موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٦ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

الأحد الذي قبل عيد الظهور الإلهي 2026

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
الأحد الذي قبل عيد الظهور الإلهي

الأحد الذي قبل عيد الظهور الإلهي

 

الرِّسَالة

 

خلّص يا ربُّ شعبك وبارك ميراثك 

إليك يا ربُّ أصرخ إلهي

 

 فصل من رسالة القديس بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس (4: 5-8) 

 

يا ولدي تيموثاوُسَ تيقَّظْ في كلِّ شيءٍ واحتمِلِ المشقَّاتَ واعمَلْ عملَ المبشِرِ وأوفِ خدمَتَك. أمّا أنا فقد أُريقَ السَّكيبُ عليَّ ووقتُ انحلالي قَدِ اقتَرب. وقد جاهدتُ الجِهادَ الحسَن وأتممتُ شَوطي وحفَظتُ الإيمان، وإنمَّا يبقى محفوظاً لي إكليلُ العدلِ الذي يجزيني بهِ في ذلكَ اليومِ الربُّ الديَّانُ العادل، لا إيّايَ فقط بل جميعَ الذينَ يُحبّونَ ظهورَه أيضاً. 

 

 

الإنجيل

 

فصل من بشارة القديس مرقس (1: 1-8)

 

بدءُ إنجيلِ يسوعَ المسيح ابنِ الله. كما هو مكتوبٌ في الأنبياءِ: هاءَنذا مُرسِلٌ ملاكي أمام وجهِك يُهيّئُ طريقَك قدَّامك صوتُ صارخٍ في البريَّة أعِدُّوا طريقَ الرب واجعَلوا سُبلهُ قويمةً. كان يوحنا يُعَمِّد في البريَّة ويكرِز بمعموديَّةِ التوبةِ لغفران الخطايا، وكان يخرجُ إليه جميعُ أهلِ بلد اليهودية وأوُرشليمَ فيعتمدون جميعُهم منهُ في نهرِ الأردُنِ معترفين بخطاياهم وكان يوحنّا يَلبس وَبرَ الإبلِ، وعلى حَقَوَيْهِ مِنطقةٌ من جلدٍ، ويأكلُ جراداً وعسلاً برّياً. وكان يكرِز قائلاً إنَّهُ يأتي بعدي من هو أقوى منّي وأنا لا أستحقُّ أن أنحنيَ وأحلَّ سَيْرَ حِذائِه. أنا عمَّدتُكم بالماءِ وأمَّا هو فيُعِّدُكم بالروح القدُس.

 

 

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين

 

إن يوم الأحد اليوم ليس مجرد يوم عادي في حياتنا أو في تقويم الكنيسة، بل هو وقفة في الزمن، ودعوة لمعرفة الذات والاستعداد. نحن على أعتاب عيد الظهور الإلهي، العيد الذي تنفتح فيه السماء ويكشف الله عن ذاته للعالم. ولكن قبل أن يتجلى المسيح في مياه نهر الأردن، يسبقه صوت يوحنا المعمدان، الذي يعبر القرون ويصل إلى كل قلب اليوم، داعيًا إيانا إلى تهيئة طريق نفوسنا. لا يعظ يوحنا المعمدان بكلمات سهلة ولا يقدم عزاءً سطحيًا، بل يؤكد على الحق. رسالته الأساسية هي التوبة. والتوبة ليست مجرد ندم على أخطاء الماضي، بل هي تغيير عميق في العقلية، وتغيير في التوجه وأسلوب الحياة. إنها قرار الإنسان بالتوقف عن الدوران حول ذاته والبدء في العيش والله محور حياته.

 

بدء إنجيل البشير مرقس بمسيرة مجيء يسوع وعمادته من يوحنا المعمدان سابقه وأخر الأنبياء. مع هذه الكلمات من المقطع الإنجيلي والمختص بالأحد الذي قبل عيد الظهور الإلهي (والمعروف لدى العامة بعيد الغطاس) هي بداية الأحداث التي تؤثر ببشرى الخلاص بيسوع المسيح، ابن الله، كان تمهيداً للكرازة من يوحنا المعمدان.

 

نهاية العهد القديم وبداية العهد الجديد، يستشهد البشير مرقس بنبؤتين الأولى من ملاخي: "هاءنذا مرسل ملاكي أمام وجهك في طريقك قدامك". والثانية من أشعياء: "صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة". يسمي يوحنا بالملاك لأنه من خلال حياته بشر وكرز ومهد طريق المسيح. وقد اعتادت الكنيسة أن تصور القديس يوحنا المعمدان بجناحين كملاك الرب.

 

القديس والبشير مرقس هو الإنجيلي الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان "إنجيل" ناسبًا إياه ليسوع المسيح ابن الله. وكأن ما يقدمه في هذا السفر ليس مجرد عرض لأحداث قد تمت، إنما هو بشارة مفرحة لكل نفس تلتقي بيسوع بكونه "المخلص"، وهو المسيح، إذ مسحه الآب بروحه القدوس لتتميم عمل الفداء وإعلان محبة الثالوث القدوس العملية خلال الصليب. والعجيب أن السفر يبدأ بإعلان بنوة السيد المسيح للآب في افتتاحيته، ويختتم بدعوة السيد المسيح لتلاميذه أن يكرزوا للأمم ويعمدهم، وفيما هو يحدثهم يرتفع إلى السماوات، كما إلى حضن أبيه. بمعنى آخر يفتتح السفر ببنوة السيد للآب، ويختتمه بدعوتنا للبنوة للآب من خلال الإيمان به ومياه المعمودية المقدسة.

 

لذلك يدعو المُبشِّر الناس إلى إظهار "ثمارٍ تليق بالتوبة". فالتدين الشكلي وحده لا يكفي. المسيح يطلب الأعمال. يطلب سلوكًا مُتغيرًا، وضميرًا مُستنيرًا، وحياةً تُجسِّد حضوره. الإيمان لا يُثبت بالكلمات، بل بالطريقة التي نغفر بها، ونصبر، ونُحب، ونقف بها أمام إخواننا.

 

الرسالة الأساسية ليوم الأنوار هي أن المسيح لم يأتِ ليُعلن تاريخيًا في نهر الأردن فحسب، بل يريد أن يُعلن في قلب كل إنسان. لكنه لا يفرض نفسه. لا يقتحم. إنه ينتظر. وينتظر طريقًا واضحًا، بلا عقبات، بلا أحجار الخطيئة، وبلا جدران الأنانية.

 

كم مرة نقول إننا نريد المسيح في حياتنا، لكننا في الواقع نُبقي أبواب قلوبنا مُغلقة. كم مرة نسأل الله السلام، لكننا لا نتخلى عن الأهواء التي تُزعجنا. كم مرة نُصلي من أجل النور، لكننا نستمر في العيش في ظلال عاداتنا. الأحد الذي يسبق عيد الغطاس هو أحدٌ للمسؤولية. الله يُهيئ نفسه ليُعلن ذاته، والسؤال هو: هل نحن مستعدون لاستقباله؟

 

يُرشدنا المُبشّر إلى الطريق. لتقويم مسارات نفوسنا. لإصلاح علاقاتنا. للتصالح مع من أسأنا إليهم. لطلب المغفرة. للتخلي عن الكبرياء. لتطهير القلب من الكراهية والحسد والإدانة. للعودة إلى الصمت والصلاة. كل خطيئة تُصبح عقبة في طريق الخلاص. كل شهوة تُشيّد جدارًا. والمسيح ينتظرنا لنُزيل هذه العقبات لنعبر.

 

نهر الأردن ليس مجرد نهر تاريخي ومكان، بل هو صورة لأرواحنا. فكما ينزل المسيح إلى مياهه ليطهرها، كذلك يريد أن ينزل إلى قلوبنا لينيرها. لكن التطهير يسبق النور، والتوبة تسبق النعمة، والتواضع يفتح أبواب السماء. الكنيسة، كأم، بحكمتها، تُهيئنا اليوم. إنها لا تدعونا بعد إلى الاحتفالات، بل تدعونا إلى الصمت الداخلي، وإلى النقد الذاتي، وإلى قرار مصيري. عيد الظهور الإلهي ليس مجرد احتفال عظيم، بل هو دعوة إلى ولادة جديدة وفرصة لبدء حياتنا من جديد.

 

يُقدم لنا أحد اليوم رسالتين عظيمتين: الأولى هي أنه بدون التوبة لا يوجد لقاء حقيقي مع المسيح. الله يمر في حياتنا، لكن طريق القلب النقي وحده هو الذي يقوده إلينا. والثانية هي أن المسيح لا يظهر فقط في نهر الأردن، بل يريد أن يظهر فينا أيضًا. عيد الظهور الإلهي ليس ذكرى بل هو تجربة حياة.

 

فلنسر إذن نحو عيد الأنوار بقلب طاهر وضمير مستنير ونفس مستعدة لاستقبال المسيح، حتى إذا سمعنا "في الأردن تعمّدت يا رب"، نستطيع نحن أيضاً أن نقول في أنفسنا: يا رب، ادخل حياتي أيضاً.

 

 

الطروباريات

 

طروباريَّة القيامَة باللَّحن السَّابِع

حَطَمْتَ بِصَلِيبِكَ الموتَ وفَتَحْتَ لِلِّصِّ الفِرْدَوُس، وحَوَّلْتَ نَوْحَ حَامِلَاتِ الطِّيبِ، وأَمَرْتَ رُسُلَكَ أَنْ يَكْرِزُوا بِأَنَّكَ قَدْ قُمْتَ أَيُّهَا المسيحُ الإله، مَانِحًا العَالَمَ الرَّحْمَةَ العُظْمَى.

 

قنداق تقدمة الظّهور باللّحن الرّابع

اليوم حضر الربّ في مجاري الأردن، هاتفاً نحو يوحنّا وقائلاً: لا تجزع من تعميدي، لأنّي أتيتُ لأخلص آدم المجبول أوّلاً.