موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يكن المخيم الكشفي، في نظر الأب اليسوعي جاك سيفان، مجرد نشاط صيفي أو رحلة في الطبيعة، بل مدرسة متكاملة لتكوين الإنسان المسيحي. ففي المخيم يلتقي الكشاف بالله، ويكتشف ذاته، ويتعلم أن يعيش مع الآخرين بروح الأخوة والخدمة. وكان سيفان يرى أن الطبيعة هي "كاتدرائية الله المفتوحة"، حيث تقود السماء والجبال والأشجار الإنسان إلى التأمل والصلاة واكتشاف عظمة الخالق.
ويُعد المخيم أيضًا مدرسة للحياة، إذ ينمّي الاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، والانضباط. فمن خلال نصب الخيام، وإعداد الطعام، وتنظيم الحياة اليومية، يتعلم الكشاف أن القيادة تبدأ بالخدمة، وأن النجاح ثمرة التعاون. وفي كل عمل صغير يتعلم الكشاف أن المحبة تُترجم بالأفعال، وأن الخدمة هي الطريق الحقيقي إلى القيادة.
وعندما يجتمع الكشافون حول نار السمر، لا يجتمعون فقط للإنشاد والفرح، بل ليصنعوا ذكريات تبقى، ويقوّوا روابط الأخوة، ويختبروا حضور الله في جماعة تؤمن بأن كل واحد هو هبة للآخر. ففي تلك اللحظات يتعلمون أن النور الحقيقي ليس نور النار، بل نور المسيح الذي يجمع القلوب ويوحّدها.
وهنا تكمن رسالة المخيم: عندما نطوي الخيمة، لا نطوي ما تعلمناه فيها. قد تنطفئ نار السمر، لكن يجب أن تبقى نار الإيمان مشتعلة في قلوبنا. وقد تنتهي أيام المخيم، لكن رسالة الكشاف تبدأ بعد العودة إلى البيت، عندما يحمل معه روح الخدمة، وفرح الأخوة، واحترام الطبيعة، ومحبة الله. فالمخيم الحقيقي ليس المكان الذي نقيم فيه أيامًا قليلة، بل هو القلب الذي يتعلم أن يعيش كل يوم وفق الوعد الكشفي والإنجيل، ليكون نورًا ورجاءً لكل من يلتقيه.
واليوم، تزداد أهمية المخيم الكشفي أكثر من أي وقت مضى، لأنه يمنح الأطفال والشباب فرصة للابتعاد عن ضجيج الحياة والشاشات، واكتشاف الصداقة الحقيقية، وتنمية روح المسؤولية، وتعميق علاقتهم بالله. وهكذا يبقى المخيم، كما أراده الأب جاك سيفان، مدرسة للحياة، وورشة لتكوين الشخصية، وطريقًا نحو القداسة، حيث يعود الكشاف إلى مجتمعه ليس محمّلًا بالذكريات فقط، بل بقلبٍ أكثر حبًا، وإيمانٍ أعمق، وعزمٍ أكبر على خدمة الله والإنسان.