْدُو أَنَّ هٰذِهِ الآيَاتِ لَيْسَتْ سِوَى تَطْبِيقٍ عَمَلِيٍّ لِمَثَلِ الخَرُوفِ الضَّالِّ، الَّذِي يَرِدُ مُبَاشَرَةً قَبْلَ نَصِّنَا (رَاجِعْ مَتَّى 18: 12–14)، فِي حَيَاةِ الجَمَاعَةِ الكَنَسِيَّةِ وَفِي العَلَاقَاتِ المُتَبَادَلَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. فَكَمَا يَسْعَى الرَّاعِي إِلَى الخَرُوفِ الضَّالِّ لِيَسْتَعِيدَهُ إِلَى القَطِيعِ، هٰكَذَا يَدْعُو يَسُوعُ أَعْضَاءَ الجَمَاعَةِ إِلَى السَّعْيِ نَحْوَ الأَخِ الَّذِي أَخْطَأَ، لَا لِإِدَانَتِهِ أَوْ إِقْصَائِهِ، بَلْ لِاسْتِعَادَتِهِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَهُ وَإِعَادَتِهِ إِلَى شَرِكَةِ الجَمَاعَةِ. وَبِذٰلِكَ يُصْبِحُ الإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ تَجْسِيدًا عَمَلِيًّا لِإِرَادَةِ الآبِ الَّذِي "لَا يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ وَاحِدٌ مِنْ هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ" (مَتَّى 18: 14).
فَالإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ التَّوَاضُعِ، لأَنَّ مَنْ يُصْلِحُ أَخَاهُ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ ضَعْفَهُ أَوَّلًا، وَأَنْ يَقْتَرِبَ مِنَ الآخَرِ بِلُطْفٍ وَأَنَاةٍ، لِيُسَاعِدَهُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ طَرِيقِ الضَّلَالِ وَالخَطَإِ، وَلِيَرْبَحَهُ لِلمَسِيحِ وَلِلشَّرِكَةِ.
وَتَكْشِفُ مَرَاحِلُ الإِرْشَادِ الثَّلَاثُ — الإِرْشَادُ الفَرْدِيُّ، ثُمَّ الإِرْشَادُ بِحُضُورِ شُهُودٍ، ثُمَّ الإِرْشَادُ مَعَ الكَنِيسَةِ — عَنْ صَبْرِ اللهِ عَلَى الإِنْسَانِ وَعَنْ حِرْصِ الكَنِيسَةِ عَلَى أَلَّا تَفْقِدَ أَحَدًا مِنْ أَبْنَائِهَا. وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّدَرُّجُ أَنَّ الإِرْشَادَ الأَخَوِيَّ فِي الإِنْجِيلِ لَا يَنْطَلِقُ مِنَ العُقُوبَةِ، بَلْ مِنَ الصَّبْرِ وَالحِكْمَةِ وَاحْتِرَامِ الشَّخْصِ وَالإِصْرَارِ عَلَى المُصَالَحَة. فَكُلُّ خُطْوَةٍ تُعْطِي المُخْطِئَ فُرْصَةً جَدِيدَةً لِلرُّجُوعِ، وَكُلُّ تَوَسُّعٍ فِي دَائِرَةِ المُعَالَجَةِ لَا يَهْدِفُ إِلَى التَّشْهِيرِ بِهِ، بَلْ إِلَى زِيَادَةِ فُرَصِ خَلَاصِهِ. وَمِنْ هُنَا تَتَحَوَّلُ القَاعِدَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ إِلَى مَبْدَإٍ رُوحِيٍّ وَرَعَوِيٍّ دَائِمٍ: مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ لَا يَتَجَاهَلُ خَطَأَهُ، وَلَا يُشَهِّرُ بِهِ، بَلْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ بِالحَقِّ وَالمَحَبَّةِ لِيَرْبَحَهُ لِلمَسِيحِ وَلِلشَّرِكَةِ الكَنَسِيَّةِ. فَالغَايَةُ مِنْ كُلِّ إِرْشَادٍ لَيْسَتِ الِانْتِصَارَ عَلَى الأَخِ، بَلْ رِبْحَهُ وَإِعَادَتَهُ إِلَى الوَحْدَةِ وَالمُصَالَحَةِ.
وَلَا تَقْتَصِرُ كَلِمَاتُ يَسُوعَ الأَخِيرَةُ فِي هٰذَا النَّصِّ عَلَى الوَعْدِ بِحُضُورِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ تُقَامُ بِاسْمِهِ، بَلْ تُمَثِّلُ أَيْضًا تَشْجِيعًا لِكُلِّ مُحَاوَلَاتِ الإِرْشَادِ وَالمُصَالَحَةِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الإِخْوَةِ فِي حَضْنِ الكَنِيسَةِ. فَحَيْثُ يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ بِاسْمِ المَسِيحِ وَيَطْلُبُونَ مَشِيئَةَ الآبِ فِي المَحَبَّةِ وَالوَحْدَةِ، يَكُونُ المَسِيحُ حَاضِرًا فِي وَسَطِهِمْ.
وَمِنْ هُنَا تَسْتَمِدُّ الكَنِيسَةُ قُوَّتَهَا لَا مِنْ ذَاتِهَا، بَلْ مِنْ حُضُورِ المَسِيحِ الحَيِّ فِي وَسَطِهَا. وَهِيَ، إِذْ تَعْمَلُ بِاسْمِهِ، تُدْعَى إِلَى أَنْ تَكُونَ مَكَانًا لِلْحَقِّ وَالرَّحْمَةِ، وَلِلْإِرْشَادِ وَالمُصَالَحَةِ، وَلِاسْتِعَادَةِ كُلِّ أَخٍ ضَالٍّ إِلَى شَرِكَةِ جَسَدِ المَسِيحِ.
وَهٰكَذَا يَبْقَى المَبْدَأُ الإِنْجِيلِيُّ الحَاسِمُ فِي كُلِّ إِرْشَادٍ أَخَوِيٍّ: لَا نُصْلِحُ لِنُدِينَ، وَلَا نُوَاجِهُ لِنَنْتَقِمَ، بَلْ نَقْتَرِبُ بِالمَحَبَّةِ لِنَرْبَحَ الأَخَ وَنَحْفَظَ وَحْدَةَ الكَنِيسَةِ فِي المَسِيحِ.
دُعَاء
أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ تَسْتَجِيبُ طَلَبَ مَنْ يَتَّفِقُونَ فِي طَلَبِ أَيِّ شَيْءٍ بِاسْمِ ابْنِكَ الوَحِيدِ، أَعْطِنَا قَلْبًا مُحِبًّا وَرُوحًا حَكِيمًا، لِكَيْ نُرْشِدَ مَنْ تَاهَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ بِشَجَاعَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، فَنُسَاعِدَهُ عَلَى اكْتِشَافِ أَخْطَائِهِ وَإِصْلَاحِ نَقَائِصِهِ، فَيَعُودَ إِلَى شَرِكَةِ الإِخْوَةِ وَالصَّلَاةِ فِي الكَنِيسَةِ، فَلَا "يَهْلِكَ وَاحِدٌ مِنْ هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ"، بِحَسَبِ مَشِيئَتِكَ، أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ (مَتَّى 18: 14).
آمِينَ.
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: يُوحَنَّا الرَّسُولُ وَالشَّابُّ الضَّالُّ
يَرْوِي أُوسَابِيُوسُ القَيْصَرِيُّ، نَقْلًا عَنِ القِدِّيسِ إِكْلِيمَنْضُسَ الإِسْكَنْدَرِيِّ، قِصَّةً مُؤَثِّرَةً مِنْ حَيَاةِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الرَّسُولِ، تُجَسِّدُ بِصُورَةٍ رَائِعَةٍ رُوحَ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ الَّذِي يُعَلِّمُهُ يَسُوعُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (مَتَّى 18: 15–20).
فَبَعْدَ عَوْدَةِ يُوحَنَّا الرَّسُولِ مِنْ جَزِيرَةِ بَطْمُسَ، كَانَ يَزُورُ الكَنَائِسَ وَيُثَبِّتُ المُؤْمِنِينَ. وَفِي إِحْدَى المُدُنِ رَأَى شَابًّا قَوِيًّا، ذَكِيًّا، مُتَّقِدَ الحَمَاسَةِ، فَرَأَى فِيهِ اسْتِعْدَادًا لِحَيَاةٍ مَسِيحِيَّةٍ صَالِحَةٍ. فَسَلَّمَهُ إِلَى رِعَايَةِ أُسْقُفِ المَدِينَةِ، وَأَوْصَاهُ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ وَيُرَافِقَهُ فِي مَسِيرَةِ الإِيمَانِ.
اهْتَمَّ الأُسْقُفُ بِالشَّابِّ، وَعَلَّمَهُ وَأَرْشَدَهُ، حَتَّى قَبِلَ المَعْمُودِيَّةَ. وَلٰكِنَّ الشَّابَّ، بَعْدَ مُدَّةٍ، وَقَعَ تَحْتَ تَأْثِيرِ رِفْقَةٍ سَيِّئَةٍ، فَابْتَعَدَ تَدْرِيجِيًّا عَنِ الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، وَانْحَدَرَ إِلَى طَرِيقِ الجَرِيمَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ، بِحَسَبِ الرِّوَايَةِ، رَئِيسًا لِعِصَابَةٍ مِنَ اللُّصُوصِ.
وَمَضَتِ الأَيَّامُ، وَعَادَ يُوحَنَّا الرَّسُولُ إِلَى تِلْكَ المَدِينَةِ. فَسَأَلَ الأُسْقُفَ عَنِ الشَّابِّ الَّذِي كَانَ قَدْ عَهِدَ بِهِ إِلَيْهِ. فَأَجَابَهُ الأُسْقُفُ بِحُزْنٍ: "إِنَّهُ مَاتَ". فَسَأَلَ يُوحَنَّا: "وَأَيُّ مَوْتٍ؟"فَأَجَابَ: "مَاتَ عَنِ اللهِ"، ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَرَكَ طَرِيقَ الإِيمَانِ وَأَصْبَحَ رَئِيسًا لِلُّصُوصِ فِي الجِبَالِ.
لَمْ يَقُلْ يُوحَنَّا: "لَقَدِ اخْتَارَ طَرِيقَهُ، فَلْيَتَحَمَّلْ نَتِيجَةَ اخْتِيَارِهِ"، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَاعَ إِلَى الأَبَدِ. بَلْ طَلَبَ فَرَسًا وَدَلِيلًا، وَانْطَلَقَ بِنَفْسِهِ لِيَبْحَثَ عَنِ الشَّابِّ الضَّالِّ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ مَكَانِ العِصَابَةِ، أَمْسَكَ بِهِ الحُرَّاسُ وَاقْتَادُوهُ إِلَى رَئِيسِهِمْ. وَمَا إِنْ رَأَى الشَّابُّ يُوحَنَّا الرَّسُولَ حَتَّى غَلَبَهُ الخَجَلُ، فَأَخَذَ يَهْرُبُ مِنْهُ.
أَمَّا يُوحَنَّا، وَهُوَ الشَّيْخُ المُتَقَدِّمُ فِي السِّنِّ، فَأَخَذَ يَرْكُضُ وَرَاءَهُ وَيُنَادِيهِ بِمَحَبَّةٍ: "يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا تَهْرُبُ مِنِّي، أَنَا أَبُوكَ، شَيْخٌ أَعْزَلُ؟ ارْحَمْنِي يَا بُنَيَّ، وَلَا تَخَفْ! لَا يَزَالُ لَكَ رَجَاءٌ فِي الحَيَاةِ". وَأَكَّدَ لَهُ يُوحَنَّا أَنَّهُ مُسْتَعِدٌّ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ يَحْمِلَ عَنْهُ مَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ فَقَطْ أَنْ يَتَوَقَّفَ وَيَعُودَ إِلَى الرَّبِّ.
وَعِنْدَمَا سَمِعَ الشَّابُّ هٰذِهِ الكَلِمَاتِ، تَوَقَّفَ. ثُمَّ أَلْقَى سِلَاحَهُ، وَأَخَذَ يَبْكِي بِمَرَارَةٍ. وَعَادَ مَعَ يُوحَنَّا، وَدَخَلَ مِنْ جَدِيدٍ فِي مَسِيرَةِ التَّوْبَةِ. وَيَرْوِي التَّقْلِيدُ أَنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَتْرُكْهُ، بَلْ رَافَقَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالإِرْشَادِ حَتَّى اسْتَعَادَ حَيَاتَهُ فِي الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ.
وَهٰذِهِ القِصَّةُ تُجَسِّدُ بِصُورَةٍ حَيَّةٍ قَوْلَ المَسِيحِ: "فَإِذَا سَمِعَ لَكَ، فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ" (مَتَّى 18: 15). فَيُوحَنَّا لَمْ يَذْهَبْ لِيُدِينَ الشَّابَّ، بَلْ لِيَرْبَحَهُ؛ وَلَمْ يَذْهَبْ لِيُشَهِّرَ بِخَطِيئَتِهِ، بَلْ لِيَفْتَحَ أَمَامَهُ بَابَ الرَّجَاءِ؛ وَلَمْ يَرَ فِيهِ مُجْرِمًا فَقَطْ، بَلْ رَأَى فِيهِ أَخًا ضَالًّا لَا يَزَالُ اللهُ يُرِيدُ خَلَاصَهُ.
وَهُنَا تَكْمُنُ رِسَالَةُ الإِرْشَادِ الأَخَوِيِّ: المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَتْرُكُ الأَخَ فِي ضَلَالِهِ، وَلَا تُدِينُهُ مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ تَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَتَبْحَثُ عَنْهُ، وَتُذَكِّرُهُ بِأَنَّ بَابَ الرُّجُوعِ إِلَى اللهِ وَإِلَى شَرِكَةِ الكَنِيسَةِ يَبْقَى مَفْتُوحًا أَمَامَ التَّائِبِ. فَالإِرْشَادُ الأَخَوِيُّ لَيْسَ فَنَّ إِدَانَةِ الخَاطِئِ، بَلْ فَنُّ رِبْحِ الأَخِ.
(أوسابيوس القيصري، التاريخ الكنسي، الكتاب الثالث، الفصل 23، حيث ينقلها عن كتاب مَن هو الغني الذي يخلص؟ للقديس إكليمنضس الإسكندري).