موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في خضم صخب الحياة وتسارع وتيرتها، كثيراً ما تعصف بنا أمواج التجارب والألم، فترتفع أعيننا تلقائياً نحو السماء بحثاً عن طوق نجاة، أو كلمة تعيد السكينة إلى أرواحنا المتعبة. غير أننا، وفي أشد اللحظات قسوة، قد نصطدم بما يبدو وكأنه صمت إلهي مطبق. هذا الصمت، الذي يولد في النفس البشرية مزيجاً من الحيرة واليأس في بعض الأحيان، ليس مجرد فراغ عابر أو غياب؛ بل هو في جوهره مساحة تأملية عميقة، وبداية لقصة إيمان من نوع مختلف، تتحدى المنطق البشري وتدفعنا لإعادة اكتشاف علاقتنا بالخالق.
لغة الصمت: دعوة للعمق لا للرفض
إن الصمت الإلهي ليس تجاهلاً، بل هو لغة بحد ذاتها؛ لغة تستفز فينا الإصرار وتدفعنا للخروج من منطقة الراحة الروحية. عندما لا تأتي الإجابة معلبة أو جاهزة، نُدعى إلى الغوص في أعماق ذواتنا، لنكتشف أن العلاقة مع الله ليست مجرد معاملة تجارية من العطاء والأخذ، بل هي مسيرة حب تتطلب ثقة عمياء بأن في التأخير حكمة، وفي الصمت استجابة من نوع آخر تمهد الطريق لولادة روحية جديدة.
إرادة لا تنكسر وتواضع يفتح الأبواب
التاريخ الروحي حافل بنماذج أضاءت عتمة الصمت بإيمان لا يتزعزع، حيث الإرادة البشرية ترفض الاستسلام أمام قسوة الظروف وتأخر الإستجابة. حين نقف أمام الأبواب التي تبدو موصدة، يتجلى التواضع كالمفتاح السري الذي يعبر بنا من اليأس إلى النعمة. الإيمان الحقيقي لا يتراجع أمام التجاهل الظاهري أو التحديات التي تبدو قاسية للوهلة الأولى، بل يصرّح بجرأة ومحبة أن مجرد الوجود في حضرة الخالق يكفي لإحداث معجزة، ولتغيير واقع يبدو في نظر البشر مستحيلاً.
رحمة تتجاوز كل الحدود
في نهاية المطاف، يعلمنا هذا الصراع الروحي درساً جوهرياً: لا توجد حدود جغرافية، أو حواجز اجتماعية، أو تصنيفات بشرية قادرة على احتكار الرحمة. النعمة تشمل الجميع دون استثناء، وتتدفق كينبوع لا ينضب لكل قلب يتقدم بصدق وإلحاح، لنكتشف في النهاية أن المحبة الإلهية أوسع بكثير من مقاييسنا الضيقة.
ختاماً، لعلنا مدعوون اليوم لإعادة قراءة تجاربنا الخاصة مع "الصمت". فليست كل استجابة تأتي في شكل حل فوري، ولا كل تأخير يعني الرفض. إن الإيمان العظيم يولد في رحم الانتظار، ويترعرع بالثقة، ويتكلل بالنعمة التي تفيض على كل من يقرع الباب بإلحاح وتواضع. فلنجعل من صلواتنا، حتى تلك التي تبدو وكأنها تتردد في فراغ الصمت، جسراً نعبر به نحو رحمة لا تحدها حدود، ويقين لا تهزه العواصف، متذكرين دائماً أن وراء كل صمت إلهي، حباً يهيئ لنا ما هو أعظم بكثير من توقعاتنا.