موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
ملخّص
تتناول هذه المقالة الاستخدام المتكرّر لعبارة «القبلة المُقدّسَة» (φιλήματι ἁγίῳ)؛ في (رومية 16:16؛ 1 كورنثوس 20:16؛ 2 كورنثوس 12:13؛ 1 تسالونيكي 26:5؛ 1 بطرس 14:5) في سياق تحيات بولس الختامية، وهو موضع إشكال: هل القبلة بالفعل «مُقدّسَة»، وهل ينبغي أن تُمارَس ممارسةً كنسيَّةً عامّة أم لا؟ إن بعض المسيحيين اليوم يتّخذون منها ذريعةً لتقبيل بعضهم بعضًا في الكنائس، الأمر الذي يثير تساؤلات غير المسيحيين حول هويتنا المسيحية.
وقد استخدم الباحث المنهج النقدي الثقافي لتحليل دلالة إضافة الصفة(ἅγιος)» مُقدّس» إلى الاسم (φιλήμα)» قبلة«. كما استشرف الباحث المعنى المتوقّع لعبارة «القبلة المُقدّسَة» واستعاده من خلال قراءة تفسيرية (exegetical)، وثقافية، وتاريخية لمفهوم القبلة. واستعرض الفهم اليهودي والإغريقي الروماني لهذا السلوك، مستندًا إلى نتاج هاتين الثقافتين (العهد القديم والعهد الجديد) لفهم كيفية ممارسة القبلة، كما ناقش آراء العلماء المؤيدين والمعارضين في تفسير «القبلة المُقدّسَة».
ويخلص البحث إلى أن ما يُسمّى «القبلة المُقدّسَة» يحمل دلالات ثقافية أكثر من كونه مفهومًا لاهوتيًّا مُلزمًا، سواء لدى المتلقّين الأصليين أو لدى المسيحيين اليوم.
المقدّمة
تتّسم الرسائل البولسية بثلاث سمات بارزة تُظهر للقارئ المعاصر نسبة التأليف إلى بولس: التسبيحات الختامية (doxology)، والتحيات، والصلوات المصحوبة بالبركة. غير أنّ الكاتب يركّز هنا على أسلوب التحيات الذي يبدو أن بولس أمر به أو أوصى به متلقّيه، ومن بين هذه الأساليب تبرز «القبلة المُقدّسَة».
لقد كانت القبلة المُقدّسَة موضع جدل بين العلماء، ولا سيّما في محاولة تأطير معناها المقصود في سياقها. ويروي الكاتب حادثةً لا ينساها: إذ وعظ أحدهم عن خطاب بولس الوداعي، وعند قراءة العبارة البولسية: «سَلِّمُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ» قال:
1) التقبيل علامةُ محبّة المسيحيين.
2) إنّ التلاميذ كانوا يُقبِّل بعضهم بعضًا إظهارًا لمحبتهم المتبادلة.
3) إننا اليوم، بسبب الفساد وفقدان القداسة، لا نستطيع أن نمارس هذا النموذج الشامل للمحبة الذي وضعه الرسل أمامنا.
4) ينبغي أن نجتهد في عيش حياة مسيحية متكاملة، لكي لا تزول هذه المحبة المعبّر عنها بالتقبيل في المسيحية.
وكان المربك أن الواعظ بدا حزينًا لأن المسيحيين –بحسب رأيه– أضاعوا المحبة الحقيقية المتمثّلة في «القبلة المُقدّسَة». بل تخيّل أن الكنائس التي تمارس التقبيل هي وحدها التي تُظهر المحبة الأصلية التي جعلها المسيح وبولس نموذجًا لجميع المؤمنين.
غير أن هذا التصوّر يثير تساؤلات لاهوتية جوهرية: هل المحبة المسيحية كامنة في فعل التقبيل ذاته، أم في سلوك المؤمنين بعضهم نحو بعض؟ ماذا قصد بولس بهذه العبارة؟ وهل أراد فعلًا أن تكون القبلة «مُقدّسَة» بالمعنى الجوهري، أم أن «المُقدّس» هنا يحمل دلالةً أخرى؟
إن موضوع «القبلة المُقدّسَة» يحتاج إلى معالجة علمية ورعوية، لئلا تتحوّل الكنائس إلى أماكن اختلاط غير منضبط بين الرجال والنساء باسم التقوى.
ومن هنا، فإن مهمة البحث هي تقويم درجة «قداسة» القبلة المُقدّسَة من خلال دراسة المفهوم الثقافي للتقبيل في العالم الإغريقي الروماني، والأسباب التي من أجلها توقّع بولس هذا النمط من التحية بين المؤمنين. مع الإشارة إلى ثقافات أخرى – في الشرق الأوسط مثل السعودية، ودبي، والكويت، وإيران، وعُمان – تمارس أشكالًا من التقبيل تشبه ما عُرف في السياقين اليهودي والإغريقي الروماني. غير أن هذه الدراسة تقتصر على السياقين اليهودي (العهد القديم) والإغريقي الروماني (العهد الجديد) لفهم منظور بولس.
استخدامات القبلة في العهد القديم والسياق اليهودي
العهد القديم نتاجُ تفاعل بين الثقافة البشرية والإعلان الإلهي. وقد نقل كتّابه الرسالة الإلهية ضمن إطارهم الثقافي وفلسفتهم الحياتية، ومن ضمن ذلك مفهوم «القبلة». فهي عنصرٌ ثقافيٌّ بشريّ (يهودي)، لا ممارسةٌ تعبّدية ذات منشأٍ إلهيٍّ مباشر.
بحسب هاملتون[1] كانت القبلة في العهد القديم علامةَ تحيّةٍ وبركة. غير أن دلالتها أوسع من ذلك؛ فقد ارتبطت بالاحترام، والتمنّيات الطيبة، والمحبة، والشوق، والشركة. وكان من المتوقَّع ثقافيًّا أن يُقبِّل الأبُ ابنَه الذي يحبّه (تكوين 26:27-27).
كما استُخدمت القبلة تعبيرًا عن الفرح بعودة قريبٍ من سفرٍ بعيد (تكوين 4:33)، أو عن الاشتياق بعد طول غياب. وكان من المعتاد أن يُقبِّل الإخوةُ بعضُهم بعضًا (تكوين 13:29؛ 4:33، 15:45؛ خروج 27:4؛ 7:18؛ 2 صموئيل 33:14). وكذلك بين الذكور والإناث من الأقارب (تكوين 11:29؛ 28:31).
إذن، في السياق اليهودي والعهد القديم، كانت القبلة وسيلةَ تحيةٍ وبركةٍ وتكريم. وقد اتخذت أشكالًا متعدّدة: على اليد، أو الفم، أو الجبين، أو القدم، غير أن موضوع الدراسة هو المعنى لا الشكل.
استخدامات القبلة في العهد الجديد والسياق الإغريقي الروماني
في العالم الإغريقي الروماني، كانت القبلة تعبيرًا طبيعيًا عن المحبة العائلية. والكلمة اليونانية (φιλέω) قد تعني «يُقبِّل» أو«يُحبّ». وتشير الدراسات إلى أن نحو ربع الإشارات الوثنية إلى القبلة تتعلّق بالقبلة العائلية، وأنها لم تكن تُمارَس عادةً مع غير أفراد العائلة.
كان التقبيل وسيلةً لإثبات المحبة في هذا السياق الثقافي، ووسيلةَ تحيّةٍ قياسية تعبّر عن مودة كاملة. وكانت النساء يُقبِّلن أقاربهن، كما كان أفراد الأسرة يتبادلون القُبَل في الاجتماعات العائلية علامةَ وحدةٍ ومودّة.
وفي زمن يسوع والرسل، كانت القبلة تُستخدم تعبيرًا عن:
· المحبة (لوقا 20:15؛ أعمال 37:20).
· الاحترام (لوقا 45:7).
· أحيانًا التظاهر أو الرياء (لوقا 47:22).
وكانت القبلة (φιλήμα) علامة أُخوّةٍ مسيحية، سواء في الاستقبال أم الوداع. أمّا صفة (ἅγιος) «مُقَدَّس» فتعني أن القبلة خالية من كل ما يتعارض مع دعوتهم كـ «قدّيسين (ἅγιοι) ».
وقد ورد الأمر بالقبلة المُقدّسَة خمس مرات في العهد الجديد (رومية 16:16؛ 1 كورنثوس 20:16؛ 2 كورنثوس 12:13؛ 1 تسالونيكي 26:5؛ 1 بطرس 14:5). وهي تشير إلى تحيّةٍ ثقافية في القرن الأول، ينبغي أن تُمارَس بلياقةٍ وبرّ، اعترافًا بأن المؤمنين إخوةٌ في عائلة الله.
وكانت هذه التحيات الختامية شخصيةً، تعبّر عن محبة كاتب الرسالة (بولس، بطرس) وصلاته لأشخاصٍ يعرفهم.
البعد اللاهوتي أم الثقافي؟
يرى الكاتب أن «القبلة المُقدّسَة» في الرسائل البولسية تعبّر عن فهمٍ ثقافيٍّ للمحبة أكثر مما تعبّر عن صياغةٍ لاهوتية لمفهوم المحبة الإلهية. ففي تسالونيكي مثلًا، كان التعبير عن المحبة بالتقبيل ممارسةً ثقافيةً مألوفة.
كان الرجال يُقبِّلون الرجال، والنساءُ النساءَ، على الخد، تعبيرًا عن مودةٍ شخصيةٍ لا رومانسية. وقد شجّع بولس على التعبير الجسدي الخارجي للمحبة المسيحية ضمن الأطر المقبولة ثقافيًّا.
وأشار كلاوني[2] إلى أن بولس يستخدم عبارة «القبلة المُقدّسَة»، بينما يستخدم بطرس «قبلة المحبة» (1 بطرس 22:1؛ 8:4)، لا على سبيل التضاد، بل لتأكيد رابطة المحبة الحارّة التي ينبغي أن تجمع المؤمنين.
وتذكر «الدساتير الرسولية»، وهي كتابات جُمعت في القرن الرابع الميلادي، أن الرجال كانوا يجلسون في جانبٍ من الغرفة التي يُعقد فيها اجتماع العبادة، والنساء في الجانب الآخر، حيث يُحيّي الرجالُ بعضُهم بعضًا، وتُحيّي النساءُ بعضُهن بعضًا «بقبلة الرب».
وفي العالم القديم، كانت القبلة ترمز إلى مشاعر عديدة؛ المحبة العائلية، والاحترام، والصداقة، والمصالحة (مرقس 44:14-45؛ لوقا 36:7-47؛ 20:15؛ أعمال 37:20). أمّا القبلة الفموية ذات الدلالة الإيروسية فلم تكن الشكل الغالب في السياق البولسي؛ بل الأشيع كانت قبلة الجبين، أو اليد، أو الخد، عند التحية والوداع بين أفراد العائلة والأصدقاء والأشخاص المحترمين، أو في المناسبات الرسمية.
ومن ثمّ، فإن القبلة في العالم القديم لم تكن مرتبطةً بالضرورة بدلالةٍ عاطفية رومانسة، بل كانت علامةً اجتماعية ذات طيفٍ واسع مع المعاني.
قداسة «القبلة المقدّسة»
لقد أضفى بولس على هذا الأسلوب الثقافي في الحياة صفةً إشكالية هي «مُقدّسَة»، الأمر الذي يستدعي معالجةً علمية. فالإشكال يكمن في الصفة «مُقدّس» (ἅγιος) التي نسبها بولس إلى القبلة، إذ إن القبلة كانت في الأصل وسيلة ثقافية عادية للتعبير عن المحبة والاحترام والولاء.
ومن ثمّ يتساءل الكاتب: ما الذي يجعل هذه القبلة «مُقدّسَة» حقًا؟ إن مجرّد توصيف الفعل بصفة «مُقدّس» لا يحوّل الفعل في ذاته، إلى فعلٍ مُقدّس بالضرورة. يبدو أن بولس كان يكتب مدركًا احتمال أن يمارس بعض أهل تسالونيكي التقبيل بطريقة غير مُقدّسَة، قد تسيء إلى جسد المسيح؛ ولذلك أضاف الصفة «مُقدّسَة» لتقييد الفعل الثقافي «قَبِّلوا».
فالقبلة تكون «مُقدّسَة» حين تُمارَس بوصفها تعبيرًا كُليًّا (Holistic) عن المحبة، خاليًا من الدوافع الفاسدة أو الرياء القلبي. وهي مُقدّسَة لأنها ترمز إلى الوحدة الروحية في المسيح، ولأنها تعبّر - لا عن محبة رومانسية - بل عن محبةٍ مسيحية (ἐν φιλήματι ἀγάπη)، (1 بطرس 14:5).
وتشير الأدلة إلى أن القبلة كانت عنصرًا منتظمًا في العبادة المسيحية، أُدرجت ضمن ممارسة «عشاء الرب» منذ القرن الثاني على الأقل، وربما قبل ذلك. وبما أن «الإخوة» - بالمعنى الشامل للأخوات أيضًا - هم الذين يُطلب منهم تبادل التحية، يبدو أن بولس استخدم صفة «مُقدّسَة» ليشير إلى أن القبلة تعبّر عن العلاقة المتبادلة بين المؤمنين بوصفهم منتمين إلى الله.
قبلة يهوذا وإشكالية الرياء
ينبغي التذكّر أن يهوذا قبّل يسوع عند خيانته له، فقال له يسوع: «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ؟» (لوقا 47:22-48). كانت قبلة يهوذا ذات طابع ساخر؛ إذ بدت علامةَ محبة بينما كانت في حقيقتها فعلَ خيانة. كان يسوع مدركًا أن القبلة علامةُ محبةً، فكشف التناقض في فعل يهوذا.
ومن المحتمل أن بولس كان يلمّح إلى قبلة الخيانة هذه، محذّرًا من ممارسة التقبيل بروحٍ نفاقية. فالقبلة وُصفت بأنها «مُقدّسَة» لا لتمييزها عن القبلة الإيروسية فحسب، بل لربطها بالحياة المشتركة للقدّيسين (ἅγιοι) فصفة «مُقدّسَة» تعزّز الرابطة التي ترمز إليها القبلة، وتفصل هذه العلامة الخاصة بالوحدة الكنسية عن القُبل المتبادلة في السياق الاجتماعي العام.
الخاتمة
إن القبلة في (العهد القديم والعهد الجديد) هي أسلوبُ تحيّةٍ يهوديٌّ وإغريقيٌّ رومانيّ، وكذلك أيّ شكل من أشكال الشركة. وعلى كل مسيحي أن يعلم أن هذه القبلة ثقافية وليست رؤيةً لاهوتية للعالم. ليس في القبلة ذاتها شيءٌ مُقدَّس، بل يوجد شيءٌ مُقدَّس في المسيحي الذي يشترك في القبلة. لقد كانت رسائل بولس - في نظر الكاتب - ذات طابعٍ ثقافي دائمًا. ومع ذلك، فإن ما يُسمّى «القبلة المُقدّسَة» غيرُ ذي صلةٍ بالذين لا ينتمون إلى الثقافة اليهودية والإغريقية الرومانية. ولو أن بولس كتب إلى شعبٍ إفريقي، لربما قال: حيّوا بعضكم بعضًا بمصافحةٍ مُقدّسَة، أو بعناقٍ مُقَدَّس، مستخدمًا الصفة «مُقَدَّس «(ἅγιος) لتوصيف التعبير الثقافي عن المحبة.
الكاتب: فيليمون إبراهيم
الترجمة عن: المجلة الأمريكية للاهوت الكتابي (The American Journal of Biblical Theology)
[1] Victor P. Hamilton, The Book of Genesis Chapters 18-50 (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans, 1995), 256.
[2] Edmund P. Clowney, The Message of 1 Peter (England: Inter-Varsity Press, 1988), 225.