موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يأتي عيد التقدمة كأحد الأعياد التي تختزن عمقًا روحيًا يتجاوز إطار الذكرى التاريخية أو الطقسية ليضع المؤمن أمام سؤال جوهري، ماذا يعني أن أقدم ذاتي لله اليوم؟ فهذا العيد لا يُختصر بمشهد القديسين مريم ويوسف وهما يقدمان الطفل يسوع في الهيكل بل يتجسد كدعوة مستمرة لتحويل الإيمان إلى فعل والعبادة إلى أسلوب حياة.
في فعل التقدمة نلمس روح الطاعة الحرة والتسليم الواعي لا الإلزام أو الشكلية، وهنا تكمن الرسالة الأعمق بأن التقدمة الحقيقية ليست شيئًا يُنتزع من الإنسان بل عطيّة تُمنح بمحبة. وهنا استشهد بما يقوله القديس توما الأكويني بأن المحبة هي الصورة التي تعطي لكل الفضائل معناها، فكل خدمة لا تنطلق من المحبة تتحول إلى جهد فارغ، مهما بدا منظمًا أو ناجحًا.
من هذا المنطلق يتحول عيد التقدمة إلى نهج عمل في الحقل الرعوي لا سيما في حياة الشباب المؤمن، فالخدمة الكنسية اليوم لم تعد محصورة بدور أو موقع محدد، بل باتت مساحة مفتوحة للعلماني، للإنسان المسيحي المؤمن ليقدم وقته وفكره ومهاراته وحضوره الصادق في جماعته. فالتقدمة قد تكون التزامًا طويل الأمد أو مبادرة بسيطة تُبنى عليها مسيرة لكنها في كل الأحوال تعبير حي عن إيمان متجسد.
الشاب الذي يفهم عيد التقدمة بعمقه الحقيقي لا يسأل فقط: ما المطلوب مني؟ بل أين أستطيع أن أكون أكثر نفعًا؟ وكيف أضع ما لدي في خدمة الكنيسة؟ عندها تصبح الخدمة فعل نضج إيماني وليست مجرد ردة فعل عاطفية مؤقته أو مشاركة موسمية.
يذكرنا هذا العيد بأن الكنيسة الحية تُبنى بالتقدمة اليومية الصامتة وبالأشخاص الذين يختارون أن يكونوا جزءًا من الرسالة لا على هامشها، وهو دعوة للانتقال من الطقس إلى الالتزام ومن الحضور الشكلي إلى الشهادة الحقيقية، حيث يلتقي البعد الروحي بالبعد الاجتماعي ويصبح الإيمان قوة تغيير هادئة وعميقة في حياة الفرد والجماعة.