موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الروحانية دون تديّن، بين عطش الإنسان وتحدّي الكنيسة: في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الثقافية والروحية، تتردّد على مسامعنا عبارة باتت مألوفة: "أنا أؤمن، لكنني لست متدينًا". عبارة تحمل في ظاهرها تناقضًا، لكنها في عمقها تعبّر عن واقع إنساني معقّد، وعن بحث صادق لا يمكن تجاهله أو الاستخفاف به.
عند قراءة مقال "Spiritual but Not Religious" للكاتب Jared Dees (2016)، لا نقف فقط أمام توصيف لظاهرة منتشرة، بل أمام دعوة صريحة—وإن جاءت بشكل غير مباشر—إلى مراجعة ذاتية عميقة، خصوصًا من قبل الكنيسة ورعاتها. فهذه الظاهرة ليست غريبة عن واقعنا الرعوي، بل نلمسها يوميًا في لقاءاتنا مع أشخاص يؤمنون بالله، لكنهم يبتعدون عن الممارسة الدينية والانتماء الكنسي.
في كثير من الأحيان، لا يكون هذا الابتعاد نتيجة رفضٍ للإيمان، بل تعبيرًا عن خيبة أمل، أو جرح روحي، أو شعور بأن الدين قد اختُزل في ممارسات شكلية لا تلامس القلب. هنا، يصبح من الضروري أن نسأل: هل قدّمنا الإيمان كعلاقة حيّة مع الله، أم كمنظومة من الواجبات والطقوس والشعائر؟
إن ما يُسمّى بـ"الروحانية دون تديّن" لا يمكن اختزاله في موقف سلبي أو تمرّد على الكنيسة، بل يمكن قراءته كصرخة عطش: عطش إلى معنى، إلى اختبار شخصي لله، إلى علاقة داخلية صادقة تتجاوز الأطر الجامدة. غير أن هذا النوع من الروحانية، إذا بقي معزولًا عن الجماعة، قد يتحوّل إلى تجربة فردية هشّة، تفتقر إلى الجذور والاستمرارية.
من هنا، يتّضح أن التحدي الحقيقي أمام الكنيسة لا يكمن في إدانة هذه الظاهرة أو مواجهتها بخطاب دفاعي، بل في مرافقة الإنسان المعاصر في بحثه. المرافقة هنا تعني الإصغاء قبل التعليم، والفهم قبل الحكم، وبناء الجسور بدل رفع الحواجز.
فالكنيسة، في جوهرها، ليست مجرّد مؤسسة أو مجموعة قوانين وتعاليم، بل هي قبل كل شيء جماعة حيّة، مكان لقاء بين الإنسان والله، ومساحة تنمو فيها العلاقة ضمن شركة الإخوة. إنها خبرة تُعاش، لا مجرد إطار يُفرض.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن للروحانية أن تبلغ كمالها خارج هذا البعد الجماعي، لأن الإيمان المسيحي بطبيعته علاقة: علاقة بالله، وعلاقة بالآخرين. وعندما تنفصل الروحانية عن الكنيسة، فإنها تخاطر بأن تفقد أحد أبعادها الأساسية.
في المقابل، تشكّل هذه الظاهرة فرصة حقيقية للكنيسة لتجديد ذاتها: فرصة للعودة إلى الجوهر، إلى البساطة الإنجيلية، إلى تقديم إيمان حيّ يُختبر في الحياة اليومية، لا يُختزل في المظاهر. إنها دعوة إلى كنيسة أكثر إنصاتًا، وأكثر قربًا من الإنسان، وأكثر قدرة على احتضان ضعفه وتساؤلاته.
في نهاية المطاف، لا يقودنا هذا النقاش إلى الحكم على الآخرين، بل إلى مساءلة ذواتنا: هل نكون في خدمتنا جسورًا تقود إلى الله، أم عوائق -ولو دون قصد- تحجب هذا اللقاء؟
إن "الروحانية دون تديّن" ليست نهاية العلاقة مع الكنيسة، بل قد تكون بدايتها من جديد، إذا أحسنّا الإصغاء إلى ما تحمله من أسئلة، وما تخبئه من عطش عميق إلى الله.