موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣١ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

عظة عيد جميع القديسين: الدعوة الشاملة إلى القداسة

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
الدعوة الشاملة إلى القداسة

الدعوة الشاملة إلى القداسة

 

نحن مدعوون اليوم لرفع أنظارنا وقلوبنا إلى السماء، فالله يحثنا على أن نفرح في هذا العيد العظيم الذي نحتفل فيه بكل من بلغوا القداسة، وهي فرحة تشاركنا فيها الملائكة: السماء والأرض في فرح احتفالي كبير.

 

تقدم لنا القراءة الأولى، من سفر رؤيا القديس يوحنا، مشهداً سماوياً مهيبا. المشرق، الذي يطلع منه الملاك، هو عينه الذي تشرق منه الشمس وينبثق منه النور. السيد المسيح هو نور العالم، ومن يتبعه لا يمشي في الظلام. ولهذا السبب، كانت الكنائس في العصور القديمة تُبنى باتجاه المشرق، وهو تقليد حافظت عليه الكنائس الشرقية حتى يومنا هذا.

 

قبل الدمار العقابي والدينونة التي  سوف تصيب العالم أجمع -"الأرض والبحر"-، ستُميّز علامة مرئية الأبرار عن غيرهم: سيوضع على جباههم "ختم". هذا الختم هو علامة الانتماء إلى لله وضمانة للحماية من الهلاك الروحي والدينونة الإلهية. وفي هذا السياق، ما أجمل أن نحمل الصليب حول أعناقنا أو على صدورنا وأن نعلقه في بيوتنا، كعلامة على انتمائنا إلى السيد المسيح، الذي صُلب من أجل خطايانا وقام من أجل برنا، على ما أكد القديس بولس.

 

إن رقم مائة وأربعة وأربعين ألفاً يُحصل عليه بضرب العدد 12 (عدد أسباط إسرائيل) في اثني عشر، ثم في ألف، الرقم ذي الدلالة الرمزية التي تعني الملء المطلق. وإلى جانب المخلَّصين من إسرائيل، يوجد "جمع كبير لا يستطع أحد أن يحصيه، من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان" . هكذا يُعرض الخلاص على الجميع، دون أي تمييز على أساس عرقي. الله هو أب جميع الناس، يحب كل أبنائه، ولهذا نحن مدعوون إلى أخوّة شاملة على أساس هذه الأبوّة الإلهية.

 

من بين المخلَّصين، يحتل الشهداء مكاناً خاصاً، لأنهم شاركوا السيد في آلامه بسفك دمائهم، وهكذا اغتسلوا وتطهروا في دم الحمل. هذا ما حدث لشهداء حمود، الذين نالوا نخلة الاستشهاد قبل أيام قليلة. لنتذكر في الوقت ذاته أن كل حياة مسيحية أصيلة تتطلب استشهاداً يومياً، وإن لم يكن دموياً.

 

يعرض لنا المزمور القداسة على أنها "صعود جبل الرب" و"الإقامة في مقر قداسته". إنه يتحدث عن أشخاص لهم أكف نقية وقلوب طاهرة، ولهذا سينالون البركة والخلاص. هذا هو هدف نسعى إليه نحن أيضاً.

 

بكلمات مليئة بالحنان الأبوي، يذكّرنا القديس يوحنا في رسالته الأولى بالأساس الذي تقوم عليه دعوتنا إلى القداسة: نحن صرنا أبناء لله. ومع ذلك، لم يُكشف لنا كل شيء عن مصيرنا المجيد، بل أُعطينا ما يكفي من المعرفة لنبقى مندهشين: سنرى الله كما هو، بعقولنا وأرواحنا. هذه الرؤية سيكون لها قوة محوِّلة: سنصبح "إلهيين" أكثر فأكثر، دون أن نصبح بالطبع مساوين لله.

 

من خلال التطويبات، يشير لنا يسوع إلى طريق جديد نحو القداسة، مبقيا بالطبع على الطريق المتمثل بالوصايا العشر، كما أكد على ذلك في رده على الشاب الذي سأله عما يجب عليه فعله لينال ملكوت السموات (راجع متى 19، 16-22).

 

إن أسلوب التطويبات ليس أسلوب أوامر ونواهٍ، بل هو منهج يعتمد التشجيع والتغبيط والوعود. فطوبى لمن يختار طريق البساطة والاكتفاء بما هو ضروري -الفقير بالروح-، ومن يتألم ويبكي من أجل تحقيق العدل، والذي يتخلى عن الغطرسة والعنف -الودعاء-، ومن لا يقبل الاستفادة من الظلم، بل على العكس، يتوق إلى الحق والعدالة ويعمل على تعزيزها والدفاع عنها، حتى لو اضطُهد من أجل ذلك. ومباركون كذلك الرحماء كالآب، ومن لا يسقطون في وحل الدنس، بل يحافظون على طهارتهم ونصاعتهم. وكيف لا يُطوَّب من يختار السلام، وهو أمر ضروري للغاية في زمنا هذا! والمضطهدون بسبب اسم يسوع – تعدادهم في أيامنا مائتان وعشرون مليونا- لا يُطوّبون فحسب ، بل يُدعون أيضاً إلى الفرح، لأن "أجرهم عظيم في السموات". أما المطوَّبون الأخرون فسيكون لهم هم أيضاً أجرهم: رؤية الله، وإعلانهم أبناء له وورثة لملكوت السموات.

 

ومن أهم تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني عن القداسة أن الجميع مدعو للسعي إليها وبلوغها، خلافا للاعتقاد السابق المغلوط بأنها حِكر على الكهنة والرهبان والراهبات. وهذا ما نجده على وجه الخصوص في الدستور الرعوي "نور الأمم" (Lumen gentium) حول الكنيسة في عالم اليوم، حيث الفصل الخامس مخصص بالكامل للدعوة الشاملة إلى القداسة في الكنيسة (رقم 39-42).

 

من أهم التعاليم الموجودة في هذه الدستور أن القداسة ليست استحقاقاً بشرياً، بل هي عطية من الله تُنال في المعمودية. الكنيسة "مقدسة بلا عيب" لاتحادها بالمسيح. جميع المؤمنين أصبحوا حقاً "أبناء الله وشركاء في الطبيعة الإلهية"، ولهذا عليهم تنمية هذه النعمة في حياتهم. والقداسة هي كمال المحبة. أن يكون الإنسان قديساً يعني الاستجابة لوصية المحبة: محبة الله فوق كل شيء، ومحبّة القريب كما أحبنا السيد المسيح. تُقاس القداسة بالمحبة.

 

كما أن طرق القداسة متنوعة، إذ لا يوجد نموذج واحد جامد للقداسة. تعبِّر الحياة المسيحية عن نفسها بأشكال مختلفة بحسب الحالة الحياتية: فالرعاة -أساقفة وكهنة- يتقدسون بممارسة خدمتهم وبمحبتهم للقطيع؛ المتزوجون والآباء المسيحيون يتقدسون بالمحبة المتبادَلة والأمينة وقبول الأبناء وتربيتهم تربية صالحة؛ والعمال والعلمانيون يقدسون أنفسهم بتحويل الأنشطة اليومية والعمل والالتزام الاجتماعي إلى تقدمة مرضية عند الله؛ المتألمون يتقدسون بضم آلامهم إلى آلام المسيح من أجل خلاص العالم.

 

وأما وسائل التقديس فتكون في الإصغاء إلى كلمة الله، والمشاركة في الأسرار المقدسة، لا سيما الإفخارستيا والاعتراف، والصلاة، وممارسة الفضائل، والمحبة وخدمة القريب.

 

نحن مدعوون اليوم وبشكل خاص إلى أن نسلك طرق الخير والفضيلة، على أمل أن نسمع الرب ينادينا عند نهاية رحلتنا الأرضية: "تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم" (متى 25،34).