موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأنقى قلوبٌ اعتكفت لتستمع قبل أن
تتحدث، وتحاور قبل أن تحكم، وتمنح الإنسان حقه في أن يُسمع صوته دون خوف أو وصاية.
فليكن الاحترام مبدأً في حوارنا، ولتكن الثقة بأبناء الوطن إيمانًا لا يتزعزع. فما زال في مخزون أبنائنا من العلم والوعي والطموح ما يبعث على الفخر، وما من تقصير يصيبهم إلا وكان علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: أين أخطأنا في التربية؟ وأين غابت القدوة؟ وأين انحسر الحلم عن عقول كان ينبغي أن نزرع فيها الأمل؟
لسنا أوصياء على المستقبل، بل شركاء في صناعته. ومن يقف على منابر التعليم والتوجيه، متحدثًا باسم العلم والمعرفة، عليه أن يبدأ بمعرفة ذاته، وأن ينظر إلى الوطن لا من ثقب المصالح الضيق، بل من نافذة قلب مؤمن يرى في كل شاب مشروع نهضة، وفي كل عقل فرصة جديدة لبناء الغد.
إن الإيمان بقدرات أبناء الوطن هو أول أبواب النهضة، لكن هذا الإيمان لا يكتمل إلا بتربية صحيحة، وخلق رفيع، وقدوة صادقة، وحلم يتسع للاختلاف ويحتضن الطموح. فالوطن لا يحتاج إلى أصوات كثيرة بقدر حاجته إلى ضمائر حية، وعقول قادرة على الفهم، وقلوب تعرف معنى الانتماء.
وأجمل مفردات الحكم هي المشاركة لأن القرار الذي يُولد من الإصغاء أكثر رسوخًا، والرأي الذي يمر عبر الحوار أكثر نضجًا، والمجتمع الذي تتسع فيه دوائر المشاركة أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.
والأقوى أن تتحد أجهزة الوطن من أجل الوطن، لا أن تتجاور المؤسسات فحسب، بل أن تتكامل أدوارها، وتتلاقى غاياتها، ويصبح العمل العام رسالةً منضبطة وشرفًا لا امتيازًا، ومسؤوليةً لا موقعًا.
نحن بحاجة إلى صحائف جديدة نكتبها بالفكر والتفكير، وإلى عقول محفوفة بالقدرة على الاستيعاب، وإلى نفوس تؤمن بأن النصح والرشد ليسا طريقًا إلى العلو على الآخرين، بل مسيرة مرصوفة بالتواضع.
الأوطان لا تنهض حين يتحدث الجميع، بل
حين يُحسن الجميع الاستماع. ولا تقوى حين تتعدد الأصوات، بل حين تتوحد القلوب على غاية واحدة: أن يبقى الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعمق من كل خلاف.
وحين نؤمن بأبنائنا، ونحترم عقولهم، ونمنحهم القدوة قبل الموعظة، والمساحة قبل الوصاية، فإننا لا نربي جيلًا جديدًا فحسب؛ بل نؤسس لوطنٍ يعرف كيف يصنع مستقبله بقلوب مؤمنة، وعقول مستنيرة، وأيدٍ لا تتعب من البناء.