موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٢٦ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

الرّاعي الصّالح على طريق عمّاوس

بقلم :
فادي حداد - الأردن
يدعو خرافه كل واحد منها باسمه ويخرجها

يدعو خرافه كل واحد منها باسمه ويخرجها

 

تعود الكنيسة اللاتينية في الأردن اليوم إلى توحيد الزمن الليتورجي مع الكنيسة الكاثوليكية في العالم، بسبب اختلاف موعد عيد الفصح بين التقويمين الشرقي والغربي، فتحتفل بالأحد الرابع من الزمن الفصحي، المعروف بأحد الراعي الصالح، الذي نذكر فيه راعي نفوسنا ربنا يسوع المسيح الذي يبحث عنّا دوماً دون كلل أو ملل في كافة ظروف حياتنا، وأن نسمع صوته فنعرفه.

 

ويأتي هذا الاحتفال عوضاً عن الاحتفال بأحد الأسبوع الثالث من الزمن الفصحي وهو الأحد الذي نتأمل فيه تلميذي عمّاوس (لوقا 24: 13 – 35). وقد يكون هذا التبديل بين الأسابيع فرصة لنتأمل عمل هذا الراعي الصالح في ضوء المسيرة على طريق عمّاوس.

 

وسنبدأ هذ التأمل بسرد بعض الأحداث بطريقة سريعة، لنستطيع تخيل الجوّ العام لما جرى في الطريق.

 

تدور هذه الأحداث يوم الأحد (اليوم الثالث) من بعد الصلب (أي يوم القيامة)، ونرى فيها تلميذين، غير معروفين بشكل واضح، سوى أنّ أحدهم أسمه قلوبا، ويرجّح أن يكون هو نفسه زوج "مريم امرأة قلوبا" الوارد ذكرها واقفة مع مريم العذراء عند الصليب في (يوحنا 19: 25)، أما الآخر فلا يذكر الإنجيلي اسمه، ويظهران كشخصين عاديين غير مهمين بالنسبة لنا. وكان هذان التلميذان متوجهين إلى قرية صغيرة اسمها عمّاوس، تبعد ما يقارب ال 7 أميال عن أورشليم، وهما يتحدثان في اكتئاب وهمّ عن الأمور التي حدثت في الأيام القليلة السابقة. وهنا يظهر لهما يسوع ويشاركهما المسير، أمّا هما فقد حجبت أعينهم عن معرفته. ويقتحم يسوع خصوصيتهم فيسألهما عمّا يتحدثان، وباستغراب يسألانه إن كان فعلاً زائراً في أورشليم ولا يعرف الأحداث التي جرت في تلك الأيام، وكأنّهما يعرفان ويفهمان الأمور، أما هو فلا، رغم أنّه، وإن لم يُدرِكا حينها، سيّدُ الحدث ذاتَه. أما هو فما كان منه إلّا أن يسأل مجدداً: "ما هي؟"

 

ولكن، لماذا يسأل يسوع؟ لماذا يدّعي الجهل وهو يعرف كلّ شيء؟ لأن يسوع لا يعطي جواباً مباشراً لأسئلتنا. بل يسأل ليُصحح أسئلتنا وأفكارنا وتوقعاتنا. وكأنّه يقول لهما: ما هي؟ ماذا حدث؟ كيف تقرأون ما حدث؟ فكان جوابهم: "ما يختص بيسوع الناصري، وكان نبياً مقتدراً على العمل والقول عند الله والشعب كلّه، كيف أسلمه عظماء كهنتنا ورؤساؤنا ليحكم عليه بالموت، وكيف صلبوه. وكنا نرجو أنه هو الذي سيفتدي إسرائيل".

 

لنتخيل معاً هذا المشهد، هذان التلميذان جاءا من عمّاوس إلى أورشليم في أحد الشعانين لاستقبال من كانوا يرجون أن يكون المسيح، ليروه يوم الجمعة مصلوباً على الصليب. ونرى أنهم بقيوا يوم السبت للفصح في أورشليم، إذ لم يستيطعوا المغادرة، ومع أول فرصة لهم يوم الأحد غادروا أورشليم جارّين خلفهم أذيال الخيبة، مكتئبين، وفاقدين للأمل.

 

فموت يسوع على الصليب حدث أمام أعينهم؛ فقد أسلمه يهوذا للكهنة، وهنا يستخدم لوقا الإنجيلي الكلمة اليونانية Paradidomi (παραδίδωμι) بمعنى "خانَ" وأيضاً تعني "أُسلِمَ لسُلطة شخص آخر"، فقد أسلمه الكهنة إلى بيلاطس، وأسلمه بيلاطس إلى هيرودس، وعاد فأسلمه هيرودس إلى بيلاطس، وأسلمه بيلاطس إلى الموت.   "كنا نرجو" أنه المسيح المنتظر، "كنا نرجو" انه هو الذي سيفتدينا، "كنا نرجو" الكثير، لكن يسوع أُسلم إلى الموت، وأُسلم أملنا إلى الموت معه. قُتل الأمل أمامهم، "تمّ كل شيء" وانتهت القصة.

 

وها هما بدون أمل، عائدان إلى الماضي، إلى حياتهم السابقة، إلى عمّاوس، بعيداً عن أورشليم، بعيداً عن وعد الخلاص، ولكن هناك في الطريق وعند غياب الأمل، ظَهَرَ الأمل! وكان الأمل يمشي معهم، ولكنهم لم يدركوا ذلك، فأعينهم مفتوحة ولا ترى لأن قلوبهم حزينة ومُغلقة، وهم عائدون إلى حياة بلا معنى في عمّاوس.

 

ولكن، متى تمّت هذه الأحداث؟

 

يقول التلميذان في جوابهم ليسوع: "ومع ذلك كله فهذا هو اليوم الثالث مذ جرت تلك الأمور". وهنا تكمن غرابة قرارهم في رحيلهم إلى عمّاوس، "هذا هو اليوم الثالث"! ألم يقل يسوع لتلاميذه أنه سيقوم في اليوم الثالث؟ ألم يستطيعوا الانتظار حتى نهاية اليوم ليتأكدوا من قوله؟ ألم يُثر دهشتهم ما قالته لهم النسوة أنهم لم يجدنَّ جثمان يسوع؟ ألم يُثر فضولهم أن ملائكة قالوا للنسوة أنّه حي؟ أو رابهم أيّ شك لمّا أكدّ لهم بطرس ويوحنا كلام النسوة أنّهم لم يجدوا الجثمان؟ نرى وأنّه رغم هذا كلّه لم يشتعل فيهم الإيمان، بل ودون تحقق من أي شيء توجهوا إلى عمّاوس، رافعين راية الخذلان والاستسلام.

 

وهنا يبدأ يسوع بالجواب: "يا قليلي الفهم وبطيئي القلب عن الإيمان بكل ما تكلم به الأنبياء..." وقد أغلقت عيونهم كي لا يقتنعوا بالعاطفة فقط بل بسماع البشارة وتاريخ الخلاص، فبدأ يشرح لهم الكتب من موسى وجميع الأنبياء طوال طريق السبعة أميال، الذي قد يستغرق حوالي الثلاث ساعات، وكان يشرح الكتاب المقدس، كلمة الله، وما جاء فيها عنه، وهو كلمة الله ذاتها!

 

ربما حدّثهم عن بداية الخليقة والسقوط، والوعد بالمخلص من نسل المرأة ليسحق رأس الحية، أو وعد الله لابراهيم بأن تتبارك بنسله كل الأمم. وقد يكون فسّر لهم العهد الذي أقامه مع موسى وخروف الفصح وكيف يشير إليه، أو سرد لهم أقوال الأنبياء في المُخلص الذي سيفدي اسرائيل من الخطايا، وأنّ ذلك الفداء لن يتمّ دون الألم والموت.

 

مع ذلك لم يفهم التلميذان بَعد، معنى هذا الكلام أو من يَسير معهم ويكلّمهم، كما يحدثُ لنا كثيراً حين لا نفهم أو نرى يد الله أو عمله في حياتنا. فأفكارنا ليست كأفكار الله، الذي يُظهر مَجده في أمور لا نُدرِكُها إلى حين أن تُفتَح عيوننا ونرى مُخططَه الخلاصي لنا.

 

وهنا يصل التلميذان إلى عمّاوس، إلى الماضي والحياة السابقة، وفي هذه اللحظة بالذات، وبعد أن مال النهار وتأخر الوقت، يتظاهر يسوع أنه ذاهب إلى مكان أبعد، لماذا؟ لأنّه في البداية اقتحم خصوصيتهم وهم مكتئبون وحزانى، ولكن الآن، وبعد أن سمع التلميذان من هذا الغريب كلمة حياة، فهو ينتظر منهم دعوة حتى يدخل بيتهم وعقلهم وقلبهم بكامل الرغبة والشغف منهم، بإرادة حرة لا رغماً عنهم، ليزيل الغشاوة عن عيونهم ويكشف لهم عن ذاته.

 

"ولما جلس معهما للطعام أخذ الخبز وبارك ثم كسره وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما"، لكن ماذا حدث؟ كيف انفتحت أعينهم؟ أو كيف عرفاه؟ "أخذ خبزاً... ثم كسره" لأنه هكذا كُسِرَ المسيح، هكذا سُحِقَ، هكذا جُرِحَ، هكذا صُلِبَ، هكذا تألَمَ، وهكذا ماتَ، لأنّه كان عليه أن يموت ليدخل في المجد ويعطي الحياة. وقد أعطى جسده وأعطى الحياة، وناولهم الخبز بيديه، ولما أخذوا الخبز، انفتحت أعينهم. هل رأوا أثر المسامير في يديه؟ هل رأوا الجراح؟ لا ندري، لكن أعينهم انفتحت وعرفاه.

 

عرفاه وعرفا مخطط الله للخلاص، وعرفا أنّ أفكار الله ليست كأفكارنا، وأنّه يظهر المجد في أضعف الأمور، ويبعث الأمل حيث لا ترى أن هناك أملٌ أبداً. لأن الله أحياناً يُعطيك أفضلَ وقت لك من خلال أصعب وقت لك، يعطيك النعمة والسلام في الألم والشدة. وحين تظن أنّك كنت تسير بلا أمل، تنفتح عيونك وتكتشف أن الأمل كان يسير معك الأميال السبعة بأكملها.

 

"كنا نرجو أنّه هو الذي سيفتدي إسرائيل" لكن الأمل أُسلم إلى الموت، وأُسلم أملنا إلى الموت معه. قُتل الأمل أمامنا، وفي آخر لحظاته قال: "تمّ كل شيء"... ولكن هل انتهى كل شيء؟ لا، بل تمّ كل شيء للانتصار! ليس للنهاية بل للبداية! مات ليجلب الحياة إلى للموت، ليغلب الموت بالموت. أعطانا الفداء والخلاص لكن ليس الخلاص الذي نريده، بل الخلاص الذي نحتاجه. فنحن لا نرى يد الله في حياتنا إلّا بعد أن تُفتح عيوننا.

 

انفتحت أعينهم وغاب المسيح عنهم، فيقولان بينهم: "أما كان قلبنا متقداً؟" ويشتعل فيهم الإيمان والرجاء، وتدبُّ فيهم الحياة من جديد، ويعودان في نفس تلك الساعة. لم يَعُد مُهماً أن النهار قد مال والوقت قد تأخر، فلم يعد هناك خوف أو قلق، فقد عاد الأمل! فيسيران مسيرة سبعة أميال أخرى، ولكنها أميال العودة، العودة إلى أورشليم، العودة إلى الأمل، العودة إلى الحياة. وإن كانت الأميال السبعة الأولى في الكآبة هي رحلة الموت، فالأميال السبعة الأخرى في الرجاء هي رحلة القيامة.

 

فالله دائماً يعطينا وقتاً بين ما يُبينُه لنا ونراه وغالباً لا نفهمه، وبينَ ما سيكشفُه لنا ويُظهره، أي بين ما يُبين لنا من موتٍ على الصليب، إلى حين أن يكشف لنا مُخططه ويُظهره في القيامة، وما هو هذا الوقت؟ هو يوم السبت! يوم راحة وتفكير وتأمل بعمل الله في حياتنا، فيه يمكننا أن نفقد الأمل، أو أن نكسب الإيمان.

 

فما رأيناه هو كيف أنّ يهوذا أسلم يسوع إلى السنهدرين، الذي أسلمه إلى بيلاطس إلى هيرودس إلى الموت! لكن ما قد نغفل عنه هو أن يسوع وهو على الصليب أسلَمَ الروح! بذات الكلمة Paradidomi (παραδίδωμι)، هو أسلَمَ  الروح، أسلَمَها بطوعه وإرادته، هو الذي قال: "حياتي ما من أحد ينتزعها مني، فلي أن أُسلِمها ولي أن أردّها" (يوحنا 10: 18) فقد كانت حياته دائماً بين يديه!

 

ويعرف أنّ العادة عند اليهود أن ربّ البيت هو الذي يبارك ويقدم الطعام، ولكن نرى المسيح مع التلميذين في بيتهم، وقد أخذ الخبز، وباركه، وكسره، وناوله، وأعطاه ويعطي جسده ويُسلِمُه، وهو ربّ البيت، والذي يعطي الطعام، وهو مانح الحياة.

 

ثم هنالك معنى آخر لكلمة Paradidomi (παραδίδωμι) وهو الفعل استودع أي أن تضع شيئاً عند شخص آخر وديعة ليحتفظ به لبعض الوقت. والمسيح بعد أن قال: "تم كل شيء"، قال أيضاً: "يا أبت في يديك أستودع روحي"، وكأنه يقول يا أبت احتفظ بروحي أضعها بين يديك لبعض الوقت، وما هذا الوقت؟ هو يوم السبت! أبقي روحي في يديك إلى يوم الأحد، فعندما يجيء الأحد سيكتمل الانتصار!  وأيّ انتصار؟

 

تعلّمنا الكنيسة أن المسيح بعدما مات نزل إلى مثوى الأموات، ومن شبه المؤكد أن كان له لقاءٌ مع الشيطان، ولا نعرف ما الحوار الذي تمّ ولكنّنا نعرف النتيجة، ونراها بوضوح في سفر رؤيا يوحنا.

 

"فلما رأيته ارتميت عند قدميه كالميت، فوضع يده اليمنى علي وقال: لا تخف، أنا الأول والآخر، أنا الحي. كنت ميتا وهاءنذا حي أبد الدهور. عندي مفاتيح الموت ومثوى الأموات." (رؤيا 1: 17 – 18)

 

وقد يمكننا ذلك من أن نتخيل ما جرى، فالمسيح نزل إلى مثوى الأموات (ويسمى أيضاً السجن)، فيرى الشيطان يحمل مفاتيحاً، فيسأله ما هذه؟ (وهي مفاتيح مثوى الأموات) فيجيب الشيطان: هذه هي المفاتيح التي نبقي فيها الأموات هنا لنحاسبهم بحسب أعمالهم وخطاياهم، فيقول المسيح: لكني دفعت ثمن كل هذا.. أسلِمني المفاتيح Paradidomi (παραδίδωμι)، ويأخذ المفاتيح ليُخرج من هم في السجن.

 

المسيح لم يخفي أمره عن التلاميذ، وأخبرهم بكل صراحة ووضوح عن موته وقيامته في اليوم الثالث في أورشليم، لكنهم لم يفهموا ما هو واضح، أو لم يريدوا أن يفهموا لأنّ ليس هذا هو المسيح الذي ننتظره! ليس هذا الخلاص الذي ننتظره! حاشا لك يا رب! ولكن الله لا يعطينا الخلاص الذي نريده بل الخلاص الذي نحتاجه!

 

ولذلك وقبل انقضاء الثلاثة أيام، نجد تلميذين، غير معروفين، نعرف فقط أن أحدهم أسمه قلوبا، وهم غير مهمين بالنسبة لنا، ونراهم يسيران نحو عمّاوس، مبتعدين عن أورشليم، يسيرون في الاتجاه الخاطىء، بعيداً عن مكان الأمل والوعد بالخلاص.

 

ولنا أن نتخيل يسوع بعد قيامته والذي لديه الكثير ليقوم به. وبجسده الممجد نراه يخترق الجدران والأبواب، ولا يقف عائق في طريقه، ويظهر أين ما شاء كيف ما شاء وقد تحرّر من محدودية الجسد الفاني، نراه يترُك كلّ شيء ويترُك أورشليم، ليظهر لشخصين، غير مهمين، لم يريدا الانتظار حتى نهاية اليوم، ونراه يشاركهم المسير، فهو الراعي الصالح، تاركاً وراءه التسعة والتسعين ليسعى وراء الخروف الضال الحزين حتى يجده. لا يتركه، ويقضي الوقت معه ليعيد له الرجاء فيعود عودة الإبن الضّال.

 

فنرى التلميذين يعودون إلى أورشليم، ويجتمعون مع باقي التلاميذ، فرحين معاً ببشرى القيامة. وعندها نرى المسيح يظهر لهم هناك، وتلميذي عمّاوس بين سائر التلاميذ، ويعطيهم السلام، كمن لا يُريد أن يُترك أحدٌ منهم خارج الحظيرة، لا بل "يدعو خرافه كل واحد منها باسمه ويخرجها" (يوحنا 10: 3)

 

في النهاية، يحسُن أن نلاحظ أن الإنجيل يذكر إسم أحد تلميذي عمّاوس وهو قلوبا، أما التلميذ الآخر فلا، ذلك لأن التلميذ الآخر هو أنت! والراعي الصالح يعرفُكَ باسمك! فيقول لك اليوم: يا (فلان) ما بالك حزين؟ لكني قد غلبت الحزن! أسلمه لي! ما بالك تتألم؟ لكني قد غلبت الألم! أسلمه لي! ما بالك تعيش كالميت؟ لكني قد غلبت الموت! أسلمه لي! أسلِمني كل همومك واثقالك وأحمالك حتى تستطيع أن تعود سبعة أميال العودة، سِرتُ مَعكَ سبعة أميال نحو الموت، لتكون لك الحياة! ما بالك حزين ومهموم وتبتعد عن طريق الحياة؟ أترك الحزن في عمّاوس على الصليب، وأسلِمه لي وانطلق إلى أورشليم! إنطلق إلى الحياة!

 

لنفرح إذاً لأن المسيح قام... حقاً قام... ويريد أن يهبنا الحياة...