موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الرِّسَالة
لِتَكُن يا ربُّ رحمَتُكَ عَلَينا
ابتهِجوا أيُّها الصدّيقونَ بالربّ
فصل من رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس (4: 7-13)
يا إخوة، لكلِّ واحدٍ منّا أُعطيَتِ النعمةُ على مقدارِ موهبةِ المسيح. فلذلك يقول: لمّا صعد إلى العُلى سبى سبيًا وأعطى الناسَ عطايا. فكونُهُ صعد هل هو إلاّ أنّه نزل أوّلاً إلى أسافل الأرض. فذاك الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق السماوات كلِّها ليملأ كلّ شيء. وهو قد أعطى أن يكونَ البعضُ رُسُلاً والبعضُ أنبياءَ والبعضُ مبشِّرين والبعضُ رُعاةً ومعلِّمين. لأجلِ تكميل القدّيسين ولعَمَلِ الخدمة وبُنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعُنا إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسانٍ كاملٍ، إلى مقدار قامةِ مِلءِ المسيح.
الإنجيل
فصل من بشارة القديس متى (4: 12-17)
في ذلك الزمان، لمّا سمع يسوع أنّ يوحنا قد أُسلم انصرف إلى الجليل، وترك الناصرة، وجاء فسكن في كفرناحوم التي على شاطئ البحر في تخوم زبولون ونفتاليم، ليتمّ ما قيل بإشعياء النبي القائل: أرض زبولون وأرض نفتاليم، طريق البحر، عَبرُ الأردن، جليلُ الأمم. الشعبُ الجالسُ في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. ومنذئذ ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.
بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين
بعد معمودية مخلصنا يسوع المسيح، التي احتفلنا بها قبل أيام، قاده الروح القدس، كإنسان إلى البرية ليُجرَّب من إبليس، وبعد أن غلبه هناك، وسمع أن هيرودس قد ألقى القبض على يوحنا المعمدان، غادر اليهودية وذهب إلى الجليل. سكن في كفرناحوم على حدود المناطق التي تسكنها قبيلتا زبولون ونفتالي، وهناك بدأ تبشيره قائلاً ما قاله يوحنا أيضاً: «توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات»، مُظهِراً بذلك أن السابق كان يقوده إليه. ولكن دعونا نتأمل قليلاً في هذه الكلمات، التي تُشكِّل جوهر التبشير، سواءً من يوحنا المعمدان أو من الرب.
يقدّم لنا أحد اليوم بداية حياة الرب العلنية، ويكشف لنا الرسالة الأولى والأساسية للإنجيل. فبعد أن تعمّد يسوع المسيح في نهر الأردن، ونال شهادة الآب السماوية، انصرف لفترة إلى جليل الأمم، حيث كان الظلام الروحي حالكًا، وكان الناس يعيشون بعيدًا عن نور الحق. ومن هناك، من مكان متواضع ومُحتقر، لا من القصور ومراكز السلطة، بدأت الكلمة تُسمع، فغيّرت مجرى التاريخ وكشفت عن إرادة الله الخلاصية للعالم: توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات.
يُبيّن لنا الإنجيلي القدّيس أن الرب بدأ عمله الخلاصي حيث كان الظلام حالكًا؛ في الجليل، حيث عاش الإنسان حائرًا، تائهًا، مختلطًا بالأمم والطوائف الأجنبية. ومع ذلك، هناك تحديدًا أشرق نور المسيح لأول مرة، كما تنبأ النبي إشعياء: «الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا» (إشعياء 9: 2). المسيح هو هذا النور. شمس الحق، التي تبدد ظلام الضلال، تنير العالم وتدفئ قلب الإنسان المتجمد.
ليس من قبيل المصادفة أن أول كلمة ينطق بها الرب في موعظته العلنية ليست "المحبة" أو "الصلاة"، بل "التوبة". فبدون التوبة، لا يمكن لأي وصية أن تترسخ في النفس. التوبة هي البوابة التي يدخل منها الإنسان إلى حياة الله الجديدة. يشرح القديس يوحنا فم الذهب أن المسيح بدأ بالتوبة، حتى إذا بزغ الفجر، يتطهر أفق النفس أولًا، ثم ينكشف نور النعمة ما دام دخان الأهواء يملأ عالمنا الداخلي، يبقى النور الإلهي خفيًا.
ولكن ما معنى "التوبة" حقًا؟ إنها لا تعني مجرد حزن عاطفي، ولا ذنبًا يُبقي الإنسان أسير الماضي. التوبة تعني تغييرًا في الفكر والمسار؛ انقلابًا في الحياة. لا يبقى التائب على ما كان عليه، بل يتقدم نحو ما يمكن أن يصبح عليه في المسيح. يعلّم القديس غريغوريوس بالاماس المبجل أن "التوبة هي قرار تحويل العقل من أرضي إلى إلهي، وتحويل الإنسان من نفسه إلى المسيح".
لذلك، فإن التوبة ليست حدثًا عابرًا بل هي مسيرة مستمرة ورحلة يومية نحو قيامة الروح.
وعندما يضيف الرب عبارة "قد اقترب ملكوت السماوات"، يكشف لنا سرًا أعمق. فملكوت الله ليس مكانًا جغرافيًا، ولا حالة مستقبلية غامضة؛ بل هو حضور. حيثما يكون المسيح، يكون الملكوت أيضًا. ويشير باسيليوس الكبير إلى أن "ملكوت الله هو عندما يسود الله فينا" عندما يتطهر القلب بالتوبة، وعندما يفتح الإنسان نفسه للنعمة، حينها يستقر المسيح فيه، وهناك يبدأ الملكوت الحقيقي، لا كوعد بمستقبل بعيد، بل كتجربة حاضرة. لا يبشر الرب بشريعة جامدة، ولا يفرض عبئًا ثقيلًا. إنه يدعونا إلى علاقة. كلمته كلمة محبة. لا يقول "توبوا لتخلصوا"، بل "توبوا، لأني الآن قريب منكم". كما يؤكد القديس يوحنا فم الذهب المُلهم، "لم نكن أول من ذهب إلى الله، بل هو الذي أتى إلينا. إذن، التوبة ليست نابعة من الخوف، بل هي استجابة للمحبة التي سبقتنا.
الجليل حيث انطلقت هذه الدعوة لأول مرة، هو أيضاً جليل كل واحد منا. جميعنا نحمل في داخلنا مناطق مظلمة، ونقاطاً مجهولة، ولكن أيضاً أماكن مفتوحة للنور. والمسيح لا يأتي إلى كمالنا، بل إلى ضعفنا؛ إلى صحراء الروح، ليفتح لنا طريق الخلاص. يذكرنا الرسول بولس أنه "حيث كثرت الخطيئة، ازدادت النعمة" (رومية 5: 20). كلما ازداد الظلام عمقاً، ازداد تدخل الله سطوعاً. عبارة "قد جاء الملكوت" تُعلن أن الخلاص ليس مؤجلاً. المسيح يمس التاريخ، ويمس حياتنا الشخصية، ويمس قلوبنا. اللقاء مع الله ليس وعداً بعيداً بل هو إمكانية حاضرة. عندما يفتح الإنسان قلبه ولو قليلاً، يلمسه الله؛ وعندما يلمسه الله، يتغير العالم كله في داخله.
إن زماننا هذا يُشبه مرة أخرى جليل الأمم. حيرة وخوف وابتعاد عن المقدس وعن الملكوت الحق. ومع ذلك، يُكرر الرب نداء الخلاص نفسه: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات". فلنفتح قلوبنا لهذا النور. ولنعد بتواضع، لا لنُبرَّر، بل لنستنير. ولنسمح للمسيح أن يملك فينا، لا كقاضٍ، بل كأبٍ وصديق.
وحينها يا إخوتي سندرك أن ملكوت السماوات ليس ببعيد. إنه هنا حين يتطهر القلب، وحين ينتصر الحب، وحين تفتح التوبة طريق الرحمة. حيث يملك المسيح فينا، هناك يكون ملكوت السماوات قد اقترب.
«توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات»؛ أي توبوا لأن ملكوت السماوات قد اقترب. بعبارة أخرى، لقد أتى ملكوت الله، والموقف الذي يجب أن نتخذه تجاهه لنناله هو موقف التوبة.
ما هي مملكة الملك الدنيوي الأرضي؟ إنها القوة والسلطة التي يمتلكها، والتي يُفعّلها عند الحاجة. كذلك هي مملكة الله، قوة الله وطاقته، والتي تُمنح كعطية، ولذا تُعرف عادةً بنعمة الله. إنها نعمة المسيح، المسيح نفسه.
وما هي التوبة؟ كلمة "بعد"، كمكون أول في هذه الكلمة، تحمل معنى التغيير. فكما أن قولنا "نقل" أو "إزاحة" يعني تغييرًا في الموضع أو المكان، كذلك التوبة هي تغيير في الفكر، تغيير في العقلية، تغيير في طريقة التفكير والحياة.
الطروباريات
طروباريَّة القيامة باللَّحن الثَّامِن
إنحدَرْتَ من العُلُوِّ يا مُتَحَنِّن، وقَبِلْتَ الدَّفْنَ ذا الثَّلاثَةِ الأيَّام لكي تُعتِقَنَا من الآلام. فيا حياتَنا وقيامَتَنَا، يا رَبُّ المجدُ لك.
طروباريّة الظّهور باللّحن الأول
باعتمادك يا ربّ في نهرِ الأردن ظهرت السجدةُ للثالوث، لأنّ صوتَ الآب تقدّمَ لكَ بالشهادة، مسميّاً إياكَ ابناً محبوباً، والروح بهيئة حمامة يؤيّدُ حقيقةَ الكلمة. فيا مَن ظهرتَ وأنرتَ العالم، أيّها المسيح الإله المجد لك.
قنداق الظّهور باللّحن الرّابع
اليومَ ظهرتَ للمسكونة يا ربّ، ونورُكَ قد ارتسمَ علينا نحن الذين نسبِّحُكَ بمعرفةٍ قائلين: لقد أتيتَ وظهرتَ أيُّها النورُ الذي لا يُدنى منه.