موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٦ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

عندما يخطب الملك

رلى السماعين

رلى السماعين

رلى السماعين :

 

بضع دقائق كانت كافية. لم يحتج جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، إلى مقدمات طويلة ليضع أمام العالم فكرة أن المشكلة اليوم ليست بأننا لا نعرف ما يحدث، بل إننا نعرف، ونرى، ونتابع، ثم نقرر إلى ماذا نلتفت، وماذا نترك خلفنا.

ما شدّني منذ البداية كان اختيار جلالته للحديث عن الانتباه حيثأشار إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد أمام الشاشة انخفض من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية فقط اليوم، ثم نقل الرقم من عالم التكنولوجيا إلى السياسة الدولية بأن الانتباه، في هذا العالم المزدحم بالأزمات، لم يعد مسألة تتعلق بالافراد فقط بل باتت تؤثر في أي أزمة حاضرة، وأي مأساة تنسحب من المشهد.

وهذه كانت واحدة من أذكى زوايا الخطاب، لأنها قالت بصراحة ما أصبح واضحاً أمامنا جميعاً بأننا نعيش في زمن تصل فيه المأساة إلى هواتفنا لحظة وقوعها، ونرى ألم الأطفال، والبيوت المهدمة، والنازحين، والجائعين، ونرى الإنسانية نفسها وهي تتلوى، ثم نتأثر، وربما نغضب، ونواصل المتابعة، ثم يأتي حدث آخر، وصورة أخرى، وخبر جديد. وهنا لم يعد الخطر الحقيقي في شح المعلومات، بل في أن يصبح عمر اهتمامنا بالإنسانية قصيراً.

فالاهتمام بالإنسان لا يعني أن نرى ألمه للحظة ثم نمضي. يعني أن نتوقف، ولو قليلاً، وسط كل هذا الضجيج، وأن نتذكر أن خلف كل صورة إنساناً له قلب، وبيت، وعائلة، وخوف، وأمل. وأن نرى الآخر بكرامته الكاملة، مهما كان اسمه أو وطنه أو دينه أو خلفيته. الإنسانية تبدأ حين نشعر أن وجع الآخر ليس بعيداً عنا، وحين لا نسمح للاختلاف أن يجعل معاناته أقل أهمية، فالإنسان لا يحتاج إلى تعريف طويل ولا إلى مبرر كي يستحق الاهتمام.

وقد التقطت The National هذه الزاوية تحديداً، إذ ركزت في تغطيتها على تحذير الملك من أثر تراجع الانتباه في الاستقرار الجيوسياسي، وعلى ربطه بين استمرار الاهتمام وبين قدرة القضايا والأزمات على البقاء موضع دبلوماسية وتحرك دولي.

وأنا أتابع الخطاب، كما جميعنا، لم تكن الكلمات وحدها هي التي شدتني. كانت هناك أيضاً نبرة جلالته الواضحة وملامحه الجادة، والالقاء المباشر. لم يكن هناك أي مساحة للمجاملة، خصوصاً حين انتقل الحديث إلى فلسطين وإلى مسؤولية المجتمع الدولي. فبعد عقود من التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال الاحتواء بدلاً من الحل، وضع الخطاب مسؤولية التقاعس أمام العالم بوضوح شديد، وقال جلالته" هذا التقاعس هو خيار."  

توقفت عند كلمة خيار.لأن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون العالم عاجزاً، وبين أن تكون أمامه أدوات للتحرك ثم لا يستخدمها. وقد أشار الخطاب إلى العقوبات والحظر والعزل الدبلوماسي وإلى أن هذه الأدوات استُخدمت بالفعل في قضايا أخرى.

لكن بعيداً عن تفاصيل السياسة، فالذي علق في ذهني هو الإنسان. فالحقيقة الصعبة هي الطفل الجائع لا يصبح أقل جوعاً لأن صورته اختفت من مقدمة الأخبار، والعائلة التي فقدت بيتها لا تنتهي مأساتها عندما تغادر الكاميرات، والإنسان الذي يحتاج إلى إنسانية الانسان لا يفقد حقه فيها لأن العالم تعب من متابعة قضيته.

ولهذا بدت لي عبارة جلالته شديدة الوضوح  "لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم" المشتت الانتباه.

نحن نتحدث كثيراً عن التقدم، وعن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسرعة العالم الجديد، لكن ماذا يعني كل هذا التقدم إذا همشنا الانسانية وركزنا على الاطماع البشرية؟ أو أن اعتدنا على المأسي والاوجاع فقط لمجرد أنها طالت!

الانسانية تعني أن نتشارك هذه الحياة، وأن لكل إنسان كرامته التي لا تنتقص باختلاف دينه أو وطنه أو ثقافته أو قصته. هو أن نرى ما يجمعنا قبل ما يفرقنا، وأن تبقى العدالة والرحمة والاحترام قيماً لا تتبدل بحسب الهوية أو الجغرافيا.

وأما خاتمة الخطاب، فكانت أكبر من مجرد خاتمة سياسية، عندما قال جلالته " فالمستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضا" ما نختار ألا نراه اليوم، لن يختفي لمجرد أننا أشحنا بوجوهنا عن الشاشة.