موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في الوقت الذي يواجه فيه القطاع السياحي الأردني واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، يصبح من الضروري إعادة تقييم أولوياتنا التسويقية والبحث عن أسواق بديلة قادرة على تعويض جزء من التراجع الذي تشهده السياحة التقليدية.
خلال الأشهر الماضية، استمرت الجهود الترويجية في عدد من الأسواق الأوروبية، وتم تخصيص مبالغ كبيرة لحملات التسويق والمشاركة في المعارض والفعاليات السياحية. ورغم أهمية هذه الأسواق على المدى البعيد، إلا أن الواقع الحالي يشير بوضوح إلى أن قدرة السائح الأوروبي على الوصول إلى الأردن ما زالت مرتبطة بشكل أساسي بتوفر الرحلات الجوية المباشرة واستقرار حركة الطيران وأسعار التذاكر، وهي عوامل لا نملك السيطرة الكاملة عليها في الظروف الراهنة.
في المقابل، يملك الأردن فرصة حقيقية ربما لم تحظ حتى الآن بالاهتمام الذي تستحقه، وهي السياحة الدينية المسيحية. فالأردن ليس مجرد وجهة أثرية، بل يحتضن مواقع مقدسة ذات مكانة عالمية استثنائية، وفي مقدمتها المغطس، موقع معمودية السيد المسيح، والذي يعد بالنسبة لمئات ملايين المؤمنين أحد أهم المواقع المسيحية في العالم إلى جانب القدس وبيت لحم. خاصة في هذه الفترة التي يتم التحضير فيها للاحتفال بالذكرى الالفية الثانية لمعمودية السيد المسيح في بيت عنيا عبر الأردن.
إلى جانب المغطس، يضم الأردن مواقع دينية فريدة مثل جبل نيبو، حيث وقف النبي موسى ينظر إلى الأرض المقدسة، وتل مار إلياس موطن ميلاد النبي إيليا، ومادبا مدينة الفسيفساء وكنائسها التاريخية التي تشكل جزءاً مهماً من التراث المسيحي العالمي، ومكاور وأم الرصاص وأم الجمال وأم قيس والعديد من المواقع الدينية الهامة.
ومن المهم أن ندرك أن الحاج الديني يفكر بطريقة مختلفة عن السائح التقليدي. فالسائح العادي الذي يزور فرنسا قد تكون أولويته رؤية برج إيفل أو التجول في الشانزليزيه، بينما يسافر ملايين الحجاج سنوياً إلى مدينة لورد الفرنسية لزيارة مزار السيدة العذراء. والأمر ذاته ينطبق على البرتغال التي تستقطب أعداداً هائلة من الحجاج إلى فاطمة، وعلى إيطاليا التي تضم عشرات المزارات المسيحية التي تستقبل ملايين الزوار كل عام.
هذه الحقيقة ينبغي أن تدفعنا إلى إعادة توجيه جزء من جهودنا التسويقية نحو جمهور مختلف، جمهور يبحث عن البعد الروحي والإيماني أكثر من بحثه عن المواقع الأثرية أو الترفيهية.
وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة التي يقوم بها حالياً غبطة بابا وبطريرك الاسكندرية وسائر افريقيا للروم الارثوكس ثيوذوروس الثاني إلى الأردن أهمية خاصة. فهذه الزيارة ليست حدثاً دينياً فحسب، بل فرصة سياحية وترويجية كبيرة يجب استثمارها بالشكل الأمثل. فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية تضم ملايين المؤمنين في مصر ومختلف أنحاء العالم، والكثير منهم ينظر إلى الأردن باعتباره جزءاً أساسياً من رحلة الحج المسيحي في الأرض المقدسة.
إن السوق المصري وحده يمثل فرصة واعدة للسياحة الدينية الأردنية، إضافة إلى المسيحيين في العراق ولبنان وسوريا، فضلاً عن مئات الآلاف من المسيحيين العرب والأجانب المقيمين في دول الخليج العربي، والذين يستطيعون الوصول إلى الأردن بسهولة أكبر من السائح الأوروبي، سواء عبر الرحلات الجوية القصيرة أو من خلال السفر البري في بعض الحالات.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن السياحة الدينية من أكثر أنواع السياحة استقراراً واستدامة، لأنها تقوم على دوافع إيمانية وروحية تتجاوز الاعتبارات السياحية التقليدية. ولذلك فإن بناء برامج حج مسيحي متكاملة تربط بين المغطس ومكاور وجبل نيبو وتل مار إلياس ومادبا والموقع الدينية الاخرى، وتستهدف الأسواق العربية المسيحية والجاليات الأجنبية في المنطقة، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للقطاع السياحي في هذه المرحلة.
إن الظروف الحالية تفرض علينا التفكير خارج الأطر التقليدية. فحين تتغير الأسواق يجب أن تتغير الخطط، وحين تتراجع بعض المصادر يجب البحث عن مصادر جديدة. لذلك فإن الوقت قد حان لامتلاك خطط بديلة، وأسواق بديلة، وبرامج بديلة، تضمن استمرارية القطاع السياحي وتحافظ على آلاف فرص العمل التي تعتمد عليه في الأردن.