موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٨ مايو / أيار ٢٠٢٦

إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة» (1)

بقلم :
د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك - كولومبيا
إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»

إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»

 

ليستْ هذه الحلقاتُ المتتالية عرضًا للرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر، أو مراجعةً لها؛ وإنّما هي إضاءاتٌ متنوّعة حولها. إنّها "إضاءاتٌ متنوّعة"، لأنّها تسلّط الضوءَ على عناصر مهمّة لقراءة وفهم هذه الوثيقة الحَبريّة الجديدة.

 

 

أوّلًا: مقدّمات

 

بدايةً، ونحن في خضمّ الوَضْع الحالي للبشريّة، وهذه الأيّام الصعبة الملتبسة، والتحوّلات الجديدة، قد وقّع البابا لاوُن الرابع عشر، في الخامس عشر من مايو/أيّار للعام الجاري (2026)، رسالته العامّة الأُولى، الطويلة نوعًا ما، وكذلك المكثَّفة والمركَّزة من حيث المحتوى أيضًا. وقد حملتْ هذا العنوان المعبّر: «الإنسانيّة الرائعة« (Magnifica Humanitas). ويمكن تعريب اللفظة اللاتينيّة «Magnifica»، على أنّها الرائعة أو المذهلة أو الباهرة أو البديعة أو العظيمة؛ فهذه الكلماتُ العربيّة كلّها صحيحة. وتتناول الرسالةُ العامّة الجديدة بدورها قضايا مهمّة، مثل العالم الرقميّ والذكاء الاصطناعيّ، والعدالة والسلام، وأزمة القانون الدوليّ، بالإضافة إلى التهديدات الراهنة الأخرى التي تواجه البشريّة (كنزعة "ما بعد الإنسانيّة" و"ما يتجاوز الإنسانيّة"). وبهذا المعنى، هي وثيقةٌ مندرجة ضِمْن وثائق "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ".

 

وقد وقّع البابا لاوُن الرابع عشر رسالته العامّة الأُولى، في اليوم عينه الذي نُشِرت فيه الرسالة العامّة للبابا لاوُن الثالث عشر (1878-1903)، أوّل بابا يتنيّح في القرن العشرين وأكثر الباباوات تأثيرًا في التّاريخ. وقد جاءتْ بعنوان "أمور-شؤون جديدة" (Rerum Novarum)؛ وتُعَدُّ أُولى وثائق تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. وقد نُشِرت بدورها في الخامس عشر من مايو/أيّار لعام 1891، أي في العام الرابع عشر من حَبريّة البابا لاوُن الثالث عشر. وكما يؤكّد البابا لاوُن الرابع عشر:

 

«نشر البابا لاوُن الثّالث عشر سنة 1891 الرّسالة البابويّة العامّة "الشّؤون الجديدة-Rerum novarum"، التي نحتفل هذه السّنة بمرور 135 سنة على نشرها بشكرٍ عميق. وبهذه الوثيقة، بدأ سَلفي العزيز تلك التأمّلات في المجتمع والاقتصاد والسّياسة، ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 3).

 

ولا شكّ أنّ البابا الحالي يسير على خُطى البابا لاوُن الثّالث عشر. فمن جهةٍ، كانت حقبة لاوُن الثّالث عشر هي الأخرى متّسمة بالتقلّبات والتغيّرات والتحوّلات. ومن جهةٍ أُخرى، كان البابا لاوُن الثّالث عشر ممَّن ركّز على تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، الخاصّ بكرامة الإنسان وكلّ إنسان، وحقوق العمّال، والعدالة الاقتصاديّة، والسّلام في العالم. ولذا، فالبابا الحالي ينوي إحياء تلك المواقف تجاه القضايا الاجتماعيّة، وتعزيز موقف الانفتاح، دون الانفصال عن التّقاليد العريقة، ولا سيّما ونحن في عصر "الثورة الرقميّة". والتساؤلات المشروعة التي تطرحها الرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر، هي التالية:

 

«إلى أين نحن ذاهبون؟ نحو أيّ هدف نريد أن نتوجّه؟ أيّ اتّجاه نختار كمجتمع بشريّ وكشعوب؟»؛ «هل تساهم [تحوّلات الثّورة الرّقميّة والابتكارات التّكنولوجيّة] حقًّا في نموّ الأفراد والشّعوب في الإنسانيّة والأخوّة، مع احترام بيتنا المشترك والأجيال القادمة؟»؛ «إن كان هناك "شيء حقيقيّ أكثر من الإنسان"، فأين هو؟»؛ «هل الذّكاء الاصطناعيّ "يجعل حياة الإنسان على الأرض، في جميع جوانبها، أكثر إنسانيّة؟ هل يزيد الإنسان كرامة؟"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بنود 6 و85 و126 و129).

 

إضافةً إلى المقدّمة (بنود 1-16) والخاتمة (بنود 229-245)، تحتوي الرسالةُ العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر، التي تتمحور بدورها حول "حماية الشخص البشريّ في عصر الذكاء الاصطناعيّ"، على فصولٍ أو أبواب خمسة. وقد جاءت هذه الفصولُ أو الأبوابُ الخمسة في 245 بندًا أو فقرة، و224 حَاشِيَة؛ وهي:

1. فكر ديناميكيّ مخلص للإنجيل (بنود 17-45)؛

2. أسس ومبادئ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ (بنود 46-89)؛

3. التّقنيّة والسّيطرة: عظمة الإنسان أمام وعود الذّكاء الاصطناعيّ (بنود 90-130)؛

4.حماية الإنسان في خضمّ التّحوّل: الحقيقة، والعمل، والحرّيّة (بنود 131-181)؛

5. ثقافة القوّة وحضارة المحبّة (بنود 182-228).

 

من الجميل والمعبِّر للغاية أن يبدأ البابا لاوُن الرابع عشر رسالته، للحديث عن عصر الذكاء الاصطناعيّ، برمزَيْن أو صورَتْين من الكتاب المقدَّس (بنود 7-10): بناء برج بابل (تكوين 11: 1-9)، وإعادة بناء أسوار أورشليم (نحميا 2-6). ويتعلّق الأمر بمدينتَيْن: الأُولى (بابل) هي من دون الله، ومبنيةٌ على الكبرياء والادّعاء بالاكتفاء الذّاتيّ، وتسعى إلى "بلوغ السماء دون بركة الله"؛ والنتيجةُ الحتميّة هي التّشتّت. وأمّا الثانية (أورشليم)، وانطلاقًا من حالة الخراب التي أصابتها، قد وُلِدَت من جديد، إذ "إنّه عمل يضع الله في المقام الأوّل، ويعيد بناء الرّوابط قبل الحجارة"؛ والنتيجة المفرحة هي الانسجام.

 

ومن خلال رَبْطِ هذين الرمزَيْن أو الصورَتْين لهاتَيْن المدينتَيْن بالتّكنولوجيا والثّورة الرّقميّة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعيّ، يمكن التأكيد، مع قداسة البابا، بأنّ الاكتشافات العلميّة:

 

«من النّاحية النّظريّة، هي ليست في حدّ ذاتها حلًّا لمشاكل الإنسانيّة، كما أنّها ليست في حدّ ذاتها شرًّا، ولكن، من النّاحية العمليّة، هي ليست محايدة، لأنّها تتّخذ وجهَ الذي يفكّر فيها، ويموّلها، وينظّمها، ويستخدمها. لهذا السّبب، فإنّ الخيار الأوّل ليس بين "نَعم" أو "لا" للتكنولوجيا، بل بين بناء بابل أو إعادة بناء أورشليم: بين سُلطة تدّعي السّيطرة على السّماء، وبين شعب، في حضور الله، يشرع في العمل متّحدًا لإعادة بناء أسوار العيش الأخويّ معًا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 9).

 

 

ثانيًا: التأطيرُ التعليميّ

 

إنّ الرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة«، هي وثيقةٌ مندرجة ضِمْن وثائق "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". وهذا عنصرٌ مهمّ لوضع إطارٍ عامّ (التأطير) لهذه الوثيقة الحَبريّة الجديدة، من أجل قراءةٍ وفهم جيّدَيْن؛ إذ إنّ هذا الإطار العامّ يكمن في كونها وثيقةً مرتبطة بـ"تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". فما هو يا تُرى "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"؟ وما هي أبعاده ومجالاته؟

 

كما يشير البابا لاوُن الرابع عشر، علينا أن نتذكّر أنّ أوّل مَن استخدم مصطلحَ "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، هو البابا بيوس الثاني عشر (1939-1958)، في إرشاده الرسوليّ «في ذهننا -Menti Nostrae» (23 سبتمبر/ أيلول 1950). ومع ذلك، يُعَدُّ البابا لاوُن الثالث عشر (1878-1903) أوّل مَن سطرّ محتوى ما تُعرَف اليوم بأنّها أُولى وثائق هذا التعليم كمجموعةٍ متكاملة (15 مايو/أيّار 1891).   فبالحقيقة، «ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" لم يولد فجأة في العصر المعاصر، بل يجمع وينظّم تقليدًا طويلًا من التّفكير الكنسيّ في الحياة الاجتماعيّة، الذي يجد مصادره في الكتاب المقدّس، وفي آباء الكنيسة، وفي الدّراسات اللاهوتيّة والقانونيّة في العصور الوسطى والعصر الحديث. استخدم البابا بيوس الثّاني عشر لأوّل مرّة عبارة "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" سنة 1950، لكن المحتوى الذي تنطوي عليه، بمعناه كمجموعة متكاملة من التّعاليم الاجتماعيّة، بدأ يتبلور مع الرّسالة البابويّة العامّة "الشّؤون الجديدة - Rerum novarum" للبابا لاوُن الثّالث عشر» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 29).

 

من خلال الرسالة العامّة "أمور-شؤون جديدة" (Rerum Novarum)، استهلّ البابا لاوُن الثالث عشر مجموعة التأمّلات المتعلّقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة والقضايا الاجتماعيّة في ضوء الإنجيل؛ وهو ما نسمّيه اليوم "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". «وعندما اعترض البعض بأنّ الكنيسة ينبغي ألّا تضيّع طاقاتها في قضايا دنيويّة، بل عليها أن تهتمّ بنقل رسالة الحياة الأبديّة، أجاب [البابا لاوُن الثالث عشر] بواقعيّة وحكمة بأنّ إعلان الإنجيل لا يمكن أن ينسى حياة الشّعوب العمليّة [...] اليوم، يُعدّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ تراثًا من الحكمة، نجد فيه مبادئ للتفكير، ومعايير للتمييز والحكم، وتوجيهات واقعيّة للعمل. يستند هذا التّعليم إلى الكتاب المقدّس والتّقليد، ويساعدنا، في حوار مع العلوم، على قراءة تحدّيات الحاضر بوضوح، وعلى تحديد مسارات مناسبة لنعيش شهادةً مسيحيّةً صافية، بفرحٍ وفي خدمة العالم. ليس هذا التّعليم مجموعة ثابتة من المفاهيم، بل هو مجموعة حيّة من الحقائق، تحفظ وتفسّر دعوة البشريّة إلى حياة كاملة وعادلة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 3).

 

وتسطع وثائقُ المجمع الفاتيكانيّ الثّاني (1962-1965) كقفزةٍ محوريّة في سلسلة "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" المتواصلة. فهي قد تناولتْ بدورها قضايا اجتماعيّة ودوليّة كُبرى، على غرار الزواج والعائلة، والحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والمجتمع السّياسيّ، والحرب والسّلام، والحرّيّة الدينيّة. «وكان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني نقطة تحوّل في فهم الكنيسة لذاتها في العالم المعاصر. في الدّستور الرّعائي "فرح ورجاء - Gaudium et Spes، قدّم لنا صورة كنيسة تقترب من البشريّة، وتلتزم تجاه العالم، وتكرّس نفسها للتفكير ليس في مخطّطات تجريديّة، بل انطلاقًا من واقعيّة الأوضاع التّاريخيّة [...] يُظهر هذا الأسلوب أنّ الحوار مع العالم ليس خيارًا تكتيكيًّا للكنيسة، بل هو طريقة ملموسة لرسالتها، لأنّ الإنجيل، مثل الخميرة، قادر على تحويل هيكليّات العيش معًا من الدّاخل وفتح مسارات نحو إنسانيّة أعمق» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 34).

 

وعلى هذا النحو، يوجد ارتباطٌ وَثيقٌ بين استقامة الإيمان بالله الأحد-الواحد-الثالوث، واستقامة العمل والمعاملات الاجتماعيّة. فـ«تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يُعيدنا إلى قلب إيماننا نفسه: سرّ الله الحَيّ، المُعلَن في يسوع المسيح الذي هو شركة بين أقانيم، الآب والابن والرّوح القدس، ومحبّة في علاقة، تمنح نفسها بشكلٍ مُتبادل وتتواصل مع العالم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 48). و«إن كان سرّ الله-محبّة هو مصدر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّنا نتأمّل في وجهه الأكثر واقعيّة في يسوع المسيح، الكلمة الذي صار بشرًا. لمّا صار إنسانًا، دخل ابن الله في تاريخنا وجسدنا، وحمل إليه الحبّ الذي يوحّده بالآب والرّوح القدس [...] وهكذا، يسعى إعلان البشارة والخبرة المسيحيّة، بتوجيه الرّوح القدس، إلى إحداث نتائجَ اجتماعيّة في العالم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 49).

 

على صعيدٍ آخر، قد «استمدّت الكنيسة قوّتها من هذا الحوار المثمر بين الإنجيل والمعارف البشريّة، وعمّقت تدريجًا عقيدتها الاجتماعيّة، مطوّرةً بمرور الوقت تراثًا من الحكمة يتمتّع بتناسق لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ متجذّر في رؤية الإنسان المسيحيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 24). لذا، فإنّ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ «ينشأ من اللقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديّة وأسئلة التّاريخ، ويسمح لـعلامات الزّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذّى من مساهمة العلوم والثّقافات والخبرات البشريّة. لذلك، عندما تُشوّه كرامة الإخوة، وعندما لا تستجيب السّياسة لمآسي البشريّة، وعندما ينقلب الاقتصاد ضدّ الإنسان أو يتجاوز العِلم حدود منهجه، يجب على الكنيسة أن تُسمِع صوتها، مع الطّوائف المسيحيّة الأخرى والمؤمنين من الأديان الأخرى، وذلك لا للسيطرة، بل لخدمة الوَحدة والشّركة. وبهذا الفهم، يصير تعليم الكنيسة الاجتماعيّ لاهوتًا للتواصل في التّاريخ، ومكانًا حيث الكلمة، الذي صار بشرًا، يتابع حضوره ويصير حوارًا وذاكرة ونبوءة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 27).

 

بإيجازٍ، إنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ ليس ثمرة مشروع تمّت صياغته على الورق، بل هو نتيجة مسيرة صابرة، قدَّم فيها كلّ حَبْر، مع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، مساهمة أصيلة في ضوء "الشّؤون الجديدة" في عصره. وقد أظهر كلّ واحد منهم، بمواجهة تحدّيات عصره وقراءة التّغيّرات التّاريخية في ضوء الإنجيل، جوانب مختلفة من تراث واحد: كرامة الإنسان، وقيمة العمل، والغاية المشتركة للخيرات، والتّضامن والتّكافل، والعناية بالخليقة، ومركزيّة السّلام والأخوّة. ونتج عن ذلك تطوّر متناغم، وإن لم يكن دائمًا مباشرًا، اتّسم بتركيزات مختلفة، وتعمّقات تدريجيّة، وأحيانًا بتغييرات في الرّؤية لا تنفصل عمّا سبقها، بل تجعل آثارها تنضج» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 45). ومن ثمّ، فإنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ هو واقع حَيّ، في حوار مع التّاريخ والثّقافات والعلوم، وفي الوقت نفسه يحفظ نواة الحقيقة التي لا تغيب. لهذا السّبب يمكن اعتباره شكلًا من أشكال الحكمة القادرة اليوم أيضًا على أن توجّه حياة المؤمنين الشّخصيّة والاجتماعيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 46).

 

[يُتبَع]