موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٤ مايو / أيار ٢٠٢٦

إلهيٌّ بحق: الرؤى الخارقة لدى فرانسيسكو دي زورباران

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
الرسام زورباران واقفًا عند الصليب

الرسام زورباران واقفًا عند الصليب

 

على خلفية سوداء حالكة، يلوح الجسد المصلوب شاحبًا متلألئًا. يكاد اللون يغيب تمامًا، سوى خيط الدم الذي يسيل من قدمي المسيح حيث دُقَت المسامير في جسده. رأسه منحنٍ، وملامحه المصوغة بعناية تغمرها سكينة غريبة (لا أثر لعذابٍ هنا). لكن أكثر ما يلفت الانتباه في الصورة هو بحق قطعة القماش التي تغطي عورته؛ إذ تتثنّى وتتجعّد وتتكتّل حول خصره، حتى ليخيّل إليك أنك تستطيع أن تمرّر يديك عليها، فتلمس حجم الكتّان وملمسه.

 

في موطنها الأصلي، دير سان بابلو إل ريال في إشبيلية، عُرضت اللوحة في «ضوء خافت»، بحسب ما يروي الفنان والكاتب الإسباني في القرن السابع عشر أنطونيو بالومينو. «كل من يراها، وإن لم يكن يعرفها، يظنها تمثالًا». لا بد أن شحوب الجسد والنسيج كانا يبرزان من العتمة كأنهما رؤيا.

 

يُعد فرانسيسكو دي زورباران، الذي رسم هذا المسيح المصلوب وحيدًا، أحد ثلاثة فنانين إسبان من القرن السابع عشر. غير أنه، بخلاف معاصريه فيلاسكيز وموريلو، لم يحظَ يومًا بمعرضٍ خاص في المملكة المتحدة حتى الآن، حيث تُشكّل أعماله أساس معرض كبير سيُفتَتح قريبًا في المعرض الوطني بلندن. وبالمقارنة مع معاصره وصديقه فيلاسكيز (المولود عام 1599، بعد عامٍ من ولادة زورباران)  تبدو أعمال زورباران ساكنة، هادئة، كأنها خارجة عن الزمن. ويظهر هذا التباين جليًا في الأعمال التي خُلّد بها الانتصار العسكري الإسباني، والتي كُلّف كل منهما برسمها لقصر الملك فيليب الرابع الجديد، قصر بوين ريتيرو، وهي محفوظة اليوم في متحف البرادو.

 

تحمل لوحة زورباران «الدفاع عن قادس ضد الإنجليز» طابع الإفريز (النقوش البارزة)، حيث يقف القادة الإسبان مطلّين بهدوء على المعركة البحرية في الأسفل. أما لوحة فيلاسكيز «استسلام بريدا» فهي دراما خالصة، لقاء حيّ يلتقط اللحظة في انسيابها السريع.

 

إن مهارة زورباران مختلفة: فهو فنان الرؤية الداخلية، وفنان التأمل والتفكّر. الزمن عنده لا يفرّ، بل يقف. في أعماله مفارقة تُثير التساؤل عمّا نراه حقًا: فهو يجعل اللامادي يبدو صلبًا ملموسًا، كما أنه، في أحيان كثيرة، يصوّر مستويين من الواقع في آن واحد.

 

خذ مثلًا إحدى أولى لوحات المعرض الوطني: «ظهور القديس بطرس للقديس نولاسكو»، مؤسس الرهبنة المرسيدارية، التي كانت مهمتها افتداء المسيحيين الأسرى لدى المسلمين خلال صراعات البحر الأبيض المتوسط. (وقد كانت هذه اللوحة واحدة من نحو أربع وعشرين لوحة طُلبت عام 1629، في بدايات مسيرة زورباران، لدير ميرسيد كالثادا في إشبيلية، الذي أصبح اليوم متحف الفنون الجميلة في المدينة).

 

ظهور القديس بطرس للقديس نولاسكو مصلوبًا ومعلقًا

يقف القديس بطرس نولاسكو إلى اليمين مرتديًا ثوبًا أبيض، ويرى القديس بطرس -مصلوبًا مقلوبًا- معلقًا على خلفية من سحب صفراء باهتة. غير أن نولاسكو نفسه لا يبدو منتميًا تمامًا إلى عالم الواقع. لسنا «معه» في مكان محدد (فالخلفية المعتمة مجردة بالكامل). كأن اللوحة تقدّم انكسارًا مزدوجًا للواقع، أو رؤيا تتأمل ذاتها.

 

وكان لهذا الأسلوب أسباب لاهوتية وجيهة في ذلك العصر؛ فبعد مجمع ترنت، الذي رسم ملامح الإصلاح المضاد، أُنيط بالفن الديني هدف مباشر وواضح: تحريك قلب المشاهد نحو التقوى. وباستثناء الفترة القصيرة التي قضاها زورباران في مدريد في منتصف ثلاثينيات القرن السابع عشر، حيث عمل للبلاط، فقد تمحورت مسيرته في إشبيلية، وكان زبائنه في الغالب المؤسسات الدينية في المدينة ومحيطها.

 

وكانت إشبيلية آنذاك مدينة مزدهرة ازدهارًا هائلًا؛ فمنذ عام 1503 احتكرت التجارة مع المستعمرات الإسبانية في الأمريكيتين، وهو وضع استفاد منه زورباران، إذ أرسل أكثر من مائة لوحة إلى ليما وبوينس آيرس وغيرها. وقد رسم أيضًا مشاهد دنيوية للوحة «بوين ريتيرو» لفيليب، منها معاركه البحرية في قادس، وسلسلة من عشر لوحات لهرقل في أعماله البطولية، فضلًا عن رأس ضخم لرجل يثير الدهشة حين يُرى عبر تسلسل غرف المعرض الوطني. لكن تميّزه الأسمى كان في تصوير الإلهي والروحي.

 

وأحيانًا كانت هذه التكليفات على نطاق مهيب يتطلب ورشة عمل نشطة، كما في أربعٍ وعشرين لوحة لدير ميرسيد كالثادا، أو لوحة المذبح الضخم التي يبلغ طولها 15 مترًا وعرضها 10 أمتار لدير الكرثوسيين نوسترا سينيورا «سيدة الدفاع» قرب خيريث دي لا فرونتيرا. وقد غادر آخر الرهبان المكان حديثًا، وأصبح بالإمكان زيارته، حيث يمتزج الحجر الذهبي بواجهة باروكية أُضيفت إلى مبنى عصر النهضة في القرن الخامس عشر. غير أنك، داخل الكنيسة، تحتاج إلى تخيّل القوة الكاملة لمذبح زورباران، إذ كانت لوحاته موزعة بين تماثيل مذهبة – قبل أن تتشتت هذه الأعمال وتباع، شأن كثير من مقتنيات الكنائس الإسبانية، إثر الحروب النابليونية وحلّ الأديرة عام 1835.

 

وقد اختلف الباحثون حول التصميم الأصلي للوحة المذبح. أما إعادة البناء التي يقترحها المعرض الوطني فتضع صورة العذراء المتوّجة في المركز، تحف بها لوحتا «سجود المجوس» و«الختان». وإذا صحّ هذا التصوّر، فسيكون ذلك أول اجتماع لهذه الأعمال منذ حلّ الأديرة.

 

ومن الضخامة إلى الحميمية الهادئة: ليست أعظم أعمال زورباران تلك المشاهد الحافلة بالقديسين والقصص الكتابية، بل لوحاته الصغيرة للطبيعة الصامتة، التي تُعدّ أروع ما أنجز. فقد كان رسامًا استثنائيًا لملمس الأشياء ووزنها. ففي عمل محفوظ بمتحف الفنون الجميلة في إشبيلية –وليس ضمن معرض لندن– تصوير لزيارة القديس هوغو لمؤسسي الرهبنة الكرثوسية، حيث لا تكمن الإثارة في معجزة تحوّل اللحم إلى رماد، ولا حتى في وجوه الرهبان المتقشفة، بل في ملمس لفائف الخبز الرائعة، ونعومة القوارير الخزفية الزرقاء والبيضاء التي تصبح خشنة غير مزججة عند قاعدتها.

 

أما ابنه خوان، الذي توفي في الوباء الكارثي عام 1649، ذلك الوباء الذي أفقد إشبيلية نصف سكانها وازدهارها، فقد رسم طبيعة صامتة أكثر امتلاءً وثراءً، مفعمة بالزنابق والقطيفة والياسمين والإجاص والليمون، على خلاف أعمال والده التي تحتفظ فيها كل قطعة بمساحتها الخاصة واستقلالها. وكما في رؤاه الإلهية، تتلألأ صفوف الأواني والمزهريات التي رسمها في أواخر حياته، نحو عام 1650، على خلفيات جنائزية قائمة.

 

وفي عمل أقدم يعود إلى عام 1633، نرى طبقًا من الأترج يعكس لونًا ذهبيًا على صحن فضي؛ وسلّة من البرتقال تتدلى منها أوراق وأزهار (وهو تصوير دقيق، إذ تزهر شجرة البرتقال وتثمر في آن واحد)؛ وكأس ماء موضوعة في صحن فضي تعلو حافة وردة. ويمكن قراءة هذه الثمار والزهور كرموز للإلهي. غير أن هذه الأعمال، كما في رؤى زورباران، تدعوك إلى وهم رؤية أشياء ملموسة، أشياء تشتهي أن تمرّر أصابعك على سطوحها، وفي الوقت ذاته تفتح بابًا على عالم آخر، عالم يدعو إلى التأمل في ما هو فوق طبيعي.

 

وتبلغ هذه الازدواجية – بين ما يُرى وما يُتجاوز – ذروتها في آخر عمل في المعرض. فهو صغير الحجم، وقد يمرّ به الزائر سريعًا ظانًا إياه مجرد مشهد آخر للصلب، مع شخصية تصلي في المقدمة. لكن عند التمعّن، يتضح أن هذه الشخصية الواقفة أمام المسيح –على خلفية قاتمة أخرى– هي رسام. في يده اليسرى فرشاة ولوحة ألوان تكاد تكفي لرسم بشرته وثوبه؛ أما يده اليمنى فموضوعة على صدره، ووجهه المتورد يتطلع إلى مخلّصه بخشوع – في حين أن جسد المسيح، على النقيض، رماديّ اللون، وقد فارقته الحياة.

 

فمن يكون هذا الرسام الواقف عند أقدام الصليب؟ كثيرًا ما جرى التعرف عليه على أنه القديس لوقا، شفيع الفنانين. غير أنه من الصعب مقاومة فكرة أنه، على نحو ما، زورباران نفسه. إذ يستحيل النظر إلى هذه اللوحة دون التفكير في فعل الرسم ذاته: الرسم بوصفه عبادة، ودهشة، وصلاة؛ الرسم وسيلة لرؤية الإلهي؛ وطريقًا لنقل رؤى تتأرجح بين الواقع واللاواقع، بين الوهم والمحسوس.

 

 

المقالة مترجمة عن صحيفة «الغارديان»