موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٣٠ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

"إضطراب أم تشجيع الـLEV؟" بين كاتبي سفر المزامير والإنجيل الرابع

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة فيما بين العَهدَّين (مز 32؛ يو 14: 1- 14)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة فيما بين العَهدَّين (مز 32؛ يو 14: 1- 14)

 

الأحد الـخامس من زّمن القيامة (أ)

 

الـمُقدّمة

 

نتناول في مقالنا الفصحيّ عنوانًا في شكل تساؤل وهو: "إضطراب أم تشجيع الــــ LEV؟" الـــــ LEV أي القلب من اللقعى العبريّة. يعني القلب في الفكر اليهوديّ كما سنحلله بحسب قرأتنا للـمزمور الـ 32 بالعهد القديم كمركز الـمشاعر والحبّ الّذي يبثّ طمأنينة ومنه ينبع إيمان الإنسان الحقيقي بالرّبّ ويقود إختياراته وتوجهاته. بخلاف الفكر اليوناني الّذي يرتكز على الفكر كمركز الإنسان ويكون بمثابة البوصلة الّتي تساعد الإنسان ليختار ويقرر ما يعيشه. لذا دعوة كاتب الـمزمور هي أنّ يتحلّى كلّا منا كـمؤمنين بالرّبّ بتشديد قلوبنا وسنتعرف على السبب لاحقًا. وعلى النقيض يسوع بحسب اللّاهوت اليوحنّاويّ (14: 1- 14) نقرأ كلماته بالنفي قائلاً: "لا تضطرب قلوبكم". لذا يأتي محور مقالنا للبحث عن إجابة هل ندرك متى تضطرب قلوبنا كـمؤمنين ومتى يتقوى ويتحلى بالسّلام؟ نهدف من هذا الـمقال بالتعرف على سبب أو أسباب إضطراب قلوبنا ومتى تنعم بالطمأنينة بالرغم من التحديات اليوميّة.

 

 

1. طمأنينة القلب (مز 32 "31")

 

يبدأ كاتب الـمزمور في رفع قلبه للرّبّ من خلال إعلان إعتصامه بالرّبّ قائلاً: «بِكِ اْعتصَمت يا رَب فلا أَخز لِلأبَد بِبِرَكَ نَجَني [...] كنْ لي صَخرَةَ حِصْنٍ وبَيْتًا مَنيعًا لِخلاصي» (مز 32: 2- 3). يتضرع الكاتب بأنّ يكون الرّبّ ذاته هو بيته الـمنبع ليتحقق خلاصه. يستمر الـمُتعبد الّذي يتحلي بطمأنينة القلب، رافعًا قلبه وفكره للرّبّ، بإعلان عظمة الله وفي ذات الوقت إدراكه بضعفه وبأصغريته. وفي وقت عوزه ومعونته يعلن إيمانه بالرّبّ بل ويعترف بأنّ ساعات عمره تخص فقط الرّبّ قائلاً: «أَمَّا أَنا فعَلَيكَ تَوكَّلتُ يا رَبِّ قُلتُ: "إِنَّكَ أَنتَ الهيفي يَدِكَ ساعات عُمْري [...] أَنِرْ بِوَجهِكَ على عَبدِكَ وخَلَصْني بِرَحمَتِكَ» (مز 32: 15- 17). ثم يختتم الـمُرنم بالدعوة بثبات القلب وبالتشجيع للعالم الباطني لكل مؤمن بالرّبّ والسبب هو أنّ الرّبّ سمع صراخه قائلاً: «لَكِنَكَ سَمِعتَ صَوتَ تَضَرّعي عِندَما إِلَيكَ صَرَختُ [...] تَشَدَّدوا ولتتَشَجع قُلوبُكم يا جَميعَ الَّذينَ يَرْجونَ الرَّب» (مز 32: 23- 25). والآن يحمل الـمُرنم رسالة رجاء وهي تشجيع القلب وتشديده خاصة وقت الإضطراب. وهذا ما سيتعمق فيه يسوع في خطابه الوداعي بحسب اللّاهوت اليوحنّاويّ.

 

 

2. "إضطراب أم تشجيع الـــــ LEV؟" (يو 14: 1-  4)

 

بناء على ما أشرنا إليه من كلمات كاتب الـمزمور الـ 32 الّذي يدعونا بتشجيع القلب - الـــــ LEV" يتوازى نص العهد الجديد بحسب يوحنّا (14: 1- 14) مع ذات الفكر. ففيما أشرنا إليه من تشديد وتشجيع القلب يتكرر ولكن بالنفي على لسان يسوع بحسب يوحنّا. حيث يفتتح الإنجيلي هذا النص بكلمات يسوع اليهودي الديانة، من خلال خطاب الوداع الّذي يستمر معنا للـمقال القادم، بقول يوحي بالطمأنينة، بالرغم من النفي الـمُستخدم بالآية الأوّلى، وبالرغم من صعوبة الـموقف والكلمات الّتي تحوي خطاب يسوع قائلاً: «لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم. إنَّكم تُؤمِنونَ بِاللهِ فآمِنوا بي أَيضًا» (يو 14: 1). في الواقع، إضطرابنا الباطنيّ يأتي من عدم إيماننا حيث نشعر بهشاشة باطنيّة، لذا يوجهنا يسوع، في هذا الوقت بالتحديد، بالتحلي بالإيمان بل يضعه في قلوبنا كسلاح لنحارب أوقات إضطرباتنا الباطنيّة. يرويّ، هذا الـمقطع من الإنجيل، لحظة وداع يسوع لتّلاميذه الّذي يُمثلوننا اليّوم. للتو، وبحسب السرد اليوحنّاويّ، انتهى عشاء يسوع الأخير معنا وبعد أنّ غسل أرجلنا (راج يو 13: 1ت)، حان الوقت ليقول يسوع كلّ ما هو جوهريّ لنا نحن أحبائه، في الوقت الّذي تطفو فيه أعمق مخاوفنا على السطح، وقت إضطرابنا، وهو الوقت الّذي لا يمكننا السيطرة عليه. أوّل هذه الـمخاوف هي خوفنا من الوحدة، فنحن بحاجة إلى الطمأنينة لذا تأتي كلمات يسوع قبل أنّ يعلن كلماته بعمقها ليهيئنا بإستعادة السّلام الباطنيّ وعدم الإستسلام للإضطراب الّذي يُشكل خطر بنزع طمأنينة القلب. هذه الكلمات هي بمثابة الرمز الّذي يُسلمه يسوع كما بالعالم القديم، كان من الـمُعتاد بتقسيم شيئا ما إلى نصفين يُطلق عليه syn-ballo، حيث يحتفظ كلا الشخصيّن الـمُمثلين طرفين بذات العلاقة بنصف هذا الشئ، إلى أنّ يلتقيا مُجددًا ليكملا هذا الشئ الّذي يتكون من شكل ما رمزي. وها هنا يقتسم معنا يسوع أثمن ما لديّه. لعلّ يسوع، لعلمه باِضطرابنا، لم يترك لنا جزءًا لنحفظه، بل ترك لنا ذاته كاملة، تاركًا لنا رمزي الخبز والخمر اللّذين نستطيع من خلالهما إدراك حضوره الحقيقي، جسده ودمه. في العشاء الأخير، سلّمنا يسوع ذاته ليكون حاضراً إلى الأبد، تحديدًا في الوقت الّذي نخشي كتّلاميذ فقدانه. ففي هذه الوقت بالتحديد تأتي كلمات يسوع مطمئنة لقلوبنا قائلاً: «إِذا ذَهَبتُ وأَعددتُ لَكُم مُقاماً أَرجعُ فآخُذُكم إِلَيَّ لِتَكونوا أَنتُم أَيضاً حَيثُ أَنا أَكون. أَنتُم تَعرِفونَ الطَّريقَ إِلى حَيثُ أَنا ذاهِب» (يو 14: 3- 4). إنّها كلمات من رأى الخوف والإضطراب على وجوهنا. يؤكد يسوع على طمأنينة القلب من جديد مستخدمًا النفي، تاركًا ذاته في قلوبنا وداعياً كلًا منا للتعمق في العلاقة بالآب.

 

 

3.   البيت: "بيت الآب" (يو 14: 2)

 

يستمر يسوع في حواره الوداعي معنا كأحبائه، مستخدمًا صورة قريبة لحياتنا اليوميّة وهي الصورة الأكثر طمأنينة وهي "البيت". يفاجئنا يسوع بقوله التأكيدي بأنّه ينتظرنا هناك مشيراً بقوله: «في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كثيرة» (يو 14: 2أ).البيت هو مكان الأكثر ألفة وهو مكان العلاقات الحقيقيّة والغير مُزيفة. يتحدث يسوع عن بيتٍ كبير حيث فيه مكان لكلّ مَن يسمعه. هذا البيتٌ الأبوي يُرحَّب بحضور كلّاً منا وفي كلّ الأوقات. نعلم جيدًا أنّ الـبيت ، له تأثيراً علينا منذ الطفولة. فمن أوائل الأشياء الّتي نبدأ برسمها هو الـمنزل. يُمثِّل كلّاً منا حقيقته وواقعه بشكل غير مباشر من خلال وجوده بالبيت.

 

ثم يعلن يسوع بقوله: في بيت الآب، هناك دائمًا أماكن متسعة مُعلنًا: «في بَيتِ أَبي مَنازِلُ كثيرة [...] إِنِّي ذاهِبٌ لأُعِدَّ لَكُم مُقاماً؟» (يو 14: 2). وهنا يشير الإنجيليّ بلفظ "البيت" إلى معنى لاهوتي أعمق وهو حياة الله ذاتها. أنّ في حياة الله الآب، وفي حياة يسوع الابن، وفي حياة الرّوح القدس ملء الحياة ذاتها، بل هناك دائمًا متسع من الحياة. حياته تصير مكانًا يُرحب بنا فيه، ففي حياة يسوع ملء حياتنا نحن الّذين نؤمن به ونحبه. اليّوم يُخبرنا يسوع كأصدقاءه الـمقربيّن وخاصته الـمحبوبة (راج يو 13: 1) بأنّه سيكون هناك دائمًا مكان لنا في حياته. عندما نشعر بغلإضطراب أو بالوحدة، أو بالضياع، أو بالألم، يبقى يسوع هو مصدر الثبات لنا والدائم. غياب يسوع الجسديّ عنا كتلاميذ له قد يُشعرنا بمشاعر تلاميذه بفقدان مرجعنا ودليلنا. أنّ نكون في بيتنا أي في علاقة حيّة بالآب والابن هناك تكمن طمأنينة قلوبنا وعدم إضطرابها.

 

 

4.   جهلنا: لا نعرف (يو 14: 5- 10)

 

يروي لنا الإنجيليّ رديّن من أفعال التّلاميذ الحاضريّن السامعيّن إلى كلمات يسوع، وهما توما وفيلبس. بينما يواجه يسوع أيضًا حيرة تلاميذه، في هذا الوقت يكشف ردّ فعل توما عما يدور بداخله قائلاً: «"يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟" قالَ له يسوع: "أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضاً. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد "رأَيتُموه"» (يو 14: 5- 7). يبحث توما عن مخرج لأنّه يشعر بالضياع. أحيانًا، عندما نضلّ الطريق، لا نملك إلا الإنتظار، نعم إنتظار مَن يأتي لينقذنا. يُمثّل توما صوتنا حينما نستقل بذاتنا وصورة إكتفائنا الذاتيّ فهو يريد أنّ يجد طريقه بمفرده، وأنّ يكون بطل مسيرته، وأنّ يُثبت قدرته على فعل ذلك بمفرده. يدعوه يسوع إلى الانتظار وإدراك إنّه لن يتمكن أحد أنّ يصل إلى الآب إلا بيسوع مُعلنًا صراحة بأنّه هو الطّريق الّذي من خلاله نصل للآب، وهو الحقّ الّذي يهزم كلّ ما هو زائف بنا، وهو الحياة الّتي تستمر في بثّ الطمأنينة للقلب.

 

ثم يكشف ثانيةّ فيلبس رد فعله القائل: «"يا ربّ، أَرِنا الآبَ وحَسْبُنا". قالَ له يسوع: "إِنِّي معَكم مُنذُ وَقتٍ طَويل، أَفلا تَعرِفُني، يا فيلِبُّس؟ مَن رآني رأَى الآب. فكَيفَ تَقولُ: أَرِنا الآب؟ أَلا تُؤِمِنُ بِأَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ؟"» (يو 14: 8- 10). كشف يسوع قبلاً بأنّه هو الطّريق. مدعوين أنّ نتعلم كيف نبقى على الطّريق، وأنّ نسمح لأنفسنا بأن نلتقي بالراعي الّذي يأتي باحثا عنا كخرافه ليحملنا على كتفيّه، خاصة عندما نشعر بالوحدة ونشعر باليُتم. لقد عبر فيلبس في رغبته في أنّ يرى الآب، وهو الهدف الّذي كثيراً ما حدثنا يسوع عنه؛ إلّا أنّ فيلبس لازال بحاجة إلى إعادة اكتشاف أصوله وجذوره وتاريخه. البحث عن الآب يعني البحث عن الذات والهويّة لكلاًّ منا. الآب هو الّذي يترك لنا ميراثًا ويُمكّننا من بناء مستقبلنا من خلاله. فهل فيلبس يبحث عن ميراثه من أبيه؟ أم يرغب في أنّ يرجع لجذوره البنويّة من خلال يسوع؟

 

سواء توما أم فيلبس يمثلونا، من خلال جهل كلاً منهم يكشف عن جهلنا عن الآب وعن يسوع إبنه، لذا تدعونا رسالة يسوع إليهما وإلينا بالتعمق في العلاقة بالآب. كشف الابن يسوع، عن حبه وعن الـبيت الّذي خرج منه وهو حضن الآب (راج يو 1: 18) وها هو يُتمم ليحملنا للآب ويصالحنا به ونصير أبناء للآب وأخوة ليسوع.

 

في قول يسوع الـمُطمئن: « لن أَدَعَكم يَتامى، فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم» (يو 14: 18) رسالة تعزيّة وإحتضان. شعورنا بالوحدة يعني فقدانننا الأمل في غدٍ أفضل. الشعور باليُتم يعني الشعور بالحرمان من المستقبل، وليس من الماضي فحسب. الشعور بالوحدة يعني فقدان الأمل في الـماضي والـمستقبل مًعا مما يجعلنا نفقد قيمة الحاضر أيضًا. لعل هذا هو السبب في استخدام يسوع لكلمات الآب في هذا المقطع: «مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها» (يو 14: 12). هذه هي الكلمات الّتي يتمنى كلّ ابن وإبنة سماعها من أبيهم. نحن أيضًا كالتّلاميذ، تُطاردنا هذه الـمخاوف. تدعونا الحياة باستمرار إلى الانفصال، إلى توديع الماضي، أو إلى طي صفحة جديدة. ولكن في كلّ هذه المقاطع، لسنا وحدنا أبدًا، مع أنّ الإغراء سيحاول دائمًا إقناعنا بأننا وحيدون، تائهون، ويتامى، ولكن تأتي كلمة يسوع لتحفزنا من جديد على الإيمان: «مَن آمَنَ بي يَعمَلُ [...] لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب فكُلَّ شيءٍ سأَلتُم بِاسْمي أَعمَلُه لِكَي يُمَجَّدَ الآبُ في الِابْن. إِذا سَأَلتُموني شَيئاً بِاسمي، فإِنِّي أَعمَلُه» (يو 14: 12- 14). يدعونا يسوع بطلب اسمه ليستمر عمله الصالح فينا ولأجلنا ويهدي من إضطرابنا بسلامه وباعلان ايماننا به وفيه.

 

 

الخلّاصة

 

توقفنا بمقالنا هذا للبحث عن إجابة لتساؤلنا الّذي طرحناه بالعنوان: إضطراب أم تشجيع الـــــ LEV؟ منن خلال كلمات كاتب مزمور الــ32، نقاشنا خبرته الحياتيّة الـمعاشة في حضور الرّبّ وكيف يدعونا بتشجيع قلوبنا الّتي ينبع منها قراراتنا وإختياراتنا والسبب هو تعلّق القلب بالرّبّ الّذي يبثّ كلّ سلام وطمأنينة بسبب العلاقة معه. هلى ضوء هذا الـمزمور قمنا بنقاش كلمات يسوع الأوّلى الوداعيّة بحسب يوحنّا (14: 1- 14) حيث أنطلق من اليقظة على القلب بقوله الـموجه للتّلاميذ: "لا تضطرب قلوبكم". لم يشير يسوع على إضطراب الفكر أو تشويش الحياة اليوميّة والسبب هو التوقف أمام ما يحمله قلبنا وإدراك أنّ ما يعبر بقلوبنا من إضطراب أو طمأنينة علينا أنّ نراه بعين الإيمان في الآب والابن معًا. مشاعر وأحاسيس القلب ضروريّة لأنها تفتحنا على حياة الله الّتي سلمها يسوع لكلّ منا حينما ترك جسده ودمه في صورتي الخبز والخمر. وها نحن اليّوم مدعوين لطمأنينة القلب ليس فقط طاعة لكلمات يسوع بل لأنّ هناك حياة الآب الّتي يمنحها لنا بمجانيّة. فإيماننا به يمنحنا ثبات بمشاعر القلب وعدم إضطراب. دُمتم في طمأنينة القلب والإيمان بالرّبّ.