موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثلاثون من الزمن العادي (أ)
المقدّمة
تتواصل كلمات الربّ الإلهية على مسامعنا في هذه الأسابيع الأخيرة من السنة الطقسية بحسب الطقس اللاتيني. ونتناول في المقطع الأول آيات قليلة من سفر الخروج (22: 20-26)، ضمن حوار طويل يكشف فيه الربّ لموسى عن أحكامه وشرائعه، ليساعد الشعب على أن ينظر إلى القريب ويشعر به ويصغي إليه، كما ينظر الربّ ذاته إلى كل إنسان من شعبه، ويشعر به ويصغي إليه.
وبناءً على كلمات الربّ للشعب، تترك كلمات يسوع، بحسب متّى (22: 34-40)، صدى عميقًا في آذاننا وقلوبنا، إذ يستعيد هذه الكلمات بتعبيرات تناسب عصره، ويكشف لرجال الدين جمال الحبّ الإلهي حين يتجسّد في علاقاتنا اليومية، وعلى المستوى نفسه، أي محبّة القريب بالمعيار ذاته الذي نسعى جاهدين إلى أن نحبّ به الربّ.
نهدف من خلال هذا المقال إلى أن ننمو في تجسيد الحبّ الذي تحمله قلوبنا للربّ الذي لا نراه، من خلال محبّتنا لمن حولنا الذين نراهم، وأن نعكس فيما بيننا هذا الوجه الإلهي، وجه الحبّ.
1. نظرة الربّ (خر 22: 20-26)
يروي كاتب سفر الخروج، في الآيات القليلة التي سنتوقف عندها من العهد القديم (خر 22: 20-26)، ثمرة الحوار الطويل الذي دار بين الربّ وموسى بعد الخروج من أرض مصر، معلنًا: «فقالَ الرَّبُّ لِموسى [...] هذه هي الأَحْكامُ الَّتي تَجعَلُها أَمامَهم» (خر 21: 1).
هذه هي الشرائع التي أمر بها الربّ موسى، حتى يحفظ الشعب عهده مع الربّ والقريب بعد خروجه من أرض مصر. وتأتينا توصيات الربّ الإله من خلال موسى قائلًا:
«والنَّزيلُ فلا تَظلِمْه ولا تُضايِقْه، فإِنَّكم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصْر. ولا تُسِئْ إِلى أَرمَلَةٍ ولا يَتيم، [...] وإِذا أَقَرضتَ فِضَّةً لأَحَدٍ مِن شَعْبي، لِفَقيرٍ عِندَكَ، فلا تَكُنْ لَه كالمرابي، ولا تَفرِضوا علَيه رِبىً. إِذا اَستَرهَنتَ رِداءَ قَريبِكَ، فعِندَ مَغيبِ الشَّمْسِ رُدَّه إِليه، لأَنَّه سِترُه الوَحيد وكِساءُ جِلدِه، ففيمَ يَنام؟ فإِن هو صَرَخَ إِلَيَّ اِستَجَبتُ له لأَنِّي رَؤُوف» (خر 22: 20-26).
تشمل هذه الآيات فئات مختلفة من القريب، الذي يتوجّب علينا أن نعكس وجه علاقتنا بالربّ في علاقتنا به. وتشمل هذه القائمة الغريب، والأرملة، واليتيم، والفقير.
إنّ هذه الآيات، التي يتلوها الربّ على مسامع موسى لينقلها إلى الشعب، تتناول العلاقات اليومية التي يعيشها المؤمن بالربّ. وتأتينا دعوة الربّ إلى أن ننظر إلى كلّ من هم أكثر احتياجًا بعين خاصة، هي عين الرحمة والحبّ. وهذه النظرة هي ذاتها نظرة الربّ إلينا.
2. سياج الوصايا (مت 22: 34-40)
تضمّنت لوائح الشريعة اليهودية عددًا كبيرًا من الوصايا المستمدّة من تراث الشريعة، وهي بمثابة سياج يقيّد إيمان الإنسان بالربّ ولا يحرّره، وهذا ما سيكشفه يسوع لاحقًا.
ومن المثير للاهتمام أنّ أحد الربّانيين، الذي يحمل اسم Simlai، ذكر في القرن الثالث الميلادي 613 وصية، تنقسم إلى 248 وصية إيجابية (mitzvot aseh)، رُبط عددها بما كان يُعتبر آنذاك أجزاءً من جسم الإنسان، لتذكير المؤمن بالتزام كيانه كلّه لله، و365 وصية تحمل صيغة النهي (mitzvot lo taaseh)، رُبط عددها بأيام السنة، لتذكير المرء بتجنّب الشرّ كل يوم.
وقد تضمّنت الشريعة عددًا كبيرًا من الوصايا المستمدّة من تراثها. وفي مدارس الربّانيين، حتى في زمن يسوع، كان من الشائع طرح سؤال حول أهم وصية في هذا الكمّ الهائل من الوصايا. وليس الأمر كما لو أنّنا، بين القانون الكنسي وتعليم الكنيسة، نفتقد شيئًا ما...
لقد كانت إحدى الإجابات الأكثر شيوعًا أنّ أهم وصية هي تلك التي التزم بها الله أيضًا، ألا وهي حفظ السبت.
إلّا أنّ يسوع، في تعليمه لنا اليوم، يكشف كيف نتحرّر من سياج الوصايا التي أضاف إليها رجال الدين العديد من الأحكام، ويقدّم لنا الوصية الجوهرية التي تكشف وجه الله، الذي كان غير مرئي في العهد القديم، والذي يعكسه يسوع الآن في وجهه، وهو وجه الحبّ.
3. الوصية الكبرى! (مت 22: 37-40)
هناك كلمات الربّ العشر، بالإضافة إلى الكثير من الوصايا التي وضعها رجال الدين. ومن الجدير بالذكر أنّ يسوع عاش، بوصفه رجلًا عبرانيًا، في ظلّ هذه الشرائع، واعتبره كثيرون معلّمًا فريدًا من نوعه. لذا سأله أحد فقهاء الشريعة قائلًا: «يا مُعلِّم، ما هي الوَصِيَّةُ الكُبرى في الشَّريعة؟» (مت 22: 36)
وقد وردت إجابة يسوع قائلًا:
«أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ. تِلكَ هي الوَصِيَّةُ الكُبرى والأُولى. والثَّانِيَةُ مِثلُها: أَحبِبْ قريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ. بِهاتَينِ الوَصِيَّتَينِ تَرتَبِطُ الشَّريعَةُ كُلُّها والأَنِبياء» (مت 22: 37-40)
تحمل إجابة يسوع دعوة إلى أن نحبّ الربّ والآخرين بالمعيار ذاته. ومع ذلك، لا نعتقد أنّ يسوع، حين يدعونا إلى محبّة الربّ، يتحدّث عن مشاعر أو أحاسيس تجاه كائن متخيّل، ولا عن مجرّد طلبات نرفعها في الصلاة.
بل يكرّر كلمات الشريعة (راجع تث 6: 1-6). إنّ محبّة الله من كل القلب، أي بكل الكيان، تعني إدراك سرّ الحياة واحتضانه، بوصفه أساس الوجود، وتوجيه وجودنا بثقة نحو هذا السرّ الذي يتجلّى مصدرًا للحياة.
وهذا ما يميّز الحياة بصورة حاسمة، إذ يعني تمجيد الوجود من جذوره، والمشاركة فيه بامتنان، والتصميم على اختيار الخير والجمال دائمًا، في كل اختيار يُطرح أمامنا، لأنّ هذا يكشف عن تناغمنا مع سرّ محبّتنا لله.
لهذا السبب، فإنّ محبّة الآخر العظيم، وهو الربّ، لا تنفصل عن محبّة الآخر البشري. والمبدأ الذي ينبغي أن يشكّل وجودنا هو: لا شغف بالله دون شغف بالبشر، بل وبالبشرية جمعاء!
عندما سُئل يسوع عن أعظم الوصايا، أجاب بالكلمات المذكورة سابقًا. وفي الحوار الذي دار بين الربّانيين في عصر يسوع، لم تكن وصية حفظ السبت تُعتبر من أهم الوصايا، بل كان التركيز على الوصية الكبرى التي تربط الإنسان بالربّ وبأخيه الإنسان في الوقت ذاته:
«أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وكُلِّ نَفْسِكَ وكُلِّ ذِهِنكَ. تِلكَ هي الوَصِيَّةُ الكُبرى والأُولى. والثَّانِيَةُ مِثلُها: أَحبِبْ قريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ. بِهاتَينِ الوَصِيَّتَينِ تَرتَبِطُ الشَّريعَةُ كُلُّها والأَنِبياء» (مت 22: 37-40).
من خلال هذه الإجابة، نجد أنّ يسوع يعيد السؤال إلى حقيقته، وهي جوهر العهد، مؤكّدًا أنّ محبّة الله ومحبّة الإنسان هما كوجهي عملة واحدة، أي إنّهما متلازمتان وتشكّلان جوهر الشريعة، بل وجه الحبّ الحقيقي، بينما كلّ ما عداهما يبقى ثانويًا، أي غير جوهري. إنّ إغفال هذا الجوهر، كما حدث بالفعل لبني إسرائيل، يجعل يسوع يُفرغ حتى أصغر الوصايا من معناها.
يُسأل يسوع عن الوصية العظمى، لا عن الوصية الثانية. فيحدّد وصية عظمى وأولى، وأخرى ثانية. وهنا يصبح يسوع مفسّرًا.
فهو يعلم جيدًا أنّ لفظ الحبّ في الكتاب المقدس العبري يظهر بصورة متطابقة في موضعين فقط: عند الإشارة إلى الله (راجع تث 6: 5؛ 11: 1)، وعند الإشارة إلى القريب (راجع لا 19: 18، 34).
يخبرنا ردّ يسوع على أحد علماء الشريعة بأمرين مهمّين للغاية، يتعلّقان بشخصه وتعاليمه.
الأول يتعلّق بحقيقة وجود الوصيتين، الأولى والثانية، معًا. فقد سُئل يسوع عن الوصية العظمى فقط، وليس عن وجود وصية ثانية. ومع ذلك، يعلّم يسوع أنّ الحياة لا تقتصر على الأمور الأولى، بل تشمل أيضًا الأمور الثانية، وأنّ الأمور الثانية، أحيانًا، هي التي تؤكّد حقيقة الأمور الأولى.
إنّ يسوع إنسان يتّسم بالصدق، ويعلم أنّنا، كبشر، لا نستطيع العيش بالوصية العظمى وحدها، بل إنّ الوصية الثانية ضرورية أيضًا للالتزام بها حقًا (راجع 1 يو 4: 20).
وبتوضيحه الوصية الثانية، يزوّدنا يسوع بالتفسير الذي ينقذ الوصية العظمى من الزيف. ويذكّرنا بأنّ الحياة الحقيقية لا تقتصر على الأمور الأخيرة فحسب، بل تشمل أيضًا ما قبل الأخيرة. فنحن لا نعيش وفقًا للمبادئ العظيمة وحدها، بل أيضًا وفقًا لمبادئ ثانوية تجسّد المبادئ الأولى وتجعلها ملموسة.
أما الأمر الثاني المهم الذي يكشف عنه النص، فيتعلّق بمنهج يسوع في قراءة الكتب المقدسة. فهو يشير إلى الوصية العظمى والأولى، ويربطها بالثانية، لأنّه يأخذ نص الكتاب المقدس على محمل الجد.
لا يقدّم يسوع تفسيرات مجرّدة للنص الكتابي، بل يقرأه بتأنٍّ، متفحّصًا كلماته. ويمكننا القول إنّ يسوع، بوصفه معلّمًا، يقبل تحدّي استكشاف جوهر الكتب المقدسة، **لكي يتردّد صداها دائمًا من جديد وينير حياتنا.
ويصبح يسوع، بتفسيره، خبيرًا في التفسير، ونحن مدعوون إلى أن نأخذ النصوص الكتابية على محمل الجد، إذا أردنا أن تلامس كلمة الله حياتنا حقًا.
4. ما وراء الوصايا (مت 22: 34-40)
تتجاوز إجابة يسوع المفهوم التقليدي للالتزام بالوصية، ليحلّ محلّه مفهوم الاقتداء.
فليس الإنسان المعمّد والمؤمن هو من يطيع فحسب، بل هو من يشبه الآب قبل كل شيء، بممارسة حبّ يشبه حبّه.
إنّه حبّ تشرق فيه الشمس على الصالح والطالح على حدّ سواء، بغضّ النظر عن مدى استحقاقهما؛ حبّ لا يرتبط بانتماءات محدّدة؛ حبّ يتجاوز التدوين اللاهوتي، أو التعبير عنه في التعليم الديني أو الطقوس. وباختصار، إنّه حبّ حرّ ومحرّر.
وبالنسبة إلينا، نحن المؤمنين بيسوع، الذين نسلك الدرب ذاته الذي سلكه، تصبح محبّة البشرية معيارًا للتحقّق من صدق ما نسمّيه محبّتنا للربّ إلهنا.
الخلاصة
نختتم مقالنا، الذي تصفّحنا من خلاله نصّين متوازيين؛ إذ كشف لنا نص سفر الخروج (22: 20-26) عن نظرة الربّ التي تحمل التشجيع على النظر إلى الآخر بعين المحبّة، لنعكس محبّة الربّ لنا بحسب وصيته.
أما المقطع الإنجيلي بحسب متّى (22: 34-40)، فقد كشف عن وجه الحبّ وما وراء الوصايا في الشريعة. فيسوع هو وجه الحبّ المتجسّد في كلتا الوصيتين اللتين فسّرهما لنا.
ونحن مدعوون، على ضوء كلمات كاتب سفر الخروج والإنجيلي متّى، إلى أن نتدرّب على فنّ ملامسة كلمة الله لحياتنا.
يحمل تعليم يسوع فكرتين عمليتين لنصير تلاميذه حقًا. أولًا، يعلّمنا، من خلال لقاءاته وعلاقاته، أنّ الأمور الجوهرية تتجلّى في الوصية قبل الأخيرة، وأنّنا لا نستطيع أن نعيش الوصية الأولى والعظمى إذا تجاهلنا الثانية.
فلنترك كلمة الله تلامس قلوبنا من خلال الكتب المقدسة، إذا عرفنا كيف ندخل تلك الكلمة الإلهية في حياتنا البشرية.
وحين نلتقي حقًا وجه الحبّ في الكلمات الإلهية، يمكننا بصورة تلقائية أن نشارك الآخرين في هذا الحبّ، لأنّ الربّ منحنا إيّاه مجانًا، رغم عدم استحقاقنا.